يا مشايخنا لا تختلفوا فتذهب ريحكم

العلماء ممن يقتضي علمهم وعملهم التعامل مع كافة أفراد المجتمع، ويتطلب تخصصهم توافر رابط ثقة قوي ودائم بين علمهم وعامة الناس يدرك كل عاقل منهم أنه حين يقوم بتخطئة الآخر أمام عامة الناس؛ فإن رابط الثقة بين المتلقي وبين كل أهل العلم يتزعزع، ولذلك فإن الكليات التي تخرج هؤلاء تركز في مناهجها التعليمية على ضرورة أن لا يخطئ أحدهم الآخر أمام عامة الناس وأن اختلافهم وتحاورهم حول موضع خلاف في تفاصيل ذلك العلم يجب أن يتم بينهم، وبعيدا عن العامة ممن يجهلون تلك التفاصيل ولا يزيدهم سماع التحاور إلا فقدان الثقة في أصحاب تلك المهنة.
خذ على سبيل المثال طلبة الطب فإنهم يتعلمون أن الطبيب يجب أن لا يخطئ زميله أمام المرضى أو أمام عامة الناس لأنه بذلك يفقدهم الثقة في مهنة الطب وفي جميع الأطباء وفقدان الثقة في التداوي مدعاة لاستمرار السقم، والأطباء يتقيدون وبشدة بهذه القاعدة والتي توصف بروح النقابة.
وروح النقابة لا تقتصر على الأطباء، بل تجدها لدى أساتذة الجامعات والمحامين والصيادلة والمهندسين وكل من يدرك بما أوتي من عقل وحكمة أن تحاور العلماء يجب أن يتم بينهم وفي أروقة دور علمهم وليس في وسائل الإعلام التي يطلع عليها غير المتخصص.
فما بال بعض أو أحد مشايخنا الأفاضل يختار وسائل الإعلام صحفا وقنوات فضائية لإبداء معارضته وحججه بالرغم من أنه يتناول العلم الشرعي، أقدس العلوم وأهمها وأكثرها عمقا وحساسية ومدعاة للتحاور الرزين وإيراد الأدلة وتمحيص الحجج والاستماع للطرف الآخر؟!.
إذا كان علماء الهندسة والطب والقانون آثروا الحفاظ على شخصية علومهم على ظهورهم الشخصي، واختاروا التحاور في غرف الحوار لا إبراز أنفسهم في وسائل الإعلام، فإن علماء الشرع أولى بهذا الإيثار وأحرى بالبعد عن شهوات النفس وحب الظهور.
إذا كان من مراجعهم نظريات في كتب العلم القديم القابل للتجديد والجديد الذي سيقدم، ودليلهم أبحاث بشرية قد يثبت خلافها، يتحاورون بعيدا عن أعين العامة حرصا على كسب ثقتهم، فإنه من باب أولى أن يلتزم بهذا النهج من مرجعهم قرآن لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ودليلهم سنة مطهرة.
ما يحدث من امتطاء صهوة الإعلام للإعلان عن الذات باعتراض على فتوى، لا يخدم العلم الشرعي وإن خدم العالم، فمناقشة العلم العميق تحتاج إلى عمق في الشخص ومناسبة المكان واختيار الزمان، وأبواق قنوات الفضاء لا تحقق غير الإثارة ولا تلبي غير شهوة نفس مستثارة.
صفحات الصحف لم تتسع لخلاف حول (جيم) جدة فكيف يتصور عاقل أنها ستحسم خلافا شرعيا على أمور مستجدة؟!، ما بال بعض مشايخنا يريد أن ينقل تحاور علماء الشرع من مجلس فتوى جذوره ممتدة إلى إعلام فضاء لا تعرف هزله من جده؟!.

وقفات أسبوع

•• حلقة برنامج 99 في القناة السعودية الأولى التي كانت بعنوان (مرسول الجريمة)، كانت حلقة استثنائية تناولت مشكلة توصيل طلبات المنازل واستخدامها وسيلة للتجسس على البيت وسكانه وعاملاته المنزليات، ودور بعض من يوصلون الطلبات في ارتكاب الجرائم أو تسهيلها، هذه الحلقة كشفت جوانب كثيرة غاية في الخطورة يجب التوقف عندها من جميع الأطراف ذات العلاقة لإيجاد حلول جذرية لا تنتهي عند كتابة محاضر اجتماعات أو تعاميم تفسرها كل جهة كيف شاءت وترمي بها على الجهة الأخرى، كما أن شكوى الزميل محمد الرشيدي، المحرر في جريدة الرياض، يجب التوقف عندها كثيرا فقد ذكر -باختصار شديد- أمورا تحتاج إلى وقفة غير مختصرة.
•• حالة التدليك أو (المساج) الذي صاحبه ممارسة شذوذ جنسي؛ أحد أطرافه مصاب بالإيدز وكتب عنه عدد من الزملاء الكتاب، هذه حالة أو حادثة اشتهرت وانتشرت نتيجة (مصادفة) أن عامل المساج الشاذ اكتشف أنه مصاب بهذا المرض ونقله إلى غيره، لكن عملية التدليك أو (المساج) بتلك الصورة -هي أصلا- نشاط تجاري غير مرخص لا في الفنادق ولا خارجها، باستثناء (العلاج الطبيعي المتخصص) الذي له مراكزه المختصة؛ أي أننا لسنا أمام إساءة استخدام نشاط مرخص في ممارسة رذيلة، بل ممارسة نشاط ممنوع والإمعان في المخالفة بارتكاب جريمة اللواط ومن قبل شخص يعلم أنه مصاب بداء خطير ومعدٍ (هذا ما يسمى في القانون جريمة مركبة) بل هذه هي أم الجرائم، فيا ترى ما هي العقوبة؟!.
•• طالبات يحتجزن مديرة مدرسة بنات، ودوريات الأمن تستعين بعدد من السجانات لإنقاذ المديرة المحتجزة!! لم يمض سوى بضعة أيام على تحذير كتبته في هذه الزاوية بعنوان (مدارس بلا أمن.. شجار قبل الطلعة) حذرت فيه من غياب أمن مدارس الجنسين وخطورة ذلك على الطلاب والطالبات والمعلمين والمعلمات، خصوصا بعد ازدياد حالات الشجار والاعتداءات في المدارس، يا إخوان تنبهوا لخطورة وجود مئات الأشخاص المتنافرين داخل سور واحد، فلا بد من نظام يحكم خلافاتهم وأناس يفرضون النظام وإلا سادت الفوضى، وأشغلنا السجانات عن عملهن الذي يحتاجهن كل ثانية.

السعودة بـ «سوبرماركت» تدعمها الدولة

استعجال الفشل أمر يتعارض مع الإصرار والطموح والبحث عن النجاح، والتسليم بالفشل أخطر من الفشل نفسه، لأنه قد يوحي بقصد استهداف النجاح، أما تكرار المحاولات الواحدة تلو الأخرى بتلافي أسباب الفشل فهو الدلالة على توفر قصد النجاح.
سعودة المحلات التجارية الصغيرة أو (البقالات) المنتشرة داخل الأحياء وفي الشوارع الصغيرة والكبيرة، تجربة حاولناها جاهدين وجادين، لكنها استعصت علينا، ولا نقول فشلت (أعاذنا الله من الفشل)، والصعوبات التي واجهتنا كانت تكمن في الفرد السعودي الذي حاولنا مساعدته بإحلاله مكان الأجنبي، فهذا الفرد استعصى عليه القيام بنفس جهد ومثابرة الأجنبي إما لعدم معرفته بأساليب البيع والشراء واستعجاله الربح وخوفه من المجازفة أو لعدم تفرغه لفتح الدكان بنفس الساعات التي يستطيعها أجنبي ليس لديه ارتباطات عائلية، أو لعدم تحمله للتعامل مع تجار الجملة الذين يفضلون استسلام الأجنبي ويخشون منعة المواطن أو لأن المواطن بدأ مالكا للبقالة ومديرا لها ثم أجبرته الأسباب المذكورة آنفا إلى توظيف الأجنبي كعامل مساعد، وما لبث العامل أن أغراه بدخل شهري ثابت مقابل اسمه الجميل ودون أن يتواجد رسمه الأجمل إلا عند الحاجة أو تواجد الرقيب وحينها لكل حضور ثمنه.
أذكر عند بدء تطبيق السعودة في البقالات وفرض تواجد السعودي أنني كنت أستمتع بشراء حاجيات الفطور من أكثر من (بقالة) وأدخل أنا والصغار من أبنائي لكي يروا البائع السعودي ونتحدث معه (من يدري فقد يصبح أحدهم أذكى من والده ويمارس الربح والتجارة بدلا من الصحافة والخسارة!!)، وكنت أسأل الباعة عن أحوالهم، وكان أكثرهم يشتكون من مراقبي البلدية!! (يبدو أن الأجنبي يشره المراقبين) لذا كنت دوما أطالب برفع رواتب المراقبين حماية لنا ودرءا لفسادهم.
ما هي إلا أشهر معدودة واستعصى استمرار السعودة (لا أحب كلمة فشل) لذا فإنني أنقل والرأي لكم اقتراحا ساقه لي خبير فطن متخصص محترف في المحاسبة هو صديقي حمد بن محمد الحبيش مدير الشؤون المالية بشركة الغاز والتصنيع الأهلية وملخصه أن تدعم الدولة مجموعات من الشباب يشتركون في إنشاء (سوبر ماركت) في كل حي أو شارع ويتمثل الدعم في شكل قروض حسنة وتسهيلات تأسيس هذه المشاريع الصغيرة مقابل ضمان توظيف شباب سعودي (فقط) وتواجد ملاك المنشأة فعليا بالاسم والرسم في إدارة المتجر وأن يتولى السعوديون فقط جميع تعاملات (سوبرماركت) الحي هذه، بدءا بالإدارة ومرورا بالمحاسبة والعمالة وانتهاء بإيصال الطلبات إلى المنازل، وفي رأي الأستاذ حمد الحبيش صاحب الاقتراح فإن غياب الأجنبي تماما يحقق أمرين هامين هما السعودة 100 في المائة وعدم حصول التمويه بتواجد أجنبي متستر عليه، أنا أعجبتني الفكرة وأرى أنها تستحق الدعم مهما بلغت التضحية والمرونة والتنازلات، فما رأيكم؟ وما رأي صاحب الصلاحية.

المباحث كشفت المستور

جهود وإنجازات رجال المباحث قديمة بقدم الوطن، ولكن ما تغير هو إدراك الناس لدور هذا الجهاز الفذ العظيم، بعد أن تحققت حماية الوطن والمواطن والمقيم بجهوده والأجهزة الأمنية الأخرى، خاصة فيما استجد من محاولات متوالية كنا نحن الأكثر تميزا في اجتثاثها مقارنة بدول العالم حتى أصبحنا مثالا يحتذى في دحر الإرهاب.
ويجب ألا ننسى الخطوة الرائدة لرئاسة الاستخبارات العامة عندما تبنت أول مؤتمر من نوعه في مجال تقنية المعلومات والأمن الوطني، ودعت له الجميع من الداخل والخارج لتؤكد أن هذا الجهاز منفتح على المجتمع، ليس فقط للتعريف بأدوار الجهاز أو تحقيق تقارب مع أفراد المجتمع ولكن عن طريق عقد مؤتمر عالمي تعليمي وتثقيفي وعلى درجة عالية من المهنية التي لم تصل إليها جهات أكاديمية هذه مهمتها.
المؤتمر عقد في الفترة 21 ــ 24 ذو القعدة 1428هـ الموافق 1ــ 4 ديسمبر 2007م، ولو رجعت لتلك الفترة ستجد أن كما هائلا من الحديث كتب وقيل عن رئاسة الاستخبارات العامة خلال مدة محددة لا تزيد عن أسبوعين، ثم توقفنا، مع أن عمل هذا الجهاز وإنجازاته وانفتاحه على المجتمع لم يتوقف بل هو في ازدياد.
لقد تابعت ودققت فوجدت أنه مر أكثر من سنتين على ذلك الحدث المهم، حدث مؤتمر تقنية المعلومات والأمن الوطني توقفت خلالها جميع وسائل الإعلام عن الحديث عن رئاسة الاستخبارات العامة أو حتى عن متابعة توصيات ذلك المؤتمر.
حسنا، عمل رئاسة الاستخبارات العامة ورجالها الأفذاذ لم يتوقف بل لا أظن أن حجم العمل والجهد بلغ مبلغا أكبر منه في هذا العام والعام الماضي قياسا بالأحداث وتسارعها وتعدد أساليب قوى الشر ومحاولاتهم، وغني عن القول إن النجاح كان أكبر من كل الأحداث، بدليل فشل كل محاولات المساس بأمن هذا الوطن.
هذا يقودنا إلى نتيجة مهمة جدا، وهي أن الإنجازات الحقيقية للأجهزة الحكومية يجب ألا تقاس بما يكتب ويقال في وسائل الإعلام، بل أكاد أجزم أن أكثر الأجهزة العامة ظهورا في الإعلام المرئي والمكتوب والمسموع هي أقلها إنجازا على أرض الواقع، كما أن من نافلة القول إن وسائل الإعلام تشجع على شيوع هذا السلوك في الأجهزة العامة والخاصة فهي تسلط الأضواء على من يبحث عن الأضواء بصرف النظر عن الاستحقاق، وتخفق في متابعة إنجازات من لا يتحدثون عن أنفسهم، والدليل رئاسة الاستخبارات العامة فقد أشرعت أبواب الانفتاح على الإعلام والمجتمع ثم انشغلت بعملها المضني، فأنشغل عنها الإعلام وهجر أبوابها المشرعة.

عرفه المسلمون بالحق وعرف غيرهم أن الحق دينه

بالنسبة لمن يعتنقون دين الإسلام ويؤمنون به إيمانا قاطعا لا شك فيه، فإن أمر معرفتهم بأنه الحق لا يحتاج إلى استدلال بمن اتبع الحق، لذا فإنهم يؤمنون بأن الرجال يعرفون بالحق ولا يعرف الحق بالرجال، فهو معروف أصلا لديهم، والرجل عبد الله بن عبد العزيز عرف لدى كل المسلمين بالحق واتباع هدي الدين الحق فأصبح بالنسبة لكل المسلمين مطلبا لتحقيق العدالة والمصالحة والسلام وملاذا بعد الله عندما ندر الملاذ الأمن والمأمون، فهم يدركون جيدا أن من اتبع الحق والتزم به لا بد وأن تضمن عنده الحقوق، والرئيس الأفغاني حامد كرزاي لم يكن أول من يقطع المسافات طلبا لهذا الملاذ، وإن كان هو الحديث فقد سبقه عرب ومسلمون كثر، والمؤكد أنه لن يكون الأخير، فالحق ثابت ومعروف، ولكن من يعرفون به ويلتزمون بهداه ندر وجودهم، وعبد الله بن عبد العزيز أثبت بمواقفه ومواقف بلاده أنه أبرز من في ساحة الحق، وأن بلده الأمين ليس قبلة للمسلمين في صلاتهم الموقوتة وحسب بل وجهة لطالب الحق في كل وقت.
بالنسبة لغير المسلمين فإن استطلاع يجريه مركز أبحاث بيو الأمريكي تخرج نتائجه بأغلبية ساحقة لخادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز؛ ليحصل على المرتبة الأولى بين القادة الأكثر شعبية وتأييدا في العالم الإسلامي، وعندما تختاره الغالبية العظمى ممن شملهم الاستطلاع كأكثر قائد إسلامي يحظى بثقة في قدرته على اتخاذ القرارات والخطوات الصحيحة بشأن القضايا العالمية، فإن هذا يعني بالنسبة لشعوب العالم أجمع أن هذا القائد المسلم خادم الحرمين الشريفين إنما يتصف بمبادئ وأخلاق وهدي دين عظيم هو الإسلام، دين المحبة والإخاء والعدل والسلام، الدين الصالح لكل زمان ومكان وأمل البشرية في العدل الحقيقي والسلام الدائم.
وبذلك فإن حصول خادم الحرمين الشريفين على هذه المكانة الأولى في قلوب المجتمع الدولي أجمع، وللمرة الثانية إنما توجه رسالة لشعوب العالم بأن من دينه الإسلام ومن التزم بتعاليمه الحقة ومبادئه العظيمة وطبقها في تعاملاته بكل صدق وإخلاص، هو من تملك قلوب الأمة وتربع على عرش القلوب.
هذا هو عبد الله بن عبد العزيز عرفه المسلمون بالحق وعرف غير المسلمين أن دينه الحق.

سارق وكفالته في جيبه

مشكلتنا أننا نشرع في تبني إجراء يطبق في الدول المتقدمة، وننسى أو نهمل تماما جانب ضرورة توفر نفس الأرضيات والظروف والمتطلبات الأساسية للتطبيق.
الطموح والرغبة في تقليد من سبقونا أمر جميل، بل رائع، لكن من المهم جدا أن نقلدهم في توفير الأرضية المناسبة والأدوات اللازمة والضرورية لتطبيق الإجراء أو النظام أو الخطوة المتقدمة.
صحيح أننا نكرر القول والمطالبة بأن نبدأ من حيث انتهى من سبقونا، لكن هذا لا يعني أن نتخطى مراحل مهمة وأساسية ونتعداها إلى ما بعدها، ونحن ندرك أن ما بعدها لا يصلح دونها.
حتى في مجال تطبيق بعض المبادئ والإجراءات الإنسانية أو الحقوقية أو السير قدما في خطوات حقوق الإنسان والحريات الشخصية، فإنه من الخطأ والمجازفة أن تبدأ في تفعيلها دون أن تؤسس لضمان عدم التحايل بها وعليها أو استغلالها، وذلك بأن توفر أولا أدوات الرقابة المكثفة، والحيطة المحكمة لمنع استغلال نوايا الخير في تسهيل طريق الشر، وحرية الفرد في الإضرار بالجماعة.
خذ على سبيل المثال لا الحصر، إجراء إخراج مجرم بالكفالة ووضعه تحت المراقبة وقيد الاستدعاء في بلد لديه كل وسائل الرقابة على ذلك المجرم وتقنياتها الحديثة، إلى درجة وضع سوار إلكتروني في قدمه يصدر بلاغا فوريا بمجرد خروجه من دائرة محددة أو عند محاولته نزع الجهاز، وهذا البلاغ أو جرس التنبيه بمجرد وصوله إلى دائرة الشرطة، فإن المجرم لا يملك الوقت الكافي لتخطي المنطقة المحددة؛ لأن أقرب شرطي سيكون قد أصبح أقرب إليه من السوار نفسه.
هذا الإجراء (التسريح بكفالة) ذو الطابع الإنساني أو الحقوقي، سمه ما شئت، لا يمكن فرضه أو تطبيقه في بلد ليس لديه هذه التقنية، أو لديه السوار الإلكتروني ولكن ليس لديه القدرة على الاستجابة السريعة، فيستمر السوار الإلكتروني في الصراخ حتى يبح صوته أو تنتهي بطاريته قبل تحرك شرطي بعيد عن الموقع، لأن النتيجة ستكون منح الحق أو الحرية لسارق مثلا وتركه طليقا دون رقابة، ليسلب الجماعة حقوقهم وأموالهم أو يصادر حريتهم وأمنهم لمجرد استعجال تطبيق الحقوق والحريات للبعض دون توفير الأدوات الكفيلة بأن لا يكون ذلك على حساب حقوق وحريات الكل، وهذا استعجال غير مبرر.
اللص هو من أكثر المجرمين ذكاء وحيلة؛ لأن جريمته لا تأتي انفعالية أو وليدة استفزاز، بل يصاحبها تخطيط بهدوء، كما انه يستمرئ تكرار جريمته ويتعايش معها ويطور أساليبه، لذا فإنني أخشى أن يكون ضمن أدوات السرقة ورقة كفالة مختومة.

(سيكل) الوزير

في الوقت الذي يرسخ فيه خادم الحرمين الشريفين ــ حفظه الله ــ روح التحاور، ويفعل الحوار ويرفع بيديه الكريمتين سقف حرية الرأي ويؤكد على المحاسبة التي لا تستثني كائنا من كان، وفي الوقت الذي يقابل فيه ولي العهد ــ أدام الله عليه الصحة ولباس العافية ــ أية مداخلة أو سؤال صحافي، بابتسامته المعهودة، وفي ذات الوقت الذي يكرر فيه النائب الثاني ــ وفقه الله ــ فرش بساط أحمدي مع وسائل الإعلام وينصت إلى درجة توجيه أذنه وذهنه للسائل ثم توجيه إجابة حكيمة وشافية تحمل رسالة ومعنى.
أقول في الوقت الذي تضرب فيه القيادة العليا المثل تلو الآخر في التعامل مع هموم المواطن والمقيم ورسالة الإعلام وتعين للإعلام وزيرا مدركا لتوجه القيادة وقبطان ماهر لسفينة الإعلام قريبا من الجميع، ما بال أحد الوزراء يشترط أسئلة محددة في مؤتمر صحافي وآخر يمتنع عن الإجابة وثالث يضيق بالإعلام وسقفه، ورابع يحول المؤتمر الصحافي إلى (سكوت شهر زاد التي تتكلم متى شاءت وتسكت متى اشتهت)!!.
من لا يشكر الناس غير حري بشكر خالقه، وأي صحافي أو كاتب أو عامل في مجال الإعلام لا يمكن أن ينسى موقف صاحب السمو الملكي الأمير نايف بن عبد العزيز في أحد المؤتمرات الصحافية منذ عدة سنوات عندما حاول وزير الهاتف آنذاك أن ينال من رجال الصحافة في حضرة سموه ليرد عليه، وعلى الفور قائلا: (هؤلاء هم عيوننا)، ومواقف الحكماء تزداد توهجا وحكمة.
ما بال بعض المسؤولين يجند الإعلام لخدمته شخصيا ويكرر الخروج في كل وسائله، فإذا صنعه الإعلام وقضى منه وطرا رماه بالويل والثبور والشكوى وعظائم الأمور؟!.
هل يريدون من قضايا مجتمعنا أن تشرح وتملح وتبهر ثم تطبخ وتقدم عبر قنوات فضائية خارجية تجارية، بالطعم الذي يشتهيه المشاهد وبالرائحة التي تريدها القناة؟!.
أيهما أفضل أن نناقش هموم ومشاكل الأسرة الواحدة داخل بيتنا وفي غرفنا وبالطريقة التي تحقق علاج الجرح دون أن تجرح الوطن، وعلاج العضو حتى ولو بالكي الذي لا يحرق كامل الجسد، أم أن نقفل أبواب الغرف على من فيها ونترك النوافذ التي يصعب غلقها، ليأتي من هب ودب ويخاطب كل فرد منا عبر تلك النافذة ويصوره كيفما شاء هو أو أرادت الوسيلة الإعلامية، لنلجأ نحن بعد ذلك لإعلامنا الحبيب للتوضيح والترقيع ورش (بخاخات) تعطير الجو.
إن من الصعب جدا بل من المستحيل أن تتقاطع مصلحة الوطن مع مصالح وأهواء الأشخاص عندما لا تتجه إلى هدف واحد محدد ونبيل، وقيادتنا الحكيمة عبدت لنا الطريق الإعلامي الواضح الذي صمم برؤية ثاقبة وحكمة بالغة، وجعلته واسعا لنصل جميعا عبر مسارات واضحة إلى المصلحة العامة، فما بال البعض يريد أن يضيق الطريق حتى لا يعبر منه إلا هو بدراجته الهوائية (السيكل).

وقفات أسبوع

•• جميل أن يكون لكل جهة أو فرع متحدث رسمي يؤخذ منه الخبر اليقين والجواب الشافي، لكن في حادثة حريق صهريج شفط الكيروسين في أحد مخيمات الحجاج في مشعر منى في المدينة المقدسة، وصف لنا الناطق الإعلامي للدفاع المدني في المدينة المقدسة المقدم علي المنتشري ما حدث وما نجم من وفيات وإصابات، وذكر أن التحقيقات لا تزال جارية لمعرفة الأسباب، وما ذكره الناطق وصف يمكن أن يصفه أي مراسل صحافي طالما أنه مجرد وصف لما حدث، ولكي يكون تصريح الناطق الرسمي متميزا وله جاذبية واهتمام فالأفضل أن يأتي شاملا ومتكاملا، ولو تأخر إلى حين توفر المعلومات حول سبب الشرارة الأولى التي جعلت صهريج شفط وقود ينفجر في من حوله، فهل كانت الشرارة الأولى نتيجة إشعال سيجارة أو شرارة من هاتف محمول أم نقص وتقصير في إجراءات السلامة، كل هذه تساؤلات مهمة وإجاباتها من الناطق الرسمي لها دور توعوي كبير.
•• العملة المعدنية عملة رسمية كلفت صناعتها وسكها جهودا كبيرة ومصاريف أكبر، وعدم قبول البنوك لاستبدال العملة المعدنية بما يعادلها من الورقية استهتار وتقاعس وتربية للمجتمع على إهمال القرش الأبيض وعدم حفظه لليوم الأسود، فهل تجد البنوك من يردعها ويعيد للعملة المعدنية قيمتها المفقودة؟!
•• إذا كان سبب تأخر إقلاع طائرة الإسعاف وحملها للمصاب في حادث الدائري الشرقي هو تجمهر الناس حولها، فكيف هبطت؟! فالتجمهر موجود منذ وقوع الحادث، ثم هل طائرة (هليكوبتر) بالنسبة للمواطن والمقيم في هذا الوطن المتقدم، شيء غريب ونادر حتى يتجمهر حولها لهذه الدرجة؟! أما السؤال الأهم، إذا سلمنا بأن سبب تأخر الإقلاع هو الجمهور، إلى متى سيكون التجمهر سببا لتعطيل الاستفادة من طائرة الإسعاف، وهل ستحتاج الطائرة إلى مرافقين مستقبلا لتفريق الجموع؟!.
•• المسؤول في اجتماع ومشغول أو خارج المكتب عندما يكون طارق بابه مراجعا وصاحب حق، وذات المسؤول في ذات الزمان والمكان يستجدي صحافيا أو مجموعة صحافيين للدخول عليه!! ألا يعني هذا أن من صنعه الورق يخشى مما يكتب في الورق ويد من حب الوراق؟!.

أرز وفقراء و(قطو) بسمتي

نرجو ألا تكون محاولة الترويج لوجود ظاهرة هدر لفائض الأرز ورميه في حاوية مخلفات الأطعمة هي خطوة استباقية لتبرير مزيد من رفع أسعار الوجبة الرئيسة للمجتمع السعودي، فقد تعودنا (ويا للأسف) من تجارنا التمهيد لابتلاع المستهلك بذرف دموع التماسيح على ما يدعون أنه سلوكيات إسراف أو بذخ في السلع التي يزمعون رفع أسعارها لإعطاء شعور عام بأن السلعة ميسرة إلى درجة الإسراف في هدرها.
من السهل على مورد أرز أن يدعي في حوار صحافي أن حاويات مخلفات الأطعمة تستقبل ما يربو على 90 طنا من فائض الأرز سنوياً، لكن من الصعب جدا عليه أن يدعم ادعاءاته بدراسات إحصائية موثقة تقوم على قياس معدل ما يهدر من شريحة واسعة من الأسر السعودية، أو فائض ما يبقى من الوجبات والولائم وأين يذهب تحديدا، فلو وجدت لديه دراسة إحصائية أو حتى بحث اجتماعي عشوائي لما تردد في ذكر مرجع الدراسة أو من أجرى البحث!.
وقد سبق أن أشرت إلى أننا نعاني من عبارة (أثبتت الأبحاث) أو (ذكرت الدراسات) دون أن نستند فعليا إلى دراسة علمية أو بحث جرى تحكيمه من قبل متخصصين وتم نشره في مجلات متخصصة محكمة، لذا فإن كل من أراد أن يدعي شيئا، نسبه إلى دراسات وهمية لا مرجع لها.
لعل صاحبنا حسب أعداد كل (التباسي) في كل مناسبة زواج وضربها في عدد الزواجات في كل عطلة وإجازة سنوية ثم خصم منها ما يأكل كل (معزوم) مضروبا في العدد المحتمل للمدعوين، واعتبر الباقي هدرا بوحدة الطن!، وفات على (الباحث) عفوا (المورد) العزيز احتساب من (يقلطون) كدفعة ثانية وثالثة، وفات على (الدارس) عفوا (التاجر) احتساب العدد الكبير ممن يحضرون دون دعوة (العشتو).
لقد فات على صاحبنا أن مجتمعنا لم يعد يفرط في حبة أرز واحدة، بجهود رجال ونساء متطوعين للعمل الخيري نذروا أنفسهم ووقتهم لإطعام الجياع، فما يزيد من الولائم يجمع ويوزع ولا يسد احتياج أسر فقيرة لا تجد قوت أسبوعها ناهيك عن يومها!.
لماذا يتعامل هؤلاء التجار مع الفقراء بمنطق الطفل الفرنسي الذي يريد من جياع أفريقيا إذا لم يجدوا خبزا أن يأكلوا الكيك!.
لاحظ المبالغة، 90 طن أرز تذهب للحاويات والقطط في الحاويات هلكانة جوع، تتصارع وتتماخش على همبرجر يتضح لاحقاً أنه صورة دعاية في ورقة جريدة، لو صح الرقم لكانت قططنا ليست أكلة لحوم بل (رزوز)، ولماذا نسمي القط (بس)؟! المفروض نسميه (بسمتي)!.
لا صحة لوجود أطنان من فائض الأرز تستقبلها حاويات النفايات، الصحيح أن ثمة أرباح مبالغ يقتطعها موردو المواد الغذائية من مدخرات الفقراء، دون وجه حق، فتذهب كفائض دخل غير مشروع يدخل حاويات حساباتهم البنكية التي لا تشبع.

اعترافات صحافي «بايعها»

منذ صغري حاولت جاهداً إقناع من أعرفهم من متابعي المصارعة الحرة أنها مجرد تمثيلية واتفاق بين المصارعين لاستغفال الجمهور، لكن جهودي باءت بالفشل مع أن الخصم ما كان ليحني ذراعه عند توجيه لكمة خطافية لو كان يقصد أن يجعل أنف خصمه يتساوى مع شفتيه.
بعد سنوات بانت الحقيقة وخرج عدد من كبار المصارعين ليعترفوا في برنامج لاري كينج أن المصارعة الحرة الأمريكية كانت مجرد تمثيلية!، وجاء ذلك الاعتراف لسبب بسيط هو أنهم تقاعدوا وانتهت أدوارهم.
أنا كصحافي لم أتقاعد، ومن محاسن الصحافة أنها مهنة يزداد صاحبها تألقاً ويرتفع مستوى لياقته كلما كبر سنه، لذا فإن الصحافيين لا يتقاعدون، بل أن بعض من يتقاعدون من الوظيفة الحكومية أو الخاصة يتجهون مباشرة للكتابة حتى وإن كانوا يوماً ما من ألد خصوم الكتاب الصحافيين.
وأنا أرى أيضاً أنه ليس من مكارم الأخلاق الاعتراف بعد مغادرة الميدان، أو معاداة الزمان والمكان (اللهم إني أسألك خشيتك في الغيب والشهادة، وكلمة الحق في الغضب والرضى) لذا فإنني لا بد أن أعترف أننا معشر الصحافيين خاصة الكتاب، شئنا أم أبينا، سعدنا أم حزنا، قبلنا أم استهجنا وسخرنا، نجد تعاملا خاصاً من بعض الموظفين لا يجده المواطن العادي!.
يسعى مسؤول لرضانا وقد أغضب الآلاف غيرنا، تفتح لنا الأبواب مشرعة وقد أوصدت أمام المئات ممن هم أحق منا، يبادر بالاتصال بنا هاتفياً من أقفل السماعة في وجوه غيرنا، يوظف من يشفع بأحدنا، وبالإجمال المختصر يسعى البعض لكسب رضانا.
ولكن إحقاقاً للحق فإنه لا يفعل ذلك إلا من لا يثق في نفسه، ولا هو بمقتنع لا بمقدرته ولا قدره، ويكفيه إرضاء القليل عن العمل لإرضاء الجميع، أما إذا كنت أكثر تفائلا فقل لأنها سلطة الصحافة، أو لأنه يريد أن يكفي نفسه ما يسميه شرنا.
المؤكد أن هذا الوضع لا يرضي قيادتنا فقد قالها خادم الحرمين الشريفين، صريحة واضحة عفوية لا تكلف فيها، قال وهو يتحدث عن انهيار سوق الأسهم «أنا يهمني الضعفاء أما التجار أو ما يسمونهم الهوامير فهؤلاء يكفيهم يربحون أو يخسرون وإن شاء الله رابحون».
نحن الكتاب الصحافييون هوامير مجتمع لا خوف علينا، وإن عانينا أحياناً، لكننا حقاً نكره هذا التعامل المميز.
أما لماذا أقول «بايعها» فلأن بعض الزملاء وعسى أن أكون أحدهم، والصحيفة التي أكتب فيها وبعض زميلاتها نعمل جاهدين على أن «نبيع» أسهم هذا التميز لكم بل للضعوف منكم وندعو الله مخلصين أن يعمل الجميع لإرضاء الكل.