حوار الأسئلة المكتوبة

أعتقد بل أجزم أن إصرارنا على طرح الأسئلة في بعض الحوارات عبر وريقة صغيرة مكتوبة، يدخل ضمن اهتمامنا بالمقتنيات القديمة والآثار الموغلة في القدم، تماما مثل اقتنائنا لمساند أبوطير الحمراء أو تلفون أبو هندل أو بناء (المجالس) من الطين الطبيعي المزين بجبس أبيض نسميه (شرف)!!.

هل يعقل، في زمن ترسيخ روح الحوار المباشر وفي زمن (تويتر) و(الفيس بوك) وزمن المواجهات الساخنة في مجالس الشورى والبرلمانات والمؤتمرات الصحفية، أنه لا يزال بيننا من يفرضون التحاور معهم عبر أسئلة مكتوبة، وأن ثمة أناسا يقبلون حضور مثل هذا الحوار؟!.

أمر غريب جدا، فنحن في زمن مختلف عن ذي قبل، ومن باب إحقاق الحق والإنصاف للوطن القول إننا تأقلمنا معه بدرجة جيدة جدا، فأصبحنا من دعاة الحوار والتحاور ورواد المناصحة، ومع ذلك تجد أناسا لا يجرؤون على فتح باب الحوار المباشر رغم ثقتهم في الحضور وأنهم بشر حقيقيون متواجدون بصفتهم الشخصية الاعتبارية ومسؤولون عما سيقولون وليسوا أشباحا خفية غير مسؤولة.

إذا كان أسلوب إدارة الحوارات الجماعية في الندوات والمؤتمرات واللقاءات والديوانيات والاثنينيات والثلوثيات، بطرح الأسئلة المكتوبة في وريقة، أصبح من الموروثات الأثرية القديمة، مثله مثل سراج (أبو دنان)، وأصبح أمرا غريبا جدا ومرفوضا في زمن المكاشفة والشفافية والحوار المفتوح، فإن الأغرب منه هو أن يقبل مذيع أو محاور توجيه أسئلة محددة سلفا (يعني مكتوبة) عندما يستضيف مسؤولا خدميا يحرص على كسبه ومجاملته، وهذا أصبح ديدن أكثر من برنامج ومقدم في قنوات تدعي المهنية والاستقلالية والجرأة.

فتاة سعودية ميتة تتحدى إداريا مترفا

آلاف الفتيات المعلمات يستأجرن سيارات النقل ويستيقظن منتصف الليل ويسرين قبل صلاة الفجر بساعات ويقطعن (يوميا) 320 كيلومترا ذهابا ومثلها إيابا (هذه المسافة تعتبر للمسؤول والوزير انتدابا)، كل ذلك من أجل كسب لقمة عيش حلال وتقديرا للوظيفة التي جاءت بشق الأنفس!!.

وآلاف الشباب يقترضون أو يعملون في وظائف شاقة برواتب زهيدة لجمع قيمة رسوم دراسة دبلوم صحي أو لغة انجليزية على أمل الحصول على وظيفة موعودة لا تتحقق.

وآلاف الفتيات يخترعن أعمال أسر منتجة، وآلاف الشباب يعملون في وظيفة حراسات أمنية تجارية برواتب زهيدة وساعات عمل طويلة وشاقة، ومثلهم يستدين لشراء سيارة أجرة والعمل ليل نهار لتسديد قيمتها!!، ومئات يتحدون نظرة المجتمع ويعملون في أعمال النظافة وتجهيز الطعام بكل فخر واعتزاز.

كل أشكال وصور الجدية والمثابرة والتغلب على أقسى الظروف تحدث وتتكرر من آلاف من الشباب والشابات، ثم يأتي من حصل على منصب بالواسطة في سنين الطفرة أو ورث ملايين، فيقول إن المواطن السعودي غير جاد ولا مثابر ويريد أن يأتيه قوته على ملعقة من ذهب!!، وكأنه ما زال يرى الناس بعين طبعه!!، تلك العين التي لا ترى جنائز عشرات المعلمات أسبوعيا تشيع في منظر مهيب يمثل درسا في المثابرة والمخاطرة طلبا لرزق حلال بمشقة بالغة!!، والأهم أن ذلك المنظر المهيب المخيف المنتشر عبر وسائل التواصل الاجتماعي لا يثني الآلاف الباقية منهن من عبور ذات الطريق المحفوف بالمخاطر في اليوم التالي، رغم أنها تشاهد المنظر عبر جوال تحمله في يسراها وتحمل في اليمنى مسؤولية تحدي الظروف وتحمل في قلبها التوكل على الله!!.

أتحدى كل مترف يتفلسف بعدم جدية ومثابرة الشاب السعودي والفتاة السعودية أن ينظر إلى صورة حادث معلمات على طريق خطير ثم يسلكه في اليوم التالي!!.

ماذا تريدون من الفتاة السعودية والشاب السعودي أكثر مما ذكر لكي يثبت لكم أنه جاد في طلب الرزق وأهل لأن توفر له الوظيفة اللائقة القريبة والوصول إليها بطريقة آمنة؟!.

السؤال الأجدر بالطرح هو: أين جديتكم أنتم في تنفيذ مهامكم وتحقيق وعودكم في تعبيد طريق آمن؟!.

في ذمة عدة رقاب!!

هذه المرة أربع طالبات، لا معلمات، من أصل 17 طالبة دخلن، (مع من سبقهن من المعلمات المتوفيات في حوادث نقل المسافات اليومية الطويلة)، في ذمة ذات الرقاب المسؤولة عن الحوادث مع تغيير طفيف فقط في ذمة المتسبب أصلا في سفرهن!!.

الطالبات اللاتي ذهبن ضحية حادث ضرما، سواء منهن من قضت نحبها أو من تنتظر أو من تعاني آلام ونتائج الإصابة، هن في بادئ الأمر في رقبة كل جامعة في مدينة الرياض لم تقبلهن رغم توفر مقاعد ولمجرد عجزهن عن توفير واسطة للقبول خاصة في جامعة كبرى مخصصة للبنات كجامعة نورة.

كل من يحرم معلمة أو طالبة أو معلما أو طالبا أو مريضا أو مرافقا من الحصول على الخدمة قرب مكان إقامته، ويجبره على التعرض لوعثاء السفر اليومي المتمثل في طرق سيئة جدا، ونظام رقابة مرورية غائب تماما، ووسائل نقل ذاتية بدائية غير آمنة، ليس من بينها لا قطار سالك ولا حافلة منتظمة مزودة بوسائل السلامة، وتقليل آثار التصادم ومسبباته، هو سبب رئيس فيما يصيب أولئك المجبرين على السفر اليومي من حوادث، ويشترك معه في المسؤولية والإثم كل مقصر في وزارة النقل (عشر سنوات ومرتادي ذلك الطريق يحذرون من خطورته!!)، وكل مقصر في الرقابة المرورية (البشرية) الميدانية على ممارسات وأشكال التهور في القيادة وليس مجرد رصد السرعة في نقطة على الطريق (كل الدراسات العلمية والإحصاءات الدقيقة نبهت إلى أن ساهرا لا يجدي مع مرور نائم!!)، وكل جهة مسؤولة عن ترخيص سيارات النقل البدائية، وإجازة سائقها وعدم التشدد في فرض شروط سلامة من أهمها سائق مؤهل يعلم أن عقوبته شخصيا إذا أسرع أو أهمل أو تناول ما يفقده التركيز ستكون بحجم قتله للناس جميعا حتى لو لم يحدث ذلك القتل، بل مجرد المخالفة والشروع فيه، وتطبيق ذات الحزم على سائق المركبة الأخرى المتسببة في الحادث.

إلى متى سنتعامل مع حوادث الموت الجماعي بسبب إهمال وتقاعس وسوء خدمات بأسلوب الخبر المثير والترحم والتعزية والمشاركة الوجدانية والتواجد في المشهد في انتظار حادث جديد؟!.

لا حباري ولا أيباد

من يتهمونني بأنني أتصيد أخطاء وزير الصحة، أو وزارة الصحة يجهلون أو فات عليهم أنني أكاد أكون الكاتب الوحيد في كافة وسائل النشر سواء صحيفة ورقية أو إلكترونية أو في مواقع التواصل الاجتماعي الذي لم يكتب متهكما على هدية الأيباد للطفلة رهام الحكمي إطلاقا، ولو كنت فعلا أتصيد لكتبت مجلدا في هذا الموضوع عندما هب القاصي والداني للكتابة حوله، لكنني لا أرى أي مبرر للتهكم بأي تصرف أو سلوك اجتهادي حسن النوايا ليس فيه خطأ أو ضرر على أحد وهدية معالي وزير الصحة للمريضة رهام تدخل ضمن هذا السياق الحسن الذي يحتمل نفعا لا ضررا.

نفس الشيء ينطبق على مناقشة مجلس الشورى لموضوع فقس بيض الحبارى. فأنا لا أرى مبررا للتهكم به كونه يدخل ضمن مناقشة موضوع يتعلق بالبيئة أو الحياة الفطرية اشتمل على تقرير بهذا الخصوص ويمكن أن يصنف ضمن شمولية ودقة المراجعة والمناقشة.

وبالرغم من أنني أعشق الكتابة النقدية بأسلوب فكاهي والتي تسمى تجاوزا (ساخرة) وأمارسها في هذه الزاوية يوم الجمعة تحت عنوان (قالوا وقلنا) إلا أنني لا أرى جواز السخرية من السلوك العادي غير المضر أو المسيء و أؤيد وبقوة السخرية من الأخطاء والتناقضات، لذلك فقد استغربت التهكم الشديد بطرح موضوع بيض الحبارى وقارنته بأنشودة لبنانية (هالصيصان شو حلوين لو أداها البرلمان اللبناني مثلا عن الحبارى).

أجمل ما سمعت كتعليق منطقي على سبب تهكم مواقع التواصل الاجتماعي بقصة الشورى مع فقس بيض الحبارى هو ما قاله الزميل عقل الباهلي في برنامج (الأسبوع في ساعة) على قناة (روتانا خليجية) فقد برر هذا التهكم إلى كون الناس لم يجدوا من مجلس الشورى تبنيا لقضاياهم الهامة، فاستغربوا أن يناقش مثل هذا الموضوع الهامشي، في ظل غياب تام عن قضايا أهم و نصح الشورى بأن يتخذ موقفا مساندا ويسجل حضورا إيجابيا مع المواطنين في مواجهة بعض الجهات التنفيذية، وسيجد أن مناقشته لموضوع مثل بيض الحبارى أمرا عابرا مقبولا لا غرابة فيه.

قالوا وقلنا

** قالت (الجزيرة): جلسة الشورى حددت أسباب فقس 79 بيضة حبارى من أصل 1716 ومواقع التواصل تتهكم.

* قلنا: لماذا التهكم؟! حتى البرلمان اللبناني يقول (هالحباري شو حلوين فقسوا بيضون شكروا ربهن مفقوسين( !!.

**

** قالت وكالة (ي ب أ): أضخم كلب في بريطانيا وزنه 70 كيلو غرام وطوله أكثر من مترين.

* قلنا: (هذا اللي يقولون عنه كلب ابن كلب(

**

** قالت (عكاظ): مركز الشقيق يخاطب عدة جهات للحيلولة دون ظاهرة نقل الطالبات في حوض (وانيت) والمركز يرفع الخطاب لمدير التعليم بالدرب وهذا يرفعه لمدير تعليم صبيا الذي خاطب المتعهد.

* قلنا: (والطالبات تزوجوا وخلفوا أولاد وبنات والأولاد اشتروا وانيتات ووصلوا في أحواضها البنات قبل ما تنتهي المخاطبات!!(.

**

** قال وكيل وزارة الزراعة: ارتفاع أسعار المحاصيل الزراعية يحكمه العرض والطلب!!.

* قلنا: (نفهم من كذا أن الطبقة الوسطى لن تأكل لا لحوم حمراء ولا خضار خضراء؟! يمدحون الضب الأصفر(.

**

** قالت (عكاظ): مواطن يتعدى على مقبرة ويحولها لحظائر للإبل.

* قلنا: (ناوي يسميها أم قبيره(!!.

**

** قالت (عكاظ): الصحة تعلن عن عدة وظائف شاغرة.

* قلنا: الناس تريد عدة أسرة شاغرة.

**

** قالت (الرياض): مصممة أزياء سعودية تسعى لتغيير تصاميم ثوب الرجل السعودي ليصبح أكثر تألقا!!.

* قلنا: الأهم تألق من بداخل الثوب!!.

**

** قالت (الرياض): حرس الحدود يحذر الباحثين عن (الفقع) من تجاوز حرم الحدود الشمالية من أجل سلامتهم!!.

* قلنا: (خايفين عليهم يجيهم أحد يفقع وجيههم!!).

**

** قالت وزارة التربية لـ(عكاظ): التأمين الطبي وبدل السكن شائعة!!.

* قلنا: (خسارة كان ودنا أنه شائع!!(.

**

** قالت (رويترز): تحليل (الحمض) النووي لآثار قبلة طبعها لص المجوهرات على خد العجوز صاحبة المتجر تقود الشرطة الفرنسية لاعتقاله.

* قلنا: (والمشكلة خد العجوز حامض خلقة وما فيه أمل تلاقي فيه قبلة غيرها!!(.

التجاوب ينخفض

ليس من المصلحة أن ترتفع حدة أصوات الصراخ ولا تجد رجع صدى، فالصوت مثل المادة لا تفنى ولا تستحدث!!، فالصوت لا يستحدث لأنه يحدث من أصل معاناة، وهو لا يفنى لأنه موجات تستمر في التضخم حتى تصطدم بجدار صلب صخري، فتعود كرجع صدى حتى يمتص بملامسته لسطح لين هين مرن يتمثل في تجاوب فعال.

هذه ليست فلسفة أو تلاعبا بالألفاظ، بل هي استعارة للفيزياء في تصوير (السيكيولوجيا)، أو الحالة النفسية لصاحب الشكوى التي تبحث عن من يتجاوب معها.

بفعل تزايد قنوات الإعلام وسرعة انتشار آليات التواصل الاجتماعي ومواقعه، فإن الشكوى أصبحت تجد أكثر من وسيلة تنشرها، وأكثر من قناة تنقلها، وأكثر من تقنية توصلها وتكرر إيصالها، حتى تحولت الشكوى إلى صراخ. وفي المقابل، فإن التجاوب من بعض المسؤولين مع الشكوى وصل أدنى مستوياته وأضيق حدوده وأقل نسب حدوثه.

من حيث المستوى، فإن أمر الرد على الشكوى أصبح يتولاه موظف صغير في مسؤولياته وقدرته على الوفاء بما يعد، وهو في الغالب مسؤول علاقات عامة أو ناطق رسمي!!، بينما في السابق يتولى الوزير شخصيا الرد على شكوى الناس، ويعد شخصيا بالتفاعل السريع معها، وكان غالبا يفي بوعده (غازي القصيبي ــ رحمه الله ــ أحد أشهر من جسد هذا المستوى من التجاوب مع الإعلام).

ومن حيث الحدود، فقد ضاقت كثيرا، فحتى مسؤول العلاقات أو الناطق الرسمي أصبح لا ينطق كثيرا في ما يخص شكوى الناس، ولا يتوقف أبدا عن النطق في ما يخص التلميع.

ومن حيث نسبة الحدوث، فقد انخفضت كثيرا جدا، ولك في الصحف عبرة، فقد كانت ردود الجهات الحكومية تنهال تلقائيا وتخصص لها أكثر من صفحتين يوميا وبعدة مسميات بالرغم من أن الرد يذيل بعبارة (على أن ينشر في نفس مكان الشكوى)، واليوم ــ بالكاد ــ تجد ردا من مسؤول وبعد إلحاح مراسل!!.

ارتفاع الصراخ وانخفاض درجة ومستوى التجاوب ليس مؤشرا جيدا، ويجب تصحيح المؤشر وبسرعة.

حالة خطيرة

يسعد الناس حينما تنتقد تقصير جهة حكومية نحوهم وعندما تطالب بعدالة تقديم الخدمة للجميع ويجمعون على تأييدك، لكن الأمر في الرياضة يختلف، فلا يحدث الإجماع لأن ثمة مستفيدا وخاسرا، ونحن ــ ككتاب رأي ــ نهدف للمطالبة بأن تكون المِلكية الحكومية العامة متاحة للجميع دون تحكم أهواء المناط به تشغيل هذا الملك العام، سواء كان حديقة أو مدرسة أو مستشفى أو إسكانا عاما، هكذا نحن، وعلى من يتقبلنا هنا أن يقبل رأينا هناك.

شئنا أم أبينا، فإن الشأن الرياضي هو الأكثر تأثيرا في شريحة كبرى من الناس، وزلاته وتجاوزاته واستغلال الصلاحيات فيه تؤثر في نفسيات غالبية المجتمع وتشعرهم بعدم إنصاف كان بالإمكان تلافيه، وأعتقد أن ما حدث ويحدث من استغلال مخرج أو مصور أو حتى مقدم برنامج لنفوذه بتسخير برنامج أو نقل مباراة في القناة الرياضية السعودية لصالح فريق دون آخر، ووفقا لميوله وأهوائه ومن يحب أو يكره، أمر خطير وتكمن خطورته في أنه عبث في شأن جماهيري مرغوب!!.

حرمان الرياضة السعودية خاصة، وجمهور الدول العربية والعالم أجمع من المشاهد الرائعة والحضور الكثيف وتفاعل جمهور فريق النصر طوال مباراتهم الأخيرة مع ممثل محافظة سدير نادي الفيصلي، هو حرمان من تسخير إمكانات كاميرات القناة وتقنياتها التي أعلن أنه صرف عليها مئات الملايين لنقل صورة مشرفة للعالم نحن في أمس الحاجة لها، ونحن من دعا الجمهور لرد اعتبار الحضور الجماهيري والعودة للمدرجات، وهو حرمان لمبدعين من نقل إبداعهم بقناة وطنهم، لماذا؟! لأن مخرجا لا يروقه ما يفعلون، وهو حرمان للدوري السعودي من إطلاع العالم أجمع على جماهيريته وقوته ورقي جماهير الكرة السعودية التي شاء الله أن يمثلها جمهور النصر هذا الموسم.

صحيح أن مخرج المباراة أجبره دخول اللاعبين على نقل جمالية (تيفو) الواجهة بلمحة سريعة وغض طرف كاميراته عن (التيفو) الجانبي، لكنه تجاهل أيضا حركات أمواج منظمة وحركات فرح رائعة وهتافات راقية (غير عنصرية) كان من حق من قام بها أن يفرح بنقل قناة الوطن لها، خصوصا أن المعلق كان يستجدي ذلك!!.

الأمر مرتبط بفعل له أثر كبير على نفسيات الناس وجدير بأن يتدخل فيه رئيس هيئة الإذاعة والتلفزيون شخصيا، خصوصا أنه تم بذل جهود كبيرة والتضحية بمليارات ليكون نقل المباريات حصريا لقناة الوطن لتتاح المشاهدة مجانا للجمهور كهدية وطنية قيمة، وهو ما أشدنا به كثيرا، ونجحت الهيئة وبتميز في الأصعب وهو الحيلولة دون احتكار قنوات تجارية للنقل التلفزيوني، وبقي الأسهل وهو الحيلولة دون احتكار التحكم في توجيه الكاميرات باهظة الثمن.

لا تزايدوا على روح فتاة الجامعة

لن تقوم لنا قائمة ولن نشخص أخطاءنا ونعالج القصور ونحن نستغل إهدار الأرواح في تمرير أجندات هذا وذاك والابتعاد عن الأسباب الحقيقية للإخفاق إلى الأسباب التي تريدها أهواؤنا.

في حادثة وفاة طالبة الماجستير آمنة باوزير يصر بيان جامعة الملك سعود على أن الجامعة ليست مسؤولة عن الوفاة مع أن الجامعة تتحمل كامل المسؤولية في جوانب لم يتطرق لها بيان الجامعة (سوف نأتي على ذكرها) ولأنها تدرك حقيقة إخفاقها فقد ركزت على نفي منع دخول المسعفين ولم تعترف بما هو أهم مع أنها كصرح أكاديمي تملك مستشفيات تدرك الحقيقة وتدرك أيضا أن الاعتراف يذهب الاقتراف، لكنها مثل أية جهة بيروقراطية تصر على أن اعتراف الناطق الرسمي في حد ذاته اقتراف!!.

على الجانب الآخر تلقفت وسائل الإعلام العالمية المغرضة والمتربصة خبر منع دخول رجال الإسعاف على أنه حقيقة واقعة وسلوك مقبول في المملكة مع أن التعليمات والتعاميم الرسمية ترفضه والمنطق ينكره، إذ أن رجال الهلال الأحمر بما لديهم من صلاحيات وتوجيهات سابقة يمكنهم الدخول دون انتظار إذن حراسات أمنية تابعة لمؤسسات أو شركات أو حتى لجهة مدنية كإدارة الجامعة فلا مجال للإذعان للمنع من أداء الواجب وقد يكون التأخير ناجما عن معرفة أقرب المداخل لموقع الحادث!!، وللأسف فإن هذا التلقف لخبر المنع ينحاز له بعض المتصيدين فيركزون عليه دون غيره لحاجة في أنفسهم لا تليق بالموقف وضرورة أن ننحاز للأسباب الحقيقية ونشخصها ونعالجها.

القصور الحقيقي الذي أدى للوفاة ولم يتطرق له أحد وتجاهله بيان الجامعة هو ضياع الدقائق الذهبية الأربع دون تدخل أي أستاذة أو إدارية أو طالبة مدربة على إنعاش القلب والرئة للضغط على صدر الضحية عدة مرات وإعادة قلبها للنبض بل يبدو أن الممرضات والطبيبة تأخرن أو لم يكن مدربات على هذه الخطوة الأساسية في كل موقع يحتوي على عدد كبير من الناس، فكيف بجامعة بها آلاف الطالبات وتمتلك مستشفيات ومراكز تدريب ولم تفكر في تدريب طالباتها ومعلماتهن على إنعاش القلب؟!.

أبلغ ما سمعت في هذا الصدد قاله الدكتور سمير الحامد رئيس قسم الطوارئ بالشؤون الصحية للحرس الوطني لإذاعة (يو اف ام) حول الحادثة فقال: لا فائدة من وصول طبيبة ولا ممرضة إذا كانت غير مدربة على الإنعاش القلبي، ولو وجدت طالبة أو معلمة تدربت ولو على الأساسيات لكانت أهم آلف مرة (انتهى). وأضيف أن وجود تلك المرأة العادية المدربة أو حتى رجل حراسة مدرب على إنعاش القلب أهم من وصول وسرعة دخول الإسعاف لأن وصوله لن يكون في أول أربع دقائق ذهبية.

شريك في كارثة صحية!!

كارثة صحية جديدة شهدها شمال الرياض وشهدت عليها وغردت بها في حينه وجاء رد أحد منسوبي صحة الرياض بأن مفتشي الشؤون الصحية بالرياض توجهوا للموقع للتفتيش فور الاطلاع على التغريدة للتحقق مما حدث، والتجاوب جيد وأمر محمود لكن الأهم منه تغيير سياسة الوزارة لإنهاء الأسباب واجتثاث عروق المسببات.

تكمن (كوارثية) الحادثة فيما سآتي على ذكره بعد وصف ما حدث، وهو أن رجلا دون الخمسين من العمر جاء مع ابنه وزوجته إلى أحد المستوصفات الذي تعلوه لوحة كبيرة (إيهامية) تشير إلى عيادات تخصصية، وكان الرجل يشكو من شعور بالبرد وتعرق وبدأ وجهه يشحب وشفتاه في التحول للون الأزرق (أي طالب كلية صحية يعرف أنها نذر توقف قلب) ولم يتعامل معه طبيب المستوصف بما يشير إلى علم وتخصص فوقع أرضا وأغمي عليه ونظرا لارتباك الطبيب وعدم توفر اسطوانة أكسجين في العيادة فقد بحث عنها في عيادة أخرى فضاع الوقت وبدأ الابن والزوجة المطالبة بنقله بسيارة إسعاف المستوصف لمستشفى خاص كبير وقريب جدا، إلا أن سيارات الإسعاف الثلاث الواقفة أمام المستوصف كانت معطلة ومجرد ديكور لإرضاء مفتشي الصحة والسائق غير موجود (هذا احتيال معتاد تعرفه الوزارة ونعرفه وتعرفه فرق التفتيش).

لم يكن في فريق المستوصف فرد واحد مدرب على إنعاش القلب والرئة (أحد أهم عناصر تصنيف وترخيص هيئة التخصصات الصحية للممارسين الصحيين لكن يتم التحايل عليه بإرفاق سند دفع رسوم التدريب كإثبات ولا تطلب الشهادة وهذا تخلف تسأل عنه الهيئة!!).

الابن والزوجة صعقهما مشهد قريبهما مسجى في منشأة طبية دون مساعدة ولا تدخل طبي فطالبا بالاتصال بالهلال الأحمر لإنقاذه وهنا ما أشرت إليه بأنه كارثة!!، فالطبيب بدلا من طلب مساعدة الهلال الأحمر يتصل بالمرعب المالك (الكفيل) لإشعاره بما حدث في ملكه واستئذانه لمخاطبة الهلال الأحمر والمالك لا يرد فيلجأ الحضور للاتصال بالإسعاف ليصل وقد انتقل الضحية إلى الرحمن الرحيم وزوجته تنظر إليه وتصرخ (كان سليما وأفطرنا معا!!)وابنه ينظر للوحة المستوصف التي خدعته وغدرته في والده!!.

إذا كان مهني مثل الطبيب لا يجرؤ على القيام بمهامه الإنسانية خوفا من المالك والمالك لا يرى هيبة للوزارة (الرقيب) والمنشأة الطبية المرخصة لا تستطيع التعامل مع حالة هبوط دورة دموية وسيارات إسعافها معطلة، وتنتظر توجيهات المالك في كل خطوة، فإن لوحات المستشفيات الخاصة مجرد وهم وسراب، فكيف يكون القطاع الخاص شريكا للوزارة في تقديم الرعاية الصحية كما تدعي إلا إذا كان المقصود بالشراكة شراكة في ملكية المستوصف أو شراكة في الكارثة!!.

قبل مقاضاة العنصري لا تـقبل يـده !!

حسب قناة العربية منذ يومين فإن امرأة سعودية تعمل كابتن طيار رفعت قضية في المحاكم السعودية ضد فتاة عنصرية وصفتها بلفظ عنصري مسيء وكلنا عبيد لله إلا أنها كانت تشير إلى لون بشرتها بعنصرية ممقوتة، وأن المرأة من شدة استيائها من تلك العنصرية شرعت في (تويتر) بعمل وسم (هاشتاق) مناهض للعنصرية ومثل هذه السلوكيات المشينة.

المقاضاة في هذه الحالات أمر مطلوب ويجب دعمه وأرجو أن لا يأتي من يريد دس رأسه في الرمل فيقول إن إثارة هذا الشأن في (تويتر ) أو الكتابة عنه مدعاة لترويجه أكثر أو لفت النظر له أكثر، فالموضوع أصبح يشكل هاجسا اجتماعيا بل إن بعض برامج إذاعات (إف إم) ومنها قناة (يو اف إم) تلقفت الخبر على الفور وعملت عنه برامج وحوارات واستفتاءات واستقبلت الاتصالات حوله، ولابد من أن فتيات وشبانا يعانون من تلك النعوت المسيئة في مدارسهم وجامعاتهم ويكفي أن قناة (العربية) بثته للعالم وموقع (العربية نت) لازال يعرض الخبر فأعتقد أن إصدار حكم رادع ونشر روح المقاضاة في هذه الأمور المشينة يحمي المجتمع من شرورها أكثر من تجنب ذكرها..

الأهم من شيوع وتشجيع ثقافة المقاضاة في هذه القضايا المذلة، التي تقسم المجتمعات إلى قوي وضعيف وعلية قوم وأدناهم وسيد وعبد، هو أن يعمل الناس أنفسهم على عدم قبول الخنوع لبعضهم البعض لا بالقول ولا بالعمل، و (ينعتقون) من بعض صفات المجاملة أو التذلل لغير الله سبحانه وتعالى.

يكفينا فخرا أن ولي الأمر نفسه خادم الحرمين الشريفين حفظه الله منع تقبيل اليد منذ أول يوم تولى فيه الحكم في رسالة حكيمة وإشارة تربوية واضحة لا تحتاج إلى شرح.