قريبا سيتم إنهاء خدمات آلاف الموظفين

لم يعد مستغربا أن يخالف مسؤول أنظمة وتعليمات وزارة الخدمة المدنية، فيعين موظفا خارج إطار المفاضلة، أو يفصل آخر رغم أنه الأفضل، فأنظمة الخدمة المدنية لم تعد لها ذات الهيبة؛ بدليل أن إجازة رعاية المولود دون راتب المقررة للمعلمات منعتها نائبة وزير التربية والتعليم على أرض الواقع، بعدم الموافقة عليها لكل من تتقدم بطلبها رغم أن نظام الخدمة المدنية لم يتغير ولم يلغها!.

وشاهدنا حالات إعفاء في مستشفى جازان مسرح جريمة تلويث الدم دون مسوغات نظامية وثبوت إدانة بناء على منح فرصة لتحقيق معلن شفاف تتاح فيه الفرصة للموظف بالدفاع عن نفسه كما تنص أنظمة الخدمة المدنية!!، ولو حدث وتم التحقيق بشفافية والمقاضاة، فقد تتكشف حقائق وتتغير أو تنقلب اتجاهات الإدانة 180 درجة بمقياس المنقلة، وتشهد القضية زلزالا بثماني درجات على مقياس رختر، فليس شرطا أن يكون المتواجد في مسرح الجريمة هو المجرم!!.

على أي حال، فإن الموظفين السعوديين الذين أتوقع إنهاء خدماتهم قريبا ويصل عددهم لخانة الآلاف ليسوا من المتهمين بمخالفة مهنية!!، بل هم ممن كانوا من المقربين المحبوبين، لكن عملهم لم يعد له حاجة وفق الحالة السائدة لوزاراتنا ومؤسساتنا الخدمية، بعد أن أصبح التجاوب والتفاعل مع المجتمع والناس شبه معدوم، أو هو كذلك.

لم يعد الوزير ولا المحافظ أو حتى المدير العام في حاجة للكم الهائل من موظفي العلاقات العامة المعنيين برصد ما ينشر من شكاوى الناس ومطالباتهم في الصحف، فهو لا يملك حجة الرد عليها، وفي ذات الوقت، فإن إطلاعه على الكم الهائل من قصاصات الصحف التي تنتقده أصبح مصدر إزعاج له وتعكير لمزاجه ويكفيه موظف واحد هو مدير العلاقات (الفم الكبير) كما يسميه الأمريكان (ذي بيق ماوث)، ولا حاجة له ببقية الموظفين، فحتى التلميع أصبح ممكنا بالتعاقد الخارجي مع مؤسسة إعلامية خاصة (outsourcing)؛ لذا فإنني أنصح موظفي العلاقات العامة الصغار بالبحث عن عمل آخر، فالواضح أنهم سيصبحون بلا عمل!!.


«99» خسره تلفزيوننا وكسب بالاحتساب!!

إذا كان القرار فرديا ويبنى على مزاج شخص واحد فإنه لو أصاب مرة لابد أن يخطئ مرارا وأعتقد أن قنواتنا المحلية كانت تدار حسب مزاج مدير القناة وإمكاناته الفردية ومؤهلاته وجرأته وقدرته على المجازفة، بل حتى حماسه ورغبته في تقديم شيء أو البقاء خاملا سلبيا أطول وقت ممكن، وبذلك خسرت الكثير من المتابعين ولم تكسب غير مسميات طريفة، وأرجو أن الحال قد تغيرت الآن أو في طريقها لتتغير فتنجح قنواتنا التلفزيونية أو بعضها في استعادة جمهورها الذي كان مغصوبا ثم عاد برغبته مجذوبا ثم غادر، كل ذلك بفعل مدير قناة أو عدم فعله.

المؤكد أن شأننا المحلي الاجتماعي والرياضي والاقتصادي والأمني والثقافي يجب أن يناقش في قنواتنا المحلية وأن لا نسمح لأحد بأن يقتات عليه من خارج تلك القنوات إلا إذا أراد أن يقتات على الفتات.

كان برنامج (99) الشهير على القناة السعودية الرياضية سببا لتسمر المشاهد غير المهتم بالرياضة والرياضي على حد سواء أمام القناة الرياضية الوحيدة آنذاك، وعندما انتقل إلى القناة الأولى أجبر المشاهد على عقد موعد معها غير مغصوب إلا بفعل جاذبية العمل المهني وطرح الشأن المحلي بشفافية و اتزان.

عندما شد ذلك البرنامج رحاله وغادر إلى قناة أخرى فإن من الطبيعي أنه أخذ معه مدرجا كاملا من ملايين المشاهدين وأصبح همهم (الرئيس).

ينفرد هذا البرنامج أيا كان اسمه بفريق عمل يبذل جهدا كبيرا وخطيرا و متعوبا عليه في توثيق حقيقة القضية من مسرح الحدث، وحتى لا أطيل أدعو من فاته مشاهدة الجزء الثاني من حلقة (المهاجر الخطر) أن يبحث عنها ويشاهدها وعندها سيدرك قيمة السبق في الجزء الأول والمهنية والمخاطرة في الثاني، وقبل هذا وذاك سيدرك، من لم تسعفه أهواؤه على الإدراك، سيدرك جيدا الدور الكبير الذي يلعبه أسود الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ورجال الحسبة في حماية وطن الاحتساب.

كلنا أبو ريالين !!

لا أقصد مطلقا أن قيمة الإنسان لدينا أصبحت تساوي قيمة بضاعة رخيصة تباع بريالين، وإن كان الأمر كذلك لدى من يعتقد بأن حياة الإنسان لا تعادل حرصا يمكن تحقيقه بثمن بخس، فضاعت أرواح بشر بين ضحايا تفحيط وضحايا سرعة أو ضحايا نقل دم أو فيروس كرونا (غير مقلق) أو بعوضة تنقل حمى الضنك أو لعبة ملاهٍ في مركز تجاري ضخم لم تحظ بدقائق فحص لمتطلبات السلامة.

ما أقصده أننا ــ كناشطين في حماية المستهلك ومتحمسين لحقوقه ــ يجب أن نقف صفا واحدا مع محلات (أبو ريالين) ندعمها في الاستهداف الإعلامي الذي تتعرض له والحرب الموجهة إليها، ليس حبا في محلات (أبو ريالين) التي تعتبر ــ ويا للأسف ــ إحدى صور الاستثمار الأجنبي الذي جلبه أحدهم ورحل!!، وليس حرصا على اقتناء بضائع سيئة المواصفات تبيعها تلك المحلات!!، ولكن احتراما لعقول الناس وحفاظا على الحقوق الفعلية الشاملة للمستهلكين من الوهم الذي تنشره تلك الحملة الشرسة على سوء مواصفات بضائع (أبو ريالين)، وكأن البضائع الأخرى في الأسواق الأكبر ــ بل كبريات محلات البيع ــ ذات مواصفات عالية!!.

يؤسفني أن تنجر برامج تلفزيونية مشهورة وصحف سيارة نحسبها مهنية مع تحديد ضعف المواصفات والخطورة وعدم التحمل والتقليد في بضائع محلات (أبو ريالين)، مع أنه عام في كل السوق دون استثناء، فحتى بعض وكالات السيارات اكتشف بيعها لسلع مقلدة!!، فالمشكلة تكمن في سوق مفتوح أمام بضائع المواصفات السيئة والسلع المقلدة والمواد الكهربية ضعيفة التحمل، وليست فقط في محلات (أبو ريالين)؛ كما يحاول كبار التجار إيهام المستهلك عبر وسائل إعلام تنجر مع هذا الوهم وتخص فئة موزع (أبو ريالين) بحملة يفترض أنها شاملة.

نفس أسلوب إيهام المستهلك تمارسه محلات (أبو ريالين) نفسها، فها هي تنجح في فرض تسمية (أبو ريالين)، مع أنها تبيع سلعا بأكثر من 500 ريال، بل لم يعد لديها سلع رخيصة أو أقل سعرا من بقية السوق، فهي تمارس بيع الوهم، لكن الأخطر أن يوهمنا الإعلام أن الغش والتقليد وسوء المواصفات حكر على فئة موزع واحد، وهو عام وشامل حتى في أفخم المتاجر، والفحص والرقابة هما الفيصل!!.

عشة حمام في مبنى المرور

قبل أن تطلب أي جهة من الناس احترام موظفيها وأفرادها العاملين في الرقابة أو التنظيم عليها أولا أن تحترمهم هي، ومن الاحترام للموظف أن توفر له البيئة (المحترمة) لأداء عمله، وبخاصة من يعمل في الرقابة وفرض النظام لا بد له من شخصية مهابة، وللشخصية المهابة متطلبات أساسية لا غنى عنها، منها الراتب المجزي الذي لا يتيح لضعيف نفس استغلال ضعفه (وهذا ما يفتقده كثيرا مراقب البلدية)، ومنها المركبة الرسمية المميزة بشعار جهة العمل، وهذه تنقص عددا من المراقبين الذين يستخدمون سياراتهم الخاصة المتواضعة ويكونون عرضة للإغراء من ضعاف النفوس أيضا.

ما أتطرق إليه اليوم لا علاقة له بالراتب المجزي، ولا المركبة الرسمية ذات الشعار، ولا الإغراء من ضعاف النفوس، إنما هو بيئة العمل التي لا تجوز ولا تصلح لحمل شعار جهة حكومية رسمية لها كل الاحترام والتقدير ولا تغري موظفا على الإخلاص في العمل أو حب مكان أداء الواجب.

في حي (أم الحمام) بالرياض، وتحديدا في منطقة ورش إصلاح السيارات، أنشأ مرور الرياض مشكورا فرعا له لينهي إجراءات المرور في ذلك الجزء من المدينة، لكن مبنى ذلك الفرع الذي يخدم أعدادا كبيرة ومنذ سنوات عديدة عمل على شكل (صندقة) من الصفيح الجاهز وجزء من امتداده مجرد مضلة لا جدران لها، والمكان برمته لا تتبعه دورة مياه، ويضطر الموظفون لاستخدام دورات مياه المسجد القريب (وكلنا يعرف سوء حال دورات مياه المساجد وعدم تجاوب الوزارة المعنية بأحوالها).

باختصار شديد، فإن فرع مرور الرياض في حي أم الحمام يتماشى مع مسمى الحي، وأقرب إلى (عشة حمام) منه إلى ثكنة تليق برجال المرور البواسل الذين إذا قصروا انتقدناهم، لكننا لا نقبل بالتقصير معهم في تهيئة بيئة العمل وفرض الهيبة.

ليتهم كلهم مدربون

في توقيت غير مناسب، بل خاطئ جدا، نرصد صدودا للشفافية والمصارحة وهجرا للتفاعل مع الناس والتجاوب مع وسائل الإعلام وعرض المعلومة الصحيحة المطمئنة على بساط أحمدي، وعلى العكس ثمة مجاهرة واضحة بالهروب عن عرض المعلومة وإجابة السؤال.

نائبة وزير التربية والتعليم نورة الفايز رفضت تماما الإجابة على أي سؤال صحفي خارج إطار لقاء منسقي (جلوب)، ونشرت صحيفة «عكاظ» هذا الرفض في عنوان ملفت (الفايز ترفض إجابة استفسارات «عكاظ» خارج إطار لقاء منسقي «جلوب»)، هذا مع أن المسؤول وبحكم مسؤوليته مطالب بالرد على أي سؤال طالما أنه لا يمس شؤونه الشخصية أو العائلية، لكن رفضها جاء امتدادا لصمت غريب تعيشه وزارة التربية والتعليم وهجران لعلامات استفهام حائرة يريد الناس لها إجابات!!.

وزير الخدمة المدنية لا يريد أسئلة شفهية من الصحفيين، بل يريدها مكتوبة، ولا أستبعد أن يحصل الصحفي على رقم معاملة يراجع به الصادر والوارد للبحث عن إجابة تهم الناس ولا تتعلق بشأن شخصي!!.

وزير المياه يكتفي بالقول إن كلفة المياه والكهرباء على المواطن قليلة جدا إذا ما قورنت بفاتورة جوال للفرد، لكنه لم يجب قط على وصول فاتورة الكهرباء لأسر فقيرة (لا تملك جوالا) إلى معدلات تصل إلى 450 ريالا شهريا، ولم يوضح قط أسباب تناقض وعود عدم انقطاع الكهرباء مع واقع الانقطاع.

وزارة المالية بكامل طاقمها الضخم لا تتعاطى مع الإعلام رغم أن كل الوزراء دون استثناء يحتجون بالمالية لتبرير أي قصور!!.

وزارة الصحة ــ والحق يقال ــ تتجاوب إذا ضيق عليها بشكوى شعبية عامة وحاصرتها وسائل الإعلام بعرض حالات إنسانية مأساوية، لكنك تتمنى أحيانا لو أنها صمتت مثل غيرها، عندما تقول إن الإيدز الذي تنقله إبرة مخدرات صغيرة (إبرة أنسولين 1 مل) لا ينتقل بكيس دم ملوث حجمه نصف لتر، أو أن وفاة سبعة بفيروس الكرونا (50 % من الوفيات عالميا) غير مقلقة.

أما وزارة الإسكان، ففي عداد الطرشان طالما تعلق الأمر بسؤال: كم أنجز ولماذا ؟!.

وحدها وزارة الداخلية ومدربو فرق دوري زين من يتجاوب بعقد مؤتمر صحفي يجيب على أسئلة الصحفيين!!، ليتهم كلهم مدربون!.

قالوا وقلنا

** قالت أخيرة (عكاظ): الآلاف من المحتاجين يتجمعون عند قصر أفراح تحت حرارة الشمس لاستلام زكاة نقدية من جمعية خيرية!!.
* قلنا: صورة مع التحية لوزارة الشؤون الاجتماعية!!
**
** قالت (الشرق): فحص مياه تبوك يؤكد سلامتها من التلوث بالبكتيريا والصحة تؤكد إصابة ست حالات بالتهاب الكبد (أ).
* قلنا: افحصوا أكياس الدم!!.
**
** قالت (الشرق): حظيرة لتربية الدواجن والطيور داخل شبك بفناء مدرسة بنات تهدد صحة الطالبات!!.
* قلنا : غدا تتدخل مكافحة الفساد وتسأل كم تبيض كل دجاجة وأين يذهب البيض؟!!.
**
** قال رئيس هيئة الأمر بالمعروف: لن نفصل النساء عن الرجال في معرض الكتاب!!.
* قلنا: خلاص والله فهمنا!!
**
** قالت محطة أخيرة بـ (عكاظ): التربية تحقق مع مديرة مدرسة بصامطة نزعت حجاب طالبات وأجبرتهن على الخروج بدونه.
* قلنا: ( يمكن خريجة فرنسا).
**
** قالت أسرة ضحية جرثومة الدم
لـ (عكاظ): الصحة تتحمل مسؤولية التأخير في نقل حنان لمستشفى متخصص!!.
* قلنا: لم يعد في الصحة حنان!!.
**
** قال وزير الزراعة لـ (الوطن): سنواجه أسراب الجراد بالطائرات!!.
* قلنا: (انتبهوا لا تطيحون!!) .
**
** قال مدير الدفاع المدني لـ (عكاظ): نحن بريئون من قتل الناس في حوادث الحرائق!!.
* قلنا: (بريئون من قتل الناس في الحرائق والغرق والملاهي!! ما هي مسؤوليتكم بالضبط؟!!).

اسحبوا هذا السلاح

استخدم أكثر من مرة في القتل والتشويه والاعتداء ولم يمنع!!، صحيح أن كل أداة حادة أو مادة خطرة يمكن أن تستخدم في القتل والتشويه، ويصعب أن نجرد أنفسنا من كل حاد وخطر حتى لا يستخدم كسلاح، لكن إذا كانت تلك المادة يمكن الاستغناء عنها أو مراقبة صرفها والحد منه، وكانت هذه المادة تستخدم للقتل والحرق وتشوه حتى بغير قصد في حوادث منزلية، وتشكل خطرا على الكبار والأطفال ــ على حد سواء ــ بسبب قلة الوعي وانعدام التوعية، فإن أسرع وأنجع الحلول هو فرض الرقابة الصارمة عليها أو منعها وكفى!!.

لا يمكن أن أنسى ذلك الشاب اليمني المجرم الذي سكب مادة الأسيد (حمض الكبريتيك)، ويسميه العامة (موية نار) على أم وبناتها الثلاث وهن نائمات في إحدى قرى الجنوب الحدودية، فقتلهن انتقاما لرفض الأم تزويجه ابنتها وعفا عنه الأب من القصاص، عفوا غريبا علمت بعد ذلك أنه بتهديد من قبائل يمنية!، ومنذ ذلك الحين وأنا أتابع ــ كصيدلاني ــ ترك هذا السلاح يباع لمن هب ودب في محلات السباكة لفتح المجاري المسدودة، لكنه استخدم كثيرا في حالات انتقام واعتداء داخل الوطن لا تعد ولا تحصى، ويمكنكم الإطلاع على أمثلة منها عن طريق الشيخ (قوقل)، أحدها لسائق سريلانكي سكبه على أسرة سعودية بالرياض!!.

ما يقلقني أكثر هو الحوادث المنزلية غير المقصودة ولا المخطط لها، فجرائم القتل والاعتداء أسلحتها كثيرة وحلها في السيف الأملح، لكن المشكلة في الاستخدام الخاطئ بجهل، وأحدث ما اطلعت عليه كان لوالد حاول إنقاذ ابنته من رشة (أسيد) سكبته الخادمة في فتحة مجارٍ مسدودة لفتحها، فأصاب جسد الطفلة منه رذاذ حارق، فأسرع لحمل ابنته وانزلق في السائل المسكوب، وكانت عاطفة الأبوة ــ كالعادة ــ أقوى من الألم، ولم يشعر لاحقا إلا باحتراق ملابسه وانسلاخ جلده وسقوط مساحة كبيرة من لحمة الفخذ في الأرض، ولا يزال تحت العلاج المركز من الحروق.

هذا مثال واحد حديث، والأمثلة شبه يومية، فهل يستحق أمر فتح المجاري ترك هذا السلاح الخطير في متناول الجاهل بخطورته وخصائصه وأبخرته التي تفتك بأنسجة الرئة، ومتناول المجرم العارف بها على حد سواء؟!.

طنين الكذاب لتشويه الاحتساب!!

الكذب والافتراء على أي عمل سلوك دنيء لا يجوز أن نسكت على شيوعه وتكرار حدوثه، ذلك أن شيوع الكذب في المجتمع عموما أمر مكروه وتربية على الخسة وعكسه (قل الحق ولو على نفسك) والحث على قول الحق في الغضب والرضى.

فإذا شاع الكذب على عمل صالح وشعيرة من شعائر الدين العظيمة كشعيرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فإن الخسة والدناءة تكون أعظم وأخطر!!، وهذه الأيام كثر الافتراء على من يقوم بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ويحتسب الأجر في القيام به كما أمر به الله سبحانه وتعالى مستغلا سلوك قلة قد تكون غلت وبالغت فيه غيرة على الدين أو المجتمع، لكن حدوث المبالغة في سلوك حسن وشعيرة عظيمة ورد الحث عليها في أكثر من آية في القرآن الكريم الذي نفخر في هذه البلاد أنه دستورنا العظيم، لا يبرر لوسائل الإعلام المرخصة أن تتيح لمن ليس في مصلحته النهي عن المنكر أو لا يروق له أن يعم الأمر بالمعروف بأن يفتري ويكذب على شعيرة الاحتساب!!، على أمل القضاء عليها وتكتيفها بما لا يخدم صلاح المجتمع ولا يريح إلا من يريد فساده.

يستغل محارب الاحتساب مناسبات معرض الكتاب (بسبب حادثة فريدة وسلوك فردي أنهي في حينه ولم يتكرر)، ويعزف على أوتار محددة تتعلق بعمل المرأة المختلط مع الرجل مستغلا الخلط بين ما هو حق وما هو باطل!!، فالحق أن عمل المرأة في بيئة وظيفية مختلطة لا توفر الظروف المناسبة والأرضية الأساسية والمتطلبات الضرورية لحماية المرأة الضعيفة (وظيفيا) من استغلال الرجل الأقوى منها (وظيفيا) ظاهرة مرفوضة عالميا وليس فقط في مجتمعنا المحافظ، وما نشر في أمريكا وحدها (والتي يحبذ البعض الاستشهاد بها) عن التحرش في العمل يعادل ما نشر في العالم أجمع رغم قوانين الحماية الصارمة الشاملة!!، أما الباطل فهو القول أن المحتسبين ضد عمل المرأة بالعموم.

وبالرغم من أن الاحتساب شعيرة عظيمة عندنا كمسلمين تواجه افتراء من أدعياء الحريات المزاجية وبالرغم من أنني لا أؤيد الاستشهاد بأمريكا وأوربا في شأن ديني نفخر به إلا أنني لهم أقول إن الأفراد والجماعات التي تتدخل بالقول والفعل لمنع سلوكيات اجتماعية سيئة كالعنف الأسري أو الدعارة في أمريكا وأوربا كثيرة وتجد دعما حكوميا وهي (احتساب غربي) قد يعجبكم!!.

لا تغرسوا الإحباط في حقول جازان !!

بالأمس، بدأت في الحديث عن زيارتنا لجازان، وتطرقت لمعاناة الأسر المنتجة كما روتها سيدات وفتيات جازان، وتوقفت عند شكوى المحسوبية في إرسال عدد محدود منهن للمشاركة في الجنادرية وغيرها، ثم اقتراح إحداهن بأنه لو تبنى أحد رجال الأعمال صانعات العطور ــ مثلا ــ ووحد جهودهن في مشروع واحد لوصلنا إلى تصدير العطور والبخور للخارج.

سيدة كبيرة في السن أقسمت أنها تدفع لسيارات الأجرة من صامطة للقرية الشعبية في مدينة جيزان 400 ريال يوميا، وهذا يقودني لسؤال عن مشاريع رعاية الأسر المنتجة التي نسمع عنها أكثر مما نراها: لماذا لا تؤمن وسيلة نقل جماعي تنقلهن من البيوت إلى موقع المعرض وهذا أضعف الإيمان!!.

الشكوى الأعم كانت عن المحسوبية في منح الفرصة في الجناح الدائم في القرية، وهذه قد تعود للمساحة المحدودة جدا المتاحة في الجناح الدائم، مما يوهم بمنح الفرصة للبعض دون الآخر، كما أن بعضهن يشتكين من قطع أرزاقهن باستبدالها بأخرى قادرة على دفع إيجار!! ومثل هذه المصائر النسائية يجب أن لا تترك للرجال دون تدخل لجنة نسائية!!، وسؤالي: لماذا لا تتوسع القرية الشعبية وتزيد من عدد الدكاكين الدائمة؟!، خصوصا أن المساحة متوفرة والراغبات كثر، وحسب إجابتهن، فإن الطلب على إنتاجهن كبير.

سألتهن: هل تشتكون لأمير جازان وتصل أصواتكم، فكانت الإجابة أن بابه مفتوح ويستقبلنا ويستمع لنا، لكن الأوامر تضيع في أنفاق البيروقراطية وضعف المتابعة ونجاح من يريد حسدا أو (استقعادا) أو (استقواء)، وللأمانة فإن هذا الانطباع شائع في جازان، سواء لدى الأسر المنتجة أو المزارعين، خصوصا رواد إنتاج المنجا في المنطقة، فالواضح أن من يريد أن يعرقل مصالح غيره من المزارعين ينجح في الغالب بـ(غرس) إحباط شديد و(زرع) المعوقات في طريق المزارع والفرد المنتج و(حصد) التعطيل، وهو ما يتعارض مع الصالح العام والتوجه لتشجيع المنتجين ويضر بمصالح الوطن وتنوع إنتاجه، وأجزم أن جازان العطاء دون أخذ والكرم دون منة والعمل دون كلل والأمل دون يأس تحتاج إلى اهتمام أكبر وتشجيع أشمل ومتابعة أدق وأعمق ومرونة أكثر.

شكوى الجيزانيات لله

يخونني التعبير وتضيع مني المفردات حينما أتذكر أصوات النساء الجيزانيات من الأسر المنتجة وتعابيرهن البليغة وأفكارهن الرائعة وهن يبدين الشكوى والمقترحات والأفكار الاقتصادية التي من شأنها أن تعلي شأنهن في بحثهن عن الرزق الحلال أثناء الفعاليات والمعارض التي تقام (مؤقتة) وفي مناسبات زمنية محدودة في جازان، هذا لمن لم يحالفه الحظ للفوز بحجرة صغيرة في الجناح الدائم محدود الأمكنة في القرية الشعبية الدائمة.

زرنا جازان زيارة شخصية غير مرتبة مسبقا ولا بدعوة رسمية، حمد القاضي، ومنصور الخضيري، وخالد السليمان، وأنا، ومن مميزات الزيارات بغير دعوة رسمية أنك ترى الأشياء على طبيعتها، ومن الأشياء الطبيعية التي رأيناها كرم جازان، وحميمية وحب للآخر، واحتفاء بالضيف، وثقافة واسعة، ومعرفة بالناس، واحترام لكتاب الرأي لو كتبت عنها بقية عمري لم أجزئها حقها، لذا فسأكتفي بالحديث عن معاناة أفكار ونشاط وجهود أهل جازان في البحث عن العيش، وخدمة هذا الوطن، ما أن دخلنا جناح الأسر المنتجة في المعرض المؤقت حتى بدأت المفاجأة الأولى، جميع النساء دون استثناء يردن أن يقدمن لنا إنتاجهن وشقى أيامهن هدايا مجانية، ونحن نحاول إقناعهن أننا نفضل الشراء، هذا لم أشاهده في أي معرض زرته، ومع الشد والجذب بدأنا نسأل ونقول نحن نريد تشجيعكن وأنتن جديرات بالتشجيع فهل وجدتموه؟ عندها وبطريقة جد مهذبة وبلغة راقية وأفكار نيرة تنم عن وعي كبير، وثقافة عالية قالت إحداهن: أنا خريجة جامعية تخصص «رياضيات» لم أجد وظيفة وعانيت كثيرا أثناء محاولاتي عرض منتجاتي وهو ما دعاني لقول تلك القصيدة التي سمعتموها في الحفل، علمت عندها أنها تلك المرأة التي لا يزال شطر بيت من قصيدتها يرن في أذني عندما قالت (اللي ما له ظهر ما له ظهور).

أما الأخرى فصانعة عطور يبدو عليها البؤس والحزن ويبدو جليا أنه لا ظهر لها وقد كادت تهل الدمعة وهي تقول: أصنع هذا الكم الكبير من العطور والبخور وأدوات التجميل وليس لدي موقع في المعرض الدائم، وبمجرد انتهاء هذه الإحتفالية المؤقتة أخسر كل ما بقي من إنتاجي فلماذا لا يكون لنا مكان دائم، ويسمح لنا بالمشاركات في معارض المملكة الأخرى كالجنادرية، ومعرض الأسر المنتجة في القصيم، وفي المنطقة الشرقية، وأردفت إنهم يختارون عددا محدودا جدا ممن يريدون، وتدخلت أخرى لتقول: لو تبنى رجل أعمال واحد كل صانعات العطور في جازان وحدها لاستطعنا تصدير منتجاتنا إلى الخارج.

قلت لكم إن المساحة لا تتسع .. غدا نكمل.