الشهر: مايو 2001

النظم والإجراءات ورضاح العبس!!

* لا أحد ينكر أننا بلد استطاع ان يقفز قفزات نوعية متتالية بفعل استغلال زمن الطفرة استغلالاً جيداً بمراحل وخطوات واسعة في مجال البناء واعداد الاجيال والاستفادة من مدارس العالم المختلفة في اعداد كفاءات وطنية مؤهلة.

خدمتنا المادة كثيراً في البناء والتطور والرفع من مستوى التطلعات، لكن المبنى يحتاج الى صيانة في شكل تحديث للنظم والاجراءات القديمة التي انتهى عمرها الافتراضي ولم تعد تواكب التطور السريع والمتغيرات العديدة التي طرأت علينا وعلى العالم من حولنا.

وقف معنا الريال وقفة الرجل الشهم ومكننا من استيراد التقنية وتطوير المبنى بطوب معلب مسبق الصنع، ومجموعة عجلات وتروس متعددة استوردناها متحركة لكن السيد (ريال) ليس في مقدوره المحافظة على تسارع تلك العجلات والتروس طالما ان العوامل البيئية الخاصة بنا لا تتناغم مع النظام المصنعي لوسائل التطور التي استوردناها، وطالما اننا مازلنا محجمون عن تحديث النظم والاجراءات التي هي بمثابة الزيت الذي يضمن سهولة الحركة وانتظامها.

لقد شيدنا بنية تحتية اسمنتية جيدة وزودناها بتقينة حديثة ومتطورة وعلمنا الانسان في الداخل ثم في الخارج ليكون مؤهلاً للعمل على تلك الاجهزة الحديثة لكننا اهملنا الوصف الوظيفي للعمل والعامل معاً.

نفتقد للنظم والاجراءات التي تضمن سير العمل بطريقة سلسة وتحدد المسئوليات والواجبات ووسائل التقويم والتقييم.

نفتقد للوصف الوظيفي للوظيفة وتحديد مواصفات الموظف المؤهل للعمل في تلك الوظيفة.

ولذلك فإننا وبمجرد ان نواجه ازمة ما، يصعب علينا السيطرة عليها بل يصعب تحديد المسئولية حولها لان غياب الوصف الوظيفي يجعل الجميع مسئولاً عن التقصير وغياب نظم واجراءات العمل مدعاة لحدوث الخلل في اي وقت حتى لو وجد الحماس ومحاولة المعالجة والارتجالية.

والامثلة كثيرة ومتعددة ودعوني اوردها بشكل غير مرتب مع سياق الطرح وستجد ان كل مثال يوضح بنفسه خللاً ما.

ضياع المسئولية في ازمة حمى الوادي المتصدع وتحولها الى دم بين قبائل، ومسئولية ضاعت بين ثلاث وزارات، هذا أمر يرجع الى غياب التحديد المسبق للمسئوليات وغياب تحديث النظم والاجراءات فبعض تلك النظم ربما كانت اقدم من تاريخ استحداث احدى الوزارات او الوكالات المسئولة.

لا يوجد موظف حكومي واحد في اي دائرة حكومية او وزارة له وصف وظيفي محدد ليس له ان يحيد عنه او يطالب بأكثر منه، الجميع يعملون بناء على ما يطلب منهم الرئيس المباشر عند التعيين وتملى عليه مهامه شفهياً في يوم “الدخلة” وبعدها تتوالى التعليمات حسب ما يستجد بالبركة.

الترقيات على الوظائف تتم بالمسابقة بين عدد من الموظفين على وظيفة واحدة قد تكون خارج المدينة التي يعملون بها وجميعهم لا يعرف وصف الوظيفة” يعرفون المسمى فقط” ولا يعرف ان كانت مواصفات الوظيفة تناسب مؤهلاته وخبراته ام لا، بدليل ان الفائز بالوظيفة اذا رفض مباشرتها فإنها تذهب للذي يليه!!.

الخلط الكبير الحادث حالياً بين المسئولية عن ما هي مواد طبية وما هي مواد تجميل وما هو طب اعشاب وما هو علاج عشبي او شعوذة، مسئوليات ضائعة بين وزارة التجارة ووزارة الصحة.

تفاوت المزايا الوظيفية بين العاملين في القطاعات الصحية المختلفة من فنيين وصيادلة واطباء واساتذة جامعة، هذا الموضوع المستعصي منذ مدة، لا يحتاج الا الى سن نظام موحد سهل الاعداد ويحتاج الى من يعلق الجرس!!.

ضياع المسئولية في ضبط وتحديد التلوث بالمواد الملونة والمواد المشعة في الاغذية هل هي مسئولية مختبرات التجارة ام الصحة؟!.

موضوع المسئولية عن التخلص من النفايات الطبية الخطرة لمستشفيات الجهات الصحية المتعددة هل هي مسئوليات القطاعات الصحية ام صحة البيئة؟!.

هذه امثلة متفرقة والزبدة فيها، بل بيت القصيد..، هو عدم توفر نظم واجراءات ووصف وظيفي وتحديد المسئولية وهذه وربي امور سهلة قياساً بالشوط الكبير الذي قطعناه في مجال البناء واعداد البنى التحتية للخدمات فيما يقي هو اقل الجوانب تكلفة مالية واسهلها تنفيذاً ومكمن الصعوبة فيه هو انه لا يستورد (!!) ويحتاج الى مبادرة ذاتية لانه يتعلق بنا وبطبيعتنا ولا يمكن ان يعده غيرنا.

ارجو ان لا نكون مثل “رضاح العبس” عندما استعصت عليه واحدة تركه كله!!

بلديات القرى والمقاول المشاغب

* لعل أهم المشاكل التي تعاني منها النظم والإجراءات واللوائح هي تفسير النظام وعدم مرونته واستغلال هواة المخالفات لثغراته بما لا يخدم الصالح العام.

أحد الأمثلة ترسية المشاريع الذي يذهب غالبا للعطاء الأرخص، هذا النظام مقبول من حيث المبدأ نظراً لدور المناقصات في خفض التكلفة ومنع الاستغلال، لكنه يحتاج إلى مزيد من التدعيم باجراءات صارمة بعد الترسية وأثناء التنفيذ تتركز على تقييم أداء المقاول وأمانته والتزامه بالمواصفات. وان يترك هذا الأمر للجهة المستفيدة التي تتابع التنفيذ، وهو أمر بديهي قد يكون مطبقاً نظرياً أو مذكوراً في ثنايا النظام لكن ما نحن بصدده هو الأخذ بتقييم الجهة المستفيدة وملاحظاتها وشكواها من المقاول وادخال هذا التقييم ضمن سجل المقاول الذي يحدد دخوله في مناقصة أخرى من عدمه.

بعض المقاولين أدمن تقديم أرخص العروض والفوز بالعطاء ومن ثم الغش والتلاعب في بعض المواد أو طريقة التنفيذ بوسائل يحتاج اكتشافها إلى جهد رقابي كبير وعيون ثاقبة متخصصة قد لا تتوفر في كل بلديات القرى مثلا.

وإذ ما تم ضبط هذه التلاعبات أو جزء منها بفضل حماس وحرص مهندس وطني أو رئيس بلدية متفان في أداء عمله، فإن في وسع المقاول إرهاق جهاز البلدية ومراقبيه بأشكال أخرى من الغش والمماطلة. لأنه يعرف جيداً ان شهادة التقييم ستصدر بعد إنهائه للمشروع وتقتصر على وفائه بالبنود الأساسية، اما محاولاته ومماطلته وتسويفه وارهاقه للجهاز الرقابي فلا يمكن ان تكون ذات تأثير طالما ان شكوى المستفيد وملاحظاته على المقاول لا تلعب دورا في أمر دخوله في مناقصة أخرى!!.

يشتكي عدد من رؤساء البلديات من أنهم يعانون الأمرين من تلاعب بعض المقاولين وممارستهم لكافة اشكال الحيل التي تحتاج إلى جهود مضنية لكشفها ومنع تكرارها خاصة في اعمال دفن الحفريات وتمديدات المياه والكهرباء والهاتف وطبقات السفلتة وخلافها.

وانهم يضعون أيديهم على قلوبهم عند اعلان الترسية لمشروع جديد خوفا من ترسيته على مقاول معروف بمشاغباته ومشاكله.

هذا القلق من رؤساء البلديات ومراقبيها يؤكد ان النظام اغفل عنصرا هاما هو سمعة المقاول عند استقبال العروض، صحيح ان النظام يتحدث عن عقوبات الغش والتأخير ويتحدث عن تصنيف المقاولين للمشاريع التي تفوق تكلفتها عشرة ملايين، لكن الواضح ان تقييم الجهة المستفيدة خاصة في المشاريع البلدية الصغيرة لا يعتد به ولا يلعب دورا في حرمان المقاول المتلاعب من دخول مناقصات لمشاريع في نفس البلدية أو المدينة أو القرية.

يقول أحد رؤساء البلديات ننتظر إعلان الترسية بنفس قلق طلاب المرحلة الثانوية عند انتظار نتائج الامتحانات، نخشى ان يفوز بالعطاء مقاول لنا معه تجارب مريرة في ممارسة شتى انواع الحيل والغش فإذا فاز واحد من هذا النوع نعلن حالة الاستنفار ونلغي اجازات المهندسين والمراقبين ونعيش في حالة من الشد النفسي إلى ان ينتهي المشروع.

من هذا يتضح ان رؤساء البلديات لا حول لهم ولا قوة حتى امام مقاول مشاغب فالنظام يعطيه الحق في دخول المناقصة والفوز بها إذ كان عرضه الأفضل دون النظر إلى سجله في تنفيذ مشروع أو عدة مشاريع سابقة، وهذه احدى الثغرات التي يجب سدها كما اقترح على الجهات الحكومية ان تستفيد من تجربة القطاع الخاص في أمور الترسية فالقيمة المالية لا يمثلها انخفاض التكلفة الاجمالية. ان الوقت نقود، والجودة نقود، وتقليل اشغال الجهات الرقابية ينعكس في شكل وفر مالي ورغم كل هذه الفوارق المالية الكبيرة بين التعامل مع مقاول حسن السمعة وآخر مزعج فإن الأخير ربما فاز بالعطاء لأن عرضه ينقص بمقدار حفنة من الريالات.

الماء وإدارة الأزمات

* فن إدارة الأزمات يؤكد على ان تتحمل الجهة المعنية بالأزمة التنسيق مع لجنة أو هيئة عليا لادارة الأزمات وتحمل كل التبعات في سبيل جعل المواطن في منأى عن آثار الأزمة ما أمكن ذلك.. أي ان تبذل كل جهود على مستوى وطني لجعل الأزمة تمر دون ان يشعر بها الناس.

ولذلك فإن الدول التي تحاسب المقصر بشدة، وتقرر فيها الأزمات والشدائد بقاء المسئول أو رحيله، هذه الدول المتقدمة تشهد طوال العام تجارب وهمية لكافة أشكال الأزمات وأعمالاً جادة لسد كل الثغرات وتبذل في أمر التصدي للأزمات مبالغ وجهوداً عظيمة لضمان مرور الأزمة بأقل قدر ممكن من الشعور بها من قبل المواطن والمقيم.

أما في الدول التي لا ترتبط فيها الأزمات بالتغييرات وتمر أزماتها برداً وسلاماً على المسئول فإن الأمور تدار بالبركة دون احتياط للكوارث ولا وضع أدنى حساب للأزمات فالمواطن هو المعني بحمل الآسية وهو من يدفع ثمن الأزمة وما يترتب عليها من معاناة بل قد يتقرر بعد الأزمة ان عليه ان يتحمل تبعاتها بشكل أو بآخر.

خذ على سبيل المثال لا الحصر أزمة العطش التي تجتاح الرياض هذه الأيام، هذه الأزمة يفترض ان يتم التعامل معها ضمن اطار التعامل مع الكوارث وان تدار الأزمة من قبل هيئة ذات خبرة وقدرة وقرار نافذ وان لا يترك التعامل معها لمصلحة مرتكبة مذعورة منبهرة وكأن الأزمة غير متوقعة أو بعيدة الحدوث.

الواضح ان الأزمة لم تكن ضمن حسبان مصلحة المياه والصرف الصحي بالمنطقة الوسطى بل أن مبدأ ادارة الأزمات غير متوفر، فالمصلحة أجلت الإعلان عن الوضع حتى احس به الناس وتعالت الصيحات وهذا خطأ جسيم يتنافى مع أبسط مبادئ ادارة الأزمة. فلو توفر لدى المصلحة وغيرها من الجهات المعنية بهذه الأزمة شيء من فن الاحتياط للكوارث فإن الأنابيب المعنية ستخضع لكشف دوري وصيانة مستمرة وتوفير قطع الغيار لكل جزء يتوقع ان يصيبه التلف وبذلك فإن احتمال حدوث الأزمة سيكون قليلاً جداً، هذا ما يخص أخذ الحيطة.

أما فيما يخص ادارة الأزمة واجراء تدريبات وهمية واجراءات لمواجهة حادثة متوقعة فإن المصلحة ستكون قد أبرمت سلفاً اتفاقات مع متعهدي توفير المياه بالصهاريج من داخل المدينة وخارجها على ان يتم خلال الأزمات استنفار كافة الامكانات بالقدرة الأعلى لجلب الماء للمدينة بنفس السعر خلال الأوقات العادية وان تكون المصلحة قد حررت سلفاً وعند استخراج التصريح تعهداً على ملاك الصهاريج من غير المتعهدين بضرورة الالتزام بالسعر في كل الأوقات والانضمام إلى فريق مواجهة الأزمة فور حدوثها والعمل وفق توجيهات هذا الفريق. وستكون قد قررت سلفاً عقوبة للمخالف لا تقل عن عشرة أضعاف سعر البيع المخالف وسحب الترخيص. وستكون المصلحة قد نفذت مع متعهدي توفير المياه وأصحاب الصهاريج وجميع منسوبيها ومع الجهات ذات امكانيات المساعدة والتي يتوفر لديها صهاريج من القطاعات الحكومية قد نفذت أكثر من خطة طوارئ وهمية مع هذه الجهات لمواجهة طارئ متوقع الحدوث بنسبة كبيرة خاصة وان الخزانات الاستراتيجية تقع خارج المدينة.

يفترض ان تكون المصلحة قد درست بعناية احتياج المدينة اثناء الأزمات قبل حدوثها وحددت عدد الصهاريج وعدد الأشياب وخريطة المواقع بما يكفل تعاملاً بحجم الحدث، وستكون المصلحة قد دربت منسوبيها والمتعاملين معها على مواجهة أفواج العطشانين ودربت مراقبيها على اتخاذ مواقعهم في مراكز التوزيع والاشراف على الالتزام بالدور والسعر ووقت الخروج والعودة لكل صهريج واستقبال الشكاوى على المخالفين والبت بها فوراً.. وستكون مصلحة عصب الحياة قد شرحت للجهات الأمنية خفايا الحيل والتلاعب الذي قد يحدث واستعانت بدورياتهم في ضبط النظام وفرضه.

هذا ما يخص دور المصلحة فقط أما دور هيئة ادارة الأزمات فسيكون أعم وأشمل وأكثر تنظيماً.

تذكروا جيداً ان كل الفوضى التي تحدث الآن بكل صورها المأساوية هي بسبب انقطاع 30% من المدد فقط!! ماذا لو انقطع المدد كله ، ما الذي سيحدث ؟! كيف سنواجهه ؟! كم سنعيش معه؟! من سيدفع الثمن؟! السؤال الأخير فقط معروف الإجابة واجابته المواطن!!

حمى الماء المتصدع المسؤول يتهرب

* ما يحدث في الرياض “إحدى أكبر العواصم العربية وأشهرها” هذه الأيام من فوضى البحث عن الماء، أمر يدعو للخجل وخيبة الأمل، ليس لأن الأنبوبين المغذيين للمدينة انكسرا فحدثت كارثة مائية ولكن لأن أحداً لم يحسب أي حساب في وقت الرفاهية لما يمكن أن يحدث من طارئ أو كارثة في وقت الشدة.

سنؤجل التساؤل عن أسباب الإنكسار للأنبوبين فقد ذكر مدير عام مصلحة المياه والصرف الصحي بمنطقة الرياض المهندس خالد البواردي ان الحادث يعتبر من المخاطر التي تتعرض لها أي خطوط مياه مدفونة تحت الأرض وهذا معناه ان المصلحة تدرك ان هذا الكسر قد يحدث في أى لحظة وفي أي موقع سواء كان قبل أو بعد الخزانات الاستراتيجية البعيدة عن المدينة وهذا معناه توقف الماء من المصدر الرئيسي ونفاد ماء الخزانات الاستراتيجية وحدوث أزمة عطش في عاصمة مشاريع الخير والنماء التي صرف عليها البلايين لماذا؟! لأن المصلحة المعنية بالماء لم تخطط للموقع الصحيح للخزانات الاستراتيجية ليكون داخل المدينة على الأقل لتكون الصدمة على المواطن تدريجية وإعطاء وقت كاف لتقليل تبعات الكارثة ومنها وصول سعر الصهريج إلى 800ريال (!!).

المهندس البواردي في ردوده على اسئلة الزميل عبدالله العميرة استفز مشاعر المواطن العائد للتو من زحام ومشاجرة ودفع 800ريال دون أدنى حق فقد كان مدير عام المصلحة يتحدث عن الترشيد في الوقت غير المناسب. لقد تعلق سعادة المهندس بشعرة الترشيد في وقت يتدلى هو والمصلحة التي يرأسها في هوة عطش يصيب إحدى أرقى مدن العالم!!.

يسأله الزميل العميرة عن الاحترازات العملية لمواجهة مثل هذا الطارئ فيجيب “يظل الترشيد مطلباً رئيسياً…”.

أي ترشيد تتحدث عنه الآن لمواطن يبحث عن قطرة ماء ويشتري الوايت بـ 800ريال وأربع ساعات وخمس عشرة لكمة؟!!.

هذا المواطن الخارج من معركة الحصول على الماء وقد خسر نقوده ووقته وكرامته وأضاع عقاله وغترته ومجموعة أزرار يريد أن يسمع تبريراً لعدم الاحتراز لهذه المشكلة المتوقعة بتوفير مخزون استراتيجي احتياطي لمواجهة الكوارث، يريد أن يرى موقفاً وطنياً موحداً تدعو إليه المصلحة صاحبة الشأن وتتفاعل معها جميع الجهات البلدية والأمنية والمواطنين لمنع استغلال الأزمة من قبل أصحاب النفوس الضعيفة التي تعيش على معاناة الآخرين فهل أقسى على المواطن من أن يرى ان الماء المنتزع من جوف أرض وطنه بأبخس التكاليف يباع عليه بعشرات أضعاف سعره المعتاد أي بمئات أضعاف تكلفته لا لشيء إلا لأن مصلحة المياه والجهات المعنية تقف موقف المتفرج من استغلال السقا للعطشان!!.

لقد حذّر كثير من المفكرين والكتاب والمخلصين من اننا مجتمع لا يحتاط للكوارث ولا يتحرك إلا بعد ان تقع الفأس في الرأس، وتزخر أمثلتنا العربية والشعبية بالعديد من الأقوال التي تتناول هذا التفاعل المتأخر مع الأحداث المتوقعة ولعلنا لم نستفد كثيراً من تلك الحكم بدليل ان مصلحة المياه والصرف الصحي بمنطقة الرياض تفكر الآن والآن فقط بأن يكون موقع الخزانات الاستراتيجية داخل المدينة.

ولعل الوقت الآن يكون مناسباً لإعادة سؤال كنت قد أوردته حول إلتزام المستهلك نحو موفر الخدمة وعدم وجود أي التزام مقابل نحو المستهلك. أي بمعنى مدعم بالمثال فإن المستهلك كان ملتزماً بدفع قيمة الماء للمصلحة والآن انقطع الماء فمن سيعوض المستهلك الذي اضطر لدفع آلاف الريالات للصهاريج أثناء فترة الانقطاع؟!.

وضعاف النفوس الذين باعوا المياه الجوفية الوطنية بمئات الأضعاف كيف ستسترد منهم؟!.

انه سوء التخطيط الذي بناء عليه تتضرر الأغلبية وتستفيد أقلية إنتهازية.

إنني أدعو كل من له علاقة بمشكلة ماء الرياض هذه أن يتكرم بجولة وهو داخل سياراته على نقاط بيع صهاريج الماء وأترك له الحكم إن كانت هذه الكارثة من حيث امكانية تلافيها مسبقاً تزيد أو تقل عن مشكلة حمى الوادي المتصدع.

غرامات أيهما أقل

* بقاء الأنظمة والاجراءات والقوانين القديمة دون تجديد يعد واحداً من أخطر السلبيات التي نعاني منها وتنعكس على جوانب متعددة وحساسة من تعاملاتنا اليومية، فهناك أنظمة عديدة تتعلق بمزاولة المهن والغرامات والمخالفات مر عليها أكثر من ربع قرن وهي تراوح مكانها دون مواكبة ما مر علينا من تطورات ومتغيرات، أنظمة كتبت قبل سنوات الطفرة وبقيت أثناء فترة الطفرة وبعدها دون تغيير.

وحقيقة لا أدري ما هو السر في بقاء الغرامات التجارية على سبيل المثال لا الحصر دون زيادة رغم ما شهدناه من زيادات مضاعفة لتكاليف الخدمات التي يدفعها المستهلك من كهرباء وهاتف وخلافهما.

فيتضح جلياً ان القطاع الخاص الذي يمثله التاجر بقي في مأمن من العقوبة خلاف غيره من فئات المجتمع وهذا الأمن من العقوبة تسبب في أشكال متعددة لاساءة الأدب.

خذ على سبيل المثال المورد الذي يتأخر في توريد بنود مناقصة حكومية أو شراء مباشر لايزال ينعم بعقوبة بخسة “صدر نظامها منذ عام 1397هـ تتمثل في خصم 1% عن كل أسبوع على ان تتجاوز الغرامة 4% من قيمة العقد!! بعدها يحق للجهة تأمين البند من مورد آخر على حساب المورد المتأخر، وإذا علمنا ان نسبة غالبة من البنود خاصة ذات العلاقة بالصحة ليس لها إلا مورد واحد هو الوكيل في الغالب فإن الشراء على حساب المورد المتأخر غير ممكن وبذلك فإن توقف الغرامة عند 4% لا يضير التاجر أو يحرك فيه ساكناً بل لا يمس ربحيته ولذا فإن الموردين لا يتوانون في تقديم عروض تسليم مغرية يدخلون بها المنافسات ليكسبوها ثم يؤخرون التوريد ويتقبلون تلك الغرامات الزهيدة بصدر رحب لأنها محسوبة في العرض سلفاً.

هذا التلاعب يذهب ضحيته مرضى في أمس الحاجة لجهاز طبي أو دواء أو خدمة طبية تتعطل بسبب تأخير التوريد.

وعندما نستشهد بالأدوية والأجهزة الطبية فلأنها من البنود التي تتعلق بالحياة أو الموت أو استمرار معاناة مريض وإلا فإن ثمة بنود أخرى أساسية تحرم منها الجهات الحكومية وتعاني من تأخرها وتتعطل أعمالها بسبب المورد بل بسبب النظام الهش للغرامات الذي إذا استمر على وضعه الحالي فإنه لا أمل في تحسن الأوضاع ولا لوم على الجهات الصحية التي يكبح جماح المتحمسين فيها تواضع العقوبات والغرامات.

السؤال الذي يطرح نفسه هل يستمر حظ التاجر يطغى على كل شيء حتى الأنظمة فيغض الطرف عن تجديدها أم ان المنطق ينتصر وتصدر أنظمة جديدة تعايش الواقع والظروف وتضع حداً لتعاسة حظ المستهلك؟! هذا فيما يتعلق بغرامات التأخير.

أما غرامات المخالفات التجارية والغش التجاري فحدّث ولا حرج وقد ذكرت سابقاً ان من يبيع أطعمة أو أدوية فاسدة ربح ببيعها مئات الآلاف من الريالات لن يضيره ان يدفع غرامة لا تتجاوز عشرة آلاف ريال.

وإذا أردت عزيزي القارئ ان تستمتع بمحاولة حل لغز عجيب فاسأل نفسك لماذا تنتهي نصوص الغرامات التجارية بكلمة “أيهما أقل” ولماذا لم تكن “أيهما أكثر”؟! وإذا أردت لغزاً أصعب فتساءل هل التجار هم من يعدون أنظمة المخالفات ولهذا فهي تبدو حنونة جداً.