السنة: 2003

سلطة المظاهر

يبرز الاعتماد على المظهر عندما تفتقد القدرة على اختبار الجوهر، وذلك نتيجة لضعف مؤهلات المخولين بالتقييم سواء كانوا على هرم المسؤولية الإدارية أو ضمن مواقع في تشكيل الهرم المعني بالتقييم أو في المجتمع بصفة عامة.

كثيرون استغلوا اعتمادنا على المظهر في تحقيق مكاسب وظيفية واجتماعية ونفوذ بل وتسلط وممارسة القوة ضد الآخرين بناء على فروقات شكلية لا تحتاج إلا إلى حفنة نقود أو زمن أو هرمون أو مسمى أو لقب مع توفر استعداد اجتماعي شبه عام لمنح فرصة النفوذ لتلك الخاصية الشكلية غير المبنية على أدنى مبرر جوهري.

الانخداع بالمظهر تزداد فرص حدوثه كلما زاد في المجتمع الاهتمام بالشكليات، بينما في المجتمعات التي لا تعير اهتماماً يذكر للشكل يستحيل أن تحقق نفوذاً أو سلطة أو مكسباً لمجرد قدرتك على التلون أو “الحرباوية” أو تقمص شكل فئة معينة لأن الفئوية لا مكان لها في تحديد النفوذ.

بمعنى آخر فإن ارتداء بنطال “جينز” لا يقلل مطلقاً من فرص احترام الشخص على انه مسؤول كبير أو صاحب نفوذ وسلطة مثلما أن ارتداء “بدلة” ثلاث قطع فاخرة لا يعني حصول الجسد داخلها على أدنى مميز أو استثناء أو حتى احترام خاص إلى أن يثبت أنه جدير به بناء على واقعه وهو عارٍ.

في المقابل فإننا نعطي للمظهر دوراً رئيساً في إصدار حكمنا الأولى على الشخص وهو طبع متأصل منذ أن مد أبو حنيفة رجله.

لو حدث طارئ يجعل مسؤولاً يقطع ممارسة الجري ويحضر إلى مقر عمله مرتدياً بدلة الرياضة، مثلما حدث ذات مرة لمسؤول لا تنقصه الشهرة، فإنه يجد صعوبة بالغة في الدخول ناهيك عن فرض احترامه ونفوذه المعتاد عندما كان يتجول بالبشت!!.

في المقابل فإن البشت كان ولا زال تصريح دخول من الفئة “أ” لكل دائرة ومكتب حتى أن مدير المكتب وهو بواب أنيق يعترف أن قمة الحرج والتردد تحدث أمام الجسد المغلف ببشت!!.

وأعرف حامل بكالوريوس صنف وظيفياً ضمن حملة الدكتوراه لأن من حوله كانوا ممن ينادون خريج أي كلية صحية بلقب دكتور وقد أحيل للتقاعد دون أن يكتشف جهازه أنه مجرد حامل للبكالوريوس.

وهرمونياً قد نحكم على الأمرد بأنه مثقف لأن حلق الشنب واللحية صفة ارتبطت شكلاً بفئة تدعي الثقافة.

وهرمونياً، زمنياً، فإن خروج الشعر بغزارة لا يستغرق أكثر من سجن ثلاثة أشهر ومع ذلك فإن نموه قد يمنح الشخص سلطة ونفوذاً لا يشق لهما غبار.

وأخيراً فإنه يكفيك أن تستعير سيارة فخمة لتدخل من كل البوابات دون معارضة في حين قد يمنع برفسور من دخول مواقف الجامعة لمجرد أنه اضطر للحضور في “وانيت”.

أرجو أن نكون بفعل تراكم الخبرات والتجارب والزمن قد تعلمنا أن المظهر ليس أساساً للحكم على الأشخاص وأنه يمكن أن يستغل استغلالاً خطيراً وأن نكون أكثر حرصاً على طلب ما يثبت جوهر الشخص قبل الحكم عليه سلباً أو إيجاباً.

النشالون الثلاثة

سوف أروي لكم المواقف وأترك لكم ولجميع الجهات المعنية أمر التفكير في الحلول واتخاذ الخطوات الاحترازية والعقوبات الرادعة لمنع تفشي هذه الظاهرة التي يجسد الموقف أحد أمثلتها لكنه بالتأكيد ليس المثال الوحيد.

بعد صلاة الجمعة في أحد مساجد مدينة الرياض الكبيرة حيث يعرض عدد كبيرمن الباعة بضاعاتهم المختلفة حول المسجد ويتم التسوق في وضع اعتبره جيداً بل محبوباً لأنني من محبي أسواق ما بعد صلاة الجمعة وأحسبها تذكرنا بأسواق البيع في القرى بعد الصلاة فيما يسمى بالمجلس في القرية (ربما لأنه يحتوي على كراسي لجلوس كبار السن مبنية من الطين تحيط بالسوق الصغير من جهاته الأربع).

أقول في ذلك السوق تم القبض في أقل من ساعة على ثلاثة نشالين بحوزة كل منهم عدد من المحافظ كاملة بكل محتوياتها من نقود وبطاقات صرف آلي وبطاقات أحوال ورخص قيادة وخلافها.

الموقف لم يخل من الطرافة، فبعد أن أودع رجل الشرطة النشالين في المقعد الخلفي للسيارة خرج ومعه كم هائل من المحافظ وبدأ في قراءة أسماء أصحابها من واقع البطاقات (فلان الفلاني) والرجل يرد (حاضر) ثم يخترق الزحام حول سيارة الشرطة لاستلام محفظته).

ما حدث مضحك مبكي، المضحك، توزيع المحافظ وتفاعل الناس مع عملية التوزيع بتلاوة الأسماء وما كان يحدث تلك اللحظة فمن هول عدد المحافظ كان كل منا يتلمس جيوبه ليتأكد من وجود محفظته بل ان أحد “الصحاح” كان يصرخ في من حوله “اسكت نسمع لا يعد أسمى”، رد عليه “ياخي فتش جيوبك أسرع!!”.. أما المبكي فهو أن يستشري النشل في مجتمعنا الذي صممت جيوب ثيابه على أساس الأمن الدائم، وعدم التفكير في أمر السرقة كمشكلة، تماماً كما هي بيوتنا في السابق حيث مفتاح الخشب والمجرى الذي يمكن فتحه بمجرد ادخال الذراع خلفه، وجدران السطوح المتلاصقة المنخفضة إلى درجة سماع شخير النائمين في السطوح ناهيك عن آهاتهم!!، “صرخ احدهم بصهره المجاور ذات ليلة قائلاً تكفى ارفق يا بوفلان!!”.

من الملاحظات المبكية أيضاً في موقف النشل ذلك عدم تجاوب المنشولين مع ضابط الشرطة بمرافقته لدائرة الشرطة لتحرير محضر شكوى، فكل من استعاد محفظته قبلها وذهب، ولو كنت مكان ذلك الضابط لما أعدت المحافظ إلا في مركز الشرطة ولو كنت صاحب قرار لرفعت من مستوى عقوبة السرقة إلى أقصى حد رادع لأنها وعلى ما يبدو أصبحت مشكلة وطنية.ولو كنت مكانكم مواطنين عاديين أو مسؤولين لفكرت في أسباب انتشارها والحلول لهذا الموقف المضحك المبكي.

أغرب شكر!!

يا لهذا القطاع الخاص، كم هو خاص جداً، خاص في ذكائه وفي اكتشافاته وفي معايشته للظروف والمتغيرات وتكيفه حتى مع طبع المسئولين ورغباتهم!!

هذا القطاع الخاص لم يكتف بدراسة ميول ورغبات وطباع المستهلك ويستغل الإعلان لمخاطبة احتياجاتهم ومداعبة مشاعرهم وإشباع نهمهم وأهواء نفوسهم وحسب، بل فعل الشيء نفسه مع المسئولين، بل لعله أصبح يوظف الإعلان لإشباع رغبات المسئول أكثر بكثير من الشريحة المستهدفة من العملاء، وكأنه اكتشف وبسرعة توجه البعض ورغبتهم الجارفة في التواجد إعلامياً!!

قد يعتقد البعض أن شكر وزير أو نائبه أو هما معاً على اعتماد افتتاح منشأة تجارية. أمر لا يضر!!، لكن الواقع انه مؤشر خطير جداً وتوجه ينم عن تخلف يعكس صورة سيئة عن المجتمع، قد تكون صورة ظالمة غير حقيقية من تلك الصور الكثيرة التي يرسمها البعض فتسيء للكل.

الواقع أننا نسير في الاتجاه الصحيح نحو تقليص البيروقراطية والمركزية في كثير من اجراءاتنا بما يوحي أن الوفاء بمتطلبات الجودة هو المحك الحقيقي لاعتماد دخول القطاع الخاص في معترك التعليم أو الصحة أو غيرهما من المسئوليات التي كانت الدولة تضطلع بها وحيدة دون مقابل.

وأن تلجأ منشأة تعليمية تجارية إلى الإعلان لكافة الناس انها تشكر وزير المعارف ونائبه على اعتماد افتتاحها فإن في ذلك تصويراً للناس في الخارج قبل الداخل ان افتتاح معهد في بلادنا أمرٌ فيه الكثير من العوائق البيروقراطية التي تستوجب الشكر وتجعله مديناً طوال عمره المديد إن شاء الله لمعالي الوزير ونائبه.

وقد يصور الإعلان للناس في الخارج أننا بلغنا مبلغاً من المداهنة يجعل مثل هذا الإعلان مطلباً أو فرض عين على كل راغب في ترخيص بصرف النظر عن الوفاء بمتطلبات الجودة والكفاءة “وهو أمر نحن منه براء”.

وقد يعتقد آخر ان ثمة صعوبات تكمن في اعتراض من جهات منح الترخيص نتيجة عدم اكتمال المتطلبات ذللها المسئول فاستحق عليها الشكر علناً وهذا فيه إحباط لكل من اجتهد وطالب بتطبيق النظام.

إضافة إلى ما ذكر فإن هذا السلوك يشيع روح المداهنة العلنية الممقوتة وقد يجعل منها على المدى الطويل عادة سيئة تضاف إلى عادات دخيلة كنا نأمل في أن تختفي في عصر الشفافية والمصارحة وانكماش الحواجز والفروقات وبروز معطيات زوال التكلف.

تخيل لو أن كل تصريح لمصنع أو ترخيص لمستشفى أو منح إذن لمكتب محاسبة يقدم صاحبه شكراً معلناً في الصحف للوزير المختص أو وكلاء الوزارة، كيف ستكون حال مجتمعنا؟! بل كيف ستبدو حالنا لغيرنا؟!

من هذا المنطلق أرى ان هذا الباب ما كان له أن يفتح وعندما فتح كان من المفترض ان يقابل باعتراض المشكور قبل غيره.ً

مساجد الفقراء

المساجد بقع طاهرة يتوجه منها العبد إلى ربه بالصلاة والدعاء. ويفترض أن تكون المساجد على درجة واحدة “درجة عظيمة” من النظافة والطهارة وتهيئة الأجواء المناسبة من تكييف وإضاءة وحسن تنسيق وتنظيم في المداخل إلى جانب تصميم معماري منسق يعكس أهمية هذا المكان بصرف النظر عن الحي الذي أقيم فيه.

الملاحظ أننا نبدع في تصميم وبناء وتأثيث المساجد في الأحياء الجديدة أو بصورة أكثر شفافية في الأحياء الغنية فتجد المسجد روعة في الجمال والسعة والإضاءة الطبيعية والكهربائية، تتوسطه ثريا تشغل ثلث مساحة سقفه وأخريات يتقاسمن الثلثين الباقيين بنظم جميل ومتناسق. وللمسجد مداخل تضمن حمايته من الأتربة والأوساخ. أي اننا نقوم بالواجب أو جزء منه نحو إضفاء لمسات الابداع والجمال في مساجد تلك الأحياء وهي في الغالب مساجد تكفل ببنائها فاعل خير موسر يبحث عن الأجر والثواب أو عدد من الموسرين.

في الأحياء القديمة أو الشعبية، أو ما يسمى بعد الاعتراف بالفقر أحياء الفقراء، يفترض أن يكون المسجد بنفس القدر من النظافة والجمال وحسن التصميم وجودة البناء لأنه يبقى مكاناً يتوجه منه العبد إلى ربه ويفترض أن تنطبق عليه معايير ثابتة ومواصفات لا تقل مطلقاً عن المسجد في الأحياء الأخرى، خاصة وأن المساجد كلها تتبع لوزارة واحدة هي وزارة الشئون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد وتهتم بها لجنة عليا واحدة هي اللجنة العليا لبرنامج العناية بالمساجد وبالتالي فإن الاختلاف في شكل وهيئة المنازل أو تنظيم وتنسيق الأحياء بين الأحياء الشعبية وتلك الحديثة لا يمنع على الاطلاق أن تكون المساجد على درجة واحدة في الشكل والهيئة والتنظيم والتنسيق والنظافة والجمال ويجب أن لا ينعكس هذا الاختلاف بين حي وآخر في صورة اختلاف مساجد الأحياء لأن العباد سواسية ويجب أن يكونوا سواسية في تهيئة مكان العبادة حتى ولو اختلفوا في الدخل والرصيد الدنيوي فإن أكرمهم عند الله اتقاهم.

وأعتقد جازماً ان وزارة الشئون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد يفترض أن توظف حرص كثير من الموسرين في هذا البلد وتسابقهم إلى بناء مساجد غاية في الروعة والجمال توظفه في شكل عناية بمساجد الأحياء الشعبية بل إعادة لبنائها بشكل لا يقل جمالاً وروعة ونظافة عن مسجد الأحياء الحديثة في شمال الرياض مثلاً وإن كان يقل مساحة. بل يجب أن تستغل الوزارة الوفر الذي تحقق جراء إسهام فاعلي الخير في بناء المساجد نيابة عنها وتحوله إلى إعادة إعمار المساجد القديمة والعناية بها.

إنك حينما تدخل حياً فقيراً ويدخل وقت الصلاة وأنت فيه وتدخل المسجد تلمس قصوراً واضحاً في جوانب كثيرة فالغبار يتراكم بين طبقات السجاد (الوزارة كريمة في السجاد حتى أصبح طبقات) وهذا فيه خطورة شديدة على مرضى الحساسية. ومداخل المسجد غير محكمة الغلق فلا تمنع الأتربة والغبار وأجهزة التكييف قديمة ومزعجة والجدران أرهق الزمن شكلها ولونها وبعض مساجد أسواق الخضار أو المناطق الصناعية حيث الورش تلحظ عدم نظافتها ونظراً لقرب مخالع الأحذية من السجاد وغياب التنظيف الدوري للسجاد فإن بقع الطين والزيت والسواد تغطي مواضع السجود.

كل تلك منغصات لأجواء العبادة وغير مشجعة على البقاء في المسجد وأداء النوافل ناهيك عن الأهم وهو أنها توحي بأن ثمة فرقاً شاسعاً لا يفترض وجوده في هذا الجانب فحتى فروع البنوك (أعز الله المسجد) لا تختلف في ديكورها وجمالها بين حي شعبي وآخر حديث.

لا نحلم بمساجد نظيفة في الأحياء الشعبية وحسب بل مساجد مطابقة لتلك في الأحياء الأخرى ولكن بمساحة تتناسب مع عدد المصلين. نريد للمسجد أن يكون لؤلؤة تشع جمالاً حتى لو كان يقع بين منازل رثة في حي متواضع.