السنة: 2004

حماية لأعراض الفقراء

مقدما برنامج شباب في القناة الرياضية الزميلان عبدالرحمن الحسين وعلي الشهري أثارا شجوني بسؤال عن ضرورة فصل سكن العزاب عن العائلات في حلقة كنت خلالها ضيفاً للحديث عن مشاكل العزاب في مجتمعنا .
السؤال كان عن الإجراء الظاهر، الشائع خاصة في الأحياء الراقية أو أحياء النخبة حيث تطبق التعليمات والاحتياطات بعناية وحرص وإخلاص شأنها في ذلك شأن النـظافة وتوفير الخدمات ومن ضمن تلك التعليمات أو الاحترازات عدم السماح بسكن العزاب في أحياء العائلات.

أثار السؤال شجوني فتحدثت عن شيء معاكس تماماً، ليس (إستخفافاً ) بالسؤال (حاشا وكلا) وليس هروباً منه ولكن (استثقالاً) لواقع أليم شاهدته عياناً بياناً وأنا أحضر لتلك الحلقة بدراسة الوضع ليس في أحياء النخبة وحسب بل في أحياء “النقمة” ، الأحياء الفقيرة مثل الظهيرة، والعود ،والديرة، والشميسي القديم والجديد.

أعيد ما ذكرته في حلقة(شباب) لأن الحلقة بثت على الهواء متزامنة مع مباراة كرة قدم بين نخبة فرنسا ونخبة انجلترا فلعلها فاتت على بعض النخبة من المسئولين عن المأساة وهم كثر.

في تلك الأحياء شاهدت عكس ماكان عبدالرحمن وعلي يريدانني أن أتحدث عنه (فصل سكن العزاب عن العائلات).

لقد شاهدت منازلا وشققا لعائلات سعودية “مستورة” تتكون في الغالب من أم مطلقة أو معلقة أو أرملة ومجموعة من البنات في سن الشباب أو الزهور وأولاد صغار لم يصلوا حد القيام بدور المحرم أو القادر على حماية والدته وأخواته.

تلك المنازل والشقق تحيط بها بيوت يسكنها عمالة أجنبية من كل الجنسيات والغالب منها أسيوي وبأعداد كبيرة جداً في البيت الواحد، والأحياء عبارة عن “أزقة” ضيقة مظلمة شبه معزولة . أي انه جمع خطير بين عزاب من نوع خاص وعائلات مجبرة بحكم ظروفها المالية والاجتماعية على العيش في تلك الظروف !! فأين دعاة الفصل بين العزاب والمتزوجين هنا؟! أين من ترجف قلوبهم خوفاً وغيرة على النساء والبنات والأعراض والأخلاق ؟! أين الحرص على درء الشبهات واجتناب وقوع المحظور؟!

هو واحد من حلين لاثالث لهما لو كان حرصنا متساوياً في كل الأحوال وكل الأحياء أحياء النخبة وأحياء الفقراء .

إما إجبار كفيل هؤلاء العمال وهو بالتأكيد إما شركة أو مقاولاً أو فرداً متستراً ، إجباره على إسكانهم في مواقع خاصة بالعزاب وبالذات العمالة، وبذلك نبعد هذه الجموع الكبيرة من العمالة العازبة عن سكن العائلات الفقيرة المكلومة المضطرة. أو أن يتم وبسرعة (إعادة توطين ) ونقل سكن تلك العائلات السعودية بما يحقق أمنهم وكرامتهم ويمنع وقوع مالا تحمد عقباه وهو أمر لايقارن بأي تكلفة ولايمكن أن يقدر بثمن أو تحول بيننا وبينه عوائق مالية لأننا بهذا الإجراء ندفع درهم وقاية تلافياً لدفع قنطار علاج كما نفعل دائماً بتأخرنا في الاحتراز.

إحدى النساء المطلقات في الظهيرة تعاني كل صباح وهي تمسك بيد ابنتها المتفوقة في كلية علمية لتوصلها من داخل تلك الأزقة إلى الشارع العام حيث تقف حافلة النقل للكلية، تعاني من تحرش أعداد من العمالة بها وبابنتها وخاصة عندما تعود السيدة أدراجها بمفردها، الأمر الذي جعلها تضطر لإخفاء العصا داخل عباءتها وإظهارها عند الحاجة ” لتهش” بها ذئاباً بشرية!! .. فهل من جهة تحميها؟! انني أدعو إلى تكثيف تواجد رجال الحسبة الأشاوس، المخلصين ، في تلك الأحياء فالأمر خطير والمعاناة تبدو كبيرة جداً لشريحة من الناس ليس لهم من يطالب بحقوقهم لأنهم ليسوا من النخبة!!.

مواطن فوق المواطنة

مشكلة بعض المسؤولين، ومن تولوا مناصب عليا ومسؤوليات جساما، انهم يعتقدون أن المواطن لفظ يطلق على من هم دونهم في الوظائف والمسؤوليات، أي أن المواطن هو رجل الشارع أو الموظف الكادح، أما هم فإن لهم مسمى آخر هو “المسؤولون”.
وقد كان الإعلام للأسف يرسخ هذا المفهوم الخاطئ فيردد هذه التسميات التصنيفية كعناوين لبرامج مواجهة أو صفحات شكاوى المواطنين فيقول المواطن والمسؤول وجهاً لوجه أو ما يريده المواطن من المسؤول.. الخ.. تلك التسميات.

والواضح أن بعض المواطنين ممن تولوا مسؤوليات كبرى على مستوى وزاري أو وكالة وزارة أو حتى مجلس شورى اعتقدوا أنهم تم “ترفيعهم” أو “ترقيتهم” من مستوى مواطن إلى مستوى مسؤول وليس مواطن مسؤول.. وأصبحوا يرددون النصائح والتوجيهات والمتطلبات المطلوبة من المواطن وكأنهم ينتمون إلى فئة لا تعنيهم أسس متطلبات المواطنة ومسؤولياتها أو الحد الأدنى المطلوب من المواطن الصالح المخلص!!

والواقع أن المواطنين في المسؤوليات العليا لو مارسوا المواطنة المخلصة الصادقة، لقل كثيراً عدد المواطنين ممكن يمكن لهم أن يجرؤوا على القيام بممارسة مسيئة أو تنم عن عدم حب الوطن أو قلة الإخلاص له.

ذلك أن حب الوطن عدوى حميدة تنتقل من أعلى الهرم الوظيفي إلى أسفله، بل هو تقليد جميل وقدوة حسنة يقتدي فيها من هو دون بمن هو أعلى!!، ومن هو أفقر بمن هو أغنى!! ومن هو كادح بمن هو في رخاء من أمره!!

مشكلة بعض المسؤولين لدينا تكمن في سرعة التأثر بالتحولات الوظيفية التي في مجملها تشعرك بأنك أصبحت فوق المواطنة وفوق النظام وفوق كل الاعتبارات بما تحفل به من تميز ومميزات وإعفاءات واستثناءات كثيرة تجعل النفس البشرية وهي ضعيفة بطبيعتها تصدق أنها انتقلت من حالة المواطنة إلى صف الاستثناء حتى من المواطنة في مفهومها الصحيح، مفهوم التضحية والإخلاص والصدق مع النفس ومع الآخرين والعطاء.

ولأن المواطن المسؤول لدينا يعاني من هذا الانفصام فإنه يعتقد أن الالتزام والدوام وعدم المخالفة وأخلاقيات العمل والأمانة وعدم هدر المال العام وعدم التفريط في ثروات الوطن ومائه وكهربائه هي مسؤولية رجل الشارع “المواطن”.. أما هو فمسؤوليته تنحصر في استغلال التميز الجديد باعفاءاته واستثناءاته ونعمه التي يرى أنها دون مقابل.

متعهد جمع “فصم”

و “الفصم” لمن لا يعرفه من طلاب وزارة التربية والتعليم هو نوى التمر ويسمى أيضاً “عبس” وربما جاءت هذه التسمية من عبوس وجه من يرجم بالفصمة عند الانتهاء من أكل التمرة فقد كان بعض كبار السن يتراشقون في المشراق بحبات العبس ليس كنوع من المداعبة ولكن لأن كلاً يريد أن يقذفها والنظر ضعيف فتذهب في وجه صاحبه والعتب على النظر!!.
وقد استخدم “العبس” في بعض الأمثال الشعبية الهامة وذات الدلالة على بعض الممارسات الغريبة فيقال “فلان مثل رضاح العبس يوم بقي عبسة تركه كله” وهو مثل يضرب لمن يبدأ عملاً شاقاً ومكلفاً ثم إذا وصل قرب نهايته تركه كله رغم تكلفته مثل مشروع “وطني” الذي بدأته وزارة التربية والتعليم ثم عندما بقي اليسير منه ويستكمل وجدت أنه غير مجد، فصمتت عنه!!.

أما لماذا تذكرت “الفصم” فعندما علمت أن آخر إبداعات وزارة التربية والتعليم هي إدخال التمور كوجبة أساسية يجب على المتعهد توفيرها “على حساب الطلاب طبعا” ضمن الوجبة المدرسية وقد تحدث الزميل الدكتور عبدالعزيز الجارالله في زاويته مدائن يوم أول أمس الاثنين عن سلبيات هذه الخطوة عندما لا تقنن وتفرق بين طالب مريض بالسكر وآخر سليم وقادر على أكل التمر وآخر لا يقدر وأوفى أبو معتز وما من داع للمزيد.

لكنني أردت أن أسهم مع وزارة التربية والتعليم في التفكير في بعض نتائج القرار وهو أمر لاتجيده الوزارة فوجدت أن انبه وزارة التربية والتعليم الى أن للتمر “فصم” أو نوى أو “عبس” ويفترض أن نفكر جدياً في عملية تراكم “الفصم” في المبنى المدرسي وهذا خطير لأنه قد يستخدم للتراشق ولا يجب أن نستهين بالعبسة فالعبسة أينما وجدت “حساسة” وشأنها خطير فإذا وضعت الفصمة بين سبابتين “ونبطت” فقد يفقد عدد من الطلاب إحدى العينين فلا يروا مشاريع الوزارة ولا يقرؤون تصاريح مسؤوليها إلا بعين واحده فيفقدون الحس الوطني مثلما فقدوا مشروع “وطني” ويزداد عدد “العوران” من الطلاب فتخرج الوزارة بفكرة مشروع “عيني!!” بالتعاقد مع مستشفيات القطاع الخاص طبعاً للحفاظ على العين الباقية أما العين الأولى فقد راحت ضحية “فصمة” طائشة.

أما كيف أسهم مع وزارة التربية والتعليم في حل موضوع الفصم بالطريقة التي تناسب أسلوب الوزارة فهو بأن أقترح عليهم الاتفاق مع متعهد جمع “فصم” تتولى عمالته لقط “الفصمة” من فم الطالب مباشرة بمقابل مادي رمزي يدفعه الطالب، وبذلك يتم جمع العبس يومياً وبيعه في مشروع استثماري لتحويله الى أعلاف واستخدام عائدات العبس السنوية في صيانة دورات المياه والتكييف ووسائل الإيضاح وحفلات الوزارة وحملاتها الإعلامية، كما يمكن الاستثمار في بيع كوكتيل من العبس المجمع للطالب الذي يعتقد أنه “منضول دراسياً”أو يعتقد أهله أن سبب عزوفه عن الذهاب للمدرسة ليس انعدام أبسط الاحتياجات الإنسانية لطفل خجول، وأهمها دورات المياه، ولكن بسبب عين أصابته وهو يتناول تمرة أمام طفل جائع.

أخيراً أود أن أذكر الوزارة أن “منجا” جازان هي الأخرى تعتبر ثروة وطنية جديرة بالتشجيع مثل التمر لكن “فصمة” المنجا كبيرة جداً والتراشق بها سيؤدي إلى إصابات بالغة و”فلاق” دامية، كما أن جمع “فصم” المنجا الكبيرة يحتاج إلى شاحنات وهذه ستدهس مزيداً من الطلاب داخل المدرسة لذا فإنني لاأنصح بالمنجا في الوقت الحاضر.

غازي “الماستر كي”

إعجابنا بالدكتور غازي القصيبي المسؤول، الشاعر المحاور ثم متعدد المسؤوليات لا يمنع من أن نختلف معه وإن كنا لا نختلف عليه كرجل فرض نفسه شبه وحيد في ساحة المسؤولية بحيث أصبح رجل المهمات الصعبة أو المفتاح الشامل “الماستر كي” لكل المسؤوليات وربما جميع الوزارات.
شخصياً وكمتابع معجب بغازي القصيبي الوزير لم يسبق أن لاحظت أنه يبرر ما لا يستطيع أن يفعله أو ما يصعب عليه عمله، كما انني لا اعتقد أنه ممن يتردد في العدول عن رأيه المتجرد إذا وجد أن الرأي المعارض له أقرب إلى الصواب أو المنطق!!.

تعليق معالي وزير العمل على المطالبة بتحديد حد أدنى للاجور للسعوديين كان حاداً وربما جارحاً لمن علت أصواتهم مطالبين بالحد الأدنى للاجور، وأدّعي بفخر انني أحدهم وربما أكثرهم إلحاحاً ولا يضيرني هنا اتهام الدكتور القصيبي لمن طالبوا بأنهم “لا يفهمون” فربما قصد أنهم “لا يعرفون” بواطن الأمور!!.

وعلى أي حال فإن حجة وزير العمل في هذا الصدد لا ترقى لدرجة اتهام من طالبوا بها فقد كنا نتوقع حجة أكثر قوة من مجرد “الإنسانية على ورق”.. كيف؟!.

الدكتور غازي يرى أنه من غير الإنسانية أن يضع حداً أدنى لأجر السعودي لأنه بذلك يميزه عنصرياً عن غيره من العمالة غير السعودية وهذا شعور جميل لو كان يتمشى مع الواقع وليس مجرد شعور يمنع إصلاح حال السعودي مع بقاء الأجنبي على واقع يميز كثيراً بينه وبين السعودي، بل واقع يميز بين الجنسيات المختلفة على أساس جواز السفر.

ألا يعلم معالي وزير العمل أن القطاع الصحي الحكومي، الذي وصفه بأنه القطاع الذي لا يمكن سعودته بنسبة تزيد على 70%، يشتمل على سلم رواتب يميز بين خمس فئات من العاملين تمييزاً يعتمد على الجنسية بشكل غريب جداً وبفروق شاسعة بين رواتب ومميزات الموظفين يتربع على قمتها المتعاقد من أمريكا الشمالية يليه الأوروبي ثم السعودي ثم العربي ثم الشرق آسيوي وذلك في نفس التخصص، وهو فرق كبير لا يعتمد مطلقاً على الكفاءة أو الشهادات فلو أن طبيباً شرق آسيوياً نجح في الحصول على جنسية كندية مثلاً فإن كل ما عليه أن يغادر ويتعاقد مرة أخرى بجنسيته الجديدة “وبنفس علمه، وقدراته ولهجته” ليحصل على أكثر من أربعة أضعاف الراتب. هذا واقع في مستشفيات حكومية وفي القطاع الخاص على حد سواء.

الواقع الثاني أن رواتب المتعاقدين في جميع الدوائر الحكومية تقل كثيراً عن رواتب المواطنين لنفس الوظائف سواء في التعليم أو الوظائف الصحية أو الإدارية بل وحتى المهنية وما دام الحال كذلك فهل يحول بيننا وبين وضع القطاع الخاص “المتملص” في الزاوية وفرض حد أدنى للاجور للسعوديين مجرد شعور بأن الخطوة غير إنسانية أو عنصرية؟!.

أين الإنسانية إذاً في مساواة الموظف المواطن بأجر الأجنبي في حين أن مستوى المعيشة في بلد الأجنبي ينخفض إلى أقل من العشر عن مستوى المعيشة في وطن المواطن؟!.

ما دام أن واقع الحال والمعمول به حكومياً وفي القطاع الخاص هو الاعتماد على سعر العمالة في بلد العامل عند تحديد الراتب ابتداءً من الطبيب وانتهاءً بالخادمة والسائق، فما الذي يمنع من تحديد أجر العامل المواطن بناءً على السعر في سوق العمل السعودي للسعوديين وهو الراتب الحكومي؟!.

لماذا تُسّخر المشاعر الإنسانية لممارسة الحنان على القطاع الخاص المدعوم المتنكر للدعم أو حتى ذلك الذي لم يتنكر؟!.

حسناً يا معالي وزير العمل اعتمد حداً أدنى للاجور لجميع الجنسيات بما فيها المواطن، حداً يمكن للمواطن أن يعيش به شهراً في وطنه عيشة “إنسانية” غير مهينة واترك للقطاع الخاص أن يختار بين المواطن وغيره!!.

دعنا نمارس الإنسانية وعدم التمييز ممارسة على أرض الواقع برفع أجر غير المواطن للحد المستهدف لا بإنزال أجر المواطن للحد المفضل ونترك لهم الخيار.

كسر المديرة والتعليم

خلاف وعد قديم قطعه وزير التربية والتعليم على نفسه عندما عين أول مرة بأن ينهي رهبة الامتحان فإن هذه الرهبة تفاقمت بشكل ملحوظ وازدادت عما كانت عليه عندما كانت وزارة المعارف آنذاك لا تعرف الوعود والتصريحات الرنانة!!.
وعود وزير التربية والتعليم بمعالجة موضوع التلقين والحفظ ومن ثم رهبة ساعة التفريغ المسماة “امتحاناً” وهو اسم لها منه نصيب، أقول إن تلك الوعود تكررت مع كل فترة وزارية وكان يحدونا أمل كبير لم يتحقق ولن نيأس من تحقيقه فقد كان الأمل أن يسبق بعض البرامج الضوئية الرنانة مثل وطني وغيره تطبيق الاختبار من الكتاب المفتوح والمراجع المصاحبة وإزالة هم الامتحان الذي أصبح هماً وطنياً عاماً يستنفر له الوطن كل طاقاته النفسية والاجتماعية والأمنية وأدى إلى رفع الإصابات بالضغط والسكر والجلطات ومؤخراً الكسور!!.

الخبر الذي نقلته لنا “الرياض” عبر الزميل هزاع الرويلي من القريات حول تعرض مديرة الثانوية الرابعة بمحافظة القريات لحادث مروري وإصابتها بكسور وإصرارها على مواصلة الذهاب للمدرسة لتسليم أسئلة الامتحان رغم الألم والخطورة وقد نفذت ذلك فعلاً ولم تذهب للإسعاف إلا بعد أن سلمت الأسئلة التي أصبحت تفوق في أهميتها كل الاعتبارات.

لا شك أن تصرف المديرة ينم عن حرص وإخلاص وتضحية تستحق عليه الثناء، لكنه في الجانب الآخر مثال واضح لما وصلت إليه حالة رهبة الامتحان والأسئلة وأزمة الامتحانات وعلو شأنها الذي بلغ حداً لم يصله من قبل خلافاً لكل الوعود الرنانة!!.

أزمة الامتحان لم تعد أزمة تخلف تعليمي وقصور في النهج التربوي ومخالفة للتوجه العالمي المتقدم في مجال التعليم وحسب، لقد أصبحت أزمة رهاب اجتماعي وفوبيا أسرية لها دور حقيقي في أزمات المجتمع النفسية وانتشار أمراضه العضوية سواء بين الطلاب والطالبات أو الآباء والأمهات وأصبح لها انعكاساتها السلبية الواضحة على اقتصاد الوطن خاصة في مجال الاقتصاد الصحي.

لقد أثرت في أخلاقيات المجتمع عن طريق تفشي أساليب تسريب الأسئلة وبيعها وانتشار ظاهرة الدروس الخصوصية وارتفاع أسعار الساعة لمقيمين ومقيمات أصبحت هذه هي مهنتهم دون مشروعية ودون تخصص وغني عن القول ان مقيمة تتنقل بسيارة الأجرة بين الأحياء والمنازل وتدخل البيوت وتتقاضى المال الوفير مقابل الساعات التي تمضيها يمكن أن “تجر” إلى ما هو أخطر وتؤدي إلى ما هو أدنى أخلاقياً في مجتمع عرف بسمو الأخلاق والحرص الشديد.

بعد هذا كله ألا يدل عجز وزارة التربية والتعليم عن معالجة هذه الجزئية البسيطة التي سبقنا إليها الكثيرون ويزخر العالم بتجارب دول متقدمة أثبتت نجاحها وتعدتنا بمراحل وتركتنا نتغنى بتصاريح هلامية حول مشاريع براقة ليست أولوية ولا تتناسب مع وضعنا الحالي الذي يعتبر قاصراً ومتخلفاً تعليمياً في مجال التعليم قبل الجامعي خاصة وأن القصور الشديد هو في أبجديات وأساسيات لا يمكن أن يعتبر التعليم تحرك قيد أنملة وهو لم يتخطاها ومنها على سبيل المثال لا الحصر الحفظ والتلقين والامتحانات التقليدية المتخلفة وانعدام وسائل الإيضاح ناهيك عن عدم توفر البيئة التعليمية الصحيحة بل حتى بيئة الصحة المدرسية المناسبة وأبسط مقومات الاحتياجات الإنسانية من دورات مياه وتكييف وفصول دراسية صحية.

إن وزارة لم تنجح خلال ثلاث فترات في تخطي عقد الامتحان تعتبر قد فشلت في ثلاثة امتحانات سهلة وحسب نظام الامتحانات يفترض أن تكون فرصها قد انتهت.

زمـــان الصمـت

ألمس فارقاً ليس سهلاً بين النقد في الصحافة المحلية اليوم عنه بالأمس القريب، وهو فارق كبير يصب في صالح الأمس مقارنة باليوم رغم أن اليوم يشهد مرونة وهامش حرية أكبر من الأمس.
الفارق يكمن في الصدى ودرجة التجاوب مع ما يكتب من نقد وملاحظات وشكاوى بل وربما صيد صحفي ثمين موثق.

بالأمس كان من الأصعب ان يمر الموضوع إذا كان حيوياً أو حساساً أو مثيراً لكنه إذا مر بالصدفة أو الغفلة فإنه يلقى صدى كبيراً وتجاوباً سريعاً واهتماماً بالغاً ويؤدي المرجو منه من الإصلاح.

اليوم كثر الطرح المباشر لمواضيع حساسة و”كفشات” صحفية بعضها فاضح، لكن التجاوب يكاد يكون معدوماً أو سلبياً للغاية.

المشكلة ليست في حجم ما يطرح من نقد وملاحظات وأن هذا الحجم والكم زادا بحيث أصبح من الصعب التجاوب مع ذلك الكم الهائل.

أعتقد أن السبب او السر يكمن في أن بعض المسؤولين أُفهم أو فهم خطأ ان ثمة توجهاً للتنفيس عن الناس عبر فتح صمامات النقد الصحفي، وأن ما يرد يومياً من ملاحظات وانتقادات لإدارته إنما يدخل ضمن هذا التوجه ويؤدي ذلك الدور التنفيسي وانه كمسؤول يعلم بخلفية ما يحدث وسيحدث وانه وحسب علمه فإن ذلك يستدعي عدم الرد أو التجاوب أو حتى الإيضاح!!.

هذا التفسير رغم انه يبدو مستبعداً إلا انه يحظى بغياب أي تفسير منافس يبرر ذلك الصمت الرهيب إزاء نقد حاد ومقالات موثقة وطروحات واثقة لعدد من الكتاب منهم المتخصص ومنهم القريب من أروقة الوزارة أو المؤسسة ومنهم من أورد مصادر ومراجع موثقة وأخرون اثبتوا دعواهم بالصوت والصورة.

وإذا ما عدنا إلى مقارنة بين الأمس واليوم فيما يخص النقد الصحفي فإنني أعتقد أن الأمس أفضل بكثير إذا كان لا بد من ذلك الصمت والسلبية تجاه طروحات اليوم الجريئة، وذلك لعدة اعتبارات أحدها أنه ومن وجهة نظر نفسية أو تنفيسية فإنه وعلى المدى الطويل فإن من الخير أن لا تكتب الملاحظات إذا كانت لن تحظى بالتجاوب وسترها عن عدد أكبر خير من نشرها وبقائها دون إهتمام مؤدية إلى إحباط أعداد كبيرة إضافية كانت لا تعلم عن التقصير وبعيدة عن صداعه.

والاعتبار الثاني هو أن حالة التبلد الناجمة لدى جميع منسوبي الجهة من رؤية نقد مكثف لا يحظى بتجاوب أخطر بكثير من ترك الجهة “على طمام المرحوم”.

أما الاعتبار الثالث فهو ان تزايد النقد مع غياب التحرك الإيجابي قد يوحي خطأً بتوفر حصانة من نوع خاص للمسؤول وهذا إيحاء غير محمود النتائج على مشاعر الزميل والمستفيد والمواطن والمظلوم في القضية.

حسناً، ما المانع من أن نحقق كلتا الحسنيين ونجمع بين ديناميكية الأمس ومرونة اليوم فنضع آلية وطنية للتعامل مع الطرح الإعلامي على أساس ضرورة احترام المسؤول لشكوى التقصير وضرورة تجاوبه مع ما يطرح كجزء من تقييم أداء إدارته أو مؤسسته وشرط لاستمراره؟!.

لماذا لا نسلك مسلكاً نجح فيه غيرنا وهو أن خبراً أو صورة قد تقيم الدنيا ولا تقعدها إلا على مسمار حاد ومؤلم تصرخ من وخزه قاعدة المقصر!!.

منح وكرامة

مرة تلو الأخرى تتسبب البيروقرطية والإهمال والتقاعس في تشويه صورة من الصور الجميلة وتنكيد هدية الوفاء التي يقدمها هذا الوطن لأبنائه.
ما حدث من تزاحم وفوضى ومعاناة بل وعذاب شهده المتقدمون لطلب أراضي المنح للأيتام والأرامل وما نقلته الصحف من صور غريبة بعضها مضحك إلى حد البكاء والآخر مبك إلى حد الضحك الهستيري!! تدل دلالة واضحة على أن الجهود العظيمة والمبادرات المكلفة تتحطم على صخرة إهمال وعدم اكتراث وتذهب ريحها وطعمها ونكهتها بسبب إجراءات كان من السهل تبسيطها أو الاستعداد لها دون تكلفة تذكر وبزيادة بسيطة في عدد موظفي الاستقبال وتنظم طريقة التقديم.

مراجعون صعدوا للسطوح ومراجع في شكل أقرب إلى الصورة الكاريكاتورية منها إلى الحقيقة يقفز على مظلة النافذة ليقدم الأوراق من فوق المظلة كأول أوراق تقدم من أعلى إلى أسفل دون واسطة!!.

زحام شديد تحت أشعة الشمس وتدافع وصعود على الأكتاف ووصول للشباك بعد عناء شديد وإرهاق ثم اكتشاف نواقص في الأوراق يؤدي إلى رفضها والعودة من جديد إلى بداية السطر.

كل تلك الصور الفوضوية والمعاناة والإهاق من أجل ماذا؟! من أجل تقديم لطلب منحة أقرها وحددها ومنحها الوطن لفئة مستحقة.

لماذا تحرص فئة من الموظفين والجهات التنفيذية أن يكون تنفيذ الأوامر والتوجيهات الكريمة يمر عبر نوافذ ضيقة ومسالك وعرة؟!.

لقد نشأنا في وطن لا يعرف المنة، وطن ينفق بسخاء ولا يتبع نفقته مناً ولا أذى!!

وطن استفاد منه القاصي والداني ونهل من عطائه البعيد والقريب!! فمن أي الجينات أو “الكروموزومات” الشاذة جاء لبعض الموظفين الذين نشأوا في هذا الوطن الكريم ذلك “الكروموزوم” أو الجين يحمل صفة المن والأذى وتصعيب السهل والحرص على أن تمر المبادرات النبيلة عبر بوابات مهينة؟!.

إن كنا ننفق أموالاً على منح مستحقة وهبات وطنية جزلة، فقد آن الأوان أن نحدد لها قنوات مأمونة، سهلة، سلسة وكريمة تتناسب مع كريم العطاء وتحفظ كرامة المعطى حتى لو أنفقنا على تلك القنوات أكثر مما ننفق على العطاء نفسه فالكرامة أثمن!! والوقع في النفوس أهم وقطع الطريق أمام من يهوى الاصطياد في الماء العكر بات مطلباً لا يقل أهمية !!.

أرجو من كل قلبي أن يعاد النظر وبسرعة قصوى في وضع قنوات استقبال طلبات المنح، كل المنح، وكل الاستحقاقات بما يحقق حفظ كرامة المتقدم بنفس حجم كرم الوطن المعطى!!.

رمضاء الاتصالات ونار الهيئة

لم أبالغ في التشاؤم حينما أكدت في مقال الأربعاء الماضي أن حملة الإرغام على الترحيب بالصفر في جوالك إنما هي تمهيد واضح لخطوة لاحقة تمارس من خلالها المنّة على المشترك بذلك الصفر البغيض والوصاية عليه لتتبعها عبارات التحذير من تأخر البرمجة وتمييز أصحاب الأرقام المميزة وكأن غيرهم يكفيه الاحتفال بالصفر!!.
بل لم يكن أكثر الناس تشاؤماً يتوقع أن يطلب من المشترك مقابلاً مادياً لاستبدال وحدة رقمية مفروضة فرضاً بأخرى في نفس الخانة المضافة قسراً!! لكن المطالبة جاءت هذه المرة على لسان محافظ هيئة الاتصالات وتقنية المعلومات في خبر غير سار نشرته جريدة “الرياض” يوم الخميس في الرياض الاقتصادي مفاده أنه بناءً على رغبة كثير من المشتركين في الجوال باستبدال الصفر بخمسة فسوف يتاح للمشترك هذا الخيار بمقابل مادي لا يزيد عن خمسة وعشرين ريالاً مع استثناء أصحاب الأرقام المميزة من المقابل المالي!!.

يامعالي المحافظ: نسألك أن تحافظ، حافظ على حقيقة أن الهيئة من ذوي القربى للمشترك وهي في ذلك تختلف عن شركة الاتصالات بل هي الملتجأ بعد الله للشكوى من الاتصالات فهل استغثنا من الرمضاء بالنار؟! وهل جاز لنا أن نقول بأن ظلم الهيئة أشد مرارة على المشترك من ضرب الصفر الممجد؟!.

هل خيرنا في قبول الصفر حتى نخير باستبداله برقم أحب وأسهل؟! بل هل دفع لنا تعويض عن متاعب الصفر حتى يطلب منا أن ندفع ثمن استبداله بخمسة؟! عجباً هل يُطلب منا مقابل مالي لتهوين مصيبة لا ناقة لنا فيها ولا جمل؟!.

لماذا ندفع نحن المشتركين الذين بادرنا بالتزاحم لدى مراكز الاشتراك ودفعنا عشرة آلاف ريال استثمرت لمدة ليست بالقصيرة ثم أعيد منها ما أعيد، أقول لماذا ندفع ثمن سوء التخطيط وانعدام التنبؤ والتوقع؟! لماذا ندفعه في شكل إزعاج لإضافة رقم جديد وإضافة وقت في البرمجة وإرباك اتصالنا بالداخل والخارج ثم إذا لاحت فرصة لاستبدال ذلك الصفر برقم في نفس الخانة يطلب منا دفع مقابل لأننا بذلك الرقم الجديد نقترب من “حارة” المميزين!!.

ما رأي الهيئة والشركة والقائمين عليهما في أن يتحمل المشترك غير المميز تكاليف حملة الدعاية للصفر والتي بلغت أرقاماً فلكية في شركة مساهمة!! فإن من يدفع ثمن إخفاق المخططين من أموال المساهمين والمشتركين لن يتردد في أن يحملهم تكاليف الدعاية طالما أن القاعدة للتعامل هي “حكم القوي عالضعيف” كما يقول أشقاؤنا في مصر!!.

كان ذلك هو السؤال التهكمي الذي يفرضه الواقع الأليم أما السؤال البريء الذي تفرضه الرياضيات فهو أن الصفر أو الخمسة لا تختلف تكلفة إضافة أي منهما في خانة واحدة فلماذا يكون الصفر مجانياً والخمسة بخمسة أضعافها؟! هل لأن الصفر لا يتضاعف أم لأن التنكيد مجاني وتهوين النكد بمقابل، ثم إن أصحاب الأرقام المميزة دفعوا قيمتها قبل الصفر ونحن دفعنا قيمة أرقامنا العادية “الشعبية” أيضاً قبل نفس الصفر، فلماذا لا يدفعون ثمن المزيد من التميز إذا كنا سندفع ثمن البقاء في حدود العادي القريب من المميز؟!.

لا أعتقد أننا في حاجة إلى مزيد من الإقناع بعدم أحقية الهيئة أو الاتصالات في فرض مقابل مالي فيما يخص ذلك الصفر اللعين البغيض، وشخصياً أعلن أنني أول من سيرفع دعوى قضائية ضد الشركة إذا ما طلب مني دفع هللة واحدة سواءً مقابل الصفر أو تسهيل مصيبة الصفر أي الخمسة، كما أنني سوف أستفيد من عدالة هذا الوطن في رفع شكوى لديوان المظالم إذا أصرت هيئة الاتصالات على احتساب المقابل المالي لاستبدال الصفر بخمسة فطالما أن التقنية تتيح حلاً أقل ضرراً فإن على الشركة أن تأخذ بأقل الضررين.

ولأنني جاد وعازم فقد زرت موقع الهيئة على الإنترنت كما ذكر الخبر بحثاً عن تفاصيل فلم أجد ما يمت لهذا الموضوع بصلة ويبدو أن الموقع لم يشهد تحديثاً يذكر منذ أشهر ولا يزال خبر تعيين معالي المحافظ الصادر منذ أكثر من شهرين يتوسط الأخبار الجديدة في الموقع!!.

فضائح الصفر

إذا كان ثمة حسنة لصفر الاتصالات على المشترك وعلى المواطن السعودي تحديداً فهي ان هذا الصفر البغيض فضح توجه الاتصالات في عدم وجود أي اعتبار لمشاعر المشترك والمواطن وربما عدم اكتراث بتوجه الوطن وخططه!!.
فيما يخص مشاعر المشترك فإن الاتصالات بدأت حملتها للترويج للصفر البغيض بعبارة “أهلا بالصفر في جوالك” ورغم ان الاتصالات تدرك جيداً ما سوف يسببه هذا الصفر من متاعب للمشترك وما سيترتب عليه من فوضى في التعرف على رقم المتصل وزيادة رقم لا يهم المشترك بأي حال من الأحوال بل سوف يسبب له صداعاً لا ذنب له فيه، وبالرغم من ان الاتصالات تدرك ان قدوم هذا الصفر أمر بغيض حقاً إلا أن الاتصالات ترغم المشترك على الترحيب بالصفر بتلك العبارة الاستفزازية وما صاحبها من حركات دعائية كلها تركز على أن الصفر جاء غيثاً أو زائراً مرحباً به مع انه ليس كذلك.

ثقافة الإرغام تلك تنم عن احتقار لمشاعر المشترك واستفزازه بطريقة جداً رخيصة لا يمكن أن تخرج عن الاستخفاف بالمشترك، على انه ليس مجبراً على القبول بتعقيدات جديدة وحسب بل مرغم على الترحيب بها وهذا الإرغام والاستخفاف تعودنا عليهما من كل شركة لها امتياز أو ليس لها منافس، فإذا انقطع تيار الكهرباء مثلاً كان يمنّ علينا بإعادة التيار دون الأخذ في الاعتبار ما أحدثه من فساد الأطعمة أو تعطل الأجهزة، وإذا تأخرت رحلة للخطوط السعودية عدة ساعات فإن المنّة علينا أنها أقلعت. واليوم تمنّ علينا الاتصالات بالصفر البغيض.

هذه الشركة يفترض أن تعوض المشترك عن كل ماسوف يترتب على إضافة هذا الصفر من إزعاج وهذا التعويض ليس مستكثراً أن يكون في شكل خصم من الفاتورة يتناسب مع حجم الإزعاج.

ولأن عبارة الإرغام على الترحيب لم تأت من فراغ بل على أساس استخفاف بالمشترك غير المميز فإن الاتصالات استكثرت على أصحاب الأرقام غير المميزة استبدال الصفر برقم خمسة واقتصار هذه “المنّة” على من دفعوا لتكون أرقامهم مميزة!!.

كان يفترض بالشركة ان تفعل كل مامن شأنه تهوين مصيبة الصفر على كل المشتركين دون تمييز بتكثيف منح المميزات المجانية ومنها استبدال الصفر بخمسة للجميع وتمديد فترات البرمجة المجانية بدلاً من تحديدها والتحذير من تجاوزها لكن دعاية عبارة الترحيب كانت تمهد بوضوح لممارسة المنة والوصاية على المشترك لتتبعها الفترة التي نعيشها اليوم المليئة بعبارات التحذير من التأخر عن البرمجة، واخبار الاهتمام بمشاعر أصحاب الأرقام المميزة وكأن غيرهم يكفيه الاحتفال بالصفر!!.

تلك كانت الفضيحة التي تتعلق بالمشترك أما فضيحة الصفر مع الوطن والمواطن فهي تمرد الاتصالات على جهود السعودة والمساهمة في الحد من البطالة فحتى عندما استأجرت أشخاصاً للتجوال على هيئة صفر يمارس المرح وتسلية الأطفال في الأسواق ويمارس الإجبار على الترحيب بالصفر البغيض لم تستأجر عدداً من شباب هذا الوطن الذي يبحث عن أية فرصة كسب رزق، بل استخدمت عمالة شرق أسيوية وهي بذلك ترسخ أنه حتى في الفرص المؤقتة لكسب العيش لن تلجأ لاستخدام أبناء هذا الوطن ممن أصبحوا يعملون في أي مجال كان، وهذه الخطوة أو تلك الزلة يفترض أن تحاسب عليها الشركة فبعض المساهمين فيها في أمس الحاجة للأجر الذي ذهب لذلك الشرق أسيوي!!.

خلل أم خليل

إما أننا نعاني من خلل حقيقي في علاقة الجهات الحكومية بالمستثمر يقوم على تدليل القطاع الخاص على حساب الحكومة والمواطن المستفيد من الخدمة.
أو أننا نعاني من خلل في مفهوم تشجيع ودعم المستثمر!!.

أو ان ثمة شيئاً ما يدور ويحدث يصعب علينا تقبله!!.

بالأمس القريب اشتكى عدد من ملاك المستشفيات الأهلية أو مستشفيات القطاع الخاص وبطريقة تنم عن تبجح ومفاد تبجحهم ان المستشفيات الحكومية تنافسهم على (زبائنهم) من المرضى بافتتاحها عيادات مسائية تجارية تستقبل المرضى بأسعار منافسة لما تقدمه مستشفيات القطاع الخاص (تلك المستشفيات التي أمضت دهراً وهي تفرغ جيوب المريض وتستنزف كل مصادر دخله!!).

وتجاهل ملاك تلك المستشفيات ان الأصل ان يتوفر العلاج المجاني لكل مواطن في مستشفيات الدولة أعزها الله وانهم إنما يقتاتون فيما يخص المواطن على نتائج ازدحام المستشفيات الحكومية وعزوف المستشفيات الحكومية التابعة للقطاعات الأخرى غير وزارة الصحة عن علاج غير منسوبيها.

كما فاتهم أو تجاهلوا ان من حق منشآت الدولة ان تستثمر في الخدمات المقدمة للمقيمين ومنها الرعاية الصحية كما أن من حقها أن تقدم الخدمة بمقابل للمواطن الذي يرغب في الحصول على خدمة صحية استثنائية من مستشفيات حكومية متقدمة يثق فيها وفي اهدافها وأخلاقيات العمل بها.

الغريب أن تلك المطالبة رغم فجاجتها لم تواجه التوبيخ الذي يفترض أن تواجَه به بل قوبلت بلين شديد غير مستحق!!.

ويبدو ان ذلك اللين وتلك المجاملة شجعا فئة أخرى “مقصرة جداً” من المستثمرين على مطالبة لا تقل غرابة فهاهم ملاك مراكز ومعاهد التدريب في لقائهم مع محافظ المؤسسة العامة للتعليم الفني والتدريب المهني يشتكون بأن مراكز خدمة المجتمع بالجامعات تنافسهم في مجال التدريب بطرح برامج تدريبية!!.

هذه المراكز والمعاهد الأهلية التي تصاعدت رائحة فشلها وتركيزها على الربح المادي دون الجودة بل دون أدنى جهد ومحاولة لتقديم ما يوازي ما تحصل عليه من شباب استلف مبالغ تكاليف التدريب ليفاجأ بأنه دفع قبل ان يدخل وتخرج كما دخل “غير مؤهل”. أقول هذه المراكز تريد أن توقف نشاط مراكز خدمة المجتمع التابعة للجامعات ليرمى لها المجتمع برمته وقد أصبح صيداً تنفرد به وتنهش لحمه وتتركه عظماً غير مفيد ولا مستفيد.

الأغرب من المطالبة ان محافظ المؤسسة العامة للتعليم الفني والتدريب المهني رغم انه كان في لحظة تذكر لما عبر عنه من إساءتهم للتدريب بشكل مخجل وعدم التزام معاهدهم بالمعايير التي أنشئت من أجلها وأن ملاكها يطغى عليهم الجانب المادي. إلا أنه لم يستكثر عليهم مثل هذه المطالبة بل طمأنهم أن خدمة المجتمع لا تطبق برامج موازية تنافس برامج المعاهد!! ولو حدث ان البرنامج كان موازياً لما تقدمه المراكز الأهلية فإنه لا ينفذ!! وفيما يخص التدريب الصيفي ومنافسة وزارة العمل للمراكز الأهلية في هذا النشاط أكد انه تم اعتماد 50% من المتدربين في الصيف وتم توجيههم للمراكز والمعاهد الأهلية!! وهو تدليل عجيب يصعب فهمه!!.

كأن ثمة موافقة على حماية هؤلاء المتاجرين بكل شيء، ليس حمايتهم جمركياً أو بتوفير الدعم الحكومي والقروض وحسب بل حمايتهم من المراكز الحكومية التي تقدم خدماتها التدريبية على أساس أخلاقي يهدف إلى الرفع من مستوى وتأهيل ابناء هذا المجتمع.

أليس هذا التدليل غريباً؟! وهل هو خلل في الواقع أم المفهوم أم الفهم؟! بل هل مشكلتنا تكمن في خلل أم خليل؟!.

الخلل أمره سهل حيث يمكن إصلاحه إذا وجدت العزيمة والنية، المشكلة تكمن في الخليل الذي لا تنفع معه لا عزيمة ولا نية ولا مستوية!!.