الشهر: ماي 2005

أطباء بلا «قيود»

علامات كثيرة وواضحة تشير إلى أننا نعيش حالة أزمة أخلاقيات مهنية على مستويات عدة تستدعي وبصورة عاجلة أن لا نراهن كثيراً على منح الثقة دون تدخل حكومي من الجهات الرقابية والتنفيذية والمجالس التشريعية لحماية ضحايا أزمة الضمير والمتضررين من تغاضي البعض عن أخلاقيات عمل أمر بها الدين الحنيف أولاً وحثت عليها أسس أخلاق المهنة وكان الضمير الحي يرفض مخالفتها ويتقزز من أي ممارسة تتعارض معها، لكن الضمير مات.
الطب، هذه المهنة التي حظيت بوسام الإنسانية واشتهرت بأمثلة التضحية حتى لُقّب المنتسبون إليها بلقب «ملائكة الرحمة» أصبحت لدينا اليوم تجسد أوضح أمثلة التنازل عن أخلاقيات الطب لصالح المصالح المادية البحتة تحولت وبسرعة فائقة من السبل المشروعة الحافلة بالأنانية وعدم التضحية إلى الاحتيال على المشروع ثم إلى المجاهرة بالمعصية دون اكتراث بمريض أو ضمير أو أخلاقيات عمل أو تعاليم دين ودون خوف من رقيب لغياب الرقيب!.

بدأ الأمر بالعمل المسائي للأطباء من أساتذة الجامعات في مستشفيات القطاع الخاص تحت غطاء قانوني سمح لهم دون رقابة فأصبح عمل الطبيب المسائي يسيطر على جل تركيزه ثم جل وقته حتى أصبح العمل للقطاع الخاص هو الأصل والعمل للدولة مجرد راتب وضمان وظيفة حكومية دون أدنى عطاء بل بدأ البعض في إغراء مرضاه بالتحول للمستشفى الخاص بحجة سهولة المواعيد ومرونة التعامل!! بينما كان الهدف الحقيقي مادياً بحتاً وهكذا تحول العمل المشروع إلى تحايل على المشروع، ثم جاءت المجاهرة بالمعصية عندما أصبح الطبيب يفتح عيادة خاصة أو يشارك في مركز طبي خاص ويعمل به رغم التزامه بعمل حكومي نظرياً ودون أن يستقيل ويترك فرصة لغيره وليس هذه فحسب بل سيطر الفكر المادي البحث على المهنة إلى درجة التعامل مع المريض على أساس أنه الزبون «الحلوب» الذي يرحب به في الزيارات المدفوعة ويزجر وينهر وترفض مقابلته في مواعيد المتابعة المسماة «مجانية» وهي محملة على رسوم باهظة دفعها المسكين مقدماً.

هذه الصورة من صور التخلي عن أخلاقيات المهنة وتعاليم الدين أدت إلى ضياع آلاف المرضى المراجعين للمستشفيات الحكومية لأن الاستشاريين مشغولون نهارا وليلا في عياداتهم ومراكزهم الخاصة وهو ضياع أصبح ملحوظا بصورة لا تحتمل المغالطة فالمريض المنوم الذي أجريت له عدة جراحات وتدخلات طبية أصبح في عهدة طبيب مقيم هو الآخر لا يجد المرشد الناصح، والمريض في العيادات الخارجية تعرض للانتظار وإلغاء المواعيد أو الفحص من قبل طبيب مقيم أو مساعد يفتقد للموجه.

النتيجة ستكون كارثة صحية وهدرا لمبالغ كبيرة جدا صرفتها الدولة لتجهيز بنية تحتية جبارة للرعاية الصحية خذلها محبو الدينار والدرهم في ظل ضعف إداري وغياب للرقيب واعتماد تام على الثقة التي لم تعد مقبولة في وقت فاحت فيه روائح المعاناة وطفت الممارسات على السطح ولابد من قرار فعال يحمي الناس من استنزاف جيوبهم وصحتهم في وقت واحد وبطرق غير مشروعة وتضر بالمكاسب الوطنية.

أولاً وثانياً

أولاً: ما تسمى افتراء بمشروبات الطاقة لاتزال تضخ بكميات كبيرة جداً في أسواقنا وتحظى بإقبال شديد لدى الشباب رغم ما ثبت من أضرارها الصحية الخطيرة التي أعلنتها «اللجنة» المكلفة بدراستها والتي أقلها إتلاف خلايا المخ وإحداث فشل كلوي.
وزارة الصحة لم تحرك ساكناً في هذا الصدد وكأننا «ناقصين» فشل كلوي أو تلف مخ!! وعدم تحرك الوزارة على ما يبدو قائماً على أساس «بيروقراطي» بحت مفاده ان مشروبات الطاقة ليست «أدوية» ولا «مستحضرات طبية» وهي من اختصاص وزارة الصناعة والتجارة.

حسناً ولكنها تسبب أمراضاً هي من اختصاص وزارة الصحة وستتكفل الوزارة بعلاجها وتكلف الاقتصاد الوطني مبالغ كبيرة أفلا يشفع ذلك لإحداث تحرك وقائي من وزارة الصحة يطالب وزارة الصناعة والتجارة أو أي جهة أخرى بإيقافها بدلاً من المطالبة بتغيير اللاصق وتسجيلها؟! وإذا سجلت كما هو أحد المقترحات بالغة السذاجة فهل سوف تسجل تحت مسمى «مسببات أمراض»؟!

إذاً موضوع المشروبات بالغة الخطورة والتي يروج لها تحت مسمى «مشروبات الطاقة» وهي تهدم الطاقة انتهى بإصدار اللجنة تقريرها الشهير بأنها ضارة ولا تمنح طاقة ومنح وكلاءها فرصة لإجراء «تعديلات» في اللاصق!!

ثانياً: أو على صعيد مشابه فإن كل منتج لغذاء أو مستحضر أصبح يتفنن في كتابة عبارات دعائية عن محتوياته وقدراته الخارقة على العلبة واللاصق وفي الاعلانات التلفزيونية والدعائية، ويمنحه صفات جبارة وإمكانات سحرية، هذا يحسن الهضم، وذلك يخفف الوزن، وتلك تقوي الباه وتغلظه، وآخر يعالج أمراض الضغط والسكر والسرطان، عبارات تداعب معاناة مرضى يائسين أو محبطين وتخدعهم بعبارات لاصق كاذب.

أولاً وثانياً جميعها تحدث ووزارة الصحة لا تتدخل ووزارة الصناعة والتجارة تؤمن بالاقتصاد الحر وكأن حرية الكذب إحدى سماته، وهيئة الغذاء والدواء تترقب بحسرة إتاحة الفرصة لها لتنطلق ومنحها صفة «تنفيذية» من مجلس الشورى. ومجلس الشورى يعرض موضوع الهيئة ليفتي فيه أكثر من 120 عضواً معظمهم غير متخصص وكأن هيئة الغذاء والدواء بدعة ابتدعناها نحن بينما الواقع انها في البلدان الأخرى أصبحت هيئة تقارع وتخيف الوزارات المعنية.

الناس تخدع والوزارات صامتة والهيئة المعلنة منذ خمس سنوات مازالت صلاحياتها تُدرس!!

مقترح خير

باستثناء جهاد الدكتور غازي القصيبي ومطالباته للقطاعين الحكومي والخاص بتوظيف السعوديين فقد ندر وجود المسؤول الذي يطالب للمواطنين بدلاً من أن يطالبهم وشح ظهور وزير في وسائل الإعلام أو حتى في اجتماعاته يقف داعياً إلى إزالة العوائق أمام المواطن وإيصال الخدمات إليه بيسر وسهولة وأقل تكلفة.
كأن السباق الحميم حالياً هو على اقتراح فرض الرسوم أو زيادتها أو تحميل المواطن مسؤوليات الإخفاق في توفير الأساسيات كالصحة والتعليم والماء والكهرباء والغذاء والمواصلات.

سباق الاقتراحات واطروحات فرض وزيادة الرسوم والبدلات وتقديم مشاريع مقترحات الحلول التي تضع العبء على المستهلك أصبح شبه موضة عصرية لبعض الوزراء رغم أن توجه القيادة وتوجيهاتها المستمرة تقضي بالتسهيل على المواطن وتقديم الخدمات له بكل يسر وسهولة، فهل في الأمر سوء فهم رغم الوضوح؟! أم محاولة لتغطية قصور وعدم أداء واجب والتشبث بوهم إسراف المواطن وعدم ترشيده وعدم وعيه تماماً كما كان الوهم والإيهام بأن سبب البطالة هو عدم رغبة السعودي في مزاولة بعض الأعمال وممارسة بعض المهن الشريفة التي أثبت الإخلاص والعمل الصادق أنها مجرد كذبة قالها بعض المتقاعسين في القطاع الخاص وصدقها غيرهم وصدقوها هم ثم جاء صدق العمل ليثبت أنها مجرد ايهام ولد وهماً طال وافتراء صدقه من افتراه.

ثمة أفكار واطروحات ومقترحات هادفة وبناءة وترفع من أسهم المسؤول وإمكانية استمراره في منصبه غير تلك التي تنال من دخل ومصلحة المواطن. أفكار واقتراحات فيها النفع الكثير للوطن والمواطن ورفاهيته وسعادته تزيد من مساحة الحب والتواصل مع الناس وتحقق الرغبة المتكررة للقيادة التي أعلنت أكثرمن مرة وفي أكثر من مناسبة ونصت بوضوح على التسهيل على المواطنين وتيسير أمورهم.

الذئب الأمين

نحن نتحرى الأمانة في من نوكل إليهم المسؤوليات الجسام وهذا مهم للغاية، ولكن الأمانة وحدها لا تكفي {إن خير من استأجرت القوي الأمين} آية تدل على أن القوة تأتي قبل الأمانة في الأهمية عند استخدام عامل، لكن لا بد من توفرهما معاً لكي يكون من استأجرت نافعاً ومفيداً وخيراً.
وإذا كانت القوة في استئجار العامل ترمز للقوة البدنية فإن المسؤوليات الجسام تحتاج إلى قوة الشخصية، وقوة الموقف، وقوة اتخاذ القرار، وقوة الإقناع، وقوة مواجهة الآخرين والتصدي لمن يهدفون إلى استغلال المواقف لخدمة مصالحهم الذاتية على حساب المصلحة الوطنية.

الأمانة في المسؤوليات صفة سائدة، ليست نادرة ولله الحمد ولا يصعب توفرها ووجود أشخاص يتسمون بها لكنها لا تكفي دون القوة، مثلما أن القوة تكون خطيرة ما لم يتسم صاحبها بالأمانة!!

في الوقت نفسه فإن القوة الإدارية وصلابة الموقف صفة نادرة ويصعب أن تجدها في كل مسؤول أو غالبية المسؤولين فهي كالشجاعة والإقدام في الحروب تجدها في واحد من كل عشرة آلاف مقاتل إذا كنت محظوظاً جداً وهذا ما جعل عنترة بن شداد وحيد زمانه.

الإدارة هي الأخرى حالة حرب على الفساد والاستغلال وتحيّن الفرص لتحقيق مصالح خاصة على حساب الوطن، وحرب مع النفس ورغباتها ، وحرب مع شركات أجنبية ومحلية تريد أن تنهش إذا وجدت ضعفاً ، وحرب مع موظفين إذا لم يكن رئيسهم قوياً استضعفوه، ومواجهة مع ذئاب في مواقع متعددة إذا لم تكن ذئباً أكلتك.

نحن في بعض اختياراتنا نميل للحبيب المسالم الأمين بطبيعة الحال دون أن نحسب الحساب لقوته التي نحن في أمس الحاجة إليها لكي نرتاح ونطمئن إلى أن لديه القوى اللازمة للتجديف بالمسؤولية إلى بر الأمان، لديه القدرة على منع التسيب والفساد وحماية مصالح الوطن من جشع الانتهازيين وضمان حقوق المؤسسة في مواجهة الشركات والمؤسسات الأجنبية، أي باختصار لديه القدرة على أن يكون ذئباً فلا تأكله الذئاب وتأكل معه حقوق وممتلكات المسؤولية التي أوكلت إليه رغم أمانته وحبابته وبساطته.

الآنسة ناموسة (2 – 2)

إن البعوض بات فعلاً يدمي مقلة الأسد لأننا أسد في إنجازاتنا الطبية، وأسد في كوادرنا المتخصصة المتابعة للدراسات والاحصاءات والواعية بدرجة الخطورة، وأسد في جمال مباني البلديات وحضارتنا الاسمنتية، لكننا رغم كل هذا الكم من التقدم لا نزال عاجزين عن تجميع قوانا العلمية والمعلوماتية وقدراتنا المالية لقتل بعوضة!!.
ذكرت في هذه الزاوية في عدد يوم الخميس أن سبب توقف محاربة البعوض وجعله ينتشر بالصورة الخطيرة حالياً يعود لافتقادنا للحماس للجهود المشتركة التي لا تبرز أحداً بعينه، والحرب على البعوض جهد مشترك لا يمكن أن تقوم به جهة واحدة ويستدعي تضافر جهود وزارات عدة، لكنني يجب أن أذكر أيضاً أن الجهد المشترك إذا أهمل فلابد من فرضه خاصة إذا كان يتعلق بالصحة ويستنزف طاقات الوطن، واعذروني أيها الرجال الأشاوس إذا قلت إن الآنسة ناموسة خير مثال على ذلك فمجرد إهمال محاربة البعوض الذي لا يكلف مبلغاً يذكر مقارنة بما يصرف لعلاج النتائج أدى إلى انتشار الملاريا في مناطق لم تكن موبوءة وعلاج هذا المرض إذا أمكن لا يمكن مقارنة تكلفته بتكلفة الرش.

ثم إن مسؤولية البعوض عن نقل بعض الأمراض التي تنتقل بنقل الدم تشكل هاجساً لعلماء الأمراض الوبائية وغني عن القول إن المحافظة على مريض الايدز حياً تعادل تكلفة رش عدة مدن، ناهيك عن الأمراض الاخرى وعلى رأسها أمراض التهابات الكبد الفيروسية.

وإضافة إلى تسبب إهمال محاربة البعوض في حدوث وانتشار الأمراض التي ينقلها فإن هذا الاهمال أدى إلى اضطرار الناس لاستخدام الادوات المنزلية للقضاء على البعوض مما أدى إلى رواج أقراص تنفث مواد ذات خطورة شديدة على الإنسان خاصة تلك التي تتولد بفعل أجهزة كهربائية وأبخرة لمواد مسرطنة ومضرة بالكبد وخاصة لدى الأطفال، ومرة اخرى فإن علاج هذه الأضرار لا يمكن مقارنة تكلفته الباهظة على ميزانية الوطن بتكلفة الوقاية من انتشار البعوض هذا إلى جانب التأثير الأهم وهو الإضرار بصحة الأبرياء ممن لا يمكنهم العيش المريح المنتج مع الآنسة ناموسة، فيضطرون إلى استخدام مبيدات منزلية لها خطر غير مرئي أو محسوس لكنه ثابت ومتوقع كان يمكن تلافيه لو قامت كل وزارة بدورها في عمل وطني مشترك للقضاء على حشرة صغيرة ما زالت تزهو بكونها أدمت وتدمي مقلة الأسد وتضرب مثلاً صارخاً على أننا نصر على أن نعمل «فرادى» لكي نبرز «أفراداً» في حين يفترض بنا أن نعمل معاً لكي يبرز الوطن.

الآنسة ناموسة (1 – 2)

لأن الوقاية جهد مشترك بين عدة وزارات فإننا لا نجيد أداءه على الإطلاق، لذا فإننا نبذل جهداً كبيراً ونصرف أموالاً طائلة على العلاج وكأننا نستهوي ترك المشكلة، أي مشكلة، تحدث ثم نحاول أن نبرز أنفسنا كمسؤولين في محاولة يائسة لعلاجها.
إذا صح هذا الافتراض الذي أراه واقعاً مريراً فإننا لا نعير الوقاية اهتماماً لأنها عمل مشترك لا يبرز فيه شخص بعينه، بينما نهتم بمحاولة معالجة الجهة المختصة لكارثة سمحنا لها بالحدوث لأن هذه الجهة ترى أن البروز هو الهدف..

وقائع كثيرة صحية وبيئية واجتماعية واقتصادية تؤيد هذه الفرضية، لكن ما نحن بصدده اليوم هو واحد من أبسط الأمثلة. وفي الوقت ذاته أخطرها وأوضحها وأكثرها انتشاراً رغم أنه أسهلها في العمل الوقائي المشترك الذي لا نجيده..

البعوضة تلك الحشرة الصغيرة الخفيفة الضعيفة شكلاً القوية مضموناً لأنها المسؤولة عن نقل أهم عنصر حيوي في جسم الإنسان وهو الدم من مريض إلى سليم والعكس لا يهم، وبالتالي فإنها «الناقل الرسمي» لجميع ما عرف وما لم يعرف من الأوبئة التي تنتقل من مريض الى سليم بحدوث دورة حياتية لجرثومة داخل جسم تلك الحشرة مثل الملاريا القديمة الجديدة أو بالنقل الجماعي لمجموعة من الفيروسات ونشر عدد من الأمراض الخطيرة التي تنتقل بنقل الدم، ولعل الدراسات الحديثة بدأت تدق ناقوس خطر مسؤولية البعوض عن نقل الأمراض الفيروسية وعلى رأسها من حيث الخطورة والمأساة مرض الإيدز.

الملاحظ مؤخراً أن البعوض يسرح ويمرح ليس في مناطق نائية وقرى تتوفر فيها ظروف صعبة لتكاثر البعوض وصعوبة محاربته مع عدم استحالة القضاء عليه بل في مدن رئيسة والعاصمة على رأسها، فالبعوض أصبح شريكاً لنا في جميع المدن والقرى والأحياء دون أن يتعرض له أحد، ولذا فإنني ألقب أنثى البعوض بالآنسة لأن أحداً لم يتعرض لها.

لو كان ثمة جهد مشترك يهدف الى تحقيق انجاز من الجميع وللجميع لكانت وزارة الصحة تبنت الحرب على الناقل الأول لأخطر الأمراض ودعمت بالأرقام والاحصاءات والدراسات خطورة الوضع وبحثت مع البلديات أسباب اطلاق حرية البعوض واشتركت وزارة الزراعة في دراسة احتمال عدم فاعلية المبيدات إن وجدت مع أن الواضح في العاصمة على الأقل ان الرش الذي كنا نسعد بالركض خلف سيارته لم يعد موجودا على الإطلاق ناهيك عن جهود رش وردم المستنقعات بعد السيول وطفح المجاري.

الشورى وهيئة الدواء والغذاء

لا ألوم أعضاء مجلس الشورى عندما يطول الجدل وتكثر المقترحات حول مشروع نظام الهيئة العامة للغذاء والدواء ويدلي كل بدلوه حول هذه الهيئة رغم بعده عن التخصص فالموضوع يعني كل واحد منا في غذائه ودوائه وصحته وصحة أبنائه والأجيال القادمة.
لكن الواضح حسب الجدل الذي دار الأحد الماضي ونشرته جريدة «الجزيرة» ان أمر الهيئة العامة للغذاء والدواء يناقش وكأننا أول دولة تطبق هذا الاحتراز المهم في الشأن الغذائي والدوائي والذي جاء لدينا متأخراً مقارنة بمستوى طموحنا وتطورنا وقفزاتنا الحضارية.

كان أهم اختلاف في الآراء في جدل مجلس الشورى يدور حول الخيار الأول أو الرابع والأمر يتعلق بصلاحيات الهيئة العامة للغذاء والدواء وهل تكون تشريعية رقابية تنفيذية أم ان تقتصر على التشريع والرقابة دون التنفيذ ويترك التنفيذ لجهات الاختصاص مثل وزارة الصناعة والتجارة أو الصحة.

يبدو لي من هذا الاختلاف ان لجنة الشؤون الصحية والبيئة عندما أعدت الدراسة لم تراجع جيداً أو مطلقاً تجارب الدول التي سبقتنا في هذا الاحتراز وأقربها تشابهاً لأساليب الترخيص والمتابعة لدينا هي الولايات المتحدة الأمريكية ويبدو أيضاً ان اللجنة لم تعتمد في هذا الصدد ضرورة ان نبدأ من حيث انتهى الآخرون خاصة في هذا الموضوع شديد الحساسية سريع التغير والتغيير وفقاً للمستجدات والممارسات الخاطئة والتعديل والتبديل الذي يهدف لمنع تلك الممارسات.

واستنتاجي بعدم رجوع اللجنة لتجارب الآخرين جزئياً أو كلياً يؤيده تصريح سعادة رئيس اللجنة الدكتور محسن آل تميم لجريدة «الجزيرة» الثلاثاء 17 ربيع الأول 1426ه الذي جاء فيه ان الفريق العلمي المتخصص الذي أُلف لمشروع النظام أجرى مسحاً للجهات المشرفة على الغذاء والدواء في «المجتمع السعودي» انتهى.

كان من المفترض الرجوع لتجارب الدول المتقدمة، والصيادلة في مصانع الأدوية والمستشفيات ولجان التسجيل بوزارة الصحة يعرفونها جيداً وثمة تبادل خبرات واستشارات وزيارات في هذا الصدد خاصة مع FDA في أمريكا وأحسب أن اخصائيي التغذية ايضاً لهم نفس الخبرة وإذا ما أردنا ان ننطلق من حيث انتهت دول عانت في هذا الصدد وغيرت وبدلت وحسنت حتى أصبحت مرجعاً فقد كان الأجدر أن نرجع للصيادلة وخبراء الغذاء الممارسين وليس الاكاديميين فقط.

هيئة الغذاء والدواء في كل الدول المتقدمة لها صلاحيات تنفيذية قوية ونافذة غير قابلة للتدخل من أي جهة أخرى بما فيها الوزارات المختصة كالصحة والزراعة والتجارة وخلافها هذا إلى جانب صلاحيات الهيئة في مجالات التشريع والرقابة، والأمثلة العالمية في هذا الخصوص كثيرة وأهمها (FDA) في أمريكا و(TGA) في استراليا وهذا الموضوع لا تحكمه خصوصيات اجتماعية أو تقاليد وعادات حتى نطمح لأن يكون لنا أسلوبنا الخاص المختلف عن بقية دول العالم.

ثم إن جهات الاختصاص لدينا ومنها الصحة والتجارة والزراعة لم تتمكن من الحد من أضرار أدوية وأغذية ومنتجات زراعية كثيرة على مدى هذا العمر التنفيذي الطويل فكيف نوكل لها بالتنفيذ تجاوزاً للهيئة؟! ولعل مثال مشروبات الطاقة التي ثبت ضررها علمياً وطبياً ومازالت ثابتة في أرفف البقالات والأسواق أصدق دليل على العجز.

أما الدليل الثاني فهو عجز وزارة الصحة عن منع الدعاية للأدوية في لوحات الشوارع رغم ان التشريع يمنع الإعلان عن الدواء.

إن تشريعات الدواء والغذاء لابد أن تكون نافذة وفعالة على أرض الواقع لأنها لا تقبل الارتجال ولا التوسط والشفاعة والفزعة، هذا إذا أردنا أن نأمن على أنفسنا من خطر الغذاء والدواء.

ترميم الأركان الضعيفة

عندما يتم توجيه ملياري ريال نحو مشاريع الإسكان في المناطق الأكثر احتياجاً فإن هذا معناه أننا نتوجه التوجه الصحيح نحو تقوية الأركان الضعيفة في بنائنا الاجتماعي وتدعيمها حتى تصبح قادرة على التحمل ومسايرة كافة أركان البناء فلا ينهار أو يميل.
نحن في أمس الحاجة في هذا الوقت أكثر من أي وقت مضى لتقوية الضعيف وطبيعي أننا في هذه البلاد لم نسع قط إلى إضعاف القوي أو حتى إرهاقه.

في سنوات عديدة مضت، خاصة في المرحلة التي شهدت طفرة وفائضاً كبيراً في الميزانية تم التركيز على تشجيع المواطن على الاستثمار وفرش له طريق الإثراء بالورود والدعم والتسهيلات دون مقابل وبأقل قدر من القيود، واستغل كثيرون تلك الطفرة فتحول المتوسط إلى غني وميسور الحال إلى ثري وشهدت بعض ضربات الحظ تحول بعض الفقراء المعسرين تحت خط الفقر إلى أثرياء فوق خط الثراء الطبيعي ولكن تلك كانت نادرة لم تشمل الكثير من الفقراء الذين بقوا تحت خط الفقر إلى درجة أنه لا مساكن لهم ولا عيشة تتناسب مع إنسانيتهم وهذا ما نقصده بضعف بعض الأركان مقارنة بالأخرى في البناء الاجتماعي الذي يشكله الإنسان.

تحويل الملياري ريال من الفائض نحو هؤلاء الضعفاء هو النهج الذي سوف يصحح الإعوجاج ويقوي الركن الضعيف ليتماسك البناء.

هذا التوجه والتوجيه الكريم من لدن صاحب السمو الملكي ولي العهد «نصير الضعفاء والمهموم بالفقراء» يبشر بمزيد من الترميم لمواقع الضعف في الهيكلة الوظيفية كما هي الهيكلة الاجتماعية،، بمعنى أن يتم تدعيم بدلات ومميزات صغار الموظفين دون كبارهم لأن الموظف في المرتبة فوق العاشرة مثلا يعيش فوق حد الغنى الوظيفي وبعضهم ينعم ببدلات ترفيهية كبيرة جداً لكنّ موظفي المراتب الأقل أو الوظائف الدنيا لا يكاد راتب أحدهم وبدلاته وما يستدين معه يعينه على سد رمق أبنائه وبناته وهذا الركن يحتاج إلى دعم مشابه وأقصد تقوية صغار الموظفين دون كبارهم.

منبر «الغفران»

من السهل جداً تبني الشعار ومن الصعوبة بمكان الالتزام به، ومن الممكن بسهولة ادعاء الحياد ومن شبه المستحيل ممارسته خاصة عندما لا يكون الحياد هو الغرس الحقيقي والاستقلال بالرأي واحترام الرأي الآخر هو الثمرة الطبيعية.
استطاع مؤسس قناة «الجزيرة» تسخير المال لشراء التقنية الحديثة وإغراء عناصر صحفية متمرسة وذات مهنية عالية و«استئجارها» لتمثيل دور الإعلام المستقل المحايد.

لعل التمثيلية أثرت في مشاعر الكثيرين تماماً مثلما يتأثر عدد كبير من المشاهدين بأحداث مسلسل تلفزيوني أو فيلم سينمائي يداعب المشاعر ويشابه واقعاً مر بهم لكنه ليس الواقع نفسه.

لا الغرس كان لبذرة حياد حقيقية ولا السقيا جاءت بماء نقي فخرجت الثمرة جميلة الشكل لكن مذاقها يسوء يوماً بعد يوم تذكرك بالأغذية المعدلة وراثياً تحظى بالشكل وتفتقد القبول وتحس بخطورتها على الأجيال مستقبلاً.

الحياد في إعلامنا العربي لايزال حلماً بل أضغاث أحلام وإن وجد الرأي فإن الرأي الآخر لا مكان له إلا لهدف يخدم الرأي الأول ولا يتعارض معه أما منبر من لا منبر له فليس إلا رابغ الغول والعنقاء والخل الوفي!!

إذا كان بعض ما يرد في قناة «الجزيرة» يستهوي نفوس البعض ويشفي غليلهم فإن ادعاء هذه القناة للحياد، وتوفير منبر لمن لا منبر له، واتخاذ الرأي والرأي الآخر شعاراً ادعاء أثبتت كارثة «فخيذة الغفران» بطلانه وانكشاف ستره الذي نعترف انه كان قوياً وممعناً في السواد والغموض.

قبيلة «آل مرة» لماذا لم تكن قناة «الجزيرة» منبرهم عندما لم يجدوا منبراً؟!

ورأيهم لماذا لم تطرحه قناة «الجزيرة» وقد كان آخر؟!

عندما تتفاعل قناة «الجزيرة» مع فرد تعاطفاً مع إنسانيته وتهمل قبيلة أو فخذاً من قبيلة يتعرض أكثر من خمسة آلاف منهم للسجن والمداهمة وللتغريب والفصل من العمل ومسح انتمائهم إلى بلدهم وإسقاط الجنسية عنهم أباً عن جد وحياً ومتوفى فإن هذا يجب أن يجعل المشاهد مهما بلغ من البساطة والطيبة يعيد حساباته ويفكر جيداً في حقيقة شعار الرأي والرأي الآخر وهل هو شعار أم قناع يخفي وجهاً آخر من وجوه التبعية وعدم الحياد يمارس كذبة كبرى.

نريد من المشاهد المخدوع أن يتساءل أين المنبر من «فخيذة الغفران» وهم لا منبر لهم؟! مع أنهم لا يبعدون سوى أمتار إن لم تكن أشباراً عن المنبر بمراسليه وآلات تصويره ومذيعيه ومذيعاته؟!

لماذا كتب على العربي كلما أراد أن يفرح لا يجد مطرحاً للرأي والرأي الآخر؟!

السكين «الدثرة»

الرعيل الأول من رجالات مجتمعنا كان لديهم أسلوبهم الخاص في تقييم الرجال وتصنيفهم عن طريق وزن أفعالهم وتصرفاتهم بميزان فراسة بالغ الدقة عالي الحساسية.
حتى في مجال العمل الوظيفي والمسؤوليات كان لهم قدرة فائقة على تكوين انطباع لا يجانبه الصواب عن المسؤول من حيث قدراته، جرأته أو تردده، سرعة اتخاذه للقرار أو بطئه، قدرته على وزن الأمور من عدمه، ومدى نجاحه في ملء المكان الذي يشغله.

كانت لديهم قدرة عجيبة في اختزال تقييم الرجل في عبارة واحدة ذات معنى ومختصرة جداً تغني عن الكم الهائل من الورق الذي نطبعه لتقييم شخص وتجدها في النهاية صحيحة ومعبرة ترن في أذنك كلما تعاملت مع الشخص وعرفته عن كثب.

يعجبني من تلك العبارات المختصرة جداً والمعبرة عندما يصفون الموظف او المسؤول ذا المسؤولية التنفيذية بأنه «سكين دثرة» تعبيراً عن عدم قدرته عى القطع في اتخاذ القرارات وهذا النوع من المسؤولين متعب لموظفيه وللمراجعين وللوظيفة وللمجتمع ولمن أعطاه الثقة.

تماماً كما هي السكين غير الحادة أو مثلومة الشفرة «الدثرة» لأنها لا تقطع بسرعة فإنها تتعب من استخدمها وتعذب الذبيحة (وهي القرار هنا) وتحرق أعصاب من ينتظرون وجبة شهية من الإنجازات.

بالمناسبة هم لا يحكمون على صفة واحدة أو جانب واحد ويعممونه بل العكس فإن حكمهم إذا صدر بأن فلاناً من المسؤولين «سكين دثرة» فإنهم يعنون ما يقولون عن شخصيته ككل وليس عن جزء منها.

نحن في تقييمنا للتنفيذيين في وظائفهم لا نعير هذا الجانب الأهمية المطلوبة بدليل أننا نحاسب على الأخطاء فقط أما من نعينه ولا يحرك ساكناً فإننا نرضى عنه رغم سلبيته المستمرة بينما من ارتكب خطأ ارتكبه لأنه يعمل ويقطع في اتخاذ القرارات وتكون له لمساته الواضحة التي يراها الأعمى وتسمع الأصم.

السكين الحادة تخطئ بسبب حدتها فتجرح إصبعاً لا يلبث أن يشفى لكن السكين غير الحادة «الدثرة» تجرح القلوب وتهلك النفوس وتؤدي إلى الإحباط ومع ذلك تجد من يصبر عليها.

في هذا الزمن المتسارع نحن في أمس الحاجة وطنياً لعناصر حية فعالة لديها مخزون كبير من الثقة في النفس والجرأة والتضحية، تعمل وتخطئ وليس تلك التي تقبع على الكرسي تتحسسه في جمود وعدم حراك خشية أن يتحرك.