الشهر: مارس 2006

بعرة الصحة

نحن عرب، والعرب اشتهرت عنهم الفراسة وهم من قال: «البعرة تدل على البعير»، أي أن من السهل على من لديه شيء من الفراسة أن يدرك ما يدور مما يدور، فيعرف أن ثمة بعيراً إذا رأى البعرة!!.ما يدور الآن على أرض الواقع العملي (وليس الشائعات أو الأقاويل) أن أسعار الأدوية رفعتها وزارة الصحة بنسب عالية زادت عن 37٪ في كثير منها ووصلت نسباً أعلى في بعضها الأخر وكل ذلك يأتي على كاهل المريض ولمصلحة شركات الدواء ووكلائها ويأتي في وقت يشتري فيه المرضى السعوديون أغلب أدويتهم لأن المستشفيات لا تصرفها، وسبق أن عقبت وزارة الصحة على ما كتبته حول هذه الزيادة ووعدت بحل الموضوع سريعاً ومضت أشهر ودورت وظائف ورحل من كتب الرد من موقعه ولم يتحرك في سعر الدواء ساكن وإن كان حرك أعصاب ومشاعر المستهلكين وأوغر صدورهم!!.

وما يشهده الواقع العملي أيضاً أن الأطباء الاستشاريين الحكوميين المدفوع لهم بدل تفرغ من الدولة يعملون بطرق غير مشروعة في المستشفيات الخاصة والأهلية وبدون أي مسوغ نظامي وأصبحوا يتبجحون بهذا العصيان ومخالفة جميع اللوائح والنظم ويظهرون في الصحف وقنوات الفضاء ويغيبون عن عملهم الحكومي أثناء الدوام الرسمي، صباحاً وظهراً وعصراً، وأهملوا مرضاهم فزادت الأخطاء الطبية القاتلة وطالت مدة بقاء المرضى في المستشفيات الحكومية وما يترتب عليها من تكاليف وزادت الشكوى وانخفض مستوى الرعاية الصحية في المستشفيات الحكومية رغم ما وفرته لها الدولة من تجهيزات وبنية تحتية قوية وصرفت عليها مبالغ باهظة. ومعلوم أن هذه الممارسات وهذا الخروج عن أخلاق المهنة ومخالفة أنظمة الدولة يمكن لوزارة الصحة قطع دابره بمراقبة المستشفيات الخاصة التي يعملون بها وتغريمهم لسماحهم لطبيب حكومي لا يتبع لهم نظاماً أن يمارس المهنة لديهم ومجموعة أخرى من الخطوات التي يمكن أن تنهي تماماً هذه السلوكيات المشينة، لكن الوزارة لم تفعل!!.

هذا التغاضي من وزارة الصحة عن ممارسة دورها في حماية المريض من رفع أسعار الدواء، وغياب الأطباء الحكوميين إلى جانب ارتفاع غير مبرر لفواتير المستشفيات الخاصة والأهلية وإهمال الخدمات الإسعافية فيها بل ورفض استقبال المريض في إسعاف المستشفيات والمستوصفات الخاصة مما جعل بعض المصابين يموتون على أبواب تلك المستشفيات التي دعمها الوطن أيما دعم ولايزال، وانتشار الدعاية الدوائية الممنوعة اصلا وغيرها كثير ألا تدل على أن الوزارة تمارس ليناً غريباً مع القطاع الخاص يصل حد الضعف أو غض الطرف؟!

وهذا يشير إلى ماذا؟! ألا يَطرح تساؤلاً عن ماهية الوزارة وماهية القطاع الخاص وما وجه الشبه بين عناصر كل منهما؟!.

في برود وزارة الصحة نحو الانتصار للمريض أليس ثمة بعرة تدل على بعير؟!.

شوكة الشرطي

كنت أراجع إدارة الجوازات عندما سمعت ورأيت شاباً يوجه سيلاً من الشتائم لأحد الموظفين العسكريين دون أن يرد عليه بغير كلمة «روح» كنت أعلم أن أي خلاف إداري أو غيره لا يمكن أن يبرر تلك الألفاظ وزاد عجبي حينما علمت أن السبب لكل هذه الجرأة غير المؤدبة لا يعدو رغبة في الحصول على عدد أكبر من الاستمارات وأرقام مبكرة لحجز دور غير مستحق، أي أن الشاتم معقب أناني!!

عدت بالذاكرة إلى زمن مراهقتنا عندما كنا نخاف (بل نحترم) بدلة العسكري حتى لو كانت معلقة لدى «الغسال» رغم أننا ولله الحمد وبفضله ومنته لم نشهد حكم نظام عسكري أو حالات طوارئ لكننا تعلمنا أن العسكري يفرض النظام وعلينا احترامه، وتذكرت أيضاً أحد أبناء «حارتنا» عندما التحق بالعسكرية مستجداً وأصبح يلبس البدلة ويحذرنا أن قطع كل (زرار) يكلفك ستة أشهر سجن وكانت البدلة تحمل ما يعادل 72 شهراً في السجن من الأزرار.

كنا ونحن نتشاجر معه حريصين على أن تتوجه اللكمة لتسقط سناً على أن تسقط (زراراً).

توجهت بالسؤال إلى عدد من الضباط وضباط الصف في أجهزة مختلفة حول أسباب جرأة الشباب على العسكري هذا اليوم أكثر من ذي قبل فأجمعوا على أن إدانة ومعاقبة مواطن أو مقيم اعتدى عليهم تحتاج إلى عدة أشهر من المراجعة في المحاكم وإحضار الشهود ومرحلة شاقة تفرض عليك أن تترك من أساء إليك وتشكو حزنك وبثك إلى الله.

أنا كمواطن مدني شغوف بحقوق المجتمع المدني وحفظ الحقوق والاحترام للجميع وبنظرة واقعية لما تفرضه المصلحة الوطنية والمصلحة العامة، لو خيرت بين الزمن الماضي وهذا الزمن فسوف اختار الوسط ولو لم أمنح إلا أحد الخيارين فإنني بلا تردد سوف اختار الزمن الذي مضى لأن قوة رجل الأمن هي حماية للصالح من المجتمع فتعرضك لسارق أو معتد (وهم كثر هذه الأيام) أمر قد تجبر عليه في أي و قت ولا خيار لك في تلافيه ولا منقذ لك منه إلا رجل أمن جريء حر، أما الدخول في شجار مع رجل أمن فهو أمر يمكن لك أن تتلافاه بضبط النفس وأخذ حقك بالطرق النظامية ولو طالت.

أنا ممن يرى بأن تقوية شوكة رجال الأمن ورجال فرض النظام أمر مطلوب، خاصة في ظل تزايد الأعمال التي تتسم بالجرأة على النظام في جميع الأماكن وعلى جميع الأصعدة بدءا بالشارع وانتهاء بقاعات الحوارات الثقافية التي يفترض أن تدرس النظام.

راجعوا إن شئتم حادثة مباراة الرائد والجبلين التي اشتهرت وستجدون أن الجميع يتذمرون من دفع أو شد حكم اللقاء لكن اللقطات كانت حافلة بدفع وشد رجال الأمن ورفع اليد في وجوههم و لم ينتبه لذلك أحد..وهذا غير مقبول.

إدارة «التينيجرز»

يشكل المراهقون في المرحلة السنية بين 13 إلى 17 سنة مشكلة كبرى لكثير من الدول وعلى وجه الخصوص في الغرب حيث تسبب انفعالاتهم و«طفرتهم» خطراً على الآخرين، فهم قبل الثامنة عشرة يشعرون بأنهم مقيدون ولم يصلوا بعد إلى سن الحرية الكاملة فيحاولون أن يتمردوا على هذا الحاجز بسلوكيات غريبة يحاولون من خلالها إثبات رجولتهم أو أنوثتهم قبل أوانها !!، وفي أمريكا مثلاً يسمونهم «تينيجرز» لأن أعمارهم تحوم في خانة العشرة ولم يبلغوا العشرين بعد ويحسبون لهم ألف حساب .

نحن ولله الحمد لا نعاني من هذه المشاكل كثيراً لأننا وبفضل من الله تمتد لدينا فترة الانضباط طويلاً حتى النهاية، فلا يعني البلوغ بالنسبة لنا غير التكليف ومزيد من الانضباط وإن كان من لا ينعم بتربية حسنة فإنه يحصل في العاشرة من العمر على ما يحصل عليه من هو في الأربعين، أي يمكن له أن يشتري الدخان والشيشة ومشتقاتهما دون نظام يمنع وهذا عيب في حد ذاته .

خلاف ذلك فإن معاناتنا الوحيدة مع مَن هم في ذلك السن 13 إلى 17 سنة تكمن في مقاسات الملابس وتطلق عليه السيدات وباعة الملابس (مقاس محير) لأنه يحيرهم كثيراً فلا هم أطفال يصلح لهم لباس الطفل ولا كبار تصلح لهم ملابس الكبار .

المشكلة الكبرى لدينا هي في الأعمار الإدارية لأن المراهقة الإدارية لا تعترف بعدد السنين وإنما بالعمر الإداري «أي كم هي خبرتك الإدارية؟! وكيف هي عقليتك الإدارية ؟!».

إذا أعطيت المسؤولية لشخص في الخمسينيات لكن خبرته الإدارية أقل من 17 سنة فنحن هنا نتحدث عن «تينيجرز إداري»، وهذا يعني بالتأكيد أن الوظيفة ستعاني من مراهقة إدارية وقرارات عشوائية وانفعالية ناتجة عن «طفرة» الحصول على المنصب قبل الأوان أو استعجال المسؤوليات .

الإدارة أيضاً فيها سن طفولة وسن بلوغ وفيها السن المحيرة التي تجعلك في حيرة من أمر ذلك المدير هل هو جبان أم شجاع ؟! هل هو رزين أم متهور ؟! هل هو أمين ومنصف أم مراوغ متحيز ؟!.

المعايشة الإدارية فقط هي التي تجعلك تدرك الفرق وهي التي تقنعك بأن الإدارة الوسطى يمكن أن تضع فيها مراهقاً إدارياً ينعم بالكثير من الطاقة والقليل من حسن التصرف أما القائد الإداري فلا بد أن يكون بالغاً بل ومسناً فأنت لا تريده أن يتحرك بقدر ما تطلب منه أن يحرك إدارته ويديرها بحكمة وخبرة عشرات السنين، لأن سن البلوغ الإداري تقاس بعدد سنوات الخبرة الإدارية لا العمرية ولا المهنية .

درس أبوي لهيئة السوق

قبل ثلاثة أشهر كنت أعد العدة وأجمع أدواتي للثناء على أسلوب هيئة سوق المال السعودية في توعية المساهمين والمستثمرين في سوق الأسهم عبر معظم القنوات الفضائية ومخاطبتهم برسائل قصيرة ومعبرة تحذرهم من المخاطرة دون دراسة ومن الاعتماد على الشائعات .
وما هي إلا أشهر وإذا بالهيئة تتخذ قرارات مفاجئة وتنتهج أسلوب المباغتة المضرة بصغار المساهمين مثل تحديد نسبة التذبذب بخمسة في المائة وغيره من القرارات التي صدرت بين عشية وضحاها والتي ساعدت على انهيار السوق.
وجاء درس الأبوة الحانية ، الدرس الملكي الحكيم الذي يجب أن يستفيد منه كل مسؤول في مسؤوليته وكل راع في رعيته وكل حاكم في شعبه .
قلبُ عبدالله بن عبدالعزيز لا ينبض بغير الإنسانية وقد نبض بحلول تجمع بين جلب المنافع ودرء المخاطر ، فكانت قراراته تشع حكمة وحناناً واستطاع القلب الكبير أن يحرك قلوباً توقفت واليد الكريمة أن تكفكف دمعاً ذرف من عزيز فأعاد للشارع السعودي بهجته .
أتمعن في موقع جريدة «الرياض» على الإنترنت فأجد 83 تعليقاً حتى ساعة كتابة هذه الزاوية على خبر توجيهاته يحفظه الله وهو أكبر تجاوب عبر الشبكة العنكبوتية شهدته في حياتي وجميعها تشع حباً وامتناناً وولاء .
إنه درس في الحكمة والعطف والإنسانية يجب أن نستوعبه جميعاً كل في مجال عمله وحياته الأسرية والاجتماعية .

يا حمام بالانفلونزا ينوح!!

عندما سقط نسر نافق في الفناء الخلفي لمنزل الرئيس المقدوني برانكو كوفينكوفسكي أجبر الرئيس على البقاء في منزله خوفاً من أن يكون مصاباً بأنفلونزا الطيور وتم اتخاذ كل الاجراءات الاحتياطية وتطهير المنطقة وبقي الرئيس قيد الإقامة الجبرية أكثر من ثلاث ساعات لابد أنها كانت حافلة بالمواعيد المهمة.
كل ذلك حدث رغم أن مقدونيا لم تسجل أي حالة من وجود سلالة (اتش 5 إن 1) المميتة من فيروس انفلونزا الطيور.
الاحتياطات بنيت على أساس أن اليونان التي تقع على الحدود مع مقدونيا سجلت وجود الفيروس.
عندما ينتشر وباء قاتل أي وباء حتى لو كان الناقل له هم البشر فإن الاحتراز يجب أن لا يقف عند حد ويكون حتى الهلع والخوف السكاني أمراً طبيعياً واستجابة متوقعة.
وإذا كان الوباء ينتشر عن طريق أجسام طائرة كالطيور تنتقل «بدون حدود» وبدون جواز سفر ولا حجر صحي وتعدي أي زميل طائر آخر من أي نوع فإن الاحتراز يفترض أن يصل اللون الأحمر بناءً على التقليد الأمريكي (أمريكا تموت في الشكليات وتموت بها).
الهلع السكاني هنا أمر متوقع وبشكل كبير وإذا كان الأمر كذلك فيفترض أن تكون الجهات المعنية جاهزة للتجاوب مع أي بلاغ عن نفوق طائر، بل تجهز عدتها لاستقبال أي بلاغ عن طير هوى في أحد السطوح، وأهم هذه العدة الخاصة باستقبال البلاغات خط ساخن لوزارة الزراعة وآخر لوزارة الصحة أو واحد لهما معاً بدلاً من خط النفي البارد لكل من وزارة الصحة ووزارة الزراعة بعدم احتمالية انتقال الوباء لنا وكأننا محاطون بشبكة تمنع طيور العالم من العبور إلينا.
الحمام الذي تكاثر منذ عدة سنوات كان نفوقه أمراً طبيعياً إما بفعل العطش في السطوح أو بفعل صفعة خطافية من قط أقشر أو «شطفة» «رفرف» سيارة تجعله «لا يرفرف» أما اليوم فإن الوضع قد اختلف وثمة سبب مخيف محتمل ولا يفترض أن يمر نفوقه اليوم مرور الكرام ويجب أن نبلغ عنه إذا كانت لدينا النية أن نحتاط مثل بقية العالم المتقدم.
إذا وجدت ربة منزل أن الحمام «الذي كان على الغابة ينوح» قد فرش جناحيه في حوش المنزل أو ممراته أو سطحه فبمن تتصل؟ ومن تبلغ؟ ومن يطمئنها انها لن تفرش ذراعيها بجانبه؟ ولماذا لا يكون هناك خط ساخن بل خطوط ساخنة للتبليغ عن هذه الحالات؟!
أرجو أن لا يقول أحدهم إن الأمر صعب لأن الاتصالات تمنح الخطوط بوفرة والباحثون عن العمل متوفرون والأمر غاية في الأهمية وهو دون أدنى شك أهم من الخطوط الساخنة للعلاقات العامة الخاصة بنشر تحركات المسؤول وأهم من خطوط الاتصال بقنوات الفضاء لطلب أغنية «حمام جانا مسيان»!!
الذي ينقصنا ليس «خطاً» بل «حظ» في موظف جاد وطني.. لاحظوا أنها نقطة تحركت من «الخاء» إلى «الطاء» فغيرت في أولوياتنا تلك الأولويات العجيبة التي يرسمها «الهوى» فأعاننا الله إذا الطائر المحلق هوى.

العروس ومسيار وزارة الصحة

منذ حوالي عشرة أشهر وتحديداً في 12 و 15 مايو 2005م كتبت زاويتين من «بصوت القلم» في هذه الجريدة أحذر من «الآنسة ناموسة» الناقل الرسمي لجميع ما عرف وما لم يعرف من الأوبئة التي تنتقل من مريض إلى سليم مثل الملاريا القديمة الجديدة أو بالنقل الجماعي لمجموعة من الفيروسات ونشر عدد من الأمراض الفيروسية .
واستغربت توقف رش البعوض في مدننا الرئيسة وأن البعوض بات يدمي مقلة الأسد، ونحن أسد في إنجازاتنا الطبية وأسد في كوادرنا المتخصصة المتابعة للدراسات والإحساس بدرجة الخطورة وأسد في جمال مباني البلديات والحضارة الأسمنتية، لكننا رغم كل هذا الكم من التقدم عاجزون عن قتل بعوضة .
ما حذرت منه وقع وهاهي الآنسة ناموسة تهتك صحة جدة وما حولها، و«تنشر» حمى الضنك، ومسؤولو وزارة الصحة منشغلون «بنشر» أخبارهم الخاصة وردودهم اليائسة.
تقول جريدة «الحياة» إن وزارة الصحة وأمانة محافظة جدة اتفقتا أخيراً بعد أن زالت الخلافات بينهما حول المسؤولية عن حمى الضنك وبدأتا جهداً مشتركاً لإعداد حملة «ضخمة» لمكافحة المرض وتوعية الجمهور بخطورته .
قلتها أكثر من مرة وكتبتها مراراً أن بعض وزاراتنا تتهرب من الجهود المشتركة والأنشطة متعددة الأطراف مع أنها الأسلوب الصحيح الفاعل، وهذا التهرب سببه أن كل وزارة تبحث عن الضوء المنفرد والمردود الإعلامي ووزارة الصحة واحدة من أشهر الأمثلة.
لم تتفق الصحة وأمانة جدة على جهد مشترك إلا بعد أن زالت الخلافات حول مسؤولية مشتركة (نفس الشيء حدث مع وزارة الزراعة إبان أزمة حمى الوادي المتصدع).
لا أدري لماذا «المسؤول» لدينا شغوف بنفي المسؤولية أكثر من شغفه بحل المشكلة «ليست مسؤوليتنا، خارج صلاحيات الوزارة، لا علاقة لنا بما يحدث» كل عبارات النفي تلك تأتي عند حدوث مشكلة، أما إذا حضر «الفلاش» فإن الأمر ينعكس تماماً !!.
الصحة مسؤولة وبدرجة وكالة وزارة مساعدة عن الوقاية من الأمراض «طب وقائي» ويفترض ولا أجزم أن هذه الوكالة تدرك أن البعوض إذا انتشر فإن الأمراض تنتشر، والبعوض من أخلاقياته أنه لا يميز بين مدير ووكيل أو حتى وزير ومراجع ومواطن عادي، فالآنسة ناموسة تقبل أي جلد وجلدة فهل كانت وزارة الصحة تجهل تكاثر البعوض أم أنها تجهل أضراره أم أن وكالة الطب الوقائي تحتاج لوقاية؟!
لماذا لم تبدأ تلك الحملة المشتركة لمكافحة البعوض إلا بعد أن انتشر المرض؟! وكم مضى من الأشهر التي استغلتها الآنسة ناموسة في التكاثر إبان وجود خلاف بين الصحة وأمانة جدة على «من المسؤول»؟!.
تزوجت الآنسة وأنجبت وقتلت ونشرت يرقاتها في مدن رئيسة وليست هجراً نائية ووزارة الصحة وأمانة جدة تحتفلان باتفاق على إزالة الخلاف في عرس أشبه بالمسيار لابد له أن ينتهي، لتبدأ الصحة خلافاً جديداً واتفاقاً جديداً ومسياراً جديداً مع أمانة مدينة أخرى وأحفاد الآنسة ناموسة يحتفلون.
البعوض يعج في الرياض وغيرها فهل ننتظر نقله لمرض جديد أو نفس المرض حتى نتحرك؟!.
صحيح أن ردم المستنقعات ورشها ورش البعوض مسؤولية البلديات وأهملت مؤخراً في القيام به، لكن الأمراض الناجمة ومضاعفاتها تعالجها وزارة الصحة فيفترض أن تكون الأحرص على منع المسببات قبل حدوثها وأن تكون الحملة «الضخمة» قبل أن تقع الفأس في الرأس.

ابقيق إعلان نهاية

ارتبط حرق النفط ارتباطاً وثيقاً بالهزيمة أو الشعور بحلول النهاية، ولعل أحدث أمثلة هذا العصر إحراق صدام حسين لآبار النفط الكويتية معلناً عن نهاية مغامرته بغزو الكويت بهزيمة ساحقة بل أم الهزائم عام 1991م.
وحتى في بلاده التي حكمها ما يزيد عن ثلاثين سنة نعم خلالها هو وعائلته وأعوانه بعوائد النفط فقد شرع في مكافئته بالحرق قبل دخوله حفرة الهزيمة!! عام 2003م.

وعلى مر التاريخ ارتبط حرق الزرع وإهلاك الحرث والنسل بحلول الهزيمة الساحقة، فعندما تقهقر الألمان من نورماندي عام 1944م أعلنوا هزيمتهم بحرق النفط والأراضي الزراعية (سياسة الأرض المحروقة).

المحاولة اليائسة بحرق معامل مصفاة النفط في ابقيق إعلان صريح وواضح وموثق تاريخياً لهزيمة الإرهاب وانتهاء آماله بحالة يأس وانكسار وفشل لكل الخطط والمحاولات للنيل من أرض الحرمين الشريفين.

الفرق الوحيد بين حالات الحرق التي استشهدت بها ومحاولة حرق نفط ابقيق تكمن في الجواب على سؤال (من يحرق من؟!).

في الأمثلة المذكورة بل في كل الأمثلة عبر التاريخ كان «ممارس الحرق» يحرق نفطاً أو زرعاً لعدو محاولاً أن يلحق به خسارة ولو في الرمق الأخير «حتى صدام وهو يحاول حرق نفط العراق فعل ذلك لأنه يعتبر العراق عدواً بدونه!!، ويعتبر نفط العراق سيصبح غنيمة لمحتل».

في مثال ابقيق كان الأمر أكثر فضاعة وإجراماً فقد كان المعتدي يحاول حرق نفسه، حرق مقدرات قبلة المسلمين، حرق الممول الرئيس لبناء المساجد في العالم، حرق مصدر قوة العالم الإسلامي الذي سخره الله ليكون سبباً لإتفاق العالم أجمع على ضرورة استقرار هذه البقعة.

كان ذلك المختل وأعوانه يشرع (بقصد أو بغباء أو بتزيين الشيطان له سوء عمله) في إضعاف أكثر من ثلاثمائة مليار مسلم أمام أعدائهم، هذا على الصعيد السياسي والاقتصادي للعالم الإسلامي أجمع.

على المستوى المحلي كان يحاول قطع رزق ملايين المسلمين في بلاده وإضعاف اقتصاد وطنه والذي قد يترتب عليه انتشار الفقر وتفشي الأمراض وبالتالي ارتفاع مستوى الجريمة والرذيلة وإذلال المسلمين.