الشهر: فيفري 2009

التقرير الطبي

} المرضى في مستشفيات متقدمة، أشغلت الناس بادعاءاتها للتطور، ينتظرون أسابيع طويلة للحصول على تقرير طبي!! تقرير لا يحتاج إلا لتواجد طبيب يتحدث أمام جهاز تسجيل، (تسجيل وليس كتابة باليد) من أي هاتف أو مكان ليصف حالة المريض وتاريخه المرضي وما تم له من إجراءات طبية بإيجاز شديد، ثم يتم تفريغ هذا التسجيل عن طريق موظف السجلات الطبية في شكل تقرير مكتوب يمنح المريض حقه المشروع في البحث عن غسيل كلوي أو زراعة عضو أو العلاج لدى طبيب متفرغ تحكمه أنظمة صارمة ويمنح مريضه الوقت المستحق في بلد لا يخون أطباؤه أمانة المهنة الشريفة، لأنهم مراقبون ومحاسبون.
عندما سألت هؤلاء الشباب المخلصين المعنيين بتفريغ تسجيل الأطباء للتقارير الطبية عن أسباب تأخر منح المرضى تقاريرهم الطبية إلى أسابيع وربما أشهر محسوبة من صحتهم، أجابوا بالإجماع أن الأطباء لا يتجاوبون وإذا طلبناهم بالنداء لا يردون وحتى إذا سجلوا التقرير الصوتي لا نجدهم لتوقيعه، مجرد توقيع بعد طباعته، وإذا كتبنا لرؤسائهم لا يحاسبون ولا يساءلون وإننا حينما نشتكي نصدم بالقول إن هؤلاء أطباء (physicians) لا نستطيع عمل أي شيء حيالهم.

المدير طبيب لا يملك مبادئ في الإدارة وغير مؤهل لا إدارياً ولا نفسياً للتعامل كقائد إداري محايد وهؤلاء الشباب في السجلات الطبية شباب يحترقون إخلاصاً وحماساً لكنهم يواجهون بعبارات محبطة، عبارات تصرّح بأن الطبيب فوق المحاسبة وفي مأمن من العقوبة لمجرد أن المدير طبيب متعصب لمهنته يرى أن مصلحة المرضى أقل من أن تؤدي إلى توبيخ أو لفت نظر مكتوب لطبيب وفي نظره أنها تسيء لكل الأطباء وهذا التعصب هو ما عنيته بعدم التأهيل نفسياً.

أبدى الإعلام والشارع السعودي تذمراً شديداً من انشغال الأطباء عن واجباتهم مما أدى إلى أخطاء فادحة وعدم حضور الطبيب لعياداته وتأجيله لعملياته في المستشفى الحكومي بسبب ممارسته عملا غير مشروع في مستشفى خاص،فهل وصل التسيب إلى درجة أن مريض المستشفى الحكومي لا يمنح بضع دقائق لتسجيل تقرير؟!

إذا كنا نريد الحفاظ على صحة مواطنينا وحماية حقوقهم الطبية فإن الوقت قد حان لعدم إيكال أمر محاسبة الأطباء لإداري طبيب، لأنهم موظفون شأنهم شأن المهندس والمحاسب والصيدلي والقاضي والعسكري والمحامي، عرضة للمحاسبة على التقصير وإصدار العقوبات واستحصال حق الوطن منهم إذا قصروا شأنهم شأن غيرهم، بل إن تقصيرهم أخطر وأكثر استفزازاً.

ولمن يدّعون حرصاً على سمعة مهنة الطب، هذه المهنة الشريفة الإنسانية فإن أهم مقومات الحفاظ على سمعتها هو محاسبة المنتسبين إليها ليحافظوا على شرفها.

الشخصنة والترميم

} قدمت وتقدم ميزانية الدولة دعما سخيا لمؤسساتنا الحكومية كفيلا بأن يصعد بخدماتها إلى أعلى المستويات وعلى وجه الخصوص في ميزانية هذا العام والذي قبله.لكن الملاحظ أن بعض الوزارات والمؤسسات الحكومية لا تستغل هذا الدعم في رسم استراتيجيات طويلة الأمد وحلول جذرية دائمة يقدمها القائم على المؤسسة لتبقى للذي بعده والذي يليه.

أستطيع تشبيه بعض مؤسساتنا بمنزل قديم في حي راق كلما تصدع فيه جدار جرى ترميمه خارجيا دون إصلاح الأساسات، وكلما أصاب الصدأ جزءاً من ماسورة ماء استبدل الجزء بوصلة مؤقتة، وإذا احترق فيه سلك كهرباء تم لفه بلاصق مؤقت، وإذا تكلست جدرانه تم طلاؤها بلون براق ثم فتح المسؤول إحدى شرفات المنزل ليطل منها على الإعلام ويقول عملت وعملت وأنجزت.

إذاً هي مجرد حلول وقتية لا ترقى لمستوى الإنجازات ومع ذلك يتم تضخيمها وشخصنتها لتخدم فترة المدير وشخص المسؤول.

وإذا تمت مقارنة ما جرى عمله بما قدمته الدولة من دعم مالي كبير، وتشجيع معنوي، وصلاحيات مطلقة، وثقة غير محدودة، وتغاض عن الشخصنة، فإن ثمة فرقا كبيرا، وبونا شاسعا، وقصورا عن تحقيق الأهداف المتوخاة.

نحن في أمس الحاجة، وفي ظل الظروف الجيدة الراهنة إلى مطالبة المسؤول بخطة عمل واضحة، خطواتها مدونة ودقيقة ومفصلة وأهدافها مرسومة ومحددة ونتائجها مبشرة ومضمونة وجدولتها الزمنية معروفة وقطف ثمارها محدد بوقت معلوم لتسهل المحاسبة.

إن الوطن حينما يمنح المسؤول الاعتمادات المالية بسخاء والصلاحيات والثقة والمميزات الوظيفية والبدلات المشجعة والوقت الكافي فإنه وكما قال القائد الرائد الملك الطموح خادم الحرمين الشريفين عبدالله بن عبدالعزيز (لا عذر لكم).

الإمكانات تلغي الأعذار، والراتب السخي والمميزات والبدلات جديرة بنبذ الشخصنة، والصلاحيات والثقة والدعم بالخبرات يجب أن تؤدي إلى انجازات حقيقية، وكل هذه العوامل مجتمعة لا بد أن تجعلها انجازات طويلة الأمد بل دائمة لا مكان فيها للإدارة بالترميم.

الدولة التي (تقدم) بسخاء لن (تؤخر) المحاسبة.

أبدعه الوطن!!

إذا كذب الأب عند أبنائه، أو المعلم عند طلابه أو المدير عند موظفيه أو المحاضر عند مستمعيه فإن هذا يعني ولادة جيل تربى على الكذب.هناك من يكذب على أحد وهناك من يكذب باسم أحد، ولعل الكذب على ولي الأمر أو باسم ولي الأمر من أخطر أنواع الكذب لأنه كذب على الأمة مثلما حدث من تزييف لخطاب إمارة منطقة الرياض، بالرغم من وضوح التزييف وضوحاً تاماً من حيث الصيغة والأسلوب والبروتوكول، وهذه إحدى مشاكلنا الكبرى فقد منينا بمن يكذب بما يعرف الناس فيستغفلهم ولا يحترم عقولهم فمن يدّعي قصيدة وهو ليس بشاعر، كمن يدّعي عبارة وهو ليس بأديب ملهم، ومن يدّعي جمع رأسين بالحلال وهو ليس بمأذون أنكحة كمن يدّعي فصل رأسين وهو ليس بجراح مخ.

وفي كل الأحوال فإن الناس تعرف وتدرك وتملك الحدس والفروسية والفراسة لتكشف من يكذب، لكن من يكذب يصل به الأمر أن يصدق نفسه فيعتقد أن الناس ستصدقه حتى إذا اصطدم بالواقع أصبح الأمر محرجاً ومخجلاً جداً مثل ذلك الذي أعجبه عمل أدبي قدمه زميله المبدع فأراد أن يدّعيه لنفسه دون استئذان زميله وعندما كشفه الجمهور سئل في أحد المنتديات عن مبدع العمل فتجهم وجهه ورد بصوت مبحوح «أبدعه الوطن».

علينا أن نغلظ العقوبة على كل من كذب على الوطن أو باسم الوطن فمن الضروري جداً نبذ أحد أشكال الفساد الإداري والاجتماعي والاقتصادي المتمثل في الكذب والذي أخشى أن يتحول إلى ثقافة سائدة أو سلوك مألوف للخروج من المواقف المحرجة أو في محاولة ادعاء الشخص ما ليس له أو حرمان الناس حقوقهم أو تضليلهم عن الحقيقة.

في أمريكا مثلاً، فإنه رغم كثرة الكذب خاصة بين المسئوولين والساسة إلا أن الكذب منبوذ كثقافة إلى درجة أن من يكذب حتى على زوجته أو اولاده وثبت ذلك عليه أو من يكذب على الإعلام أو المنتديات ويسجل ذلك عليه فإنه ينتهي الأمر به للاستقالة من منصبه أو عدم إعادة ترشيحه. ولا شك أن أخلاقيات الإسلام أعم وأعمق لكن البعض للأسف ينسى أن الكذب من صفات المنافق.