الشهر: فيفري 2011

وقفات أسبوع قالوا وقلنا

** قال رئيس اللجنة الصحية في المجلس البلدي في جدة الدكتور حسين البار (إننا لسنا ناعمين مع أمانة جدة، وطلبنا من أمين جدة الدكتور هاني أبو راس أن يتقبل أي نقد، ونحن نصارحه بكل حرية وهو يسمع)، قلنا (الله يبشرك بالخير أجل هو يسمع؟!، طيب أنتم مجلس بلدي ولا جهاز اختبار سمع؟!).
** قال وزير العمل المهندس عادل فقيه (توظيف الشباب ليس مهمتنا فقط، وإنما هي أيضا من مسؤوليات وزارة التجارة والاقتصاد والبترول وهيئة الاستثمار)، قلنا (رحم الله الدكتور غازي كان يخوض حرب مواجهة مع رجال الأعمال وملاك القطاع الخاص، وهؤلاء لم يعد أحد يجرؤ على تعدادهم ضمن المقصرين في التوظيف!!).
** قال وكيل وزارة الزراعة المساعد للثروة الحيوانية خلال الندوة الإرشادية لمساندة مربي الماشية في حائل إن (لدى الوزارة حزمة طويلة من العمل الجاد الذي سيسهم في وضع حلول متسارعة لتدارك المشكلات المتناثرة أمام القطاع الحيواني وسد النقص الواضح في الخدمات البيطرية وعجز الأدوية واللقاحات)، قلنا (تقصد أنه خلال عام واحد سيكون هناك سرير لكل بعير؟!).
** قالت الصحف مستغربة (الخطوط السعودية تخصص موظفا واحدا فقط لخدمة مئات المسافرين السعوديين لإخلائهم عبر مطار القاهرة)، قلنا (المدير العام قالها لكم بكل صراحة: النقد لا يخيفني، وواضح أن الكثرة عنده لا تغلب الشجاعة).
** مواطن يرد على تطمينات أمين جدة قائلا «لو كنت صادقا اسكن معنا في أحد هذه الأحياء»، قلنا (لو سكن الأمين في حارتكم، وسكنتم في حارة الأمين غرقت حارة الأمين، لا تجنوا على حارة جديدة).

مصائب قوم عند مسببيها لا شيء

أدعي أنني دققت فوجدت أن ثمة أمرا مؤكدا لم أجد له تفسيرا أكيدا، المؤكد عندي أن المصيبة إذا حلت بجماعة من الناس بسبب خطأ شخص أو عدة أشخاص آخرين، فإن أول ما يفكر فيه هؤلاء الآخرون هو أنفسهم، ولذلك فإن المتسببين في مصيبة قوم هم أقل الناس تأثرا وأكثرهم عدم اكتراث أو تجاهلا.
الغرابة العظمى تكمن في تبلد مشاعر المتسبب في مصيبة قوم، وعدم تأثره بما تسبب فيه، وانشغاله بالدفاع عن نفسه أو الخوف من المحاسبة عن التأثر بما حدث للآخرين وتأنيب الضمير عليه، وهذا ــ وربي ــ من أعلى درجات الأنانية، وقد عايشت منها أمثلة كثيرة استشهدت ببعضها في مناسبات سابقة وأوضحها موقف المسؤول عن الأخطاء الطبية، ويدعوني الاستغراب الدائم إلى الاستشهاد بالمزيد، ففي برنامج تلفزيوني على قناة المجد كنا نتحدث عن وفيات المعلمات على الطرق النائية، وكان أحد مسؤولي تعليم البنات يبتسم ونحن نترحم على الفقيدات ويكرر عبارة (نحن نعزيهم)، وفي برنامج 99 على القناة الرياضية السعودية شاركت في حلقة كلها حسرة على المعلمات الفقيدات، وكان مسؤول آخر ينفي الواسطة في التعيين ويقلل من شأن حوادث الوفيات بالجملة، وقريبا كانت نائبة وزير التعليم نورة الفايز تقول للمعلمات اللاتي يشتكين من التعيين في المناطق النائية والحوادث المميتة (من لا ترغب تجلس في بيتها)، وكأن الموت بات خيارا أو شرطا من شروط التوظيف.
وعندما وقعت كارثة الأسهم وما صاحبها من موت مفاجئ وخلل عقلي وخسائر مادية فادحة وفقدان كل (تحويشة) العمر، كان المسؤولون عن الكارثة هم الأكثر ابتساما على شاشات التلفاز، وفي ندوة عن الأخطاء الطبية كادت وزارة الصحة تقول (المرحوم غلطان)، بل قالت ــ صراحة ــ إن الإعلام الذي يدافع عن ضحايا الأخطاء الطبية يحتاج إلى ندوة أخطاء إعلامية، في (نكتة) أقل ما يقال عنها إنها غير إنسانية وساذجة، وفي كارثة جدة الأولى كان المسؤولون عن الكارثة الأطول لسانا و(الأوسع وجها) في تهربهم من المسؤولية، وفي الكارثة الثانية لم يحتمل أمين جدة المهندس هاني أبو راس عتب أهالي الضحايا وسكان الأحياء الغارقة، فقطع جولته على اليابسة وركب سيارته وغادر دون أن يعتذر عن جملته الشهيرة (أتمنى أن تهطل على جدة أمطارا غزيرة لتكسر حاجز الخوف)، وعندما تذكر الجولة التفقدية على الدمار لا تغيب عن عيني صورة كبار مسؤولي رئاسة تعليم البنات ــ آنذاك ــ عندما تفقدوا مدرسة البنات المتوسطة 31 بمكة بعد الحريق الشهير (2002م)، وهم يلبسون (البشوت) ويتمخطرون بين بقايا الزهرات المحترقات في (عباءات) الستر، وكتبت هذه العبارة في حينه مستغربا قسوة المسؤولية.
أعتقد ــ كصيدلي ــ أن ثمة هرمونا أو مادة يفرزها الجسم شبيهة بالأدرينالين أقترح تسميتها (أنانيين) تفرز في دم كل متسبب في مصيبة قوم، فتجعلها بالنسبة له بردا وسلاما، بل تجعلها لا شيء لا شيء على الإطلاق!!.

كارثة جديدة في جدة خلال أسبوع

كذب المنجمون ولو صدقوا، ونحن نعوذ بالله من أن نصدقهم، لكن الكارثة الأخطر ستحل بجدة خلال أسبوع واحد شئنا أم أبينا وعلينا أن نستعد لها، مع أننا غير مستعدين، ولم نكن قط مستعدين لمثل هذه الكوارث بل لم ترق رؤيتنا واستراتيجياتنا الوهمية الورقية التلميعية التي يدعيها البعض لأن نكون مستعدين ولا حتى مستشعرين لدورنا في التصدي لمثل هذه الكارثة، بل ربما لا تعي الجهة المعنية بها أنها مسؤوليتها وهل أهلكنا في هذا المجتمع شيء أكثر من عدم الوعي بالمسؤولية والاعتراف بها وتحملها حقيقة وليس على ورق الصحف وشاشات التلفاز وإلقاء كلمات الاستراتيجيات الوهمية والخطط الورقية التي (تلف) أوراقها وربما (تتلف) بمجرد التصوير معها.
أنا لا ادعي التنبؤ بهذه الكارثة التي ستقع لا محالة من عند نفسي، (عكاظ) هي من ذكرتني وهي وحدها بكل تجرد وإحقاق للحق من تميز بالتنبه لها في عدد أول أمس الأحد، لكنها نبهت ولا تملك أكثر من ذلك، بل إن حتى من استضافتهم لم يجرؤ واحد منهم على التحدث عن الحل أو الاحتياط لأنه يعرف بعدم وجود أساس للحلول وأحدهم أهاب بالأهالي للتنبه لهذه الكارثة وعدم إهمالها (مساكين هؤلاء الأهالي هم من يجب أن يتنبه وهم من يجب أن يحذر وهم من يجب أن يغرق!!).
الكارثة أحد أعراضها سمي بـ (الفلاش باك) لكن اسمها العريض هو الآثار النفسية التي سيعاني منها كل سكان جدة سواء منهم من غرق وأنقذ ومن غرق قريبه ولم ينقذ ومن خسر أحد أصدقائه أو منزله أو سيارته، بل وحتى من شاهد صور من غرقوا أو كادوا أن يغرقوا.
النتائج النفسية أمر مؤكد ليس من تنبؤات المنجمين بل عايشناها بعد انهيار سوق الأسهم وقبل ذلك خلال حرب تحرير الكويت وضرب الرياض بصواريخ سكود رغم صدها جميعا لكن رعب الأصوات والكيماوي لعب دوره، وعايشتها جدة في غرقها الأول وسوف تتضاعف الأرقام بعد الغرق الثاني، لكن لا أحد يهتم لهذا الجانب التراكمي الذي يفرخ سنويا أعدادا من مرضى الاكتئاب والرهاب والفصام والعدائية والخوف والفلاش باك، فوزارة الصحة لم تهتم بالأمراض العضوية والأضرار الجسدية الاهتمام المطلوب حتى تلتفت للأمراض النفسية التي ليس لها أضرار ظاهرة جسديا إلا بعد الانتحار أو الاعتداء على الغير، ووزارة الشؤون الاجتماعية لم تتحرك قط في أي مناسبة نحو مساندة المنكوبين نفسيا عن طريق أخصائيات اجتماعيات، بل إن هذا الدور الهام ليس موجودا في أجندتها حتى في غرف الطوارئ في المستشفيات نحو أقارب الضحايا فلا الصحة تعترف بحق المريض النفسي في الرعاية ولا الشؤون الاجتماعية تعترف في حق المكلوم في المساندة الاجتماعية والنفسية، وبعد ألا يحق لنا القول إن الكارثة النفسية قادمة لا محالة بعد أسبوع من هدوء العاصفة والتفرغ لهواجس النفس وربما أقل من أسبوع؟!.