الكاتب: محمد سليمان الأحيدب

الإعلانات المخادعة تقليد أميركي

زادت لدينا أشكال الاحتيال وطرقه وصوره، خصوصاً عبر إعلانات وسائل التواصل الاجتماعي التي يعلنها بعض مشاهير الفلس، أو عبر رسائل (الواتساب) المخادعة للمستهلك، وفي كل الأحوال فإن وعي المستهلك يتحمل جزءًا من المسؤولية، فتلك الإعلانات الكاذبة المخادعة يتزامن معها حملات توعية من متطوعين لحماية المستهلك يحذرون منها، ويفترض أن يكون ذلك مدعاة للحذر وعدم الوقوع في فخ خداع المشاهير أو المعلن المخادع أو الشركات الوهمية، لكنه لا يعفي الجهات المسؤولة عن حماية المستهلك ومحاربة الغش.

نعم التوعية لا تعفي جهات حماية المستهلك من القيام بدورها الأساس في محاربة الغش التجاري المعلن الواضح الذي له أرقام هواتف وموزعين وحسابات (تويتر) أو (انستغرام) أو غيرها من المواقع التي يسهل رصدها إذا وجدت الجدية والحزم الذي يواكب روح هذا العصر.

من أحدث أساليب الخداع للمستهلك هذه الأيام قيام حسابات متاجر وموزعين بالإعلان عن أجهزة ومنتجات بربع سعرها، وبشراء واحدة والحصول على الثانية مجاناً، وجميعها إغراءات مخادعة، ويطلبون الدفع عند الاستلام، ويعدون بإرجاع المبلغ إذا لم يعجبك المنتج ولو بعد حين إمعاناً في الخداع لكن التسليم يتم من مندوب تسليم يشترط (سلم واستلم) فإذا استلم المبلغ وذهب، اكتشف العميل أن المنتج مقلد أو تالف أو مغشوش لا يحمل نفس المواصفات، وإذا اتصل بالمندوب أبلغه بأنه مجرد أداة توصيل واستلام ويطلب منه التواصل مع أرقام الحساب الذي باع عليه، ثم يكتشف أن الأرقام لا ترد وما هي إلا بضع اتصالات ثم يتم حظر رقم العميل تماماً لخداع عميل آخر.. وهكذا.

أقول، وبالله التوفيق، طالما أن هؤلاء النصابين لهم أرقام جوالات داخلية (أو حتى لو لم تكن داخلية) فطالما أنهم يتعاملون مع شركات توصيل موجودة بيننا ومندوب توصيل لديه رقم جوال محلي، فإن (رجل الديك تجيب الديك) كما يقول المثل الشعبي، ويقع على عاتق جهات محاربة الغش التجاري وحماية المستهلك القيام بدورها في حماية الناس.

بالمناسبة، هذا الخداع مر على دول غيرنا، بل هو تقليد أمريكي قديم، فأذكر في الثمانينات الميلادية، عندما انتشرت الصراصير في أميركا، أعلن أحدهم عن جهاز يقضي على الصرصار خلال ثوانٍ وأن نجاحه مضمون 100 ٪، وإذا لم ينجح خلال ثوانٍ معدودة يحق لك استرجاع المبلغ فوراً، وحدد 10 دولارات للجهاز قبل التسليم، وفعلاً أقبل الناس على الشراء والدفع الفوري وانتظار التسليم على أحر من الجمر(لم ينفعهم ادعاء الوعي)، وعند استلام الجهاز وجد أنه عبارة عن فردة نعال (شبشب) قديم (أعزكم الله) موصل بعصا خشبية، وشرح لطريقة الاستعمال تقول (امسك العصا واضرب الصرصار يموت فوراً).

وهل تأتينا (البلاوي) إلا من أميركا؟!

نشر في صحيفة الرياض يوم الأحد 8 جمادى الأولى 1443هـ 12 ديسمبر 2021م

أمثلة لتخلف قطاعنا الخاص عن الحكومي

من الواضح جداً أن مؤسسات القطاع الخاص لدينا باتت متخلفة كثيراً عن الوزارات والمؤسسات الحكومية التي قفزت قفزات نوعية في مجال الخدمات والتعاملات الإلكترونية وسرعة الإنجازات، ففي الوقت الذي تطور فيه أداء الأجهزة الحكومية بشكل ملحوظ، بقي القطاع الخاص يراوح مكانه، بل تراجع أداؤه كثيراً ولم يواكب المرحلة على الإطلاق، وقد يعني هذا أن مؤسسات القطاع الخاص تحتاج إلى موقف حكومي وإجراءات وغرامات تجبرها على مسايرة ركب التطور، أي باختصار حان الوقت للتوقف عن تدليل هذا القطاع.

الأمثلة على ما ذكرت كثيرة ولا أستطيع التفصيل في الأمثلة، لأن ذلك يستدعي الاستشهاد بأسماء بعض الشركات والمؤسسات وهو أمر ينطوي على تشهير لا أملك حقه، ولا أريد أن أملكه، فالهدف هو الإشارة إلى السلوك أو الظاهرة دون تحديد اسم الطرف أو الأطراف.

خذ على سبيل المثال البنوك، لم ترتق مطلقاً بخدماتها بل تراجعت كثيراً ولعل الشكوى مؤخراً من انتهاء تاريخ صلاحية بطاقات الصراف (مدى) وتوقفها عن العمل قبل إصدار بطاقة جديدة أمر أصبح محرجاً جداً للعملاء أثناء التسوق حيث يتفاجأ رب الأسرة أنه لا يستطيع دفع ثمن مشتريات أساسية لأن بطاقته أوقفت دون الحصول على جديدة، وهذا تراجع في الخدمات، فقد كانت بطاقة الصراف الجديدة تصدر قبل انتهاء القديمة بشهر، وهذا التراجع يتنافى مع خطوة حكومية مهمة في محاربة التستر عن طريق فرض توفير مكائن السداد الإلكتروني في نقاط البيع وتقليص الدفع بالنقد، كما أن البنوك أصبحت تطلب حضور العميل لإجراءات يفترض أن تتم عبر الموقع الإلكتروني لو تم ربطه بطريقة صحيحة وآمنة كما هي الحال في (أبشر) و(توكلنا) و(صحتي).

في مجال التعليم فإن تجربة التعليم عن بعد أثبتت أن المدارس الحكومية متقدمة بمراحل عن المدارس الخاصة والأهلية من حيث فاعلية وتفاعل واستمرارية منصة (مدرستي) مقارنة بمنصات المدارس الخاصة، هذا خلاف التقاعس في مجال السعودة والمماطلة في هذه الخطوة التي طبقها التعليم الحكومي منذ عشرات السنين، وكنتيجة للتقاعس قل الانضباط وقل مستوى المخرجات وزاد الغياب والدروس الخصوصية.

في القطاع الخاص الصحي حدث ولا حرج، فيكفي من تخلف المستشفيات الخاصة والأهلية عن الحكومية أن الخاصة لا تعتمد على أطباء استشاريين متفرغين، بل تفسد أطباء حكوميين بأن تسرق وقتهم من المستشفى الحكومي ومن مرضاه لتشغلهم بطرق غير نظامية ولا مشروعة مع إعطائهم (طفسة) من النسبة وجزءاً يسيراً من كعكة الربح الذي تحققه من هذا السلوك المشين، وبالتالي لا تجد لديهم استشاريين في تخصصات أساسية وتكثر لديهم الأخطاء الطبية وتقل الميكنة المتوفرة في المستشفى الحكومي الذي يعالج مجاناً ولكن بشرف!! وسبق أن اقترحت أن تأخذ الدولة ممثلة بوزارة المالية حقها من هذه المخالفات في شكل غرامات مليونية، فتلك المستشفيات لا هي وظفت الاستشاري السعودي متفرغاً ومنحته ذات المميزات وتركت المستشفى الحكومي يفرخ المزيد من الأطباء السعوديين عن طريق توظيفهم كبدلاء وتقليل بطالة الأطباء الجدد، ولا هي وظفت خريجين سعوديين جدد وصرفت على تدريبهم وتطويرهم كما تفعل الحكومة، بل سرقت وقت الاستشاريين من الحكومي وجعلتهم يبقون على وظائفهم الحكومية ويحرمون غيرهم من التعيين!!

مجمل القول: إن القطاع الخاص يجب أن يفطم ويوقف تدليله بما يجعله يقوم بدوره الذي يوازي مكاسبه فلا يكون منشاراً ذا وجهين، (يأكل رايح جاي).

نشر في صحيفة الرياض يوم الأحد 1 جمادي الاولى 1443هـ 5 ديسمبر 2021م

لهذا يكرهونني.. والحزم والعزم سيردعهم

ثمة ثلاثة فئات من المستضعفين في الأرض، لا بد لأي شخص لديه الحد الأدنى من العاطفة والمشاعر الإنسانية أن يتعاطف معهم، فإذا ابتلاه الله بأن يكون من حملة القلم فلا بد أن يدافع عن حقوقهم ويطالب بإنصافهم، والفئات الثلاث هم: المرضى وصغار المستهلكين وصغار الموظفين المبدعين.

وطبيعي جدا عندما تطالب بحقوق المستهلك أن يغضب منك التاجر الجشع المستغل للمستهلك، لكن التاجر الأمين الصادق سيرضى عنك، ومن المعتاد عندما تطالب بحقوق الموظف الصغير المبدع، المأكول المذموم، أن يعاديك المدير الذي أكل حقوقه وسرق إنجازاته ويعاديك معه من استفاد من هذا الظلم من مساعدي المدير وكبار موظفيه المستفيدين، لكن المدير الأمين والموظف الصالح سيصادقك ويصادق على ما تكتب، وغني عن القول إنك حين تطالب بحق المريض في تفرغ الطبيب لتقديم الرعاية الواجبة له والتي يتقاضى عنها راتبا وبدل تفرغ، فإن الطبيب، الذي أهمله وخرج من المستشفى الحكومي خلال الدوام ومخالفا للنظام ليكسب مزيدا من المال في مستشفيات تجارية، سيغضب منك حد الكراهية، لكن الطبيب الأمين المخلص لشرف المهنة الملتزم بالقسم العظيم سيحبك.

مثلما دافعت عن حقوق المستهلك وشاركت ضمن 34 آخرين في تأسيس جمعية حمايته، ومثلما طالبت بحقوق صغار موظفين أسوة بكبارهم وتحدثت عن سرقة إنجازاتهم وتجييرها لمديرهم ليأخذ المكافأة والثناء، قمت في الوقت نفسه بكشف ألاعيب أطباء حكوميين منحتهم الدولة -أعزها الله- الراتب الجزيل والبدلات العالية ومنها بدل التفرغ، ومع ذلك تركوا مرضى المستشفى الحكومي نهارا جهارا وأهملوا عملياتهم وأخروا مواعيدهم، بل وتخلفوا عن مواعيد لمرضى جاؤوا من قرى وهجر بعيدة، كل ذلك للخروج أثناء الدوام لمستشفى أهلي أو تجاري بحثا عن كسب إضافي غير مشروع بل ممنوع نظاما (الغريب أن المستشفى الأهلي يعوض من وزارة الصحة عندما يسعف مواطنا ويعالجه وفي الوقت نفسه لا يدفع للدولة ثمن استغلاله لطبيب حكومي مخالف، وقد سبق أن طالبت أن تكون غرامات مليونية رادعة).

لم أكن قط ضد الأطباء الشرفاء المخلصين الذين شرفوا الوطن، بل أكاد أن أكون أكثر من أشاد بهم بالأسماء ومنهم رواد في تخصصاتهم مثل (مع حفظ الألقاب) محمد السبيل في زراعة الكبد، ومحمد الفقيه ومؤيد الزيبق وزهير الهليس في القلب، ومحمد القطان في جراحة اليد، وعبدالعزيز القناص في جراحة القدم السكري، وعبدالله الربيعة ومحمد الوهيبي وسعود الجدعان وأحمد الفريان في فصل التوائم، وصالح العزام في جراحة العظام، وإبراهيم الجدعان وهشام الكريع وخالد الجبير في جراحة العيون، وسعود التركي في جراحة الأوعية الدموية الدقيقة، ومحمد العبداللطيف في جراحة الصدر وابتكاراته في عدة مجالات علاجية، ومشعل الجهني وحمدان الجحدلي في الباطنة، ومحمد الفيفي في الأطفال، ونوفل الجريان وسمير الحامد وخالد الجهني في طب الطوارئ، ولا بد أنه قد يغيب عني أو أنسى كثيرا من أطباء شرفاء شرفوا المهنة والوطن فأحببناهم وأحبونا وتشرفنا بهم.

لا يفاجئني أبدا أن يصرح طبيب أو طبيبة بأنه يكرهني، بل لا يشرفني أن يحبني طبيب أو طبيبة رضي على المريض بأن يعاني غياب الاستشاري الحكومي المنشغل في مستشفى خاص من أجل كسب غير مشروع، فالراضي كالفاعل، ولأحبتي غير المصدقين بأن ما يحدث هو فساد طبي معلن، أقول لهم ابحث عن بعض الاستشاريين الحكوميين صباحا وظهرا وعصرا في مستشفياتهم الحكومية ولن تجدهم، وستجدهم في مستشفى خاص، عندها لا تعتقد أنه تشابه أسماء أو استنساخ، بل هو تشابه ضمائر واستنساخ مخالفات لم تردع سابقا لكنها ستردع في عهد الحزم والعزم، ولن تنطلي حجتهم بأن ذلك ليستفيد منهم مريض الخاص فهم بذلك أضاعوا المريضَين فأهملوا مريض الحكومي واستعجلوا سلب مريض الخاص، والدليل أنهم يعملون في أكثر من مستشفى خاص (ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه) وهذا سبب شيوع الأخطاء الطبية القاتلة فأين الفائدة؟

إن المستفيد هو طبيب مخالف ومستشفى خاص أكلها باردة مبردة دون مقابل ولا نظام ولا تقنين.

نشر في صحيفة الرياض يوم  الأحد 23 ربيع الآخر 1443هـ 28 نوفمبر 2021م

هل (شفايف) بناتنا (منسمة) لننفخها؟

أعلم أنه شأن شخصي لا حق لي في الاعتراض عليه، لكن دورنا كنقاد اختصاصيين أن نسأل عن الظواهر وأسبابها ونوعي بالجوانب المحيطة بها، خصوصا إذا لاحظنا أن طرفا آخر يحث عليها ويغرر بها بحثا عن مصالح شخصية ومكاسب مالية، ومثلما نتساءل كاختصاصيين في الشأن الصحي عن أسباب انتشار بعض الممارسات غير الصحية سواء غذائية أو دوائية أو جراحية غير ضرورية وتترتب عليها مضاعفات خطيرة كالسمنة وفشل الأعضاء والتلوث، قد تؤدي للندم بقية العمر فإننا يجب أن نتساءل عن هذه الظاهرة. غني عن القول إن عدداً كبيراً من النساء ندمن على إجراء عمليات كن يعتقدن أنها للتجميل فأصبحت للتشويه أو نتج عنها مضاعفات استدعت تدخلاً جراحياً علاجياً أخطر، وبعضها أدى لضرر دائم لا يمكن علاجه، وغير بعيد عنا قصة العروس التي دخلت مركز تجميل لتكبير جزء من الجسم وانتهى بها الأمر لغرغرينا وتسمم في الدم ثم بتر الأطراف، وسبق أن تناولت قضيتها القنوات الفضائية وعرفت من أحد أطبائها ورئيس لجنة التحقيق معلومات محزنة عن الممارسة الخاطئة التي أدت لتلوث المنطقة ثم تسمم الدم.

انتشار ظاهرة نفخ الشفتين والخدين وتكبير بعض مناطق الجسم لدى النساء العربيات وتحديدا في مجتمعنا أمر يدعو للاستغراب، وهو بالمناسبة أمر لا يحدث في دول أوروبا وأمريكا بنفس الكثرة، رغم أن جمال المرأة العربية لا يعلى عليه وليس بحاجة لتدخل، وعلى وجه الخصوص المرأة في الجزيرة العربية ودول الخليج العربي تحديدا، حيث لم يتأثر النسل بصفات وراثية دخيلة ناتجة عن تزاوج بين عائلات غربية وعربية، فدول الخليج حافظت على ملامح عربية نقية اشتهر عنها الجمال الذي لا يحتاج لتجميل لا عن طريق العوامل

البيئية كالتعرض للشمس ولا عن طريق مشرط الجراح.

إذا فالسبب الرئيس، في ظني، (ويحتاج لدراسة اجتماعية واسعة غير موجودة لدينا للأسف) يكمن في التقليد الأعمى لمشهورات كن في حاجة لتجميل يصلح ما أفسده الدهر، وتغرير مارسته مراكز وأطباء التجميل عن طريق دعاية واسعة لم تجد من يردعها (في أمريكا ومعظم دول أوروبا يمنع على الطبيب الدعاية لنفسه أو الترويج لإجراء طبي لا في وسائل الإعلام التقليدي ولا الإعلام الحديث ووسائل التواصل) بينما لدينا تعج الوسيلتين بمن يروجون لأنفسهم طبيا وجراحيا حتى أصبح بعضهم يهاجم الآخر!! فكل يدعي أنه جراح تجميل ونفخ (شفايف)، حتى تمنيت أن محلات نفخ كفرات السيارات على الطرق السريعة بمثل عدد مراكز نفخ الشفاه.المشكلة، وهذا رأيي الشخصي كرجل، أن ذلك (التنفيخ) سواء للشفتين أو الخدين يشوه أكثر مما يجمل فهو للتشويه أكثر منه للتجميل وللخطورة أقرب منه للسلامة إضافة لكونه يغير طبيعة أنسجة المنطقة وحساسيتها وملمسها ووظائفها، ومع ذلك، انتشر كثيرا لدينا ويجب أن نكثف التوعية المضادة بخطورة هذه العمليات وتلك المواد عن طريق أطباء مخلصين أمناء (وهم كثر) بما يعادل أو يقترب من الحملة الشعواء للحث عليه، وأكثر ما يقلقني هو أن مرضى أورام الفم والمعدة ينتظرون مواعيد إزالتها لسنوات لأن بعض جراحي الأورام تحولوا لتجار نفخ (شفايف) وتكميم معدة!!، وعلينا دراسة هذه الظاهرة عن طريق اختصاصيين اجتماعيين، فهل (شفايف) بناتنا (منسمة) لننفخها؟! لا أظن ذلك فبناتنا الأجمل بطبيعتهن وطبعهن ملامح وأخلاقاً وحياءً.

نشر في صحيفة الرياض يوم الأحد 16 ربيع الآخر 1443هـ 21 نوفمبر 2021م

صور أخرى لتدليس يهدد حياتكم

في مقال الأسبوع الماضي تطرقت لصور من التسويق بالتدليس والغش والمعلومات غير الصادقة ولا الشفافة سواء عن الأدوية أو العصائر أو الألبان بعنوان (منهج إبليس في التسويق بالتدليس)، وختمت بإشارة سريعة موجزة إلى استمرار التسويق بمعلومات مغلوطة عن مشروبات إهدار الصحة، وأود التفصيل هنا بالقول: إن تلك المشروبات التي يزعم منتجوها أنها (مشروبات طاقة) هي في الحقيقة مشروبات إهدار طاقة وصحة وحياة، باحتوائها خليطاً من سموم بتركيزات عالية (كافيين وتورين وأحماض أمينية) وهذا الخليط بتلك التركيزات تتفاعل مع بعضها وتغلق الشرايين إضافة إلى سكر الجلوكوز وما خفي من مواد مضافة)، وضرر هذه المشروبات ثابت علمياً وسبق أن شكلت لجنة وطنية لدراسة تركيب تلك المشروبات وأضرارها قبل إنشاء هيئة الغذاء والدواء وانتهت بأن ضررها ثابت لا شك فيه على خلايا المخ والقلب والدورة الدموية وضغط الدم والإجهاض وحدوث نوبات الصرع!

حياة الإنسان وسلامته هما أهم ما يهمنا ولا يسبق الحديث عنهما شيء آخر، ولكن ذلك لا يمنع من التذكير بأن من يلقي بأيديه إلى التهلكة يضر بنفسه ويرهق الوطن، لذا لا يكفي فقط التوعية بأضرار هذه المشروبات بل يجب وقف الترويج لها والحد من القدرة على الحصول عليها، فالتوعية وحدها لا يعتمد عليها في أمر الصحة، ولا أحب مقارنة الصحة بالتكاليف لكن للإقناع والتذكير لابد من القول: إن علاج أضرار هذه المشروبات وغيرها من صور إلقاء الإنسان نفسه في التهلكة، كالتدخين والشيشة والمخدرات والخمور تكلف الوطن جهوداً ومبالغ طائلة (إضافة إلى خسارة الإنسان وهو الأهم طبعاً) فيجب محاربتها ليس فقط بالنهي عنها أو التوعية.

ومن صور التدليس الأخرى التي لا تقل أهمية ادعاء بعض شركات مكافحة الحشرات أنها تستطيع القضاء على الثعابين والعقارب بالمبيدات الحشرية وهذا افتراء باطل، فالثعابين لا تؤثر فيها المبيدات الحشرية ولا تبعدها، والعقارب تهيجها المبيدات ولا تقتلها، وهذا الهيجان يزيد من خروجها وحركتها وبالتالي خطورتها، وقد أجريت على مجاميع كبيرة منها أبحاثاً مكثفة بنفسي فوجدت أنها لا تتأثر لا بالرش المباشر عليها ولا برش المكان الذي تمر عليه ولا برش المكان الذي تعيش فيه، ومكمن خطورة هذا التدليس أنه يعطي المخدوع شعوراً كاذباً بالأمان، فلا يحذر ويقع في خطر يصل حد وفاته أو أحد أفراد أسرته، ويجب وقف تلك الدعايات الكاذبة.

ومن الصور المشابهة ما يروج له بعض الموردين بأنه يستورد عدة لعلاج عضات الثعابين ولدغات العقارب بشفط السم من مكان اللدغة بعد جرحها بمشرط أو وضع مادة عليه، وهذا كله افتراء يؤدي إلى تأخر توجه الملدوغ للمستشفى فتحدث الوفاة أو المضاعفات، وجدير بالقول: إن السم إذا حقنه الثعبان أو العقرب في العضل أو تحت الجلد لا يمكن خروجه وأن الجرح يزيد من امتصاص السم ويزيد من احتمال تلوث الجرح وحدوث الغرغرينا ويجب منع هذه الأكاذيب والغش الذي يعبث بأغلى ما يملك الإنسان (حياته وحياة من يحب).

نشر في صحيفة الرياض يوم الأحد 9 ربيع الآخر 1443هـ 14 نوفمبر 2021م

منهج إبليس في التسويق بالتدليس

لتكن البداية بالتسويق للأدوية وهي من أكثر أساليب التسويق خطورة وجناية؛ فهي تتعلق بمريض يبحث عن الشفاء لا عن مزيد من المعاناة، وبدأ منهج التسويق للأدوية بالتدليس عن طريق مندوبي الدعاية لشركات الأدوية ووكلاء الدواء في المملكة، ونظراً لعدم شعور الصيادلة السعوديين بالأمان الوظيفي في الشركات ومكاتب الوكلاء فقد تولى أمر الدعاية صيادلة أو مساعدو صيادلة غير سعوديين وكانوا يقابلون الأطباء في المستشفيات الحكومية ويعطونهم معلومات مغلوطة عن إيجابيات الدواء مع إخفاء السلبيات والأعراض الجانبية بل ويغرون بعض الأطباء بمميزات ودعوات حضور مؤتمرات وتذاكر وخلافه عند اعتماد الدواء أو وصفه.

تنبهنا نحن الصيادلة السعوديين في المستشفيات لهذا الأمر، وأصبح همنا في لقاءاتنا في المؤتمرات والندوات ومحاضرات التعليم الصيدلي المستمر، وكنا قلة لكننا أصبحنا نتصيد المندوبين ونمنع وصولهم للأطباء إلا بإذن وموعد من الصيدلية يرافقهم فيه أحد صيادلة المستشفى الحكومي ليشرح للطبيب تأثير الدواء على وظائف الأعضاء كالكبد والكلى والقلب وتفاعله مع الأدوية المزمنة الأخرى وتأثيراته الجانبية وجرعاته المناسبة لحالة المريض، وهي أمور في عمق تخصص الصيدلي وقد لا يعرفها الطبيب ولا يجد الوقت للبحث عنها، ثم نجح وطننا اليوم في سعودة المكاتب العلمية لشركات الأدوية وفي الطريق لجعل التسويق للدواء وطنياً خالصاً، لكن المشكلة الحالية تكمن في قلة عدد الصيادلة والتحول لتخصص الصيدلة الإكلينيكية وعدم وقف الدعاية للأدوية عبر وسائل التواصل الاجتماعي وبعض القنوات الإعلامية بمعلومات مغلوطة وتدليس وخداع للمريض والطبيب على حد سواء.

التدليس الآخر يحدث في مجال لا يقل أهمية عن الدواء وهو الغذاء ولعل إحدى صوره (وليست الوحيدة) الادعاء بأن العصير طبيعي 100 ٪ وهو في واقع الأمر والطعم والرائحة والتحليل مواد صبغية صناعية، أو الادعاء بأن العصير خالٍ من السكر وهو غير ذلك أو الادعاء (التويتري) أو (الواتسابي) أن لهذا المنتج الغذائي مزايا علاجية لرفع سعره، أو الادعاء بأنه عضوي وهو غير ذلك أو عدم الإفصاح عن أغذية معدة وراثياً وهو أمر ضروري ومطبق عالمياً، أو الادعاء بوجود مواد هاضمة أو فيتامينات في لبن أو حليب وهو غير صحيح، وهذا الأمر ناصحت فيه هيئة الغذاء والدواء في كل مراحلها، وأرجو أن يخضع للرقابة والتمحيص قريباً.

مشروبات الطاقة (المهدرة للطاقة والصحة)، والتي شهدنا منها حالات وفيات محلياً وعالمياً مازالت تجد ترويجاً لدى الشباب لم يتم إيقافه بعد، رغم أضرارها المثبتة علمياً خصوصاً عند الإفراط في تناولها وأنها لا تزيد الطاقة بل تنهك الجسم.

وقد نجد فرصة أخرى لتناول صور من منهج إبليس في التسويق بالتدليس، وهو أمر غير مشروع ونتائجه خطيرة على الصحة والمال والحياة.

نشر في صحيفة الرياض يوم الأحد 2 ربيع الآخر 1443هـ 7 نوفمبر 2021م

أنقذوهم نفسياً يا أصحاب المعالي

في مقال الأسبوع الماضي كتبت عن ضرورة المساندة النفسية والاجتماعية لأقارب المصابين والمتوفين في غرف الطوارئ بالمستشفيات الخاصة والحكومية، عن طريق فرض تفعيل لدور الاختصاصية الاجتماعية والاختصاصي النفسي في المستشفيات وزيادة تلك الوظائف وسعودتها، وهو ما يستدعي تضافر جهود ثلاثة وزراء، وزير الصحة ووزير الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية ووزير التعليم، الأول لتفعيل المهام للاختصاصي النفسي والاجتماعي في كل مستشفى خاص وحكومي وفرضها مطلباً أساسياً والثاني لإضافة الوظائف وسعودتها والثالث لزيادة المخرجات لهذه التخصصات المهمة وهذا الوقت الذي نشهد فيه تطوراً جاداً حازماً عازماً هو أنسب الأوقات لكل رقي بالخدمات، ووعدت في المقال القادم أن أفصّل في أسباب ودواعي التركيز على الصحة النفسية للمجتمع عبر مساندة أفراده في مصائبهم.

الوقاية النفسية للمجتمع مطلب أساس لمجتمع سليم منتج يسهم أفراده وأسره في تحقيق التنمية وينعم بالاستقرار والأمن والرفاه. الصحة النفسية لا تقل أهمية عن الصحة الجسدية بل تفوقها أهمية، لأن أثر المرض الجسدي يخص الفرد ويؤثر نفسياً في الأسرة، أما المرض النفسي فيتعدى أثره الفرد والأسرة ويمتد للمجتمع والوطن أجمع، ولست هنا في مقام من يستشهد بالأمثلة، ويفترض أن يتولى أساتذة وعلماء الاجتماع والنفس ذلك عن طريق نشر الدراسات، ونحن مقصرون كثيرًا في مجال الدراسات والإحصاءات الخاصة بمجتمعنا ولازلنا اتكاليين في هذا الصدد ونعتمد على دراسات مجتمعات أخرى، رغم الحاجة الماسة لدراسات تخصنا نحن.

ورغم شح الدراسات إلا أن الظواهر الاجتماعية والاقتصادية التي مرت علينا في سنين مضت تستدعي أن نولي اهتماماً بآثارها النفسية ونهتم أكثر بأمر المساندة النفسية لمن يحتاجها لتحقيق مجتمع صحيح نفسياً قدر الإمكان، ومن الظواهر الاجتماعية التي لا تخفى على المهتم بالشأن الاجتماعي حالات الطلاق ومشكلات الانفصال والحضانة وحالات العنف الأسري والمشكلات الأسرية وتزايد حوادث السيارات وما يصاحبها من فقد وإصابات وإعاقة، أما المشكلات الاقتصادية التي يصاحبها آثار نفسية فأبرزها ما رافق كارثة سوق الأسهم عام 2006م.

كل تلك الحوادث تستدعي اهتماما بآثارها النفسية المصاحبة ومساندة في حينها لتقليص تلك الآثار أو إنهائها بإذن الله، واستمرار في مباشرة الحالات الجديدة فوراً عن طريق تكثيف دور الاختصاصيين النفسيين والاجتماعيين.

المؤسف جداً أن الطب النفسي لدينا أصبح مسرحاً يركز فيه بعض الأطباء على الظهور الإعلامي والبحث عن الشهرة بالتحدث عن حالات نادرة شاذة وربما غير موجودة في مجتمعنا، سعياً لشهرة (خالف تعرف) التي تؤدي إلى كسب مادي، ورفع لسعر فتح الملف والجلسات، بينما الانتكاسات النفسية التي تحدث كثيراً لا تخضع للنقاش والبحث عن حلول وقائية عن طريق مساندة الاختصاصي النفسي والاجتماعي للمكلوم بادئ الأمر.

نشر في صحيفة الرياض يوم الأحد 25 ربيع الأول 1443هـ 31 أكتوبر 2021م

يحتاجون ثلاثة وزراء

عندما عملت صيدلانياً في مستشفى الملك فهد بالحرس الوطني منتقلاً من عمل أكاديمي ودخلت غمار المنظومة الصحية التطبيقية بعد أن كنت أكاديمياً نظرياً بعملي كمعيد ثم محاضر بكلية الصيدلة بجامعة الملك سعود، عشت تحولاً كبيراً جداً في إحساسي وشعوري نحو المرضى وأقاربهم وظروفهم واحتياجاتهم.

من يدخل المستشفى يعيش تحولاً كبيراً، سواء دخله مريضاً أو مرافقاً لمريض أو ممارساً صحياً، لا فرق إطلاقاً، فإذا خالطت المرضى وعشت معاناتهم ومعاناة أحبتهم فلابد أن تعيش أحاسيسهم ومشاعرهم وتتبنى قضاياهم، هذا طبعاً إذا كنت إنساناً طبيعياً و لديك ذرة من شعور، وغيرك ممن لا يعيش ذلك الشعور يعد هو الاستثناء والنشاز، والمعاذ بالله من منزوع المشاعر والأحاسيس.

أعود فأقول في بداياتي كصيدلاني شاركت تطوعياً في تجارب الكوارث الافتراضية التي يجريها المستشفى دورياً كمتطلب احتياطي، ليس فقط كصيدلي ولكن كمشارك في الإعداد لهذه التمثيلية الافتراضية بتدريب الممثلين كمصابين وعمل المكياج لهم إما برسم الجروح أو وضع ما يشبه الحروق، وكان فريق الإعداد يدرب أيضاً ممثلين يقومون بدور الأقارب الذين تعرضوا لصدمة إصابة أو فقدان قريب ليتم التعاطي معهم في غرفة الطوارئ، كانت تجربة ثرية مفيدة جدا، ومربط الفرس هنا أنني أثناء تنفيذ خطة الطوارئ رأيت تفاعل الممثلين كأقارب وما يفعلونه من تصرفات وانفعالات لا شعورية وذهول فظننت أنها حركات مبالغ فيها كالقفز عاليا والجري في الممرات والصراخ ودفع من يقترب منهم.

عندما أصبحت مديراً عاماً وتولى معالي د. فهد العبدالجبار إدارة الشؤون الصحية بالحرس الوطني كمدير عام تنفيذي لصحة الحرس اتخذ خطوة رائعة (ليست الوحيدة) فقد فرض على كل مدير عام لإدارة أن يناوب ليلاً مرتين شهرياً كمدير عام تنفيذي للشؤون الصحية بالحرس الوطني له صلاحيات ومهام فهد العبدالجبار نفسه وكنت من أكثر من ناوب بحكم جدول المناوبات، وصادف في مغربية رمضانية أن حصل حادث مروع بين سيارتين محملتين بالركاب (ساعة الإفطار بسبب السرعة) وبلغت الإصابات في الحادث أكثر من 14 بين مصاب ومتوفى، فأعلنا حالة الطوارئ كما ينص نظام المستشفى وكنت المدير التنفيذي المناوب ذلك المساء فرأيت على الطبيعة ماكنت أظنه مبالغة من أقارب المتوفين والمصابين (عظم الله أجرهم في مصابهم وثبتهم وجبر كسرهم)، لم يبالغ الممثلون، بل إن التأثير النفسي على الأقارب عند فقد قريب أو حبيب أمر جلل، مع أننا ولله الحمد مجتمع مسلم مؤمن وإيماننا يهون علينا المصائب إلا أن الحاجة للمساندة عند صدمة وصيحة الغفلة (حمانا الله منها) تبقى ماسة جدا.

لذا كنت ولازلت وسوف استمر بالاقتراح بأن نولي جانب الدعم النفسي والاجتماعي لذوي المصاب في المستشفيات الحكومية والخاصة الأهمية التي يستحقها بما يحقق مجتمعاً صحيحاً نفسياً وذلك بأن نعيد الاختصاصيات الاجتماعيات لمهامهن الحقيقية ونزيد من وظائف الاختصاصيين النفسيين والاجتماعيين في المستشفيات وفي المجتمع عامة لمساندة كل مكلوم والوقوف معه، وهذا الأمر معني به ثلاثة وزراء: وزير الصحة ووزير الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية ووزير التعليم، الأول لتفعيل المهام للاختصاصي النفسي والاجتماعي في كل مستشفى خاص وحكومي وفرضها مطلباً أساسياً والثاني لإضافة الوظائف وسعودتها والثالث لزيادة المخرجات لهذه التخصصات المهمة وهذا الوقت الذي نشهد فيه تطوراً جاداً حازماً عازماً هو أنسب الأوقات لكل رقي بالخدمات، وفي المقال القادم أفصل في أسباب ودواعي التركيز على الصحة النفسية للمجتمع عبر مساندة أفراده في مصائبهم.

نشر في صحيفة الرياض يوم الأحد 18 ربيع الأول 1443هـ 24 أكتوبر 2021م

الصحة فريق ممارسين جميعهم مهمون

في أعوام قليلة مضت، ليست بعيدة جداً، صوّر للمخطط الصحي وصاحب القرار أن الصحة طبيب وممرضة فقط، طبيب يشخص المرض ويكتب علاجه، وممرضة تقوم برعاية المريض وفق ما يوجهها الطبيب، وهذا كله غير دقيق، بل وتجاهل تخصصات مهمة جداً، لا يمكن للطبيب أن يعمل من دونها، بل هي اليوم أهم من الطبيب نفسه؛ لأنه من دونها إنما يعمل بتخرصات وتوقعات غالباً ما تخيب.

حتى التمريض نفسه لم يعد اليوم تابعاً لتوجيهات الطبيب، فهو تخصص وعلم قائم بذاته ومهارة صحية لا تقبل التوجيه، ففي جوانب كثيرة تعرف الممرضة المدربة الخبيرة ما لا يدركه الطبيب، ليس قصوراً فيه، ولكن لأن التمريض ليس علمه ولا خبرته ولا مجال ممارسته.

ذلك التصور والتصوير الخاطئان بأن الرعاية الصحية طبيب وممرضة، زادتا وتوسعتا في وقت مضى مع سيطرة الأطباء على مفاصل الإدارة الصحية وصنع القرار الإداري فيها، وهو ما تغير اليوم – ولله الحمد – بتطورنا في المجالات كافة، وهما (أي التصور والتصوير) وإن كانا بلغا ذروتيهما في تلك المرحلة، غير البعيدة، والتي شهدت إعداد لائحة الوظائف الصحية بين العامين 1411هـ و 1412هـ وسلم رواتب الكوادر الصحية الناتج عنها، إلا أنه إحقاقاً للحق فإن ذلك التصور الخاطئ بدأ في المجتمع قبل ذلك بكثير كنتيجة لبدايات رعاية صحية بدائية، كان فيها الطبيب في عيادته أو قريته هو الطبيب وفني المختبر وفني الأشعة والصيدلي واختصاصي التجبير والعلاج الطبيعي، وتساعده ممرضة، فتولدت تلك النظرة للرعاية الصحية أنها طبيب وممرضة، واستمرت رغم التطور الهائل في مجال التخصص وتنوع مهام ومهارات وعلوم وتخصصات فريق متكامل لا تتم الرعاية الصحية بغياب أحد أفراده ولا أهمية لفرد في الفريق تفوق الآخر.

وما استمرار ذلك التصور الخاطئ في مرحلة إعداد لائحة الوظائف الصحية وسنوات تلتها إلا نتيجة تعصب بعض الأطباء أو قلة منهم (ممن استشيروا آنذاك) فتعصبوا لمجال تخصصهم وكسب عيشهم، حتى إننا وصلنا إلى مرحلة أُحبط فيها بقية الممارسين الصحيين في الفريق، وجميعهم مهمون جداً، فأصبحوا يشبهون الرعاية الصحية بساعة اليد، لا يرى منها غير عقارب الساعة والدقائق المتحركة، أما التروس التي تحركها وتديرها بدقة متناهية فهي مخفية تماماً مع أنها الأهم.

واليوم نحن نعيش زمن تخطيط سليم ورؤية ثاقبة مبنية على العلم والحقائق والشمولية والمنطق الصحيح للأشياء، والمنطق يقول: إن كل عضو في الفريق الصحي له دوره الأساس والمهم الذي لا غنى عنه، ولا تكتمل الرعاية الصحية من دونه، فمن دون الصيدلي (عالم الدواء) لا يلم الطبيب بتعارضات الأدوية وتفاعلها مع بعضها وتعارضها مع بعض الأعراض والأمراض وأيضها وإخراجها ودوره في تحديد جرعاتها، ومن دون فني الأشعة وفني المختبر لا يتحقق التشخيص الدقيق، ومن دون فني التخدير لا يتم التخدير، ومن دون اختصاصي التغذية لا تنجح المحاذير الغذائية، ومن دون اختصاصي العلاج الطبيعي وإعادة التأهيل لا تنجح العمليات، وللاختصاصي الاجتماعي والاختصاصي النفسي أدوار لا تكفي المساحة ولا أضعافها لشرحها.

لذا علينا استقطاب كوادر وطنية في جميع ما ذكرت وما قد نسيت من تخصصات، وخلق وظائف لهم في المستشفيات الحكومية والخاصة، والتوسع في سعودة تلك الوظائف، فأبناء الوطن هم من يبقون له في كل الظروف.

نشر في صحيفة الرياض يوم الأحد 11 ربيع الأول 1443هـ 17 أكتوبر 2021م

داخ الطفل والمغشي عليه غيره

منذ حوالي أربع جمع (شهر تقريباً) وعندما أقام المؤذن لصلاة الجمعة فإذا بطفل في الثالثة عشرة من عمره يقف استعداداً للصلاة ثم يسقط فجأة على ظهره وقد أغمي عليه، تجمعنا حوله لنسانده فعاد للوعي فطلبنا منه أن يرتاح ويتمدد حتى نفرغ من الصلاة، لكنه أصر على أن يصلي قائلاً (ما فيني شي بس دوخة ولن أفوت الجمعة)، وفعلاً صلى وعدنا لسؤاله إذا كان يعاني من أمراض كالسكري أو الضغط أو التشنجات فأجاب بالنفي وأخذ يسأل عما حدث له وكيف سقط؟ فأخبرناه بما حدث وسألنا إن كان برفقته أحد وأجاب بالنفي ورفض أن نوصله لمنزله مؤكداً أنه بخير، وقام أحد المصلين (جزاه الله خيراً) بالتكفل بمراقبته حتى يصل منزله.

أول أمس الجمعة صلى بجانبي فسألته عن أحواله وهل تكرر ذلك العرض؟ وهل راجع المستشفى لمعرفة السبب؟ فأفاد أن العرض لم يتكرر وأنه راجع المستشفى فأخبروه أن وضعه الصحي جيد وتفسيرهم لما حدث أنه كان جائعاً، وبدأنا محادثة تعرف فاتضح أنه من طلبة حلقات تحفيظ القرآن في الحي وهو في المرحلة المتوسطة الآن وطموحاته عالية شأنه شأن كل صالح.

مثل هذا الطفل، الحريص على أداء الصلاة دون إلحاح من أب أو أم، بدليل حرصه على عدم تفويت الجمعة رغم تعرضه للإغماء ومحافظته على الجمعة، نشاهد أمثاله كثيراً جداً، ولله الحمد فكثير من الشباب والأطفال يرتادون المساجد لأداء الفروض وخاصة صلاة الفجر دون مرافق، ربما لأنه يتيم الأب أو لأن والده من أبطال المهمات الوطنية خارج المدينة أو مريض، والعامل المشترك الأعظم لهؤلاء الأطفال والشباب هو التربية الحسنة لأم صالحة أو والدين أحسنا التربية بحرص على صلاح الأبناء.

تلك النماذج تبشر بأننا بخير عظيم وأننا بانتظار أجيال جادة يعتمد عليها الوطن وأن مجتمعنا لازال زاخراً بأمهات منشغلات بتربية جيل صالح نافع لا يرهق الوطن، وآباء همهم تنشئة ذرية صالحة من الأبناء والأحفاد.

هذه النماذج من النشء الصالح لا يرهق الوطن وأجهزته الأمنية، لا بإتلاف ممتلكات ولا بتفحيط وإزهاق أرواح ولا بتحرش ولا بسرقة وإجرام، ولا بفشل دراسي وبطالة وإزعاج وفوضى، ولا يصبح عبئاً على الوطن فهذه النوعيات، سيئة التربية، هم المغشي عليهم، لذا قلت عن ذلك الطفل في المسجد أنه داخ وأغشي على غيره.

الشباب والشابات الذين تربوا على مكارم الأخلاق والأمانة والجدية والشهامة والغيرة والصدق والشجاعة أنفع للوطن في أنفسهم وفيما ينتجون ويربون من أبناء وبنات وأحفاد وحفيدات، فتلك الخصال هي من تجعل جندياً تبتر ساقه في ميدان الدفاع عن الوطن ويطلب العودة لذات الميدان الذي فقد فيه ساقه.

أقترح جائزة وطنية أو وساماً لكل أسرة (أم وأب) أحسنوا تربية أبنائهم وأنتجوا للوطن مواطناً باراً بوطنه مخلصاً لدينه صالحاً في سلوكه ومنتجاً في مجال عمله. إن انشغال بعض شباب هذا الجيل بالألعاب الالكترونية أنتج شباباً أقل تحملاً للمسؤولية وأجهل بسبل العطاء فبعضهم (أرجو أنهم قلة) لا يستطيع استبدال إطار سيارته! مما جعل بعض الدول تفرض حظراً على الألعاب الإلكترونية وتحدد لها ساعات محددة أسبوعياً وليس يومياً.

نشر في صحيفة الرياض يوم الأحد 26 صفر 1443هـ 3 أكتوبر 2021م