الكاتب: محمد سليمان الأحيدب

تغريم من يفتي بغير علم

ما وقد أصبح كل يتحدث في غير فنه ويأتي بالعجائب من أجل كسب عدد من المتابعين في مواقع التواصل الاجتماعي، وبالتالي فإنه يضلل الناس في أي شأن كان سواء صحيا أو بيئيا أو اقتصاديا أو استثماريا أو غذائيا ودوائيا أو حتى في أحوال الطقس، فإن عليه أن يتحمل غرامة تحدثه للعامة في وسيلة تواصل سريعة الانتشار عن أمر ليس في مجال تخصصه ولا يفقه فيه، وغير مرخص له تعليمه أو تدريبه أو الفتوى حوله.

الفتوى ليست دينية فقط، وعندما أسيء استخدام الفتوى في أمور الدين بغير علم سواء بالإباحة أو التحريم، تم قصر الفتوى على أهل الذكر وارتحنا كثيرا وإن كان البعض (رجالا ونساء) يتجرأ أحيانا في بعض البرامج التلفزيونية فيخوض فيما فيه اختلاف أو شبهات فيحلل دون أساس من علم أو دليل، إلا أنهم لا بد متوقفون أو مرتدعون.

الفتوى في أمر طبي أو دوائي أو عشبي أو أي شأن آخر من شؤون الحياة المؤثرة في الناس وفي قراراتهم وحياتهم الزوجية أو العائلية أو التربوية أو النفسية أمر خطير جدا ولا يقل خطورة عن الفتوى في مجال الفقه والدين، ويجب تقنينه والأخذ على يد من يمارسه لأهداف تجارية أو مصالح شخصية أو رغبة في كسب شهرة وانتشار لاسمه، وبالتالي عيادته أو إعلاناته أو اعتلائه لمنبر ليس مؤهلا له علميا وبموجب التخصص الدقيق، حتى لو كان تخصصه قريبا من المجال الذي يفتي فيه بغير تخصص، فمجالات العلم والطب والطبيعة وغيرها أصبح لها فروع دقيقة وترخيص نظامي لممارسة التخصص، فطبيب القلب لا يفتي في العيون وطبيب العيون لا يفتي في الأذن، وهكذا لبقية العلوم والتخصصات.

لقد كثر في الآونة الأخيرة اعتلاء صهوة الفتوى في مجالات دقيقة وحساسة ومؤثرة في حياة الناس فيركب صهوتها كل من استهوته الشهرة التي تحيط بالمجال حتى لو لم يكن من فرسانها، وذهب ضحية هذه الفتاوى كثير من العامة الذين يتعطشون للمعلومة ويثقون في كل من اشتهر وكثر متابعوه حتى لو كانوا بيض (تويتر) أو أشباح السناب أو سحالي (التيك توك) المجهولة، وحان الوقت لمحاسبة كل من يفتي بغير علم أو تخصص ودون استناد لدراسات وأبحاث وأرقام.

نشر في جريدة الرياض يوم  الأربعاء 23 ذو القعدة 1443هـ 22 يونيو 2022م

هل الموظفة أكثر تعقيداً؟

عملت قرابة 35 عاما في المجال الصحي المختلط وتحديدا المستشفيات وما حولها وعلمت علم اليقين، من التجربة والإفادات والعمل في مواقع قيادية، أن الطبيبة المرأة أكثر التزاما ووفاء بالمسؤوليات من الطبيب الرجل وأكثر تلطفا مع المرضى، لكن لا توجد دراسات وأرقام تؤكد ذلك.

وعلمت أيضا أن الموظفة المرأة تفضل أن يكون مديرها رجلاً على أن تكون مديرتها امرأةً حتى لو ضحت ببعض المميزات، ولم أتوصل لسبب معين مؤكداً بذاته لهذا الشعور، ولم أتمكن من إجراء دراسة أو استفتاء يؤكد هذا الاعتقاد، وأعتقد أن على أساتذة الجامعات المتخصصين إجراء مثل هذه الدراسة، فنحن نفتقر لمثل هذه الدراسات والاستفتاءات وجدير بنا أن نهتم بها فهي تنير أمامنا الكثير من الطرق.

من الاعتقادات السائدة كثيرة الرواج، أن الموظفة المرأة أكثر تعقيدا في تسيير المعاملات من الموظف الرجل، وقد تكون أكثر حرصا وأقل مرونة في التعاطي مع المعاملة أو تكون أكثر نظامية وأكثر حيطة، وهو أمر يتناسب مع وضعنا الحالي الذي يعتمد على الأنظمة الدقيقة ويحاسب على التراخي، علما أن ذلك الاعتقاد (دقة وتعقيد الموظفة المرأة مقارنة بالموظف الرجل) اعتقاد قديم جدا.

قد يعود السبب (إن صح الافتراض) إلى كون المرأة أحرص على البعد عن المشكلات وليس لديها الرغبة في المجازفة بارتكاب الأخطاء، لذلك فإن من الحكمة أن يوكل لها أمر يعاني من تأثير الواسطة والفزعات.

لكن أيضا هذا الاعتقاد وإن كان سائداً فإنه يحتاج إلى دراسات وأبحاث تؤكده ولا يؤخذ هكذا على عواهنه، وأكرر المطالبة بأن تتحرك الجامعات والجهات البحثية لإجراء دراسات مكثفة تخصنا ولا نكتفي بتطبيق نتائج دراسات غيرنا علينا، خاصة في النواحي الاجتماعية والسلوكية فنحن نختلف عن غيرنا ولنا خصوصيتنا.

نشر في صحيفة الرياض يوم الأربعاء 16 ذو القعدة 1443هـ 15 يونيو 2022م

صابوني يحارب جدري القردة فمن يمنعني؟

أنتجت نوعاً من أنواع الصابون يستطيع وبغسلة واحدة القضاء على جدري القردة، وسوف أقوم بتوزيع ملصقات دعاية لهذا النوع من الصابون في دورات المياه المنتشرة في المراكز التجارية والأسواق والمساجد، وسوف أضع في الملصق صورة لمنتجي هذا وتحتها عبارة (فاعلية سريعة للقضاء على جدري القردة) وربما (الصابون السحري للقضاء على الجدري) وسوف أؤكد قدرته على محاربة جميع أنواع البكتيريا والفيروسات وفيروس جدري القرود، وأجزم حين أفعل ذلك قريباً لن أجد ممانعة.

خطوتي الاستثمارية هذه درستها جيداً، وتستمد جرأتها من الواقع، فقد تابعت بدقة وعلى مدى أكثر من 15 سنة، ومنذ انتشرت أخبار إنفلونزا الطيور وحمى الضنك ثم إنفلونزا الخنازير وأخيراً الفيروس الأكثر انتشاراً وعدوانية (كورونا) ومتحوراته اللاحقة، ومن متابعتي فقد رأيت العجب العجاب، رأيت ملصقات في دورات المياه العامة، في المراكز التجارية والمطارات والمساجد بل وبعض الدوائر الحكومية (وللأسف منها جامعات)، ثم تطور الأمر للإعلان في قنوات فضائية تلفزيونية محلية وتجارية وكل ذلك للدعاية لأنواع معروفة وقديمة من الصابون السائل وألواح الصابون الصلب تحمل صورة المنتج مذيلاً بعبارة (أثبت فاعلية في القضاء على فيروس كذا) وكان اسم الفيروس يتغير حسب الجائحة، وكأن شركة إنتاج ذلك الصابون تنبأت بكل تلك الجائحات، فقد رأيت عبارة (فعال ضد إنفلونزا الطيور) ثم (فعال ضد إنفلونزا الخنازير) ثم (يقضي على فيروس كورونا) وهي طرق فيها استغفال كبير قد يؤثر في المستهلك رغم أن هذه المنتجات قديمة قبل الجائحات كلها، بل قبل معرفة طبيعة الفيروس المقصود وتحوراته وما يؤثر فيه وكيف؟ ولم تنشر شركات الصابون تلك أبحاثاً حققت فيها إنجازاً فريداً واكتشافاً مذهلاً لمادة جديدة تقضي على الفيروس!

وكنت طالبت كثيراً بوقف هذا الاستغفال الكبير غير المقبول، لكن دون جدوى، وهو أمر لا يليق ويجب ألا يستثمر التاجر بالتلاعب بعواطف الناس والمتاجرة بالهلع والخوف، لذا تخيلت لو أنني كصيدلي أنتجت صابوناً وادعيت أنه يقضي على جدري القردة، من سيمنعني؟! أجزم أن شركات الصابون إياها ستفعل ذلك بمجرد وصول حالة، لا سمح الله.

أوقفوا الاستغفال واستغلال الهلع في كل مجال، وعليكم بالغرامات الرادعة التي تفوق أضعاف الأرباح.

نشر في صحيفة الرياض يوم الأربعاء 9 ذو القعدة 1443هـ 8 يونيو 2022م

هيئة لحماية المستثمر الجديد من التنمر

يتعرض عدد من المستثمرين الجدد شبابا وشيبا لمحاربة واضحة من قبل مستثمرين قدامى لا يعجبهم وجود منافس جديد، أسعاره أرخص أو مميزات منتجاته أفضل أو خدماته أرقى مما تعودوا عليه، أو أنه يهتم بحقوق العميل في أمر الضمان أو مواعيد الإتمام، وأحيانا لأن المسيطر على هذا النوع من الاستثمار أجانب لهم باع طويل في هذا المجال، ويسيطرون على مفاصله ولا يعجبهم دخول السعودي في هذا المجال فيعتبرونه نكش عش الدبابير، فلا بد من لدغه.

الاستثمارات الأكثر تعرضا لهذا النوع من المحاربة هي مجالات السباكة والكهرباء والميكانيكا والنجارة وصناعة المطابخ وبيع قطع الغيار والمطاعم وتجارة المواد الصحية، ومن صور تلك المحاربة التي يشتكي منها المستثمرون الجدد، المحاربة عن طريق قطع الإمدادات من موردي المواد الأساسية بالضغط على المورد أو تشويه سمعة المستثمر، ومن صور المحاربة تسليط أعداد من الأشخاص لتعبئة تقييم سلبي في غوغل والكتابة سلبا في مواقع التواصل الاجتماعي، خاصة (تويتر) و(الواتساب) إلى جانب تسليط بعض مشاهير الفلس على المستثمر الجديد، وتلك الأساليب لا تؤثر ماديا على (هامور) في ذلك النشاط، بينما تكسر الظهر الهش للمستثمر الذي دخل للتو.

ما يحدث لهؤلاء المستثمرين الجدد اعتبره نوعا من أنواع التنمر في سوق الاستثمار، بل هو تنمر ممنهج ومدروس، من شأنه أن يقتل طموح شاب أو مجموعة شباب أو حتى شايب أو مجموعة شياب (لا فرق)، كان أملهم الاستفادة من الفرص الاستثمارية التي شجعت عليها الدولة وساندتها بقوة.

لذلك فإنني أقترح إنشاء هيئة أو جمعية لحماية المستثمر مستقلة عن الغرف التجارية، مهمتها مراقبة تلك السلوكيات المحبطة والتفاعل الجاد مع شكاوى المستثمرين، شريطة أن يتم في الوقت نفسه إحياء وتفعيل دور حماية المستهلك في الدفاع عن حقوقه لتصبح أكثر من مجرد منصة توعية أو تقديم مشورة قانونية.

نشر في صحيفة الرياض يوم الأربعاء 2 ذو القعدة 1443هـ 1 يونيو 2022م

كأس فيحاء سدير والمعلق الأجنبي

ليس غريباً أن تفوز أندية منطقة سدير بكأس الملك سلمان -حفظه الله-، ولا غرابة أن تجتهد لتتشرف بالحصول على هذه الكأس الغالية على الجميع، فأفضال الملك سلمان بن عبدالعزيز، بعد الله، على منطقة سدير وسائر المناطق التابعة لإمارة الرياض عظيمة مذ كان أميراً لمنطقة الرياض، شأنها شأن جميع مناطق مملكتنا الحبيبة التي تنعم في عهده الزاهر، عهد الحزم والعزم والمشروعات الجبارة الشاملة، والمدروسة بعناية في تخطيطها، والمراقبة بحزم في تنفيذها.

الغريب أن يجهل بعض مقدمي البرامج الرياضية وبعض المعلقين السعوديين تاريخ منطقة عريقة من مناطق المملكة مثل منطقة سدير، التي ذكرها المؤرخون وتغنى بها الشعراء منذ آلاف السنين، والأغرب أن يخطئ هؤلاء الذين يفترض بأنهم إعلاميون في نطق اسم مدنها، فعلى أقل تقدير، إذا بلغ أحد أنديتها نهائياً غالياً مثل كأس الملك أو تأهل لدوري المحترفين فمن المهنية أن يتعلم مقدم البرنامج أو المعلق نطق اسم مدينة ذلك النادي ويعرف تاريخ منطقته، كونها إحدى مناطق وأقاليم هذا الوطن الغالي الذي إن لم يعرفه أحد من أبنائه فما هو إلا جاهل لا يليق به تولي مكاناً إعلامياً يسمعه الناس أو يشاهدوه.

عندما وصل الفيصلي لنهائي كأس الملك، كان أحد مقدمي البرامج ينطق اسم “حَرمه” بكسر الحاء، فنبهته كثيراً عبر الواتساب لكنه استمر، ثم جاء معلق المباراة لينطقها تارة بكسر الحاء، مثل صاحبنا، وتارة أخرى بضم الحاء “حُرمه” -أي امرأة-، ولأنني لا أعرف رقم هاتفه استعنت بالزميل إدريس الدريس -من أهل حرمه-، فذكر لي أن مندوب الجزيرة موجود بجانب المعلق وسوف يتصل به، لكن المباراة انتهت ولم يعدل نطقه، ثم تأهل الفيصلي لنهائي الكأس وفاز بها، ولم يتعدل النطق لا عند المقدم ولا المعلق، فقلت: (خل حرمه في كبد أهلها) مع أن الأصل (خل حريملاء في كبد أهلها).

المجمعة لا يمكن أن يخطئ أحد في نطق اسمها، لكنه حصل الأدهى والأمر، فرغم وجود ثلاثة معلقين منهم فارس عوض، الذي أعشق عباراته ومرادفاته واستعاراته وتشبيهاته الفريدة، إلا أنني تابعت المعلق السعودي فهد العتيبي الذي أحبه أيضاً، لكنني صدمت به يتجاهل الفيحاء وكأنه فريق أجنبي، رغم مستواه الرائع في تصفيات الكأس وهزيمته للاتحاد متصدر الدوري، ونتائجه الرائعة أمام الأندية الكبيرة وتفوقه رغم فارق الإمكانات المادية وتوفر المواهب في سدير مقارنة بالرياض أو المنطقة الغربية، فقد كان العتيبي مثل معلق مبتدئ يجامل الأكثر جماهيرية والأقوى إعلامياً، حتى أنه قلل من إمكانية فوز الفيحاء (عكس التاريخ والواقع)، وقلل من نسبة مسانديه في اللقاء من دون سند إحصائي غير علو الصوت الذي يحكمه توزيع مواقع اللاقطات الصوتية في الملعب، فهل سيأتي يوم نطالب فيه بمعلق أجنبي مثلما أصبح الحكم الأجنبي مطلباً؟!

أخيراً سبق أن اقترحت هاتفياً و(تويترياً) على رئيس الفيصلي أن من حق أبناء مدن وقرى سدير الذين ساندوا الفيصلي أن تجوب الكأس كل مدن وقرى وهجر سدير، وتحتفل بها في متنزهاتها الرائعة، وللأسف لم يتحقق ذلك إطلاقاً، وأملي في الأستاذ عبدالله أبانمي وأعضاء مجلس إدارة الفيحاء أن تحقق هذه الأمنية، فالنادي فخر لسدير، وجماهيريته في قلوبنا جميعاً، ومبارك لأهل المجمعة وأهالي سدير كافة هذا الإنجاز.

نشر في صحيفة الرياض يوم الأحد 21 شوال 1443هـ 22 مايو 2022م

أطباء الفساد.. بدِّلوا قلوبكم ووداعاً

ما بال قلوب بعض الأطباء قست، وأصبحت تستسهل أمر ترك المريض يعاني طويلاً، ويفوت عليه الموعد تلو الآخر، لأن طبيبه ترك مكان عمله الحكومي وذهب يبحث عن مزيد من الريالات في مستشفى خاص، مخالفاً كل الأنظمة ومضيعاً كل جهود وإمكانات الدولة -أعزها الله- التي وفرتها للرعاية الصحية؟!

هذه الممارسات الخاطئة الفاسدة كتبت عنها كثيراً جداً، وتحدثت عنها تلفزيونياً، وواجهت حولها كثيراً من بعض الأطباء في مناظرات متلفزة ولم يستطع واحد منهم الدفاع عن تلك الممارسات، بل فشلوا فشلاً ذريعاً أمام الملأ لأن الباطل يصعب الدفاع عنه، بل من المخجل الدفاع عنه أو محاولة تبريره، لأن الأمر يتعلق بمهنة إنسانية شريفة وممتهِن وفرت له الدولة راتباً مجزياً وبدلات عالية علّه يقوم بدوره نحو المريض كما يجب.

وعلى أي حال فإن عهد الحزم والعزم عالج هذه الممارسات، وأصدر مجلس الوزراء حزمة من ضوابط تنظم عمل الأطباء الحكوميين في القطاع الخاص، وتراقبه عبر منصة إلكترونية، بما يضمن أن يكون العمل خارج الدوام الرسمي، وبعد وفاء الطبيب بنصاب عمله الحكومي كاملاً، وبموافقة جهة عمله الحكومية، ومراقبة المنصة الإلكترونية، وعدد من الضوابط غرد بها معالي وزير الصحة الأستاذ فهد الجلاجل، ونشرتها الصحف والمواقع، وفصلتها تفصيلاً في سلسلة تغريدات ومقال سابق.

ما أنا بصدده الآن أمر غريب، وهو ما يردني من امتعاض بعض الأطباء والطبيبات مما كتبت حول هذا الموضوع، فلا أحضر مناسبة اجتماعية إلا وأجد من يسألني لماذا لا يحبك الأطباء؟! وآخر يقول: امتدحتك في مجلس فهاجمني طبيب حاضر واعترض وعرّض بك، وذات انتخابات سمع أحدهم كاتبة طبيبة تقول: لن أنتخب هذا الأحيدب لأنه يكتب ضد الأطباء.

أحبتي الأطباء الشرفاء النبلاء الغيورون على الدين أولاً والمهنة ثانياً، يعلمون جيداً أنني إنما أدافع عن حق المريض مثلما أدافع عن حق المستهلك وحق الموظف الصغير المخلص وحق المظلوم، وما أكتبه نابع عما رأيت من معاناة لمرضى حضروا في مواعيدهم من قرى وهجر ومدن بعيدة ولم يجدوا الطبيب الحكومي لأنه (زوغ) لمستشفى خاص، وهو أمر لا يرضاه أي طبيب أمين شريف نبيل، وما دام الأمر كذلك فإنه لا يشرفني أن يمتدحني طبيب يرضى مثل هذه الممارسات ولا أن تنتخبني طبيبة لا ترحم المريض من تلك المعاناة.

لكن السؤال الذي أخرج به مما سمعت وأسمع هو: ما بال قلوب قلة من الأطباء قست فأصبحت معاناة المريض من مخالفات الطبيب تسهل عليهم مقابل التعصب للمهنة؟! هل إنهم مثلما يتعودون على رؤية الدم والجراح والإصابات والوفيات (وهو أمر مقبول) يتعودون على رؤية حقوق المريض تنتهك (وهو أمر مرفوض)؟! عندها أقول لهذه القلة: استبدلوا قلوبكم ووداعاً للممارسات الخاطئة، فهذا عهد الحزم والعزم ومحاربة الفساد.

نشر في صحيفة الرياض يوم الأحد 14 شوال 1443هـ 15 مايو 2022م

حماية المواطن من نفسه مطلب اقتصادي

حماية الإنسان من نفسه عن طريق سن أنظمة وإجراءات، أو فرض غرامات وعقوبات تمنعه من تعريض نفسه أو الآخرين للخطر، وتكون حمايته بهذه الطرق ضرورة قصوى عندما لا تجدي معه سبل التوعية والنصح والإرشاد.

وقد مارسنا هذا النوع من الحماية ونجحنا في حالات كثيرة من أشهر أمثلتها رفع قيمة غرامات المخالفات المرورية، خاصة عدم ربط حزام الأمان (وهو حماية للنفس) وعدم استخدام كرسي الأطفال في المركبة (وهو حماية للتابعين) ومخالفة استخدام الجوال أثناء القيادة وفيه حماية للنفس وحماية للآخرين، وبطبيعة الحال فإن غرامات السرعة والتفحيط فيهما حماية للنفس والآخرين.

ومن أمثلة الإجراءات التي تحمي الإنسان من نفسه وسلوكياته قرار رفع الرسوم على منتجات التبغ بعد أن لم تكفِ حملات التوعية بالأمراض الخطيرة التي يسببها التدخين، ووضع صور أضرار السجائر على علبها من الخارج.

ولعل مثال التدخين هو المثال الأوضح والأقرب لما أود المطالبة به هنا، وهو أن نسن أنظمة تحمي الإنسان من الإضرار بنفسه غذائيا، وهو الأمر الذي عجزت عنه التوعية والنصائح الصحية، فما زال شبابنا يتناولون مشروبات ثبت ضررها علميا وبحثيا وعلى رأسها ما يسمى بمشروبات الطاقة، وهي في واقعها مشروبات هدر الطاقة وإتلاف الكلى وخلايا المخ، وثبتت أضرارها علميا، بل شهدنا بسببها حالات وفيات لشباب رياضيين، ولم ينفع مع هذه المشروبات الرفع الطفيف في أسعارها، ومثلها المشروبات الغازية التي هي من أسباب أمراض السكري والسمنة وما ينتج عنها من مضاعفات.

انتشار مطاعم الوجبات السريعة معدومة الفائدة الغذائية عالية الدهون والزيوت معادة القلي وهي الأطعمة المسؤولة عن انتشار السمنة وتثدي الذكور وأمراض القلب والشرايين والكبد.

لا شيء مادي أو اقتصادي يقارن بصحة الإنسان وحياته فهي الأثمن والأهم، ولا أحب أن أربط بينها وبين الأمور المالية، لكن لا بد من التذكير بأن تلك المشروبات والمأكولات (لا أسميها أغذية) الضارة لا تؤثر على متعاطيها فقط، بل تؤثر أضرارها وأمراضها وما تسببه من فقد على الحالة النفسية للمجتمع ممثلا في الأقرباء، ونصرف على علاج الأمراض التي تسببها مبالغ طائلة سنويا، وهذه الأسباب مجتمعة وأهمها صحة الإنسان وحياته مدعاة لأن نتخذ خطوات حازمة لحماية الإنسان من نفسه.

نشر في صحيفة الرياض يوم الأحد 7 شوال 1443هـ 8 مايو 2022م

لم نخسر قراءته وكسبنا إدارته

منذ نحو تسع سنوات وبعد عام من تعيين معالي الشيخ الدكتور عبدالرحمن بن عبدالعزيز السديس رئيسا عاما لشؤون المسجد الحرام والمسجد النبوي كتبت في هذه الزاوية المنشورة في صحيفة عكاظ في 28 يوليو 2013 م مقالا بعنوان (لكيلا نخسر قراءة السديس وختمته) عبرت فيه عن قلق قلت فيه: لا شك أن أعمال الإدارة والمتابعة والإشراف تحتاج إلى وقت وتركيز وجهد قد تقتطع جميعا من وقت وتركيز وجهد الشيخ السديس الإمام ذي الصوت العذب الذي يصل إلى القلب قبل الأذن، والخطيب الذي يحسن اختيار قضايا الساعة فيتناولها بشمولية لا تستغرق وقتا، ودقة انتقاء تقطر حكمة، ووصول للهدف النبيل دون مجاملة ولا مداهنة ولا إثارة ولا فتنة، وصاحب دعاء الختمة في رمضان الذي ينتظره المسلمون في المعمورة أجمع على اختلاف مواقيتهم وأعمارهم، تنتظره العجوز لتدعي، ويعقد معه المسن موعدا ليلبي، ويتسمر أمامه الفتى الشاب خاشعا يبكي.

ثم عبرت فيه عن رجاء قلت فيه: أحمل إلى الشيخ الجليل توسلات الملايين بأن لا ينشغل بالإدارة عن الإمامة والخطابة، ودعاء ختم القرآن، ونحن نثق بقدرات من يخلفونه في الإمامة ونتطلع لبروز ما لديهم من قدرات وإمكانات تتدفق من معين خير لا ينضب وسيستمر ينجب وينجب، لكننا نقترح أن يساوي الشيخ بين الإنابة في الإمامة وتوزيع الصلاحيات في الإدارة والإشراف؛ لكيلا نخسر الشيخ الدكتور عبدالرحمن السديس الإمام الخطيب عندما كسبناه رئيسا عاما نشيطا ذا حراك ومنجزات.(انتهى).

واليوم مرت عشرة أعوام على تعيين معالي الشيخ الدكتور عبدالرحمن السديس رئيسا عاما لشؤون المسجد الحرام والمسجد النبوي واستمر (ولله الحمد والمنة) إماما وخطيبا، وشهدت الرئاسة العامة لشؤون الحرمين الشريفين توهجا وعملا بصمت في خدمة حجاج بيت الله والمعتمرين وزوار المسجد النبوي بتوجيه كريم من خادم الحرمين الشريفين وولي عهده الأمين ودعم كبير لكل ما يسهل على مرتادي الحرمين والمشاعر، مما جعل أكف المسلمين في المعمورة ترتفع بالدعاء للمملكة العربية السعودية قيادة وشعبا، ورأينا وسمعنا عبر جميع وسائل التواصل الرسمية والخاصة والشخصية عبارات الامتنان والشكر والثناء على جهود المملكة في خدمة الحرمين الشريفين ودعاء مخلص وصادق من المسنين وأصحاب الاحتياجات الخاصة والكهول والشبان والشابات نساء ورجالا جميعهم يدعون لخادم الحرمين الشريفين وولي عهده الأمين على أعمال التوسعة والتسهيلات التي تمت بسرعة وجودة عالية.

رئاسة الحرمين الشريفين سخرت التقنية والأجهزة الدقيقة وواكبت العصر فتخطت أزمات شديدة مثل جائحة كورونا بصمت ودون تكلف وبحسن إدارة وحكمة خلقت مودة ومحبة من العاملين والجهات المشاركة والمتطوعين، وهذه من نعم الله على من يؤتيه الحكمة، ورئاسة الحرمين تدار بحكمة ولذا لم نخسر قراءة الشيخ السديس ولا ختمته وكسبنا حسن إدارته وحكمته، فالحمد لله ثم الشكر للقيادة حكيمة.

نشر في صحيفة الرياض يوم الأحد 23 رمضان 1443هـ 24 أبريل 2022م

طبيبك موجود وموعدك قريب بضوابط وحزم

عندما كتبت وتكلمت تلفزيونيا عن تسيب بعض الأطباء الحكوميين ومخالفتهم للأنظمة بترك عياداتهم وعملياتهم نهارا جهارا والذهاب لمستشفيات خاصة تغريهم بحفنة ريالات، كتبت وتكلمت لأنني كنت أرى آثار ذلك التسيب على مرضى المستشفيات الحكومية في شكل فوات مواعيد لعدم حضور الاستشاري، بل فوات عمليات ضرورية (منقذة للحياة) لأن الاستشاري يجري عملية (تجميل) في مستشفى خاص، وكنت جازما، وبالاعتماد على أرقام الأخطاء الطبية، أن سبب زيادة تلك الأخطاء ونتائجها الوخيمة من وفيات – رحمهم الله – أو خسارة منافع وقدرات، سببه الرئيس انشغال الأطباء الذين يهربون من دوامهم في الحكومي للخاص واستعجالهم وعدم اطلاعهم على ملف المريض وفهم حالته كما تتطلبه منهم الأمانة.

اليوم، وبعد حقبة من التسيب، شمل حزم وعزم سلمان بن عبدالعزيز، ورؤية ولي عهده الأمين هذا التسيب برياح الإصلاح الشامل ومحاربة الفساد – كل فساد – ومعالجة أوجه القصور والتقصير – كل تقصير – فوافق مجلس الوزراء على ضوابط السماح للممارسين الصحيين بالعمل في القطاع الخاص خارج وقت الدوام الرسمي، وهي ضوابط محكمة وشاملة تضمن قيام الطبيب الاستشاري بواجبه في المستشفى الحكومي على أتم وجه يستفيد منه مريض المستشفى الحكومي بما يليق بما يقدمه الوطن للأطباء من أجور عالية وبدلات مجزية وتليق بما تهدف له الرؤية من الرقي بالخدمات وجودة الحياة وتحقيق أعلى درجات الأداء الوظيفي والالتزام بالأنظمة.

كتبت سلسلة تغريدات عن أبرز الضوابط في ذلك السماح، ومنها ربط رخصة السماح بمنصة إلكترونية دقيقة لا يسجل فيها إلا من أيدت جهته الحكومية قيامه بالنصاب الحكومي وتحقيقه جميع الأهداف المطلوبة منه في عمله الأساسي من حيث الانضباط والجودة والإنتاجية وتحديد مقر عمله في القطاع الخاص وساعات العمل فيه، وأنها خارج وقت الدوام الرسمي وتقنين حد أعلى لساعات العمل في الخاص، وأنها لا تتعارض بأي حال مع عمله الرسمي في الحكومي، وتطبيق نظام مراقبة إلكتروني لهذا السماح يعاقب من يخالفه سواء الممارس الصحي أو مقر عمله في القطاع الخاص، ومن المؤكد أن جهته الحكومية تشترك في المسؤولية عما يخصها في أمر الالتزام.. وغرد معالي وزير الصحة الأستاذ فهد الجلاجل عن تلك التراخيص التي تضمن الالتزام بضوابط تحقق سلامة المرضى والأداء العالي في القطاع العام والحكومي.

وليس أدل على شمولية ودقة تلك الضوابط وإحاطتها بجميع جوانب تلك القضية من أنها لم تترك عذرا لأحد ولا ثغرة تستغل، فحتى لو تعذر الاستشاري بأن المستشفى الحكومي الذي يعمل به لا يحتوي ما يمكنه من القيام بالنصاب المطلوب فإن عليه أن يكمل النصاب في مستشفى حكومي آخر ليحصل على رخصة السماح بالعمل في الخاص خارج وقت الدوام، فالحمد لله ثم شكرا ملك الحزم والعزم – حفظك الله وأمد في عمرك – وشكرا لولي العهد صاحب الرؤية الشاملة، وتقدير بالغ لوزارة الصحة ولهيئة الخبراء التي درست هذا الأمر بعناية وهمها مصلحة الوطن والمواطن والمقيم، والشكر موصول لهيئة مكافحة الفساد التي أعلم أنها أولت اهتماما بالغا بما كتبته عن هذا الموضوع.

نشر في صحيفة الرياض يوم الأحد 16 رمضان 1443هـ 17 أبريل 2022م

البنك المركزي وحمايتنا من أنفسنا

لا أظن توعية وتحذيرا كانا أشد ولا أكثر من التوعية بخطورة إعطاء الرقم السري للحسابات البنكية والتحذير من الاتصالات المشبوهة التي تتعلق بالحساب البنكي والتحويلات المالية، ومع ذلك وقع عشرات المواطنين في فخ لصوص الحسابات البنكية وأصبحنا نسمع يوميا عن قصص ضحايا خسروا أموالا و(شفطت) حساباتهم في غمضة عين وبدأت حالات الاستنجاد بالبنوك والبنك المركزي وارتفعت أصوات النواح والعويل بعد فوات الأوان.

ولقد فعل البنك المركزي خيرا عندما أعلن عن إيقاف فتح الحسابات عن بعد (إلكترونيا أو أونلاين) مع حزمة إجراءات تمدد فترة التحويلات البنكية فتمنح فرصة ساعتين للتحويل السريع ومهلة 24 ساعة للحوالات الدولية تبقي في مصرف المحول وتقليص حد التحويل اليومي للخدمات الإلكترونية ليكون 60 ألف ريال كحد أعلى، كل ذلك لحماية عملاء البنوك من أنفسهم، حيث يبدو جليا أن التحذير وحده لا يكفي البعض ولا بد من حمايتهم من إهمالهم بقرار، والبعض الآخر لا يرتدع إلا بعد أن يلدغ، وصنف ثالث قد يبلغ به البرود أن يلدغ من جحر مرتين!

القرارات في رأيي جيدة جدا ولا أؤيد من يطالب بزيادة الحد الأقصى للتحويل اليومي عن 60000 ريال فالمبلغ كبير جدا كتحويل يومي للخدمات الإلكترونية وسرقته – لا سمح الله -، مؤثرة جدا في أصحاب الدخل المتوسط، فكيف بالأقل دخلا؟!، كما لا أؤيد من يقول إن البنك المركزي تأخر كثيرا في هذه القرارات فقد سبقها توعية مكثفة وتحذيرات من البنوك نفسها ومن (ساما) ومن وسائل الإعلام المختلفة، وكان يفترض أن يكون لها بالغ الأثر في الحذر، لكن ذلك لم يحدث ولم يكن بد من حماية الإنسان من نفسه لأن ضرر التهاون والإهمال يعم في هذه الحالات فقد تستفيد من السرقة جهات معادية وقد تتأثر الأسرة أو الأفراد جراء (تهكير) حساب الأب أو العائل أو سرقة تحويشة العمر وتتعرض الجهات المعنية للإزعاج والإشغال عما هو أهم.

نشر في صحيفة الرياض يوم الأحد 9 رمضان 1443هـ 10 أبريل 2022م