الكاتب: محمد سليمان الأحيدب

غرامة العابث بالصحة والمال أولى من تسرب ماء

حماية لصحة الإنسان أولا و حماية لحقوقه ثانيا ثم حفظا لحقوق  الوطن  الذي سيتكفل بتكلفة علاج النتائج لابد من تكثيف الرقابة، بأي ثمن، على كل ما يؤثر على صحته من غذاء ودواء وإجراءات طبية غير مسموحة ولا مصرحة من الهيئات العلمية والصحية أو إهمال طبي وتهاون بحياته، وبعد ذلك سن نظم واضحة وصريحة لعقوبات وغرامات كبيرة على كل ما يعرض صحة الإنسان للخطر، وهذه الغرامات والخصومات هي الدفع الوحيد الذي لا يعترض عليه أحد ولا يضر إلا مذنب جاني ويأتي بنتائج رادعة تحمي الإنسان أولا و توفر ما تصرفه الدولة على علاج النتائج وهي تكاليف كبيرة جدا لا تستردها الدولة من الجاني أو المتسبب في الوقت الحاضر.

خذ على سبيل الأمثلة فقط: التسمم الغذائي الذي يفتك سنويا بمئات بل آلاف المستهلكين نتيجة غش مطعم أو تخزين أغذية فاسدة، تعالج نتائجه في المستشفيات الحكومية بتكاليف كبيرة جدا من تنويم في المستشفى و مضادات حيوية و أدوية أخرى ومحاليل وتحاليل، وعقوبته، إن حدثت، تكون بغلق المطعم يوم أو يومين وغرامة زهيدة لا تعوض تكاليف علاج المصابين بل أن المصابين أنفسهم لا يعوضون!.

الأدوية التي تخزن وتوزع من (شنطة) سيارة في درجة حرارة ٥٠ مئوية و الأدوية العشبية غير المصرحة و سموم العطارين لها نتائج خطيرة جدا تعالج في مستشفيات الحكومة بسبب غش تاجر لا تسهم غرامته لا في ردعه ولا التعويض عن الخساذر بسببه.

الإجراءات الطبية التي يمارسها أطباء عيادات خاصة ومستشفيات خاصة وتتعلق بالإهمال والتهاون أو بالتجميل باستخدام طرق ومواد غير مسموحة وغير مصرحة، إجراءات تجد إقبالا ودعاية وتشجيع ويكسب منها الطبيب والمستشفى الخاص مبالغ فلكية ونتائجها الخطيرة تعالج في مستشفيات الحكومة ولا يتحمل المستشفى الخاص والطبيب وزر ما عمل.

تلك الممارسات أجدر بالتحصيل الباهظ ودفع الغرامات المجزية وتعويض الجهات الحكومية عن ما صرف على نتائجها، وأولى من أي غرامة على مواطن نتيجة تسرب ماء قليل أو غرامة تأخير تجديد رخصة أو استمارة أو إقامة أو مثيلاتها من مخالفات السهو والتي لا تضر الأخرين.

غرم قاطع الإشارة بالملايين والمسرع بمثلها (يستاهلون)، ولكن غرم من يعبث بصحتنا وأموال وطننا بالمليارات فنشكر وندعم ولا اعتراض.

 

فزعة ليبرالي مع البائس الفقير!

طالبت في المقال السابق المنشور يوم الثلاثاء الماضي بعدم التجاوب مع ضغوط و(لوبيات) شركات الاتصالات لمنع خاصية الاتصال بالتطبيقات المجانية مثل (الواتس آب) و (فايبر) وأخواتها فالأسباب التي يتحججون بها انتفت، وكل معرف (انترنتي) أصبح مقيدا وموثقا ومعروفا.

في الوقت نفسه أصبح العالم قرية صغيرة مرتبطة الكترونيا عبر الشبكة العنكبوتية اللاسليكة وأصبح من المعيب جدا أن يطلب أحدهم في أي جزء في العالم التواصل معك مجانا عبر أحد تلك التطبيقات ثم تقول له (ممنوع عندنا)، لقد أصبح هذا تخلفا واحتكارا لا يليق بنا كدولة سباقة في كل تطور وخاصة في استخدام الخدمات الالكترونية، لقد أصبحت عبارة غير مسموح فيما يخص الخدمات الالكترونية معيبا في الدول المتقدمة ( ربعنا أدعياء الحقوق والمتلبرلين غير الليبراليين لم يعترضوا على شركات الاتصال فالعيب الوحيد عندهم هو منع ما يخل بالتدين أو القيم الاجتماعية ) إفزعوا معنا يا أدعياء الحقوق ومدعي الليبرالية لننقذ البائس والفقير من احتكار وفواتير شركات الاتصالات.

عودة لمميزات وعيوب (الواتس آب) فإن له ميزة عالمية كبيرة تتلخص في إرسال الموقع عبر خرائط الشيخ قوقل أو خرائط الايفون، وهذه خدمتنا كثيرا وربما أكثر من غيرنا كوننا مجتمع متواصل نحتاج للموقع أسبوعيا إما لمشاركة في فرحة زواج أو وقوفا مع محزون في عزاء خلاف المناسبات الاجتماعية والعملية الآخرى، وكدولة مقبلة على السياحة فإن إرسال موقع فندق أو شاليه أو معلم سياحي بات ضرورة ( هذا أيضا يؤكد أن الوقت قد حان للسماح بكل خدمات التطبيقات وأهمها الاتصال لأن الاتصال الدولي بات مكلفا جدا على فاتورة السائح)، ومن مميزات الواتس سهولة إرسال الصورة من أي مكان وفي أي زمان مما يغني تماما عن أجهزة وورق وتعقيدات الفاكس ويدل على أنه قفزة نوعية تقنية من العيب تحديدها أو الحد منها.

من عيوب (الواتس) إضافة لما ذكرت في المقال السابق (الأخبار المغلوطة والنصائح الصحية غير الموثقة وسهولة نشر الشائعات) سهولة الإرسال الجماعي بتحديد الكل، لكن لها ميزة طريفة قد تعتبر بادرة إصلاح غير مقصودة، فقد يشتمك أحدهم برسالة أو تغريدة تويترية ولأنه قد خزن رقم هاتفك فسوف تصلك تهنئة عيد من نفس العدو اللدود!، وهذه تحدث دائما بسبب تحديد الكل فخذوها بحسن نية واعتبروها بادرة صلح وردها عليه في الخاص! فلعل قلبه يلين ويكف عن شتمك!.

 

لا لمنع اتصال (الواتس آب)

ليست المعلومات الطبية المغلوطة السيئة الوحيدة لرسائل (الواتس اب) وسرعة انتشار معلوماته وكثافة رسائل قروباته، فثمة سيئات أكثر تعكر جو المتعة بهذه الخاصية والخدمة المجانية التي لها فوائدها بلا أدنى شك، لكنها ككل شيء في حياتنا ومثل كل تقنية لها إيجابيات عظيمة ولها سلبيات منغصة، حتى الدواء له فوائد جمة وله أعراض جانبية وأضرار إذا زادت جرعته.

أجمل ما في الواتس اب أنه عدو شركات الاتصال الجشعة المحتكرة المستغلة لعملاءها خاصة في دول العالم الثالث حيث تحرص الشركات على استغلال العميل و شفط جيبه والتنافس عليه لا له، وتحديدا عندنا حيث تعمل (لوبيات) شركات الاتصال على تقليص الخدمات المجانية للواتس اب وتعمل جاهدة على الضغط لمنع خاصية الاتصال المجاني عبر خدماته، وللأسف أنها تنجح أحيانا بحجج واهية وكأننا في معزل عن دول العالم التي تسمح بهذه الخاصية لأنها لم تعد أقل أمنا عن الاتصال عبر شركات الاتصال، فكل رقم أصبح موثقا بالهوية والبصمة، ولا مجال للحجج.

السلبية المؤكدة للواتس اب، هي سرعة وكثافة نشر الشائعات والمعلومات المغلوطة علميا وصحيا وفلكيا و إخباريا، مقارنة بالرسائل المدفوعة، وهذه علاجها نشر الوعي ونشر المعلومة الصحيحة، وللوعي شقين، شق بعدم تصديق كل معلومة غير موثقة بمرجع علمي وشق بعدم نشر معلومة ما لم يكن مصدرها موثوق علميا وبمراجع علمية.

وبالمناسبة فإن نشر معلومات غير موثقة سواء طبية أو صيدلانية أو فلكية أو غذائية، لا يقتصر على الناس و (الواتس آب)، بل تمارسه للأسف وسائل إعلامية مؤسساتية من صحف سيارة وأخرى الكترونية و قنوات فضائية، وجميعها لا توثق معلوماتها من المراجع العلمية المتخصصة بل تعتمد على مصادر فردية وأراء غير محكمة علميا وسبق أن حذرت من ذلك خصوصا أن الدعاية للإجراءات الطبية والأدوية والأغذية بمعلومات مغلوطة أصبح تجارة (نتية) نتنة يمارسها المشاهير وذوو المتابعات المليونية عبر وسائل التواصل الانترنتية.

 

يفرحون باستضافة كأس العالم ونفخر باستضافة العالم

لا وجه للمقارنة بين الفخر باستضافة حجاج بيت الله من كل أقطار العالم وبين استضافة أي حدث كان ، لا من حيث شرف الإضافة والمستضاف ولا من حيث عدد الضيوف ووحدة المكان ومحدوديته ولا ما يقدم لهم من خدمات ولا تكرار المناسبة سنويا.

نحن نستضيف العالم أجمع سنويا لنمكن الضيوف على اختلاف قدراتهم وأعمارهم وجنسهم وجنسياتهم ولغاتهم ودرجة ثقافتهم من أداء ركن من أركان الإسلام، في وقت محدد بالساعة، ومكان محدود بالأمتار، ونقدم لهم، كي يتمكنوا من إتمام عدة شعائر في عدة مشاعر، كل ما يحتاجون من خدمات صحية ومساعدات إنسانية وعون بشري، كل ذلك دون مقابل إلا وجه الله وتأدية أمانة خدمة الحرمين على أكمل وجه.

نؤمن لهم المواصلات والنقل ونسخر لهم من يحمل المسن ويساعد المعوق ويدل التائه ويرشد دينيا من اختلف عليه الأمر ويحمل الطفل ، ويحفظ الضائع والمفقودات، وينقل المريض ليتم شعيرته بسيارة إسعاف مجهزة بما يحتاج من أجهزة  صحية.

نقدم لهم رعاية صحية متقدمة دون مقابل إلا رضا الله ثم إرضاء شيم العطاء لدى المملكة العربية السعودية التي تميزت به عالميا فاستحقت لقب (مملكة الإنسانية)، أجريت لهم في أقل من ثلاثة أيام ،حتى كتابة هذه السطور، ٣٥٧ قسطرة قلبية و ١٩ عمليات قلب مفتوح و ١٢٨٧ غسيل كلوي و ٧٢ عمليات  منظار وهي عمليات لا يجدونها في أوطانهم إلا بكلفة عالية وتأمين صحي مكلف.

حتى حرارة سطح بلاط الأرض بردت تحت أقدامهم  بتقنية كهربية فريدة ومكلفة و لطفت حرارة الشمس فوق رؤوسهم برذاذ بارد شامل لمناطق واسعة.

لا نقصد اتباع ما قدمناه من خدمات بمنة وليست هذه شيمنا!، ولكن لا يأتي صغير فرح باستضافة كأس العالم (مقابل تنازل عن ركائز دينية والسماح  بكبائر محرمة، وبتنازل عن قيم أخلاقية أصيلة) فيقول أننا نغار من استضافة كأس العالم ونحسده عليها!، ونحن من نفخر باستضافة العالم أجمع خدمة لدين العالمين.

 

لخطف المواليد عندي قصص أخطر

تهنئة وفخر بجهود رجال الأمن في سرعة استرداد الوليد المسروق من مستشفى الخرج والقبض على السارقة في زمن قياسي كما هي عادة وزارة الداخلية في ستر عورات الوزارات الأخرى، وعزاء وخجل باستمرار رجال الصحة في تخلفهم وبطئهم في فرض إجراءات وتقنيات متقدمة تضمن عدم الخلط بين المواليد أو ضياعهم غير المقصود ناهيك عن احتياطات وإجراءات وتقنية متقدمة تمنع خطفهم المقصود!.

لم تكن البداية هي حادثة الخلط بين طفلين سعودي وتركي في عهد الوزير حمد المانع، ولم تكن النهاية!، وفي قمة معمعة قضية ذلك الخلط جاءت الوعود بتلافيها مستقبلا بتطبيق احتياطات تستخدم أحدث التقنيات،لكن لم يحدث شيء على الإطلاق.

وقتها قلت أن إدارة الأطباء لحقيبة الصحة جعلت نظرة الإدارة لا تتعدى أنف الطبيب، ولدي من الحوادث ما يبرر مقولتي التي تغضبهم، واليوم وزير الصحة إداري مجرب لكن إدارة المستشفيات لا يتولاها متخصص في هذا العلم!، بل طبيب لا يهمه إلا كيف يطور بدلاته وكيف يعمل أثناء الدوام في مستشفى خاص لدخل إضافي، وإن كان أمينا فإنه لم يتعلم من فنون الإدارة ما يجعله يتعامل مع أمانتها بتمكن لأنه ليس علمه ولا تخصصه!.

الكلام يطول والتجربة والذاكرة بالقصص المأساوية مليئة بالحزن، ولعلني أكتفي لضيق المساحة بموقفين شهدتهما شخصيا لعلها تفسر ما أقول وتقنع كل طبيب غاضب:

في مستشفى الولادة والأطفال بالرياض منذ أكثر من ٣٥ سنة كنت في الممر وسمعت إمرأة مسنة تصرخ مستنجدة وممرضة عربية عريضة المنكبين ومتينة الساعدين تدفعها!، العجوز أم لسيدة ولدت للتو ووجدت سوار الجنين قد سقط  وتتوسل للممرضة بإعادته حتى لا يضيع الطفل بين عشرات المواليد الجدد (عجوز خبيرة حريصة) والممرضة ترفض وتدفعها قائلة (مش شغلك، مش حيضيع)، تدخلت مع عدد من الحضور وأقنعنا الممرضة خصوصا أن الإسوارة باسم ورقم الطفل فعلا، بعدها كتبت في (الجزيرة) وتحديدا في (هوامش صحفية) مقالا بعنوان (وحش في حضانة الأطفال) لم يعجب مدير المستشفى آنذاك الطبيب الصديق العزيزعبدالرحمن السويلم.

في موقف أخطر منذ أكثر من عشر سنوات طالب أب ولد له ولد وأعطي بنتا بالتأكد ولم يعبره أو يقابله مسؤول قط فرضخ مجبرا، وعند حضوره بعد شهر لتسمية المولود قيل له كيف تسميه  باسم أنثى وهو ولد حسب الحاسوب فجن جنونه ووجدته يصرخ في أحد الممرات لم يفتح له باب!، وكان يطالب بتحليل الجينات (د ن أ) لكن المدير الطبيب رفض بحجة أنه في كندا حدث حادث مشابه فخرج التحليل أن الأطفال الأربعة ليسوا لوالدهم!، قلت له تقارن مجتمعنا بكندا؟! حيث للزوجة عشرة (بوي فرند) قبل وعشرين بعد؟! ثم كل ما عليك هو فحص جينات الأم لتثبت أنها ابنتها وخرجت من رحمها فيرتاح الأب والأسرة! ولعله وافق لا أدري (التخصص الطبي لا يسعف إداريا والحديث يطول).

 

ماء مقطر يفضح ثلاث وزارات

عندما تقبض فرق الرقابة بوزارة التجارة على وكر تزييف منتجات مقلدة أو وضع لاصق على علب زيت سيارات مزيفة أو علب ماء مقطر للسيارات معبئة بماء عادي أو أغذية منتهية التاريخ تعاد تعبئتها ووضع لاصق مزيف على علبها فإن كل أعمال التزييف وإعادة التعبئة واللصق تلك تتم بطريقة احترافية وفي معامل مجهزة بأدوات الطباعة واللصق وإعادة الغلق والتختيم!، والقاسم المشترك الآخر الأعظم في كشف تلك الجرائم هو بلاغ مواطن!

طالما أن هذه الجرائم ترتكب في مستودعات مجهزة و محتوية على كل أدوات التزييف بما في ذلك مئات الآلاف من العلب الفارغة والكراتين الجديدة واللواصق المزيفة، فلماذا لم يتم اكتشاف الموقع خلال جولات تفتيشية على تلك المستودعات من جهات رقابية عدة يفترض أنها تقوم بجولات تفتيش للمستودعات خاصة النائية والمريبة منها؟!.

وزارة التجارة مسئولة عن تحري المستودعات المشبوهة ومواقع تخزين السلع والمنتجات الغذائية، والدفاع المدني يدعي دوما قيامه بجولات تفتيش على المستودعات لغرض ضمان السلامة من الحرائق واتباع احتياطات السلامة، والبلديات مسئولة عن التحري عن كل موقع ومبنى في حدود صلاحياتها، فكيف يتواجد مستودع مجهز بكل تلك الأجهزة والآلات والعدد والعلب والكراتين ولا تكتشفه واحدة من تلك الجهات التابعة لثلاث وزارات، بينما يكتشفه مواطن بالصدفة؟!، هذا دليل أن المراقبة في تلك الجهات لا تعمل كما تدعي، أو أن مراقبيها لا يجدون الدعم والتشجيع المطلوب!.

لا أحب التشاؤم لكنني كلما قرأت خبر القبض على مثل تلك العصابات، أو رأيت مقطع فديو لوزارة التجارة وهي تداهم مثل تلك الأوكار المجهزة، لا أفرح بل أصاب بالذعر وأنا أتساءل كم من وكر مشابه لم يكتشفه مواطن ويبلغ عنه؟! ماذا نأكل من مغشوش؟! وهل أمراضنا وأعطال سياراتنا المتكررة نتيجة لغش لم يكتشف؟!.

الحل سهل جدا، جولات تفتيشية مستمرة ومكثفة على كل مبنى واستراحة أو حتى منزل من جهات رسمية مخولة بالتأكد من أوضاعها! فمن يدري؟ ربما تخرج الجولات بما هو أخطر من تعبئة ماء مقطر!

 

أعلى ما في خيل الوزير

للقطاع الخاص عندنا طبيعة تختلف كثيرا عن غيرنا من الدول التي سبقتنا في مجال الأنظمة، فلدى التاجر والمؤسسات التجارية والشركات الخاصة فرصة أكبر للتلاعب والمراوغة والمخالفة، أي بصورة أشمل لممارسة الفساد بكافة صوره، والسبب عدم وضوح بعض الأنظمة والإجراءات أو عدم شمولية بعضها وعدم اكتمال الأخر.

هنا يبرز دور قوة المسؤول عن الموافقات المتعلقة بعقود الشركات واتفاقيات المؤسسات و أعمال التجار، وغالبا فإن المسؤول الأعلى عن هذه المتعلقات هو الوزير أو المحافظ أو رئيس الهيئة الحكومية ذات العلاقة.

متعلقات القطاع الخاص لدى المؤسسات الحكومية تتراوح بين عقود مليارية أو خصومات مليونية أو غرامات ومقاولات وخلافه، وفي ظل عدم اكتمال أو عدم شمولية الأنظمة فإن مركزية القائد (وزير ، محافظ ، أو رئيس هيئة) تصبح ضرورة وقوته في اتخاذ القرار والصمود أمام الضغوط تصبح أساسا لنجاح الجهة الحكومية في مواجهة قطاع خاص جشع جدا ويبحث عن الربح بكل وسيلة!، (دعك من المقولات المثالية المتفائلة جدا والتي تقول أنه شريك مشارك مخلص وطني) فالتجربة تثبت عكس ذلك إلا من ندر!.

اتخذت على نفسي نذرا أن لا أمتدح إلا من مات تأسيا بمقولة إبن مسعود (إذا كنت متأسيا فبمن مات لان الحي يخشى عليه من الفتنة)، لذا سأذكر ما واجهه المرحوم بإذن الله غازي القصيبي من ضغوط القطاع الخاص أمام إخلاصه وقوته وأمانته في جميع المناصب التي تولاها والوزارات التي تولى حقائبها وما أكثرها و أجملها.

لقد واجه غازي القصيبي، تغمده الله بواسع رحمته، في الصناعة والكهرباء والمياه والصحة والعمل، ضغوطا كتب بعضها ولم يمهله المرض والموت اكمال الأخر، لكن تجربة غازي وعبد العزيز الخويطر ومحمد المعجل (كمدير شؤون صحية) رحمهم الله جميعا وغيرهم ممن لن أذكرهم إلا بعد أن يأخذ الله أمانته بعد عمر طويل، تجربتهم في مواجهة القطاع الخاص بقوة وأمانة كان أحد أهم عناصر قوتها (بعد قوة وأمانة الشخص نفسه) هو قوة الدعم من رئيس مجلس الوزراء ومنح الصلاحية والنفوذ والعون والمساندة في المواقف.

هذا الدعم ومنح الصلاحية يغطي كثيرا على عدم اكتمال بعض الأنظمة ويمنح قوة للمسؤول في مواجهة الفساد والعمل بأمانة وقوة تحد من ممارسات بعض مؤسسات القطاع الخاص التي إن وجدت مسؤولا ضعيفا تمادت وكررت (أعلى ما في خيلك إركبه) ولا أخفيكم فقد شهدنا بعض من هذا وليس البعض بقليل.

 

طرائف مستشارين ب١٢ مليار!

الأمثال حكم وعبر مفيدة، سواء منها الأمثال (العالمية) ياباني ، صيني ، هندي، أو انجليزي أو الأمثال والحكم (المحلية)، ديوان المراقبة اكتشف أن الدوائر الحكومية الواقعة تحت طائلته الرقابية (فقط) أنفقت ١٢ مليار ريال في عام واحد على عقود استشارية، وجميل أن يحقق الديوان هذا الاكتشاف بعد عمره المديد فلعل مستشاري الديوان في أعوام مضت لم يشيروا عليه بخير، والحكمة العالمية تقول (أن تصل متأخرا خيرا من أن لاتصل).

 

والمثل الشعبي المحلي يقول (شور من لا يستشار مثل السراج في النهار) وأشهد الله وأشهدكم أنني عايشت، خلال أكثر من ٣٥ سنة عمل حكومي، عجائب وغرائب لتوظيف المستشارين الأفراد في الوزارات والمؤسسات الحكومية ومؤكد أن استشارة الشركات أعجب!، ويكفي عجبا وصول الرقم ل ١٢ مليار والإنجاز لصفر!.

 

كانت الفكرة من استشارة الأفراد استقطاب أستاذ جامعي متخصص لمساعدة الجهة الحكومية فيما لا تتعمق فيه، على أساس أن حامل الدكتوراه متعمق في مجال تخصصه، وهذا صحيح، ولكن ليس على وجه التعميم وليس في كل شيء، فالشهادة في الفلسفة في مجال ضيق جدا لا تعني تعمق حاملها في كل شيء.

 

شهدت في توظيف مستشارين مواقف تنفيع لقريب وصديق وصهر لا يملك نفعا للوزارة! وشهدت حالات كان فيها المستشار لا يحضر إلا لاستلام شيك راتب الاستشارة وأقسم لكم، ولست بحلاف مهين، أنني عايشت مستشارا يرسل السائق لاستلام الشيك!، أما أكثر المواقف إهانة لأستاذ الجامعة فهو ذلك المستشار في التعليم (قديما) الذي يحمل بشت الوزير، ويتصل معاتبا من ينتقد الوزارة وقد يزيف عليه خطابات يعني (مستشار تزييف).

 

للأمانة لم تكن جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية ولا جامعة الملك سعود (الجامعات العريقة عندنا) ترغب أن يصل حال أساتذتها لهذه الحال، لكن أهانوا أنفسهم والجهات التي (نفعتهم ) كانت منتفعة!.

 

إذا كانت مواقف الفساد تلك تحدث في استشارة الأفراد فماذا يا ترى يحدث في استشارة الشركات؟!، تحدثت الأسبوع الماضي عن توظيف ممرضة تحتاج لممرضة ضمن عقود التشغيل، واكتشف ديوان المراقبة قيام موظفي شركات استشارية بمهام قيادية في الجهات الحكومية وهذا خطير، ولكي نكون منصفين على أنفسنا كإعلاميين (غير منزهين) فإن جل عقود الاستشارة وأضخمها كان لمؤسسات إعلامية يملكها زملاء مهنة مهمتها تلميع الوزير!.  

 

بنوكنا وشركات الإتصال والتوصيل أجنحة مشلولة

نحن على مشارف تحول وطني طموح ورؤية ثاقبة حالمة، الوزارات والمؤسسات والهيئات والدوائر الحكومية تتعاطى معها بحماس وحرص وإيجابية وتعمل جادة لكل ما يتطلبه تحقيقها، أحد الأسباب في حماس وتفاعل القطاع الحكومي إضافة إلى الشعور الوطني يتمثل في تجديد القيادات وتفعيل روح الشباب والحزم مع من لا يعمل بجد ونشاط وحماس، وإحداث التغيير تلو الأخر كلما تطلب الأمر.

القطاع الخاص هو الجناح الثاني الذي إذا لم يرفرف فإن التحليق عاليا يستحيل وطيراننا يصبح مجرد محاولات طائر مكسور الجناح، تماما مثلما حدث في شأن السعودة على مدى سنوات من المحاولات للتحليق تنتهي بقفزة دجاجة!.

لابد من الحزم الشديد مع أنانية و تهاون القطاع الخاص وهو ما شهده هذا الوطن والمواطن من جحود على مدى عقود مضت في كل مجالات الربح الفاحش سواء استثمار البنوك ودائع المواطنين، أو استثمار الشركات في مجال الاتصالات و الخدمات الأساسية أو استثمار الأفراد في مجال التعليم والصحة والغذاء والبيع، وكل تلك المجالات شهدت استغلالا واستغفالا للمواطن في ظل غفلة الرقيب الحكومي، وجحودا للوطن في ظل تسامح وتسهيلات الحكومة.

خذ على سبيل المثال، لا الحصر، عناصر لها علاقة بالتحول الوطني و الرؤية الطموحة، فخدمات البنوك لا تزال صفرا بل أصبحت تحت الصفر، فلا إسهام وطني ولا مساهمة تحقق نذر يسير نحو المسؤولية الاجتماعية بخدمة المجتمع والمواطن من أرباح ودائعه ولا قروض ميسرة لمواطن فقير من مال وفير أقرضه للبنك مجانا مواطن ثري!، بل أن خدمات  البنك أصبحت تحت الصفر لأنه يعتذر أحيانا عن صرف مالك أو وديعتك بحجة انتظار عملية إيداع أو يطلب منك مراجعة فرع أبعد عسى ولعل أن تجد نقدا، ونفس الشيء يحدث عندما تبحث عن عملة أجنبية شهيرة فتقابل بعبارة لا يوجد دولار ولا يوجد يورو!.

سجل هذا العام أعلى نسب حالات خداع شركات الاتصالات في مجالات خدمات النت وعروض الباقات المغرية الوهمية وأصبح المشترك في حيرة وشك وغبن!.

شركات التوصيل السريع التي يفترض أنها عالمية وعالية المسوولية نحو العميل تمارس فروعها عندنا كذبا وتسويفا و فقدان للوثائق ليس له مثيل عالميا.

تلك كانت مجرد أمثلة لأن البنوك وتلك الشركات ستصبح جناحا مشلولا لا يساعد على التحليق وسيخذلنا مثلما خذلنا في شأن السعودة مالم يتم التعامل معه بحزم غير مسبوق!.

 

انتحار مدير سكرتيرة

وعدت في مقال الثلاثاء الماضي، وبمناسبة توظيف منى بعلبكي، أن أفصل في مواقف عجيبة وأخرى طريفة تبين أن أكبر مشاكلنا في التعاقد مع موظفين أجانب، وغربيين تحديداً تكمن في تكاسل المعني بالتعاقد عن تقصي السيرة الذاتية والتثبت من صحة المؤهلات والخبرات وأهم من هذا وذاك التواصل مع من عمل معهم المتقدم للسؤال عنه خاصة من جهات وأشخاص عمل معهم ولم يحصل منهم على توصيات!.

عملت في مواقع كثر، خاصة في المجال الصحي، وعايشت أكثر بحكم علاقة العمل، وشهدت مواقف كثيرة تبين أن التعاقد يتم دون اكتراث!.

في تجربتنا الفاشلة جداً مع تشغيل الشركات للمستشفيات، سواءً الأجنبية أو الوطنية (بالمناسبة شركات التشغيل الوطنية جميعها غير متخصصة وتدير بجشع وخداع) وطبيعي أن الأجنبية تبحث عن ربح فاحش ولا يوجد قادر على مراقبتها! وإن وجد فهم يغرون مكاتب الإشراف بالرواتب الإضافية!. المهم ، وحتى لا نخرج عن موضوعنا الأساس، أن شركات التشغيل تجلب المتقاعدين (العجائز) للعمل سواءً أطباء أو صيادلة أو ممرضات وفنيين، وبعض من تجلب مطرود أصلاً من عمله السابق لأسباب أخلاقية أو قصور مهني، والأعجب أن شركة تشغيل وطنية إذا طرد متعاقد لسبب مهني أو أخلاقي من مستشفى تديره في جنوب المملكة مثلا نقلته لمستشفى تديره في الرياض وبالعكس، ولا أحد من مكاتب الإشراف يتقصى أمره قبل الموافقة على تعيينه.

ذكرت للزميل خالد العقيلي في برنامج (ياهلا) أن إحدى شركات التشغيل تعاقدت مع ممرضة أمريكية وعند وصولها اتضح أنها، من كبر سنها وثقل وزنها، تحتاج إلى ممرضة! بل تحتاج من (يعضد لها) أي يسندها لتسير، والمقطع موجود على اليوتيوب.

بحكم علاقة عمل قديمة احتجنا للتعاقد مع سكرتيرة لغتها الأم الإنجليزية، ووقع بين يدي سيرة ذاتية لأمريكية خمسينية عملت في أحد المستشفيات بالمملكة منذ سنوات، اتصلت بمديرها السابق فأثنى عليها وسألته: لماذا إذا تركتموها فذكر أن زوجها انتحر في الشقة وحزنت ولم تجدد عقدها، ولعلها بعد هذه السنوات تجاوزت الأزمة فتقدمت لكم، جلبناها، وخلال ستة أشهر من (بثارتها) وغرابة سلوكها وتدخلها فيما لا يعنيها  تبين لي لماذا انتحر زوجها، أنهيت التعاقد معها، وبعد سنة حضرت لمكتب زميل لا يفصلني عنه إلا أمتار! لم يسألني عنها! وانتهى أمره معها لمشاكل كبيرة، ولولا إيمانه وسرعة إنهاء عقدها، لكان قد انتحر.