الكاتب: محمد سليمان الأحيدب

تمير من سدير يا جمهور الهلال!

مؤسف أن لا يكون بعض مراسلي القنوات الفضائية وكثير من المعلقين الرياضيين على اطلاع تام وواسع بمحافظات المملكة ومناطقها وأقاليمها ومدنها وقراها وهجرها، فيقعون في المحظور الذي يدل على قصور معرفي وشح ثقافي لا يضرهم وحدهم بل يؤثر في جيل كامل من المتلقين ممن يسمعون معلقاً على مباراة كرة قدم أو مراسلاً لقناة فضائية ينقل خبر رؤية هلال العيد بمسميات خاطئة.

هذا ما حدث في مناسبة ترائي هلال العيد هذا العام والذي سبقه، فقد خرج علينا مراسلون ثقافتهم الوطنية ضحلة جداً يقولون (تمير فاز على سدير)، ومنهم من قال (تمير فاز على سدير ذهاباً وإياباً)، يقصد في رؤية هلال رمضان وهلال العيد، مخاطباً جمهور رؤية الهلال بطريقة كروية لا تخلو من الطرافة ولا تخلو من الجهل بأن تمير هي إحدى مدن منطقة سدير أو إقليم سدير شأنه في ذلك شأن حوطة سدير وهي الطرف الثاني في التسابق على رؤية الهلال، (إذا صح لنا أن نسميها منافسة، وهي في واقع الأمر مهمة وطنية تتمثل في تحري رؤية الهلال).

أولاً، نحمد الله أننا في بلد أمين يقيم حدود الله ويطبق شرعه ودستوره القرآن الكريم ويتبع سنة نبيه صلى الله عليه وسلم، ومن ذلك الصوم لرؤية الهلال والفطر لرؤيته، وتدعو محكمته العليا إلى تحري رؤية الهلال من الجميع، لكن منطقة سدير سخرت الإمكانات اللازمة لترائي الهلال، وبدأ ذلك في حوطة سدير إحدى مدن منطقة سدير، ثم قامت مدينة أخرى من مدن سدير هي تمير بتخصيص منطقة للترائي والهدف هو التأكد والاستجابة لدعوة المحكمة العليا وليس التسابق أو التنافس والفوز أو الهزيمة، وحتى لو تم توظيف هذا الاجتهاد إعلامياً كتسابق وتنافس، فإن من الجهل (الذي يحتاج إلى توعية وتأهيل) أن يقول مراسل إن تمير فاز على سدير (اثنين صفر)، ويقول آخر إن سدير فاز في المجموع على تمير (ستة اثنين)، فهنا إيهام بجهل أن تمير غير سدير وهذا يؤثر على قطاع كبير من النشء من جمهور المتابعين.

سدير اسم قديم جداً لإقليم من أقاليم منطقة نجد يقع إلى الشمال من مدينة الرياض في شبه الجزيرة العربية، ويبعد عن مدينة الرياض بنحو 180 كم، وتتبع لإقليم أو منطقة سدير عدة مدن وقرى وهجر، نذكر منها حسب الحروف كل من: التويم والمجمعة ورويضة سدير والغاط وحوطة سدير وروضة سدير وحرمة وجلاجل وعشيرة سدير والخطامة ومقبلة وعودة سدير والعطار وجنوبية سدير والجنيفي والشارخية والداخلة وحائر سدير والمعشبة والحصون وتمير وجوي، وتضاف عبارة (سدير) لبعض مدنها التي لأسمائها تشابه مثل: الحوطة والروضة والحائر.

ولقد مررنا بمواقف مخجلة خاصة من قبل معلقين رياضيين ومقدمي برامج رياضية، فأذكر أنه عندما صعد نادي الفيصلي لدوري الأضواء كان بعض المعلقين ينطق اسم حَرْمه بكسر الحاء وبعضهم بضم الحاء (حِرمه) و(حُرمه)، وكأنها (امرأة) وكنت أتواصل مع أصدقائي من حرمة خاصة الدكتور عبدالله بن زامل الدريس عضو الشورى -رحمه الله-، والزميل إدريس الدريس لتصحيح الاسم للمعلق ومقدم البرنامج، وأذكر أن إدريس قال لي إن مراسل الجزيرة بجانب المعلق وسوف أبلغه ليصحح الاسم لكن المعلق لم يفعل، والأمر نفسه حدث لنادي المجزل من تمير سدير فكانوا ينطقونه بألفاظ خاطئة، ومجمل القول إن المعلق والمراسل ومقدم البرنامج في حاجة ماسة لإعادة التأهيل وتعريفهم بالمناطق والمدن والقرى والهجر وتوزيعها جغرافياً وتنظيمياً ونطقاً للأسماء الصحيحة، وختاماً أؤكد على أن تمير من سدير يا جماهير الهلال!.

نشر بجريدة الرياض يوم الأربعاء 11 شوال 1446هـ 9 إبريل 2025م

مقدمو البرامج و(تاكسي) المطار القديم

قديما كنا نطالب بتنظيم عمل سيارات الأجرة التي تستقبل القادم لمطاراتنا لأن سيارة الأجرة وسلوك سائقها يعكسان صورة أولية للقادم إلى وطننا الغالي ونسميها الانطباع الأول، وقد تم علاج هذه الصورة ولله الحمد، والآن أرى أن مقدمي البرامج في المحطات الفضائية التي تمثلنا يجب أن يعاد تقييمهم وفحص تأهيلهم لأنهم يمثلوننا (شئنا أم أبينا) وتعكس إجادتهم أو زلتهم صورة عنا للمشاهد في أنحاء العالم وهي صورة أوسع وأسرع انتشارا من صورة سائق (تاكسي) المطار.

لن أبدأ بمقدمي البرامج الرياضية فهؤلاء بعضهم تعدت سقطاته و(تهريجه) مرحلة التشويه إلى مرحلة عدم (التشريه) أي لم يعد المشاهد (يشره) عليه وعرف أنه حالة خاصة لا يمكن أن يقاس عليها فلا يعتمدها المشاهد كحالة تشوهنا بل لا تشوه إلا نفسها، وبعضهم أصبحوا تجار (مايك) يتبعون من يدفع أكثر شأنهم شأن (مشاهير الفلس) في إعلاناتهم ومن يبيع المهنية بالمال يسهل كشفه ولو حاول الاختفاء، إذا فهذا البعض من مقدمي البرامج الرياضية تأثيرهم في الصورة العامة أقل من تأثير سائق سيارة (تاكسي) غير سوي أو سيارته (خردة) قديمة متسخة تلوث البيئة، وإن كنا نتمنى أن يشملهم الإصلاح ومراجعة الأهلية المهنية.

الأهم هم مقدمو البرامج الحوارية والبرامج التي تتناول الشأن العام أو الشأن الثقافي أو الاجتماعي أو الاقتصادي أو الصحي أو السياسي أو حتى التاريخي فهؤلاء إن أبدوا مهنية وسعة إطلاع وسرعة بديهة فإنهم فخر لنا، وإن بدا منهم سؤال ساذج أو عدم مهنية أو ضحالة فكر أو جهل بالضيف أو بموضوع الحوار فإنهم يسيئون لنا، ولذا يجب عدم ترك أمر تقديم البرامج لقنوات محسوبة علينا دون إعادة تقييم للمقدم وسن عناصر دقيقة لترخيص محاور أو مقدم برنامج شأن عام أو سياسي أو اقتصادي أو صحي واجتماعي وخلافه، وأضعف الإيمان أن نبدأ بإعادة تأهيل مقدمي البرامج.

لست هنا لأضع مواصفات للمقدم المهني، لكن من السهل القول إنه ليس من المهنية أن يبدي المحاور رأيه الشخصي (وهو غير متخصص) في موضوع خلاف بين متخصصين وما عليه إلا السؤال فقط ونقل وجهة النظر المتخصصة وانتظار الرد دون أن يؤيده برأيه هو أو يعارضه برأيه هو، فالموضوع علمي دقيق تخصصي، وليس من المهنية أن يسمع المحاور إفادة مسؤول عن حقيقة علمية ثابته ومثبتة من الجهة المختصة ثم يبالغ في مجادلته بطرح رأي غير مثبت لصاحب مصلحة، مما يربك المشاهد فيشك في حقائق علمية أو صحية ثابتة.

خاتمة القول (في رأيي الشخصي) أننا عانينا كثيرا من دعوة وتواجد مراسلين غير مؤهلين في بعض المؤتمرات الصحفية وطرحهم لأسئلة بعضها ينم عن جهل أو سطحية مما يعكس صورة مشوهة وعلينا أن نتلافى تكرار ذلك في البرامج الحوارية حتى تكتمل الصورة للأحسن.

نشر بجريدة الرياض يوم الأربعاء 26 رمضان 1446هـ 26 مارس 2025م

طفيلي يهدد بتهمة التحرش

ضمن إجراءات الحزم التي نعمنا بها مؤخراً يأتي إجراء مكافحة التحرش كواحدة من خطوات الردع الفاعلة التي آتت أكلها، فأصبح كل قليل أدب أو قليلة أدب لم يحسن أهلهم تربيتهم يحسب ألف حساب قبل أن يقدم أو تقدم على أي فعل يعتدي على كرامة وعرض الآخر لا باللمس ولا بالهمس ولا بالقول ولا حتى بالتلميح برسالة أو التلويح بإشارة، بل أصبح المستهتر أو المستهترة مهما قل حياؤه لا يجرؤ على فعل يخدش الحياء أو يتعارض مع الآداب العامة والقيم والتعاليم الدينية والسلوك القويم.

وفي ظني أن مكافحة التحرش تأتي مع مكافحة الفساد وتعزيز النزاهة في أعلى سلم الإجراءات ذات المردود الكبير على المجتمع والوطن في شكل إصلاح فعال شامل غير مسبوق، نتائجه واضحة وتأثيره جلي، وجميع إجراءات المكافحة الرادعة تتوخى التثبت والدقة والعدل، لذا فمن غير اللائق ولا المنطقي أن يأتي من يبالغ في الحذر والتحذير والتخويف أو التهديد بتهمة التحرش اتقاء لشر لم يكن ليحدث، فقد لاحظت في أكثر من حادثة اختلافاً أو خلافاً بين رجل وامرأة تجارياً أو في حادثة تصادم أو تنازع على موقف سيارة من يتطفل ناصحاً ومحذراً بالقول (اتركها فقد تتهمك بالتحرش!!) وهذا فهم عقيم جاهل وتدخل أقل ما يقال عنه إنه سخيف وينشر مفهوماً خاطئاً، فلا المرأة بهذا الظلم والفجور في الخصومة لتتهم كل من نازعها حقه بالتحرش ولا النظام يسمح لها بهذا الظلم دون تثبت وعقوبة رد اعتبار وبلاغ كاذب تندم عليه، وهذا ما يجب التوعية به إعلامياً عبر كل الوسائل، وعلينا ككتاب رأي وعلى المتخصصين في القانون التركيز على التوعية بهذه الأمور.

كنت في أحد أسواق الديرة وشهدت خلافاً بين كهل أقرب للمشيب مع امرأة حول موقف سيارة تنازعا عليه، وكان الشايب قد سبقها إليه وانتظر طويلاً خروج من كان فيه (حسب إفادة حارس الأمن) وكانت هي تريد الدخول بسيارتها قبله، لكنه سبقها إليه فثار النزاع ليتدخل (ملقوف) بأعلى صوته ناصحاً أمام الجميع يردد (يا رجال طلع سيارتك لا تتهمك بالتحرش وتروح فيها) فلا المرأة كانت تفكر في هذا الأمر ولا النظام سيمكنها من ظلمه، لكن صاحبنا أراد أن يروج لأمر خاطئ.

وشهدت حادثاً مرورياً طفيفاً بين سائق مركبة وسائقة مركبة مقيمة من بلد شقيق، وكان من الصعب تحديد نسبة الخطأ والمسؤولية وقبل أن يحضر مندوب (نجم) أراد متطفل أن يكون نجماً فأخذ يحذر الرجل بأن يميل إلى الصلح وأن لا يدخل معها في خلاف خوفاً من أن تتهمه بالتحرش، وما كانت المرأة لتفعل ذلك وما كان النظام ليقبل تهمة بلا دليل.

كان الشاب يبتز مراهقة بصورة لها يهددها بنشرها، وأصبح اليوم لا يجرؤ على فعل ذلك وكل ما على الفتاة إلا أن تبلغ عنه وسيعاقب على التهديد والابتزاز ولو نشر فسيعاقب عقوبة أشد ردعاً، وقد تبتز فتاة رجلاً بالتهديد بتهمة التحرش ولن يعاقب إلا من أخطأ وثبت عليه الاتهام، لذا علينا أن نقضي تماماً على المفاهيم الخاطئة ومنها إيهام الرجل بأنه قد يبتز بتهمة التحرش وتخويفه بذلك فلا خوف على من لم يرتكب مخالفة ولا جدوى لتهديد من لا يحمل الدليل.

نشر بجريدة الرياض يوم الأربعاء 19 رمضان 1446هـ 19 مارس 2025م

الملك سلمان هل كان يدون أحلامنا؟

مما رأيته من تطور سريع وإصلاحات عظيمة في جميع الاتجاهات في وطني، أحمد الله أن عشت لأراها تتحقق وقد كانت أحلامنا وأمنياتنا، أقول مما رأيت شعرت أن الملك سلمان بن عبدالعزيز -حفظه الله- وهو القارئ المتابع المهتم الذي لا يفوته شيء مما يكتب أو يقال، كان يدون كل أمنيات وملاحظات ومقترحات أبناء هذا الوطن الغالي ونقدهم الهادف البناء ليتولى بحزم وعزم إجراء الإصلاحات بدءًا بالأهم، فبدأ بمربط الفرس وهو محاربة الفساد والذي إذا حورب بجد وعدم مجاملة ولا تهاون مع كائن من كان صلح الأمر كله.

ومن حسن حظ هذا البلد الأمين وعلامات توفيق الله له أن جعل الساعد الأيمن شاب ملهم قوي الهمة واسع الرؤية بعيد النظر هو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان فاجتمع العزم مع الحزم والهمة في التنفيذ مع إزالة لحجر العثرة أمام كل نجاح وهو الفساد.

الشواهد كثيرة والمشاهد يراها الأعمى ويسمعها من به صمم، فقد صلح كثير جدا من مواقع الخلل وبسرعة مذهلة، بل إن أمثلة القصور التي كنا نظنها عصية على التحسين أصبحت مثالا يستشهد به في تحقيق القفزات النوعية عالميا فلم تكن مجرد تحسن تدريجي أو بطيء بل تحول تام إلى القمة عالمياً وفي وقت وجيز، ولا تطلبْ مني أمثلة فالتطوير شامل وسريع وفي أحسن صورة، وشخصيًا أعزو كل إنجاز وطني عملاق وسريع إلى الجدية في محاربة الفساد وتعزيز النزاهة، كيف لا ومحاربة الفساد وتعزيز النزاهة هي من جعلت المقاول يعمل وهو لا يحسب حسابًا لطالب رشوة، والمنفذ ينفذ وهو يخشى تقصيرًا يتحمل عليه عقوبة لا يحجبها مرتشٍ، والمراقب يدون ملاحظاته بدقة وأمانة وحرص وإصرار خوفًا من تقصير يتبعه اتهام وتشهير.

كنت ومازلت شغوفًا جدًا بالأولويات؛ وكنت أرى أن من أولويات حقوق المرأة أن تستطيع المعلقة أن تقاضي من علقها وتجبره على الحضور لإنهاء معاناتها وإجراءات أولادها بعدل فتحقق ذلك بسرعة وكأحد أهم الأولويات وحصلت المعلقات على حقوقهن في وقت قياسي وبأقل جهد وأنهيت جل القضايا بالتقاضي عن بعد، وكنت أرى أن من أولويات حقوق المرأة أن تحصل المطلقة على ورقة الطلاق ونفقة الأطفال وتسجيلهم في المراكز الصحية والمدارس، وتحقق ذلك بضغطة زر جوال أو حاسوب وأنهيت معاناة طالت سنوات، وحصلت المعلقة والمطلقة والأرملة على حقوق ومميزات ما كن يحلمن بها، ثم عولجت البطالة بطرق جد حازمة حتى وصلت أرقام توظيف النساء والرجال وخفض البطالة خلال سنتين إلى أرقام لم نكن نحلم بها خلال عشر سنوات.

تمت معالجة جوانب الخلل الشديد في أمر الضمان الاجتماعي الذي كان يعاني من ذهاب جله لغير المستحقين وبيروقراطية تحرم المستحق الحقيقي فأصبح الضمان الاجتماعي يذهب للمستحق بيسر وسهولة وتثبت إلكتروني يسانده (حساب المواطن) و(حافز) و(تمهير) و(ريفي) و(نما) وغيرها من برامج وقنوات دعم محدودي الدخل ورواد الأعمال والمستثمرين.

تلك أمثلة لا ينكرها إلا جاحد، وليس فينا جاحد بحول الله، وليست قيادتنا -حفظها الله- في حاجة لمجاملة أو تزلف، لكن الرغد الذي نعيشه بفضل الله ثم بفضل قيادة حكيمة رحيمة منذ عهد المؤسس، طيب الله ثراه، وحتى هذه الأيام التي نحتفي فيها بالتأسيس يوجب علينا شكر الله أولاً ثم الامتنان لكل من ساهم في استمرار رغد العيش هذا والأمن والأمان وتحقيق أحلامنا.. وأكرر القول إن ما أراه يتحقق اليوم من إصلاحات شاملة يشعرني بأن الملك سلمان -أمد الله في عمره- كان يدون رغباتنا وملاحظاتنا وأمانينا ويحققها بسرعة مذهلة وأعمال بلا أقوال، ربنا لك الحمد.

نشر بجريدة الرياض  الأربعاء 5 رمضان 1446هـ 5 مارس 2025م

أعيدوا أطفالكم لأمهاتهم بقيمة الهياط

الواقع المرير أن كثيرا من الأمهات تخلين عن رعاية أطفالهن للعاملات المنزليات، ليس بسبب انشغال بوظيفة أو تجارة، فالعمل لم يكن قط سببا للتخلي عن تربية الطفل، بل إن أمر تخلي الأم عن العناية بطفلها وإرضاعه وإطعامه واحتضانه رائج لدى غير الموظفات ولا العاملات، وكأن الأمر برمته تكاسل وتخلٍ عن دور أساس ومهم وله نتائجه وآثاره السلبية التي سنأتي على ضرورة بحثها ودراستها علميا في الجامعات ومراكز الأبحاث حتى لا نتفاجأ بآثارها على المجتمع.

الحقيقة التي لا تحتاج لا لدراسة ولا لبحث هو أن الأم بما لديها من مشاعر وأحاسيس وتنبؤات صادقة وحنان ودفء أحضان هي الشخص الأنسب لتربية طفلها ومراقبته وتغذيته وتطبيعه ومخاطبته واستشعار حاجاته وفهم مشاعره، وقبل هذا وذاك الاستمتاع بكل لحظات معايشته وحركاته وتصرفاته ونظراته وضحكاته وحتى بكائه ومحاولته للنطق والمشي ثم الارتماء في الحضن، ويشاركها الأب في كثير مما سبق باستثناء ما خصها الله به فسيولوجيا من وظائف كالرضاعة أو دقة في المشاعر والإحساس بما يريد، بل تصل حد الإحساس بما يحيط به من خطر قبل وقوعه وعند حدوثه حتى لو لم تره، وهذا أمر وضعه الخالق الحكيم العليم في الأم، ليس في البشر فحسب بل في كثير من الحيوانات الثديية، فقد أشارت كثير من دراسات قياس المشاعر أن أنثى الأرنب تنتفض وتتحرك مؤشرات قياس تفاعلها العاطفي عندما يذبح صغيرها في مختبر بعيدا عنها، ولم أجرؤ شخصيا على إجراء التجربة في مختبري بكلية الصيدلة رغم توفر الإمكانات، لكن أستاذي البرفيسور الشهير محمد إسماعيل حامد أكد ذلك، كما أن أهل الخبرة في رعاية الإبل أكدوا أن الناقة تشعر بما يحدث لحوارها (ولدها) ولهم في ذلك قصص عجيبة.

الأمر الذي يحتاج لدراسة اجتماعية شاملة وعميقة ودقيقة من قبل جامعاتنا ومراكز البحث لدينا وهي كثيرة، هو هل لتخلي بعض الأمهات عن رعاية أطفالهن وإيكالها للعاملة دور في سهولة تخلي المرأة عن أطفالها عند الخلع أو الطلاق وهو ما يحدث في كثير من الحالات هذه الأيام، فقد كانت الأم في السابق تتنازل عن الكثير من حقوقها عند الانفصال مقابل أن تحتضن الأطفال ولا تحرم منهم، بينما شهدنا كثيرا من أمثلة تخلي أم شابة عن طفل أو طفلة أو أكثر لزوجها بعد الطلاق وهو ما سيدفع ثمنه الطفل المحروم.

كما تجب دراسة وبحث آثار ترك رعاية الأطفال للعاملة المنزلية على مشاعر الأطفال نحو أمهاتهم لاحقا وبرهم بها بعد أن يشبوا، وهل لعدم الالتصاق العاطفي للطفل بوالدته دور في مشاعره المستقبلية؟ وقياس آثار إيكال رعاية الطفل للعاملة على سلوكياته ونطقه ولغته ونموه وصحته ومواقفه بعد الكبر.

الغريب أن كثيرا من أطفال الجيل الحالي استخدموا كوسيلة للهياط والمظاهر قبل أن يخلقوا، فحفلات الزواج فيها الكثير من البذخ ثم احتفال بالحمل واحتفال بالولادة وتحديد يوم استقبال للتهنئة بالولادة في أجنحة فندقية بطريقة مبالغ فيها في حجم الكعكة والزهور المكلفة والتصوير والزينات، وكل تكاليف ذلك الهياط لا يصرف عشرها على التفرغ لرعاية الأمومة الحقة للمولود الذي يقبع في ركن الجناح الفخم في حضن عاملة وينتهي به الأمر في حضنها وتربيتها واهتمامها، بالرغم من انتشار الكثير من مقاطع تعنيف العاملات لرضع وأطفال كل ذنبهم أن أمهم تقلد صديقتها في التخلي عن أمومتها.

نشر بجريدة الرياض يوم الخميس 21 شعبان 1446هـ 20 فبراير 2025م

عبدالرحمن العياضي.. قلبه توقف ونبضه مستمر

دعوني أبدأ بتعزية وتذكير والدته وزوجته منيرة بنت عبدالعزيز الربيعة وأبنائه عبدالله وسعود وعبدالعزيز ومحمد وابنته الوحيدة نورة وشقيقه الأستاذ صالح وإخوانه إبراهيم وسعود أبناء عبدالله البابطين وأخواته وجميع أقربائه، فأقول صحيح أن الفقد بالموت المفاجئ بتوقف القلب لحبيب نام صحيحا أمر صادم محزن، لكن تذكروا أن هذه الميتة السهلة رحمة من أرحم الراحمين أنزلها على عبده لتخرج روحه دون معاناة، وهذه دعوة ندعو بها جميعا فنقول بلهجة أهل سدير: (اللهم من حيلي إلى قبري، اللهم لا تبحلني ولا تبحل بي)، أي اللهم لا تنزل بي مشقة ترهقني قبل الموت ولا تجعلني أرهق أحدا أو أشق عليه وسهل موتي، وهذه نعمة عظيمة وكلنا سنموت ويبقى الذكر الحسن والصدقة الجارية والعلم الذي ينتفع به والولد الصالح الذي يدعو، وكل هذه الأشياء مستمرة لفقيدنا اللواء عبدالرحمن بن عبدالله العياضي فلا تحزنوا.

اللواء المتقاعد عبدالرحمن بن عبدالله العياضي قائد سلاح الإشارة بالحرس الوطني سابقا، توقف قلبه فجأة وهو في نزهة برية قرب حائل، توقف قلبه عن الحركة لكن نبضه الوطني مازال يدق في أرجاء الوطن بقوة، كيف لا وهو من سخر إبداعه التقني وتخصصه الهندسي وعلمه في شكل تطوير سريع ومذهل لسلاح الإشارة بالحرس الوطني شمل أهم عناصر التطوير ومنها تسخير أحدث ما وصلت إليه التقنية وأكثرها أمنا من الاختراق، وتدريب الإنسان لاستغلالها أدق استغلال يخدم وطنا لا نوفيه جميعا حقه مهما عملنا لكننا نحاول.

عرفت اللواء عبدالرحمن العياضي زميلا في الحرس الوطني ذاع صيته فأصبحنا نتشرف برؤيته وهو يزور الشؤون الصحية بالحرس الوطني، هذا قبل أن أعرفه واحدا من رجالات مدينتي جلاجل وأحد أقربائي بالمصاهرة، فقد كانت شهرته كمهندس وعسكري تسبق معرفته كقريب أو ابن ديرة وذلك لما ذاع من صيته في اتقان عمله وإبداعه في مجاله وانجازاته كقائد عسكري.

تشرفت بلقائه كثيرا، لكن أمتع لقاء جمعني به عندما شرفت بصحبته في سيارتي عائدين من مزرعة شقيق زوجته معالي الدكتور عبدالله الربيعة في ملهم، فقد كنا في دعوة عشاء من معاليه فيها أبناء الشيخ عبدالعزيز الربيعة (رحمه الله) وأبناء الشيخ فوزان الربيعة، ومجلس أسرة الربيعة لا يمل، وعندما طال بنا الليل وقررت أن أعود قال لي (رحمه الله): “أجل بخاويك لأن بيتي قريب من بيتك”، فكانت أسعد بشرى، وانطلقنا وأنا اتعمد البطء في القيادة لاستمتع بحديث شيق عن الصرح المبارك الذي جمعنا، عرين الأسود، معقل الإنجازات والمبادرات، الحرس الوطني، هو يحدثني عن سلاح الإشارة وأنا أحدثه عن مركز إنتاج الأمصال لسموم الثعابين والعقارب الذي كنت رئيسه التنفيذي.

يقول الدكتور عبدالله الربيعة عن زوج أخته اللواء العياضي: إنه كان مثالا للشاب العصامي فقد شب يتيما بعد وفاة والده وهو صغير فواصل دراسته حتى حصل على الشهادة الثانوية وكان شغوفا بالأعمال التقنية خاصة الهندسية وتحديدا شبكات الاتصال والتلفزة، ثم التحق بالحرس الوطني كضابط صف وعمل فنيا خاصا في سلاح الإشارة وحصل على العديد من الدورات وشهادات الدبلوم في مجال الاتصالات خاصة اللاسلكية، وبرع في هذا المجال، ثم ابتعثه الحرس الوطني لدراسة البكالوريوس في الولايات المتحدة الأمريكية وركز في هذه التخصصات مع حرص على اكتساب اللغة، وعاد ليتدرج في الرتب العسكرية وقائدا لسلاح الإشارة فأدخل تطويرا ملحوظا في التقنية والتدريب والتطوير حتى وصل لرتبة لواء ثم تقاعد.

وقال عنه الدكتور سعد بن إبراهيم الخلف في مقال رائع نشره في صحيفة الجزيرة في 1 شعبان 1446 بعنوان (عبدالرحمن العياضي عاش هادئا ورحل هانئا) قال: الذي أذهلني، وبقي مضيئاً في ذاكرتي، مسلكه الإداري المتميز داخل مكتبه، ومع فريق عمله، حيث وجدت قائدًا فذاً، يجمع الحزم والصرامة والجدية واللطافة والأدب والهدوء، ويواصل د. سعد في مقاله فيقول: حدثني ابن العم العميد ماجد بن محمد القديري، الذي عمل معه في سلاح الإشارة، بأن الشغل الشاغل لأبي عبدالله -رحمه الله- كان في بناء قدرات زملائه، وتدريبهم وتعليمهم؛ ليمتلكوا المهارات العملية لأداء مهماتهم الفنية، باقتدار وكفاءة عالية؛ لنفع بلدنا العظيم، ولم يكن يحابي أو يجامل أحدًا على حساب أحد.

تغمده الله بواسع رحمته وأسكنه فسيح جناته..

نشر بجريدة الرياض يوم  الأربعاء 13 شعبان 1446هـ 12 فبراير 2025م

شتان بين القناص ومن ترك (الفلوس)

هما ضدان، وبضدها تتميز الأشياء، كما قالها الحكيم المتنبي الذي ينطق الحكمة شعراً، أو كما قيل في قصيدة اليتيمة المنسوبة لدوقلة المنبجي (ضدان لما استجمعا حَسُنا ،، والضد يُظهِرُ حسنه الضد)، والضدان هنا لهما نفس العلم والمهنة وتقارب في العقد والراتب والبدلات لكن المردود متعاكس متضاد بتباين شديد.

كتبت كثيراً وسأكتب أكثر عن أطباء صرف عليهم الوطن وعلمهم وابتعتهم ووظفهم وأجزل لهم العطاء في الرواتب والبدلات وبدل المناوبات وجعل لهم أعلى بدل تفرغ ولم يتفرغوا، بل تركوا عياداتهم في وقت الدوام الرسمي ليذهبوا للعمل في عيادات غير نظامية في المستشفيات الخاصة بحثاً عن دخل إضافي غير نظامي، أدى فيه الجشع إلى تباين التشخيص عندما يكون الطبيب في عيادته الحكومية عنه عندما يكون في عيادة المستشفى الخاص، واستشهدت كتابياً وتلفزيونياً بأمثلة لتباين التشخيص وكمية الأدوية وتكلفة الأدوات التي يكتبها الطبيب الجشع في الخاص عنها في الحكومي مستشهداً بجراحة العمود الفقري وجراحة الركبة والتجميل والعيون.

وكتبت كثيراً أيضاً وسأكتب أكثر عن أطباء سعوديين أصبحوا رواداً في مجالاتهم وتخصصاتهم وقبل ذلك في إخلاصهم وإنسانيتهم وتطوعهم، وذكرت أمثلة منهم في مقالاتي في صحيفة الجزيرة، ثم صحيفة “الرياض” ثم صحيفة عكاظ ثم صحيفة “الرياض” بعد العودة حالياً، وفي حوارات متلفزة كثيرة، ومنهم الأطباء محمد المعجل، وأسامة شبكشي، وعبدالله الكريدة (رحمهم الله)، ومحمد المفرح، ومحمد الفقيه، ومحمد السبيل، ومؤيد الزيبق، ومحمد قطان، وخالد بن علي الربيعان، وخالد بن محمد الجبير، وعبدالله الربيعة، وسعود الجدعان، وهاني نجم، وسعود التركي، وعبدالعزيز القناص، ومحمد الوهيبي، وأحمد الفريان، وعلي بن سلمه، ونوفل الجريان، وخالد الجهني، وعلي بن معيض الشهري، ورتبتهم زمنياً فقط مع حفظ الألقاب وقد أكون نسيت بعضهم وإن كانت إنجازاتهم لا تنسى.

أما مناسبة المقال فهي تلك الخطوة الإنسانية الخيرية المتجردة من كل حب للمال ومن كل طمع في (الفلوس) التي خربت النفوس، التي قدمها لدينه ووطنه وتربيته الحسنة الطبيب عبدالعزيز بن صالح القناص استشاري الجراحة والرائد عالمياً في مجال جراحة القدم والكاحل، والمحاضر عالمياً في مؤتمرات العناية بالقدم السكري، ومحاولة تلافي بتر القدم قدر الإمكان باتباع سبل العناية والوقاية التي لا يمكن شرحها هنا، حيث أسس بعد تقاعده مركزاً خيرياً للعناية بالقدم السكري في مدينة الرياض، تكفل هو بجميع تكاليف تأسيسه وأجهزته ورواتب موظفيه، وتكفل أحد رجال الأعمال (الذي لم أستأذنه بذكر اسمه) بدفع إيجار مبنى المركز التخصصي لطب وجراحة القدم والكاحل، وفي هذا المركز الخيري يقدم الطبيب الخبير عبدالعزيز القناص عصارة علمه وخبرته خدمة لوطنه ومجتمعه في شكل عناية مجانية لقدم مرضى القدم السكري، عسى أن يتحقق على يديه سلامة القدم السكري من المضاعفات وعلاجها وفك كربة مريض يخشى أن تبتر قدمه أو ساقه.

يقول د. القناص: “أتألم كثيراً حينما أرى أن مريضاً يعاني من مجرد بداية دخول ظفر إصبع القدم الكبير في اللحم ويطلب منه إجراء العملية بالتخدير العام ليدفع أكثر بينما هي عملية يمكن إجراؤها بتخدير موضعي بسيط وبدون تلك التكاليف العالية التي تستغل حاجته”.

هنا اكتفي بقول المتنبي: (وبضدها تتميز الأشياء) فشتان بين الاستشاري عبدالعزيز القناص وهو يرد جميل الوطن بعمل خيري مجاني، ومن يستغل تعليمه وتخرجه كطبيب ترك (الفلوس) تعبث في نفسه وذمته وقراراته في هذه المهنة الإنسانية.

نشر بجريدة الرياض يوم الأربعاء 6 شعبان 1446هـ 5 فبراير 2025م

عناق مخالف للذوق العام

تبذل دوريات أمن الطرق جهوداً عظيمة في الإشراف على سير الأمور على الطرق الطويلة وتتولى مهاماً عديدة مرورية وأمنية ورقابية ومساعدات غير محدودة لرواد الطريق، وحقيقة لا ينكرها إلا مكابر أن كثافة دوريات أمن الطرق كبيرة جدًا، وانتشارها وتقاربها يحقق تغطية واسعة يليق بمستوى الخدمات المتعددة التي تقدمها، وقد ذكرت هذا في مقال سابق متحدثاً عن طريق الرياض الدمام وتفرعاته.

هذه المرة سوف أتحدث مستشهداً بواقعة عن طريق الرياض – سدير – القصيم، والذي يشهد كثافة كبيرة جداً بل وازدحاماً وكأنه أحد طرق وسط العاصمة الرياض بسبب العدد المهول من المركبات التي ترتاده خاصة الشاحنات (التريلات) وحافلات النقل الجماعي وشاحنات النقل الزراعي المعروفة بـ(الدينا) والتي تحمل منتجات زراعية ودجاجاً وخلافه، هذا إضافة للمركبات الصغيرة الخاصة حيث إن الطريق شريان عريض يصل العاصمة بعدة مناطق ومحافظات شمال المملكة مروراً بمنطقة سدير والقصيم، وإحقاقاً للحق فإن دوريات أمن الطرق توجد بأعداد وفاعلية كبيرة وأدوار متعددة.

وبحكم ارتيادي للطريق بكثرة خاصة من وإلى سدير فإنني ألاحظ أن الطريق يشهد ممارسات خطيرة ومخيفة جداً من قبل الشاحنات (التريلات) وحافلات النقل والشاحنات الزراعية خاصة فيما يتعلق بالتجاوز من اليمين أو استخدام المسار الأوسط وتجاوز طابور طويل متقارب من الشاحنات الأخرى مع عدم وجود إمكانية للرجوع للمسار الأيمن بسبب الزحام، خاصة في طريق العودة إلى الرياض ليلاً، وعموماً فإن مجرد استخدام (التريلات) لمسار غير الأيمن ممنوع (حسب علمي) إلا إذا وجد حادث، وتلك المخالفات من الشاحنات والحافلات كثيرة ومخيفة جداً للسائق المتزن العاقل، إضافة إلى مخالفات التهور من سائقي المركبات الصغيرة خاصة السرعة الجنونية والانحراف بين المسارات، والسلوك الأكثر خطراً ورعباً وهو إلصاق الصدام بالصدام لإجبارك على إفساح الطريق في المسار الأيسر رغم أنك تسير بالسرعة القصوى المسموحة وعدم وجود مسافة كافية في المسار الأوسط لإفساح الطريق.

في طريقي للعودة إلى الرياض ليلاً شاهدت أكثر من (تريلة) في المسار الأوسط تتجاوز صفاً طويلاً من الشاحنات في المسار الأيمن، ثم إذا شاهد السائق أضواء دورية على جانب الطريق خاف وحاول الرجوع للمسار الأيمن رغم عدم وجود مكان شاغر، وهنا يحدث ما نسميه في لغة كرة القدم المكاتفة غير القانونية ولكن بين (تريلات)، وهو ما يعني لي كسائق خلفهم انحراف إحداهما أو كلاهما والالتفاف والعودة نحوي وعندها -لا سمح الله- لن تكون مكاتفة بل عناقاً مخالفاً للذوق العام، حمانا الله من كل أنواعه، وسينتهي بكارثة لي ولمن خلفي ولن ينجو منه إلا سائق الشاحنة.

أصابني الرعب فخففت السرعة في المسار الأوسط خوفاً من تكرار الموقف المرعب خصوصاً وأن تلك الشاحنات تخرج من المسار دون سابق إنذار، وما هي إلا دقائق قليلة وإذا بدورية أمن الطرق تطلب مني الوقوف، وصادف أن الطريق مرتفع وعلى يميني سياج حديدي يعلو مجرى السيل وبعده كان الطريق مرتفعاً لكن الدورية خلفي تطلب التوقف فتوقفت بالكاد خارج الطريق واستأذنت رجل الدورية بأن أنزل أنا ونبتعد عن حافة الطريق، وكان قمة في الذوق فلم يقترب عندما لاحظ وجود العائلة، وسمح لي بالنزول وأشعرني بأن سرعتي كانت بطيئة 85كم/ساعة وهذه مخالفة، قلت أنا في المسار الأوسط ومن خوفي على أسرتي ونفسي مما رأيت تمنيت أن أسير على التراب بجانب الطريق أو أن أبيت في البر حتى تنقشع غمة الشاحنات وشرحت له سبب إبطائي وطمأنني أنه أوقف ومنح غرامة مخالفة التجاوز والسرعة لثلاث شاحنات، وأن الدورية الأخرى أمامنا ستوقف الشاحنة المخالفة وكان لطيفاً جداً، لكنه كان شجاعاً جداً ونحن نقف على قارعة طريق يهدر بالمركبات المسرعة في أربعة مسارات، أما أنا فكنت ارتجف خوفاً من سائق متهور ينحرف علينا فلا يبقي ولا يذر.

سائقو الشاحنات والحافلات والمتهورون غيرهم لن تردعهم إلا رقابة ميدانية بشرية (غير الكاميرات) وعقوبات مغلظة وإعادة نظر في الاكتفاء بالتأمين كتعويض للخسائر جراء الحوادث ذات الاستهتار أو شبه العمد، فيتحمل المتهور عقوبة مالية ومعنوية رادعة.

نشر بجريدة الرياض يوم الأربعاء 29 رجب 1446هـ 29 يناير 2025م

دهن سير الشهرة بزيت الزيتون

لب مشكلتنا مع الادعاءات الطبية والعلمية للباحثين عن الشهرة هو أن وسائل التواصل الاجتماعي أصبحت إعلام من لا إعلام رسميًا يقبله، لكن في الوقت نفسه فإن ما ينتشر في وسائل التواصل أصبح يؤثر في بعض البرامج المتلفزة خاصة البرامج الحوارية فتتبنى طالب الشهرة وتستضيفه وتروج لما يدعي من معلومات سطحية غير موثقة ولا محكمة سواء فيما يمس صحة الإنسان أو سلوكياته وأسلوب حياته، والناس أصبحوا يدركون أن أغلب ما ينشره هواة جمع المتابعين وطالبي الشهرة عبر وسائل التواصل هو غثاء وأبعد ما يكون عن الحقيقة، لكنهم مازالوا يثقون في البرامج الحوارية وقد تؤثر فيهم أو تقنعهم، لذا على معدي ومقدمي تلك البرامج أن يكونوا أكثر وعيًا وحذرًا من جياع الشهرة، وعلينا كباحثين ومتخصصين تذكيرهم أن المعلومة الطبية أو الدوائية أو السلوكية أو حتى الفيزيائية والكيميائية وبصفة أعم أي معلومة تقرر أن هذا ضار أو نافع لابد أن تمر بأبحاث ودراسات شاملة وعميقة وشاقة وليس مجرد انطباع شخصي عن حالة أو اثنتين أو عشر حالات.

على سبيل المثال لا الحصر لا يمكن لطبيب مهما بلغ عمره ورغبته في الانتشار أن يقول إن زيت الزيتون يرفع الكوليسترول لمجرد أن مريضًا جاءه بنسبة كوليسترول مرتفعة وقال إنه شرب زيت الزيتون!! فهذا التقرير ممعن في السطحية والاستعجال، ونهم الشهرة أكبر أسباب الاستعجال، فحالة واحدة أو حتى عشر حالات لا تكفي لهذا الحكم وحتى لو أدخلت العشر حالات في قلوبنا شكًا في علاقة زيت الزيتون بنسبة الكوليسترول المرتفعة فعلينا قبل الحكم أن نعرف نوع زيت الزيتون الذي تناوله العشرة وعلامته التجارية (البراند) ومكوناته، وهل بين مكوناته ومواده الحافظة ما يتفاعل مع كواشف المختبر الذي أجرى التحليل، وما السلوك الغذائي للعشرة ذلك اليوم وما سلوك نسبة الكوليسترول لديهم خلال الستة أشهر الماضية وعوامل كثيرة أخرى قد تكون سبب الارتفاع قبل أن نسارع ونحكم أن زيت الزيتون يرفع الكوليسترول.

باختصار علمي شديد وسريع أود أن أذكر الطبيب والمعد والمقدم وكل من يتأثر بالمعلومة السطحية أننا لكي نحكم أن (مثالنا هنا) زيت الزيتون يرفع الكوليسترول أو يخفضه يجب أن ندرس حالة عدد من الأشخاص لا يقل عن المئة ونوزعهم لمجموعات عمرية وسلوكية غذائية محددة ويتناولون كمية معروفة من زيت الزيتون معروف العصرة والنوع والعلامة التجارية وتاريخ الإنتاج ومكوناته المضافة (مواد حافظة وخلافه)، وأن يتم التحليل في مختبر واحد ونعرف كواشفه (نوعها وتاريخها وطريقة عملها)، وأن يكون لدينا (خارج المئة) مجموعة مقارنة أي مجموعة مرجعية أو ما نسميه (كونترول قروب) لهم نفس السلوك الغذائي والفئات العمرية والخصائص المتقاربة لكنهم لم يتناولوا زيت الزيتون، ثم نقارن النتائج بدراسات أخرى مشابهة لعلماء آخرين سبقونا لنخرج (باحتمال) وجود علاقة لزيت الزيتون في خفض أو رفع الكوليسترول.

خلاف ذلك فإن كل من ينشر معلومة طبية أو غذائية أو سلوكية أو نفسية مدعيًا أنها حقيقة وهي مجرد انطباع سطحي أو شغف في شهرة على حساب المعلومة التي قد تكون مضللة، تجب محاسبته وردعه عن التمادي في التضليل.

نشر بجريدة الرياض يوم الأربعاء 22 رجب 1446هـ 22 يناير 2025م

شفافية وطن يا شركة المياه!

في كل جوانب حياتنا نعيش شفافية عالية غير مسبوقة، وجدير بالشركات الخدمية أن تدرب موظفيها على هذا القدر من الشفافية والتعامل الراقي مع العملاء والمشتركين، وإلا فإن الشركة التي لا تفعل ذلك لا يمكنها مسايرة ركب الحضارة الذي يسير بنا اليوم أو أن إدارة تلك الشركة تعاني هي من القدرة على السير في الركب.

عادة لا أتفاعل مع الشكاوى بسرعة حتى أتأكد من صحتها وسلامة الوارد من كل الأطراف، وأعمد ككاتب رأي إلى التواصل مع الجهة المعنية للتأكد من شكوى عميل أو مشترك أو مستهلك ومحاولة تقريب وجهات النظر وحل الإشكال، خاصة في الحالات الخاصة الفريدة، أما إذا كان القصور مؤثراً على شريحة كبرى أو الجميع أو أصبح التقصير طبعاً سائداً وشاهدته بنفسي وتأكدت منه فإنه لا مناص من مناقشته على بساط أحمدي وإيصال تفاصيله إلى جميع أطرافه التي لا يرضيها وجوده.

أمر غريب لاحظته منذ عدة أشهر وفي أكثر من مناسبة وهو أن ردود موظفي الدعم والمساندة في أمر المياه (غير مساندة إطلاقاً) وتفتقر للشفافية والوضوح، عبر كل قنواتها خاصة في حساب العناية بالعملاء في منصة إكس (تويتر سابقاً) أو عبر الاتصال الهاتفي بالرقم 800 أو عبر التطبيق، فقد جربت مراراً سواء كمواطن متعاون أبلغ عن تسربات وهدر مياه، أو كمشترك يشتكي من انقطاع الضخ في أيام مجدولة كأيام ضخ، فوجدت ردوداً مكررة غريبة تفسر الماء بعد الجهد بالماء وتجيب عن السؤال بإجابة لا علاقة لها بالسؤال ولا تشفي غليل السائل بل تزيده استفزازاً، وإليكم أحدث مثالين لتجربتي مع موظفي الدعم والمساندة في منصة X، وفي الاتصال الهاتفي.

عدت من سفر خارجي فوجدت تسرباً مهولاً في الحي بسبب انكسار ماسورة تحت الأرض وجريان نهر من الماء الصافي المحلى بفضل وطن كريم، فسألت الجيران وأوضحوا أنهم بلغوا دون جدوى، فتواصلت مع أحد مسؤولي الشركة وأبلغته، وفعلاً حضر المقاول لكنه قفل المحبس الرئيس للحي وربما أصلح جزءاً من الكسر ودفن حفرته الصغيرة ووضع الإسفلت ونسي فتح المحبس الرئيس لماء الحي لمدة أسبوع، فتواصلت مع العناية بالعملاء عبر (X) بالرسائل الخاصة لإبلاغهم بانقطاع الماء عن كامل الحي لعدم فتح المقاول للمحبس بعد انتهاء الإصلاح فوجدت أنهم يطلبون بلاغ انقطاع عن مشترك وفعلت، وفي كل مرة يكون الرد (تم التحقق من الحساب ونفيدك بأنه يوجد أعمال صيانة في الحي وجارٍ العمل على حلها ما لم يحدث عائق، وفي حال لم تعد المياه بعد الساعة الثامنة نأمل إبلاغنا ليتم التحقق، ويمكنك طلب صهريج عبر القنوات الرقمية)، وعبثاً حاولت إفهامهم أن أعمال الصيانة انتهت والمشكلة عامة لكل الحي ولا يوجد أعمال صيانة والمتبقي فتح المحبس، وفي كل مرة يكون الرد (نفيدك أنه جارٍ العمل على حلها، نهارك سعيد)، واستمر توقف الضخ عن الحي عدة أيام، وفي كل مرة أراسلهم يكون الرد نفسه، حتى توقعت أنه رد آلي لكن مع ارتفاع نبرة الشكوى اتضح أنه رد إنسان ولكن شبه آلي! وعند فتح المحبس عاد التسرب، ما يدل أن المقاول غير كفء واستمر الحفر والدفن والتسريب، حتى غردت عن الوضع فوردني اتصال من مراقبة البنية التحتية (وفقهم الله) وتم معالجة الوضع بطريقة جد مهنية ورائعة.

وهذه الأيام عانيت كمشترك من انقطاع الضخ في أيام الضخ المجدول وهي 7 و8 ديسمبر دون معرفة السبب، وفي كل مرة يكون رد العناية بالعملاء هو (موعد الضخ القادم 11 ديسمبر)، وسؤالي هو (لماذا لم يتم الضخ يومي 7 و8 ديسمبر، وهل ثمة خلل في العداد)، فيأتي الرد نفسه رغم أنه ليس رد آلي! وهذا مستفز جداً، فمن حق المشترك أن يعرف سبب الانقطاع قبل حلول موعد الضخ القادم وفواته دون حل، لكن ثمة أمر غريب في توحد الردود وبطريقة جد غامضة، علماً أنه يستحيل رفع بلاغ انقطاع لا من المشترك ولا من الموظف إذا وجد ضخاً مجدولاً حتى لو كان الضخ المجدول غير صحيح! أي أن (الأتمتة) أصبحت في المياه (تمتمة) وعدم شفافية.

نشر بجريدة الرياض يوم الأربعاء 10 جمادى الآخرة 1446هـ 11 ديسمبر 2024م