الكاتب: محمد الأحيدب

مصيبة وإن حكيت أكبر مصيبة

ليس لدى وسائل الإعلام مشكلة مع من يدركون أن الإعلام هو العين الثالثة للدولة، وهو النافذة التي يطل منها المواطن ليستنجد بمن غيب عنه وضعه من المسؤولين، وهو أي الإعلام، الطائرة التي تحلق عاليا لتكشف لصاحب القرار صورة جوية شاملة لمواطن الخلل.
لذلك فإن الملك عبدالله بن عبدالعزيز حفظه الله يحرص قولا وعملا على أن تقوم وسائل الإعلام بدورها على أكمل وجه، بل ويشجعها على ذلك وتشكل كلماته الصادقة ومواقفة الدائمة الدافع لكل من حسنت نيته من القائمين عليها على بذل المزيد من كشف القصور.
مشكلة الإعلام مع طرفين، ساءت نواياهم، إما قائم على وسيلة إعلامية بدأ يشعر أنها إحدى الذبائح في حوش بيته، يقدمها وليمة لمن يشاء من ضيوف علاقاته، يأكلها إن شاء (مفطحا) وإن شاء (بوفيه مفتوح)، أو مسؤول ذاق عسيلة الإعلام ويريد أن يلفظ مره بكل الوسائل، ما استطاع إلى ذلك سبيلا، لأنه يدرك أن ما يرفعك قادر على إسقاطك وأنه ما طار طير وارتفع إلا كما طار وقع، خاصة إذا كانت أجنحته من ورق الصحف.
الخائفون من سطوة الإعلام وشفافيته والسقف العالي الممنوح له مؤخرا عمدوا إلى ابتكار طرق أخرى تعتمد على تنويع وسائلهم، والوسيلة الجديدة التي يواجهها الإعلام المرئي والمسموع والمقروء هو خوف صاحب المشكلة من مغبة الحديث عنها باسمه الصريح والرعب مما سيواجهه من رئيسه إذا اشتكى لبرنامج تلفزيوني أو إذاعي أو كتب في الصحف، وتلاحظ ذلك في أسماء المتصلين أو من يكتب شكواه، رغم أن الوسيلة الإعلامية تحتفظ بالاسم الحقيقي ورقم الجوال وكل ما من شأنه التثبت من حقيقة شخصية المتصل أو كاتب الشكوى أو المصرح للصحيفة، هذا الرعب مبرر بما يجده المشارك من عقوبة و(استقعاد) وربما خسرانه لأكثر مما خسر، لكنه سلوك لا يتناسب مع ما نشهده من توجه كريم للشفافية والحوار وحرية الرأي الهادف، وما ينهجه هؤلاء لحماية أنفسهم يشجع إلى اللجوء إلى الإنترنت والاختفاء في كهوف خفافيش الظلام، والمطلوب حماية من يشتكي من الموظفين حتى لا يكون لسان حاله يقول (مصيبة وان حكيت أكبر مصيبة).

وقفات أسبوع حماية وطن

** من أوضح المخالفات الإدارية وأنتنها رائحة؛ أن يشارك الموظف الإداري زميله الميداني في رزقه، رغم عدم وجود أدنى علاقة بين طبيعة العمل الميداني والوظيفة الإدارية، فمثلا كيف يغيب عن الرقيب مشاركة إداريين في ضبطية جمارك قام بها موظف جمارك ميداني مستخدما إخلاصه وحسه الوطني وحسه الذهني وفراسته وضبط الممنوعات واستحق المكافأة ثم يأتي من يقاسمه رزقه حتى لا يبقى له إلا (عراش) المكافأة ويذهب الهبر للهوامير.
** إذا كنا عجزنا -ولن نيأس- من تصحيح نظرة تقييم أنظمة الخدمة المدنية ولوائحها للموظف الميداني لتكون رواتبه وبدلاته هي الأعلى على أساس أهمية دوره وحساسية وظيفته وطبيعة عمله وتقدير ما يبذله من جهد وطني وأخذ الاعتبار لما يحققه من حماية للوطن، فإننا يجب أن نعمل أيضا على رفع وعي المجتمع بأهمية عمل هؤلاء الميدانيين ونبل أهدافهم وشرف أية مهنة يعملون بها ونستخدم كل وسائل التوعية حتى نصل إلى مرحلة اجتثاث رفض فتاة الزواج من موظف جمارك، بحجة أنه يتعامل مع الوسيلة الحية (الكلب البوليسي) فالكلب هنا مجرد وسيلة وآلة وأداة عمل فما العيب؟!.

** أيضا، وما دام الشيء بالشيء يذكر، فإن التقليل من شأن الشاب العامل في الحراسات الأمنية (سيكيوريتي) ينم عن تخلف وعدم وعي أساسه جاء من ظلم القطاع الخاص له في المرتب المتواضع، وهذه من (جنايات) قطاع التجار هذا الذي امتدت إساءاته ولم تقتصر على الظلم في استغلال الحاجة، بل حتى الإضرار بالسمعة والمكانة الاجتماعية فهذا (السيكيوريتي) يبقى رجل أمن وحفظ نظام وصاحب عمل شريف ومشرف.
** رجال الوطن الأفذاذ يمتطون صهوة المسؤولية ويركضون بها إلى الأهداف السامية ويحققون الهدف تلو الهدف دون ضجيج، ثم يترجلون عنها ليركبوا أخرى ويخوضوا معركة جديدة بصمت وعزيمة ويحققوا الانتصار على المعوقات إلى أن يعتزلوا ركوب المسؤولية ويستريحوا في ظلال الوطن، أما من لا يحظى بأية خاصية غير الإدعاء والتقرب، فإن مطيته الإعلام المستأجر ونتاجه الصوت فقط ولو كان في الصوت خيرا لما كان سلاح الضفدع.

حماة المنافذ محبطون

كشف برنامج 99 في القناة السعودية الأولى وضعا خطيرا يعيشه موظفو الجمارك الذين نعتمد عليهم بعد الله في منع دخول كل أشكال الممنوعات عبر المنافذ.
وطلب مني المشاركة في الجزء الثاني من الموضوع والذي يعنى أكثر بالوضع الوظيفي لهؤلاء الموظفين، فدخلت المنتدى المخصص للبرنامج ومقدمه الزميل صلاح الغيدان وبدأت أطلع على شكاواهم وأتحاور مع بعضهم.
حقيقة فإنه أمر لا يصدق أن يكون الوضع الوظيفي لمن أوكل إليهم مهمة حساسة والتهاون أو الإحباط فيها نتائجه خطيرة للغاية بكل المقاييس الاجتماعية والأمنية والأخلاقية بهذا الشكل المهمل تماما.
نسبة كبيرة منهم لم يتم ترسيمهم رغم أنهم أمضوا سنوات في الوظيفة على بند أشبه ببند الأجور وخارج دوامهم زهيد، والبقية المرسمون رواتبهم زهيدة وبدلاتهم لا تليق وانتداباتهم مقارنة بمن يعملون في المكاتب وتحت هواء المكيف المنعش معدومة.
أمر لا يصدق أننا لازلنا نمنح المميزات للموظف وليس لمهام الوظيفة، لذا فنحن نمنح أعلى المميزات لأكثر الموظفين راحة وأقلهم حساسية في عمله وهو المدير، بينما الموظف الذي يقوم عليه العمل وإذا أحبط أو يئس وتكاسل فقد تخرب بصرة هذا لا نفكر فيه إلا بعد خراب بصرة.
متى ندرك أن العمل الميداني أهم وأحرى بالدعم والتشجيع على الأقل حتى لا نتحول جميعا إلى مجتمع بطالة مقنعة تضيق بأفرادها المكاتب وتئن بأوزانهم الكراسي ومواقعنا الحساسة يقبع فيها موظف محبط مثقل بالمشاكل ناقم على المجتمع؟!.
لماذا نحن مجتمع «إيحائي» لا نقدر الأهمية إلا لمن يوحي لنا بأهميته عن طريق حاجتنا له، لذا فإننا نضع كادرا للأطباء ونجدده عدة مرات، وكادر للمعلمين وكادر للقضاة ولا نضع كادرا لأناس لو أهملوا أو باعوا ضمائرهم تحول أفراد المجتمع إلى العلاج لدى الأطباء من المخدرات والعلل النفسية وإلى القضاة للحكم عليهم في جرائم قتل بذخيرة مهربة ولم يجد المعلم من يحضر دروسه؟!.

لم يترحم على والده

من المواقف التي لا تنسى أذكر أنه في إحدى القرى ومنذ أكثر من 35 سنة قاد سائق مخمور شاحنة صغيرة (وانيت) ليلا، وأخذ ينعطف بها يمنة ويسرة داخل أزقة القرية الترابية (لا يوجد إسفلت)، وانتهى به الأمر إلى اقتحام مقبرة القرية، في ذلك العصر الجميل لم يكن للمقابر أسوار، والآن أصبحنا نرفع أسوار المقابر وكأننا نخشى أن يهرب أحد الموتى، ونخفف أسوار مدارس البنات ونوافذها فهل السبب الخوف من حياة الموتى أم موت الحياء والغيرة.
المهم أن السائق المخمور (درعم) بسيارته داخل المقبرة وراح يقفز بها من قبر إلى آخر واستيقظ الناس، ليس على صوت استنجاد الموتى طبعا ولكن صوت ارتطام سنام القبر وعلاماته بأسفل السيارة، وهرع الناس مسرعين ليجدوا أن «الوانيت» قد غرز كفره في أحد القبور ونزل السائق المخمور وهو يردد (أعرفه هذا غثيث في حياته وبعد موته) يقصد صاحب القبر الذي أوقف متعته.
قبض أهل القرية على السائق وحبسوه في إحدى الغرف حتى فرغ الشيخ من صلاة الفجر (في الزمن الجميل لا تستغرق القضايا لنظرها سوى ساعات محدودة وليس سنوات ممدودة)، وعندما حضر أمام الشيخ كان لا يزال بين السكرة والفكرة لم ينعتق من سكرته بعد، فبدأ أهل القرية يقدمون ترافعهم أمام الشيخ معبرين عن اعتراضهم على فعلته ومرددين إنه امتهن حرمة الموتى، ويرددون لقد دهس آباءنا وأجدادنا وأحبابنا.
فما كان من السائق المخمور إلا أن رد ببرود السكران الذي أوشك على إدراك ما حوله قائلا (لا يكون قصدكم تبوني أدفع ديات ناس ميتين من خمسين سنة؟! أعرفكم تسوونها، يا حبكم للطلايب).
قصور نظر هذا المخمور وضحالة تفكيره وتجاهله لحرمة الموتى وهو ما قصده الأهالي ذكرني بتجاهل أناس يفترض أنهم أصحاء عقول لحرمة الميت وضرورة الترحم عليه عند ذكره خاصة عندما يكون أبا أو رجلا صالحا، فذلك (السكران) ربما لو ذهبت عنه السكرة تماما وحضرت الفكرة فإنه سيدرك ما قصده الناس وسيندم على امتهان حرمة الموتى وحرمة صاحب القبر الذي سبه، لكن المشكلة في من يتناسى حق الموتى في الدعاء لهم والترحم عليهم عند ذكرهم، وضرورة ذكر محاسنهم وليس ما يعتقده هو شيء غير فاضل فيردده عن أناس لا يستطيعون الدفاع عن أنفسهم، بئس القوة الاستقواء على ميت وشر العقوق أن لا يترحم الرجل على والده.

المساواة «بمزاييت» الإبـل

عندما طالبنا ونطالب بالنظر في فرض تعويضات مجزية كنا نقصد الإنسان وما يتعرض له من فقد إنسان آخر أو حياته هو جراء الإهمال والاستهتار والأخطاء الطبية وخلافه ولا مانع لدي من أن يجد تعويض الإنسان عن ممتلكاته من أغنام وبعارين وخيول اهتماما مشابها، لكن ليس إلى درجة أن تقدر الناقة بعشرة رجال.
خبر الخبر «حلوة خبر الخبر»، والذي يقول إن محكمة الخبر حكمت بتعويض مليون ريال لصاحب ناقة تدفعه شركة زيت وطنية غرقت الناقة في بقعة زيتها على أساس أن صاحب الناقة كان ينوي إدخالها مسابقة مزاين الإبل، خبر لا يخلو من طرافة وأنا أريد أن استظرف أو «أتميلح»، لأكون من مزاين البشر وأطرح بعض التساؤلات الهامة ولكن بروح النكتة.
أولا: كيف ثبت للقاضي أن الناقة من مزاين الإبل وهي مغمورة بزيت أسود من المؤكد أنه ليس زيت (جل) الذي يتزين به كل مذيع التحق بقناة فضائية، فالناقة لابد أنها أخرجت وهي أبعد ما تكون عن الجمال والمزاين.
ثانيا: من قال للناقة أن «تطب» في بقعة الزيت وهي لا تعرف السباحة في الماء؟!، وهل دخلت وهي حية مدركة، لأنه وحسب علمي المحدود أن البعارين ذكية جدا ولا تخوض في الماء إلا بدفعها فكيف تخوض في الزيت، وهل دفعها أحد لذلك أم أنها سقطت في الزيت بعد أن ماتت؟! أنا لا أدافع عن شركة الزيت الوطنية بل أريد مساواة الإنسان بالناقة وأن تغرم هذه الشركة على رميها الزيت في أحد المراعي الصحراوية وهو ما يعني تلوث البيئة الصحراوية وتسرب الزيت للمياه الجوفية التي ربما يشرب منها الإنسان وأن تكون الغرامة مناسبة عند مقارنتها بدية ناقة أصبحت من (مزاييت) الإبل.
ثالثا: لو أن مقاول طرق سفلت للتو طريقا وجاءت ناقة ووطئت الإسفلت الحار وغاصت أخفافها فيه وتسمرت ثم صدمتها سيارة ومات ركابها الأربعة، فمن يدفع دية الناقة
ومن يدفع دية الركاب؟! (حلوها يا طلاب الفقه)، هل يدفع المقاول دية الناقة وصاحب الناقة يدفع دية الركاب؟، عندها سيكون صاحب الناقة كسبان 600 ألف ريال.
طيب عندما لصقت الناقة في الإسفلت لو أنها بركت ثم جاء بعير وشاهد الناقة المزيونة لاصقة وبرك عليها وجاء صالون به عشرة أشخاص وصدم الناقة والبعير وهم في حالة تلبس، فهل يدفع المقاول دية الناقة والبعير معا أم يدفع المقاول دية الناقة لأنه تسبب في لصقها ويدفع صاحب الناقة دية البعير لأنها أغرته؟! دعك من أهل السيارة الآن، نحن في دية البعارين، أما ركاب السيارة الصالون فسيأتي كاتب ويكتب إنه صالون الهيئة صدم ناقة وبعيرا في خلوة غير شرعية ويدخلنا في قضية جديدة ترهق كاهل الهيئة والقراء.

مشكلتنا من وقف التنفيذ

القرارات مثل الطوب لا بد من وضع الواحدة منها على الأخرى ليكتمل البناء، وما لم يتم تطبيق القرار أو أحد القرارات بحذافيره وبحرص تام وتقيد ملزم فإن أي نظام أو أمر أو قرار آخر قائم عليه لا يمكن التقيد به.
الدكتور عبد الرحمن الزامل وكيل وزارة التجارة سابقا لم يكن ذلك المسؤول الملفت للنظر في تصريحاته وأقواله وربما قراراته أيضا، وقد يعود السبب إلى واقع منصب الوكيل لدينا الذي تطرقت له في مقال الأمس (أغرب منصب)، لكنه أصبح ملفتا للنظر بشدة وهو يتحدث وينتقد ويوجه النصح في الحوارات التلفزيونية معه، ويثير مواضيع هامة جدا في شؤون كثيرة وبجرأة فائقة وصراحة وحجة حاضرة.
ولكي أكون منصفا فإن الرجل يتحدث بإخلاص وحماس في كل موضوع يسأل عنه، لكن المثال الذي استشهد به اليوم يتعلق بإجابة من واقع كونه مالكا لعدد من المشاريع الصناعية أو صاحب مصنع، فعندما سأله الزميل داوود الشريان في برنامجه واجه الصحافة عن نسبة السعودة في مصانعه، قال إنها تتراوح بين 20 ــ 25 في المائة، ولعل داوود استقل الرقم، فرد عليه الزامل على الفور أن الرقم كبير جدا مقارنة بما نعانيه من عدم تنفيذ قرارات الدولة الحكيمة بضرورة الشراء من المصانع الوطنية، وأن كثيرا من الجهات لا تنفذ هذا القرار، وتقوم بالشراء من مصانع خارجية، ونحن تكلفنا السعودة حوالي 50 مليونا سنويا لارتفاع الرواتب، ولو طبق ذلك القرار الحكيم من الدولة، واقتصر تأمين احتياجات الدوائر الحكومية على المصانع الوطنية لأصبح بإمكاننا سعودة الوظائف بنسب أكبر.
لم تكن تلك هي العبارة الوحيدة التي تحدث بها الدكتور الزامل بحماس بالغ وإخلاص خشيت معه أن يتوقف قلبه، فقد أحرج نائب وزير العمل الدكتور عبد الواحد الحميد عندما استشهد بأكثر من تجربة خليجية في نجاح توطين الوظائف، سواء في سيارات الأجرة أو وظائف الباعة في المحلات أو كثير من الأعمال المهنية، مؤكدا أن أنصاف الحلول هي ما يترك مجالا للتحايل وسيطرة غير السعودي على هذه الوظائف، مرددا عبارة (لماذا لا نقفل البزبوز)، والبزبوز لمن لا يعرفه هو الصنبور أو الحنفية، وهو تساؤل مهم جدا يقصد به أننا إذا كنا جادين في سعودة وظيفة فيجب أن نوقف الاستقدام عليها، كما فعلت دول خليجية أخرى ونجحت.
الضيفان الآخران هما الدكتور عبد الواحد الحميد والدكتور علي الغفيص وكل منهما لا يزال على رأس الوظيفة الحكومية؛ لذا فإن الأول كان يدافع كثيرا عن الوزارة ويتهم المجتمع، أما الثاني فكان يتحين الفرص لسرد ما عملت المؤسسة، وهذا فرق كبير في تفاعل الضيوف، فالواحد منهم لا يقول رأيه المستقل عن كونه موظفا.

أغرب منصب

منصب وكيل الوزارة أكاد أجزم أنه أغرب منصب وأكثر المناصب غموضا في كل شيء، في جهده غير المرئي، وفي صلاحياته غير الواضحة، وفي طول مقام من يحتله، وفي عدم ظهوره إعلاميا، وصدقوني حتى في الشعور النفسي والأحاسيس والحالة النفسية لغالبية الوكلاء الذين عايشتهم أو ربطتني بهم علاقة.
قد يكون وكيل الوزارة أكثر من يعمل، وقد يكون أطول من يعمل (أطول في ساعات العمل وليس بالضرورة في القامة)، وقد يكون لا يعمل ولا يداوم، فنحن لا نعلم لأنه ليس لنا نحن المتابعين عن بعد إلا الظاهر ووكيل الوزارة لا يظهر.
وقد يكون وكيل الوزارة هو (الكل في الكل) في وزارته، وهو عنصر النجاح إذا كان ثمة نجاح، وقد يكون هو سبب الفشل (إذا كان ثمة نجاح أيضا)؛ لأن الفشل عندنا نسبي لا يعلن عنه، لكنه يعلن عن نفسه عندما يكون ثمة نجاح سابق، وقد يكون هو صاحب الصلاحيات ومتخذ القرارات وحمال الأسية، وقد يكون هو المأكول المجحود، وهو أيضا ليس مأكولا مذموما لأنه لا يظهر حتى يذم أو يمتدح.
دققوا معي، وستجدون أن هناك وكلاء وزارات هم الأطول بقاء وقلما يتغيرون وقد تتغير صلاحياتهم أو تلغى، نحن لا نعلم لأننا أصلا لا نعلم عنهم شيئا إلا إذا تم تكثيرهم وتعددهم أو إزدواج مهامهم.
أعود للحالة النفسية، مؤكدا أن أغلب من عايشت أو استمعت لهم من وكلاء الوزارات تلمس فيهم نبرة حزن وأسى، ربما لأنه يشعر بأن ثمة جهودا سابقة عايشها وعايش جهدها ويراها تتهدم بغير اكتراث، أو لأنه فعلا هو المأكول المجحود، أو لأنه يرى أنه هو الجواد الذي يركض والشكر لغيره.

وقفات أسبوع الفتاوى

** عندما يختار صاحب الفتوى تفجيرها إعلاميا وفي وقت يشهد فيه الإعلام خمولا وعطشا لما يحرك ساكنه، عندما يختار لها أن تصدر بعد انتهاء الموسم الكروي في البلاد وأن تنشر بعد انتهاء المباراة الختامية لكأس أوروبا وهو آخر أهم الأحداث الكروية عالميا ويحرص أن تكون قبل «سنترة» كأس العالم في جنوب أفريقيا أي في وقت تشهد فيه الساحة عطشا شديدا للإثارة، وعندما تكون الفتوى في شأن شاذ لا يهم الناس ولم يسألوا عنه ولم يفكروا فيه ولن يطبقوا الفتوى إلا في التندر فاعلم أن صاحب الفتوى أراد أن يصور معها.
** هدية متواضعة أقدمها لنظام ساهر وللقائمين عليه أضيفها للهدية السابقة في وقفات الأسبوع المنصرم وتمثل تساؤلا بريئا أحب من خلاله أن أربط بين النظام وأدوات تطبيقه فمثلا لا يمكن أن تركب «كاميرات» عالية الدقة منتشرة في كل مكان لكي تلتقط رقم لوحة المخالف وأنت ليس لديك الانتشار الواسع والمراقبة الشديدة التي تمكنك من إيقاف كل سيارة تسير دون لوحة أصلا هذا التساؤل يرد على خاطري كلما شاهدت في طريقي إلى العمل وتحديدا في طريق الشيخ جابر في الرياض مركبات تسير بدون لوحة فمهما بلغ حجم عيون كاميرات ساهر وعددها وانتشارها فإنها لن تسجل رقما غير موجود، أما الهدية الثانية التي ستغضب الشباب مني فهي أنني لاحظت سيارات نظيفة جدا لوحاتها يعلوها الطين أو التراب الكثيف أخشى أن يكون تمويها ذكيا لم يتنبه له المرور.
** كثيرا ما كررت وزارة التربية والتعليم المفاخرة بأن مدير المدرسة الأهلية تابع لوزارة التربية والتعليم ولا علاقة له بمالك المدرسة أو ملكيتها، أي أنه في حكم الرقيب الممثل للوزارة، إذا كان الأمر كذلك فما هو تفسير أن يصدر مدير مدرسة ثانوية أهلية خطابا شديد اللهجة لأولياء الأمور يهددهم فيه بأن تأخر التسديد سيؤدي إلى حرمان ابنهم من منحه تقرير النتائج وعدم استمراره في المدرسة، وما هو السر في صمت مديري المدارس الأهلية الابتدائية على مخالفات بيع مواد ضارة في مقصف المدرسة. وهل الأول مدير أم محصل وهل الثاني رقيب أم (مغمض)؟! .
** في برنامج «واجه الصحافة» حول السعودة كان الدكتور عبد الرحمن الزامل الوحيد الذي يقول كلاما صريحا، مباشرا، مفيدا لا مجاملة فيه ولا تصنع وبصرف النظر عن كون الكلام يخرج من صاحب مصانع أو تاجر أو مسؤول سابق أو عضو شورى أرى أن نسجل الكلام ونصغي إليه ونحاكم ما جاء فيه بصرف النظر عن من قاله ولماذا يقوله وخلاف ذلك من محاكمة النوايا التي انتشرت مع تفشي المغالطين.

الهيئة تحتج على فتوى العبيكان

لا شك عندي أن فتوى الشيخ عبدالمحسن العبيكان بجواز إرضاع الكبير تتصدر قائمة الأحداث والأخبار العالمية وليس المحلية فقط، فقد تناقلتها وسائل الإعلام ووكالات الأنباء وأعترض عليها علماء الشرع في الكويت وتعجب منها علماء الأزهر اللذين لم يمض على اعتراضهم على فتوى الدكتور عزت عطية رئيس قسم الحديث بكلية أصول الدين وعزله بسبب فتواه المشابهة سوى ثلاث سنوات، ولا بد أن الدنمارك اعتبرتها تهديداً لناتج قومي هو حليب الأبقار الدنماركية قد يصل حد إغراق السوق بحليب طبيعي له خاصية نادرة وهي كونه جواز سفر بروتيني أبيض يسمح لشاربه ب(الميانه) على البيت والإنضمام إلى الأسرة كأخ للبنات وابن للمرضعة وابن كفيل للشغالة.

 وقد أحسن الشيخ كعادته اختيار توقيت إصدار فتواه حيث جاءت بعد انتهاء الموسم الكروي في البلاد وجاء نشرها بعد المباراة الختامية لكأس أوروبا وهي أخر أهم الأحداث الرياضية عالمياً، وقبل “سنترة” كأس العالم في جنوب أفريقيا، أي في وقت تشهد فيه الساحة الإعلامية عطشاً شديداً للإثارة لا يرويه إلا خمس رضعات مشبعات لسائق لابد أن يدخل البيت ويتردد عليه وليس لديه منزل أخر وهذه من شروط النسخة الأولى من الفتوى لأن كل سائق ليس له إلا كفيل واحد والأن اصبح له بفضل الفتوى أكثر من ثدي لهجه الجنين مع أن شعراء نجد كانوا يتغنون بثدي لم يلهجه الجنين لكن أي رجل مغترب لن يمانع بثدي مستعمل استعمال حشمة ومن يدري فقد نشهد فتوى جديدة أكثر (إثارة) برضاعة ثدي لم يلهجه الجنين.

 توقيت الفتوى كان مناسباً جداً إعلامياً لخلو الساحة الإعلامية من الإثارة، لكنه لم يكن مناسباً البتة لمكاتب الاستقدام فكل من طلب سائقاً لا بد أنه طلب تأجيل حضوره تسعة أشهر هي المدة اللازمة لتضع الزوجة حملها وتصبح قادرة على إرضاع السائق ليتمكن من التجول في المنزل.

 أما بالنسبة للبوابة الإلكترونية المعلوماتية الرائعة التي دشنت وزارة الداخلية السعودية الدخول إليها فقد تأخرت الفتوى قليلاً حيث أن البوابة تعرض كل المعلومات عن المكفولين بما فيها خانات لمعلومات أساسية عن السائق هل جدد الإقامة أم لا، وهل بصم أم لا ويفترض أن تحتوي على خانة هل رضع أم لا.

 ولا شك عندي أيضاً أن هيئة الغذاء والدواء سوف تعترض على طريقة تناول الحليب حيث أن أخر تحديث للفتوى أوضح أن الحليب يؤخذ في إناء وليس المقصود أن يرضع مباشرة (كلنا في الهوى سواويق) وبالرجوع إلى مكونات حليب الأم الطبيعي فإنه يحتوي على نسبة دهون تختلف من وقت إلى أخر ومن رضعة إلى أخرى وتتأثر بالزمن بين الرضعات، وبه نسبة سكر جلوكوز وأنزيمات هاضمة، لكنه لا يحتوي مواد حافظة تجعله طويل الأمد وبالتالي لا يجوز تعليبه أو وضعه في إناء بأي حال من الأحوال.

 اللهم أصلح الحال والأحوال واكفنا شر رضاعة الجهّال. 

نشر في إيلاف اليوم الخميس 27 مايو 2010م

http://www.elaph.com/Web/opinion/2010/5/564958.html

هذا يومهم

اليوم 26 مايو 2010 يقف العالم أجمع لافتا النظر إلى مرض عضال، لم نلتفت له نحن للأسف ولم نتوقف عنده أو نشير إليه.
المصابون بهذا المرض لدينا كثر، ومعاناتهم كبيرة، ويزيدها عدم فهمهم لهذا المرض وعدم توفر توعية ولو محدودة بطبيعته وأعراضه وكيفية حدوثه والتعرف عليه والأسباب المؤدية للإصابة به، وهل يمكن علاجه؟ وكيف؟ وكيف يتم التعامل مع نوباته الشديدة من قبل المريض وأهله ومن حوله، بل وكيف يتم التعامل مع الموظف المصاب به، وهو يتعرض لنوبات فجائية لا يسبقها في الغالب إنذار يتيح فرصة الاعتذار عن الحضور للعمل أو التواجد في اجتماع.
من أصعب الأشياء على المريض أن يصاب بمرض مجهول أو التوعية به معدومة تماما؛ لأن المريض في حاجة ماسة إلى من يشاركه الشكوى ويعيش معه المشكلة ويحس بحجم آلامه فيخففها عليه، وعندما يقع فريسة لألم لا يدرك حجمه إلا هو أو لا يقدر قوته إلا هو فإن الألم يكون مضاعفا؛ لهذا، ولأن الإنسان بطبيعته يوجد لنفسه الحلول إذا لم يجد من يقوم بواجبه نحوه، فقد عمد المرضى المصابون بهذا المرض إلى التكاتف مع بعضهم البعض وأن يشد كل منهم ظهر الآخر، بعد أن لم يجدوا من يشد به الظهر، التصقوا ببعضهم حيث لا نصيب إلا لمن يلتصق بآخر وأنشأوا منتدى خاصا بهم على الشبكة العنكبوتية، وتواصلوا مع بعضهم عبر كل وسائل الاتصال، وراح كل منهم يسند صاحبه ويتكاتفون معا لتوفير معلومة كان يفترض أن يوفرها إعلام التوعية لهم لو لم ينشغل بالتلميع.
إنهم ضحايا مرض التصلب العصبي المتعدد (MS).. هذا المرض، الذي وضع له العالم اليوم 26 مايو يوما خاصا به، لم يضعه «ربعنا» في تقويمهم، بينما ينتظر آلاف المرضى لعل وعسى أن يسمع بهم من به صمم.
مرضى التصلب العصبي المتعدد (Multiple Sclerosis) في المملكة أنشأوا منتدى مرض التصلب المتعدد على الموقع www.ms-saudi.org ، ووضعوا له شعارا معبرا (فأنت بالنفس لا بالجسم إنسان)، ليت البعض يتنازل عن متابعة تقارير حب الذات اليومية ويضغط زرا يحوله إليه، عله يدرك أن الأمراض متعددة والتصلب متعدد والاهتمام نادر.
ولمرضى التصلب العصبي المتعدد نقول: زادكم الله صبرا وأثابكم أجرا، وعليكم بالالتصاق ببعضكم البعض ومناجاة بعضكم البعض إلى أن يلتفت الباحثون في النت عن صور الالتصاق الحميمي المخلص، فيجدوكم صابرين محتسبين عاتبين.