الكاتب: محمد الأحيدب

لا تتبرعوا فيذهب أجركم

الموسر الذكي المخلص لا يتبرع للخدمات، أياً كانت، بمبالغ نقدية، بل يطلب قائمة بالأدوات أو الآلات أو الخدمات التي تنقص المؤسسة ويقوم بتأمينها أو التفاوض لشرائها والاتفاق مع المورد، ويترك للمؤسسة الخيرية أو الحكومية أمر الاستلام فقط، ليس هذا وحسب بل يرسل ممثلا عنه للإطلاع على التسليم بالأعداد والمواصفات نفسها التي دفع قيمتها.
هذا هو سلوك الموسر الذكي والمخلص، وهو ذكي لأنه لا يريد أن يعين على الفساد أو يستخدم كأداة للإفساد أو يستغفل، ولأنه يعرف أن المال السايب يعلم السرقة، وهو مخلص لأنه أراد لصدقته أن تذهب مباشرة إلى الخدمة الإنسانية دون أن يشوب ذلك شك أو تنفيع لغير الفقير المستحق أو العاجز المحتاج لكرسي أو المريض المحتاج لجهاز أو أي مكروب آخر أراد أن يفرج كربته.
هذه الدعوة إلى الحذر من التهاون في التبرعات للأعمال الخيرية لا علاقة لها بالتوجه الحالي لتقنين جمع التبرعات وجعله واضحا؛ منعا لإساءة استخدامه، فهي دعوة قديمة وأسلوب دارج لدى من يريد أن يتأكد من وصول صدقته أو تبرعه إلى المستحقين، ولا علاقة لتوقيت هذه الدعوة بشيوع الفساد في شؤون كثيرة وسعي هذا الوطن حثيثا إلى محاربته بكل السبل، وللتدليل على أن هذا التوجه ليس جديدا أذكر أنني منذ ما يزيد على 30 سنة أجريت تحقيقا صحافيا في صحيفة الجزيرة عن دار العجزة (دار الرعاية الاجتماعية حاليا) في الرياض، وكشف التحقيق عن عدم توفر أدوات ومواد أساسية في الدار؛ بدءا بأواني الأكل وأدواته وانتهاء بأسرّة المسنين وكراسيهم المتحركة، وبعد النشر اتصل بي أحد الموسرين وطلب قائمة بكل ما تحتاجه الدار ليقوم بتأمينها بنفسه وبأعلى المواصفات، لكن وكيل وزارة العمل والشؤون الاجتماعية (آنذاك) رفض التبرع؛ بحجة أن أي مشتريات يجب أن تأتي من الدولة بناء على بنود الميزانية والدولة لا تحتاج لتبرعات، ولا شك أنها كانت نظرة بيروقراطية قاصرة كانت شائعة آنذاك وتغيرت، لكن المهم أن التوجه لحماية أموال التبرعات والصدقة من الفساد كانت موجودة منذ ذلك الحين.
في المقابل، لدي معلومات مؤكدة أن سيدة موسرة تعالج زوجها في أمريكا تبرعت لإحدى الأسر الفقيرة بإيجار شقة هذه الأسرة عن طريق كتابة شيك لجمعية خيرية، لكن الجمعية لا تدفع عن الأسرة إلا نصف الإيجار وتطالبها بدفع النصف الآخر مع أنها استلمت الشيك بالمبلغ الكامل فهذه السيدة لو دفعت المبلغ لمكتب العقار وتسلمت الإيصال وعقد الإيجار لكان خيرا لها وللأسرة الفقيرة.
بقي فئة أخرى من الموسرين ممن يتبرعون بمبالغ نقدية كبيرة بهدف كسب المودة والسمعة والرضى والوجاهة وهؤلاء هدفهم دنيوي وهم في النهاية أذكياء ولكن في شأن آخر.

العوازل البشرية واجترار الكفاءات

من يريد أن يعرف سبب اجترارنا للكفاءات رغم وفرتها، ومن يريد شرحا توضيحيا لعدم حصول الكوادر الوطنية المؤهلة علميا وذهنيا والمفعمة إخلاصا على فرصتها، بينما تدور الفرص على عدد محدود يتواجد في دائرة ضوئية ثابتة لا تتحرك، لا تتجول، لا تبحث، لا تستكشف، ومن يريد سببا لانطباق مثل (ما في هالبلد إلا هالولد) على شهادات التزكية لدينا، فإن كل ما عليهم هو أن يتخيلوا النظر إلى مجتمعنا الوظيفي من منظر جوي من طائرة تحلق على ارتفاع يسمح برؤية شاملة لكنها واضحة، مثلما يحدث عندما تقبل على منطقة وأنت على وشك الهبوط.
سترى أن مجتمعنا الوظيفي يتكون من دوائر منتظمة الشكل، بعضها دوائر كبيرة جدا وواسعة والأخرى متوسطة القطر وأخرى صغيرة، لكنها جميعا تشترك في أنها دوائر، وفي مركز كل دائرة يقبع مسؤول على اختلاف حجمه يختلف قطر الدائرة، لكن هذا الشخص محاط بدائرة بشرية من المقربين ممن اكتسبوا الثقة ولا يريدون التفريط فيها؛ لذا فهذه الكتلة البشرية المحيطة به لا تسمح لأي مستجد، مهما بلغ من الكفاءة والإمكانات والقدرات والذكاء والإبداع والإخلاص والوطنية أن يقترب من ذلك المسؤول القابع في مركز الدائرة، لا عبورا فعليا ولا حتى عبورا بالذكر أو السمعة أو الترشيح أو الثناء والاقتراح.
لا تكاد دائرة أو وزارة أو مؤسسة أو أي مستوى من مستويات المسؤولية يسلم من تواجد هذه التكتلات البشرية المحيطة بالمسؤول، والتي تشكل عوازل شديدة تمنع وصول حرارة الكفاءات ودفئها، لكن طبيعة العوازل البشرية عجيبة وإعجازية مثل خلق الإنسان نفسه ــ جلت قدرة خالقه ــ بكل ما فيه من خصائص وطباع وقدرات خارقة، فكل أنواع العوازل الطبيعية سواء المعدنية أو الخشبية أو الفلينية لها خاصية واحدة، إما أن تعزل الشيء أو لا تعزله، أما الكتل البشرية فلديها خصائص وقدرات فائقة في الانتقاء بالغ الدقة، فهي تمنع التوصيل تماما عمن تشاء وتمنح توصيلا قويا لمن تشاء، كما أنها متعددة الاتجاهات، فهي قد تمنع وصول المعلومة عن كفاءة وطنية إلى المسؤول، بينما تنقل معلومات خاطئة عن المسؤول لتنفير المتقدمين منه ومن طباعه وحدته وتصرفاته.
لذا، فإن من الحكمة والعدل أن يخرج المسؤول من دائرة الشلة المغلقة وينفتح على الجميع دون عوازل، ويكتشف الكفاءات بنفسه ويشرح نفسه للناس، فليس أسوأ من أن تسمع عن الكل من قلة حولك ويسمع الكل عنك من آخرين.

بعد أن لا ينفع الندم

لو تعاملنا من منطلق ديني بتأدية الأمانة، ثم منطلق وطني بحفظ المال العام والتوفير على الوطن اقتصاديا، ومنطلق إنساني بحماية الناس على أساس أن الوقاية خير من العلاج، فسوف نجد لزاما على كثير من الوزارات والمؤسسات الحكومية والأهلية والخاصة أن تغير من سياساتها وأساليبها في التعامل مع أخطائها وسلبياتها، التي تكلف الوطن والمواطن أعباء كبيرة على المدى القصير والطويل، تفوق بكثير ما يتصوره من يتعامل مع قصور وزارته بشكل آني وأناني بتحجيم المشكلة والتقليل من شأنها أو نفيها بالكلية؛ لتتراكم بشكل يكلف الوطن والمواطن أرقاما فلكية ماديا ومعنويا وصحيا واجتماعيا.
بعض المسؤولين يروق له أن يستشهد بما يتعلق بتقصير المواطن، وينسبه إلى تكلفة مادية أو نفسية أو اجتماعية أو صحية، مثل الاستشهاد بالآثار الاقتصادية والاجتماعية لحوادث السيارات التي سببها عدم وعي السائق، أو التفحيط الذي سببه سوء التربية وإهمال المراهقين، وهذا كله استشهاد صحيح لا غبار عليه، ولكن طالما أن الفكرة موجودة ولم تغب عن ذهن وعقلية المسؤول فلماذا لا يطبقها على مسؤولياته هو وتقصيره نحوها، فمثلا تلوث مياه الشرب في أحياء من شمالي الرياض ببكتيريا القولون المعروفة بمهاجمتها للجهاز البولي، مؤدية إلى التهابات وتسمم قد يصل إلى الفشل الكلوي.. هذا الخطأ الفادح ستترتب عليه مشاكل صحية تكلفة علاجها عالية جدا، وإذا لم تعالج ــ وهذا وارد وواقعي ــ فإنها حتما ستؤدي إلى خسائر نفسية واجتماعية ومعنوية كان يمكن تلافيها. نفس الشيء يقال عن عجز وزارة التربية والتعليم عن متابعة منع المواد الضارة التي تسمى خطأ أغذية وهي سموم، مثل المواد الملونة والمحتوية على صبغات مسرطنة ومواد حافظة ضارة والبطاطس الصناعية «شبس» والفشفاش، والتي رغم منعها لا تزال تباع في مقاصف المدارس الأهلية والحكومية عيانا بيانا دون رادع، مع أنها تكلفنا ارتفاعا غير مبرر في أمراض الأطفال من السمنة المفرطة إلى السرطان، ألا يمكن للوزارة أن تسهم في منع هذا لو اجتهدت قليلا في رقابتها؟!. الرقابة على ملوثات البيئة من مصانع مجاورة لمساكن ومناطق تجمعات بشرية، والنفايات الطبية، وبحيرات الصرف، والمستنقعات، وأماكن توالد البعوض، والتساهل في دخول المواشي الموبوءة بالمتصدع أو الحمى القلاعية.. كلها جوانب إهمال لا يعلن إلا ما يقبض عليه منها، أما ما يدخل.. فالله وحده يعلم نسبته. التغاضي عن منع مشروبات ضارة بالصحة، مثل مشروبات ما يسمى مشروب القوة والطاقة وخلافها، والتي أجمعت كل لجان الدراسة على ضررها ولا تزال تباع وتنتشر الدعاية لها في كل مكان، أيضا إهمال مسببات الأمراض الفيروسية، مثل التهاب الكبد والإيدز.. كل ذلك يكلفنا خسائر فادحة في الأرواح والأموال. مشكلتنا أننا كنا نعالج النتائج الصحية لأشياء ضارة يمكن تلافيها بدرهم وقاية رقابية، وأصبحنا لا نعالج ولا نقي، وهذا نتائجه ستظهر بعد أن لا ينفع الندم.

كلنا العقيد السبيعي

ليس أصعب على كل مخلص بذل جهدا لوطنه من أن يرى نتائج هذا الجهد ومحصلته وقد ذهبت أدراج الرياح، وليس أكثر إحباطا على أي رجل أمن في العالم من أن يبذل روحه أو يعرضها للخطر ويستجمع كامل قواه العقلية والبدنية للقبض على مجرم أو مخالف حماية لوطنه ثم يراه حرا طليقا لم تطبق عليه العقوبة المستحقة بل ويسخر ممن قبض عليه أو يهدده بالانتقام.
منذ أن كنا صغارا ترعرعنا على احترام رجل الأمن وربانا أبوانا على الاقتناع التام بأن له هيبة عظمى ليس لأنه يلبس لباسا مختلفا ولا لأنه يحمل سلاحا ولكن لأن هيبته في المجتمع هي السلاح الأهم لحمايتنا، وعندما كبرنا أذكر أننا كنا نردد أن من يخلع (زرا) من بدلة عسكري يقبع في السجن ستة أشهر، حتى أن أحد أصدقاء الحارة التحق بمدرسة عسكرية تدريبية وكان يردد علينا هذه العبارة ويحرص على ارتداء بدلة التدريب لكي لا يعتدي عليه أحد ولو بالمزاح وكنا نخشى أن نقترب منه خوفا من أن يسقط أحد (أزرار) بدلته ولو بسبب سوء تركيبه فنتعرض للعقوبة، بل إن أحدنا تشاجر مع شقيق الطالب العسكري وهو يرتدي معطفا (مدنيا) كنا نسميه (كوت) فشده وأسقط (زرارين) فلزم المنزل ثلاثة أيام خوفا من أن (زرار) شقيق العسكري له نفس الحرمة.
وسبق أن كتبت وتحدثت عبر قنوات تلفزيون وطني الإخبارية والرياضية مذكرا بأن التسفير ليس عقوبة بل مكافأة مجزية مشجعة على الجريمة.
حسنا، كل جزء من هذا المقال يبدو منفصلا أو غير ذي علاقة بسابقه وكأنه هذيان طريح الفراش من حمى لكنه في واقع الحال نتاج حمى حقيقية وارتفاع حرارة وغثيان أصابني وأنا أقرأ الخبر الذي نشرته صحيفة الجزيرة في صفحتها الأخيرة يوم أول أمس الخميس وملخصه أن مقيما تركيا قبض عليه ثلاث مرات وهو يمارس تجارة ممنوعة في الخردة وفي كل مرة يقبض عليه يتخذ بحقه قرار (تسفير) لكن القرار لا ينفذ رغم إساءته الأدب في التعامل مع رجال الشرطة، وفي المرة الثانية أيضا اتخذ بحقه قرار تسفير ولكن تم إطلاق سراحه (طالع صحيفة الجزيرة الخميس) وانتهى به التبجح في المرة الثالثة من ارتكاب نفس الجريمة أن اعتدى على العقيد خالد السبيعي قائد الحملة الأمنية بتمزيق قميصه ثم طعن نفسه ثلاث طعنات وجرح وجهه ليدعي أنه هو المعتدى عليه وهو ما دحضه الشهود، والآن هو يهدد العقيد السبيعي بأنه سيخرج من السجن ويؤدب العقيد في مقر عمله قائلا (بس اطلع من السجن راح أؤدبه).
الذي يستحق التأديب تأديبا لا يشمله العفو هو المتمادي في الاعتداء، فالعقيد السبيعي يمثلنا جميعا ويمثل كرامة المواطن.

وقفات أسبوع حقوقي

** الأستاذ الفاضل حمد القاضي كتب عن تنظيم ساهر بعنوان (تنظيم ساهر نبل الأهداف وتعجل بالتطبيق) في جداوله في صحيفة الجزيرة يوم الأحد 2 جمادى الآخرة 1431هـ، وهذه المقالة التفصيلية النقدية لواقع بداية التطبيق تعبر بصدق عن مشاعر الناس نحو (ساهر)؛ فالجميع يؤيدون التنظيم من حيث نبل أهدافه الرامية إلى التقليل من الحوادث، وفي الوقت نفسه يرون استعجالا في التطبيق لا بد أن يصاحبه ما يصاحب كل استعجال من أخطاء ربما تصل حد الظلم. وشخصيا أعتقد أن خارطة طريق أستاذ كبير مثل الأستاذ حمد القاضي الكاتب المنصف المتزن وعضو مجلس الشورى جديرة بالاسترشاد بها والتوقف كثيرا عند إشاراتها.
** ليت وزارة المياه والكهرباء تولي اهتماما بما تردد عن أخبار أكدتها وزارة الصحة من تلوث مياه شمالي الرياض ببكتيريا القولون، وهو ما يشير إلى احتمال تلوث مياه الشرب بالمجاري، يوازي ذلك الاهتمام الذي توليه بإعلانات الحث على المرشدات، فلو صدر من الوزارة أي خبر يعلق على هذا الموضوع، فإنه سينشر فورا ومجانا بينما صفحات الإعلان الكاملة عن المرشدات في كل الصحف مكلفة وما فائدة أن نرشد ماء ملوثا؟!.
** بعد أخبار تلوث مياه شمالي الرياض ببكتيريا القولون التي لا يمكن أن تتواجد في المياه إلا عندما تختلط بالمجاري، فإن سكان جنوبي الرياض الذين عانوا سنوات طويلة وما زالوا يعانون من روائح مياه المجاري التي تصب خلف مناطقهم، سيقولون لسكان شمالي الرياض كنا نظنكم أفضل حالا منا والآن اقتنعنا أنه ليس من شم كمن شرب!!.
** كل شيء عندنا عجيب حتى هيئة حقوق الإنسان، فهي ما زالت ترى الإنسان في الخادمة والسائق فقط، أما الكفيل نفسه فهو بالنسبة لها من كوكب آخر وليست معنية عن حقوقه، بدليل أنها تتحدث دائما عن الكفالة ونظام الكفيل، أما ما يعانيه رب العمل من اعتداء على حرمة منزل بسبب عاملة أو ضياع حقوقه بسبب رفض العمل وإلزامه بإعطاء كامل الحقوق وتحمل تكاليف التسفير، رغم عدم الوفاء بالعقد فإنه لا يعنيهم، حسنا لنقل أن هذا أمر يخص جهة أخرى -وكل اختصاصات الهيئة لها جهات أخرى- فلماذا تصمت هيئة حقوق الإنسان إزاء الحراج الذي يتم في مكاتب رعاية العاملات المنزليات وممارسات موظفي المكتب السمسرة في نقل كفالة عاملة مخالفة إلى مواطن آخر مسكين لا يعلم أنها ذات سوابق.

غضب الحليم

أتمنى أن نصبح على درجة كافية من الشعور بالمسؤولية وندرك حجم الخسارة الكبيرة التي يسببها ترك مشكلات المجتمع ومعاناته دون حل جذري، يشتمل على تحديد المسؤوليات وسن الأنظمة والتشريعات وتفعيلها وتشديد الرقابة على التطبيق وتغليظ العقوبة على المخالف.
يجب أن نمعن النظر في الأحداث والحوادث اليومية التي نصحو عليها كل صباح، وسنجد أن معظمها انعكاس لحالة من غياب الحلول السريعة لمشكلات الناس وتعاملاتهم بين بعضهم البعض، وبسبب غياب الحلول وجهة الحل والعقد في تراكمات كثيرة، أصبح الناس يلجأون إلى استخدام حلولهم الخاصة، وهذه خطيرة جدا ومكلفة وتتراوح بين اللجوء إلى الرشوة واللجوء للقتل مثلما حدث في المثال الذي تطرقت له في مقال الأمس (يا قاتل يا مقتول) حول الشاب الذي قتل مديره السابق في حي النسيم، وما هي إلا ليلة واحدة لتطالعنا «عكاظ» أيضا بصورة لمدير مدرسة مضرج بدمائه بعد أن ضربه عدد من الطلاب، وقبل هذا وذاك شاهدنا تقارير كثيرة مؤسفة لأناس تعرضوا للظلم والغبن وسردوا قصصا تنم عن استبداد بعض المسؤولين عن خدمة المواطنين ورعايتهم التي وفرتها الدولة وصرفت عليها مبالغ طائلة، لكنها وبفعل جشع البعض وأنانية الآخر وجهل ثالث وتقاعس رابع أجهضت وتحولت إلى نقمة وقهر للمستفيدين منها.
غني عن القول أيضا: إن غياب أو عدم التطبيق للأنظمة أفرز بيئة للمماطلة والتسويف وممارسة الوعود غير الحقيقية والتخدير واللعب بورقة الزمن ومدة التكليف، لتنتهي فترة تكليف الموظف ــ أيا كان مديرا أو وكيلا ــ وهو لم يحقق ما يعادل وزن ورقة الصحيفة التي صرح فيها أو وزن بضع وريقات أسماها خطة أو استراتيجية شاملة ومتكاملة أو غيرها من المسميات والتعابير، التي أصبحت تباع في دكاكين مؤسسات التلميع الإعلامي في شكل براويز وتصميمات وكروت تنافس في ألوانها وجمالها بطاقات التهاني بمولود جديد لم يولد أو زواج سعيد لم يتم.
بين غياب الحلول الواضحة لدى الإدارات وحضور الوعود الفاضحة، بين دفة التخلي عن المسؤولية وزفة التغني بالتصاريح الإعلامية يجري نهر هادر من الغضب المدرك لحقيقة الأمر يطفح منه على جانبي النهر ما نراه من أحداث يومية مؤسفة لكنها تبقى غيض من فيض يجدر بنا تداركه، وكل مسؤول في إدارته مسؤول أمام الله وأمام قائد قال: «لا عذر لكم» وقال: «لا عفو لكم» وهذا القائد حليم فاتقوا الله واتقوا غضب الحليم.

يا قاتل يا مقتول

حوادث كثيرة تلك التي تحدث من مرؤوس على رئيسه في العمل، تتراوح بين الضرب وتكسير السيارة والممتلكات وتصل غير مره إلى حد القتل، وأحدث أخبار قتل موظف لرئيسه في العمل هو ما حدث في حي النسيم في الرياض ونشرته «عكاظ» أمس.
أنا لن أكتب بعاطفة عن هذا الموضوع بشجب القاتل والمطالبة بحق الضحية، فالقتلة تتولاهم عدالة شريعة هذا البلد الأمين والضحايا رحلوا إلى دار القرار، والجريمة واضحة لا يمكن تبريرها أو تهوينها أو تضخيمها فليس شيء أعظم من قتل النفس بغير حق.
الذي يجب أن نثيره حول موضوع اعتداء المرؤوس على رئيسه السابق أو الحالي هو سن الأنظمة الشفافة التي تحيط بعلاقة الموظف بعمله وبرئيسه ونشرها وشرحها لكل موظف، والأهم من هذا وذاك التقيد بها وتطبيقها بحذافيرها وفرض الرقابة على التطبيق.
أرجو أن لا يطالب المديرون، وأنا واحد منهم، بعد هذه الحوادث بصرف (بدل خطر) لأن المشكلة ليست في خطورة الموظف ولا خطورة المسؤولية ولا في خطر يهدد كل رئيس ومدير، المشكلة يا سادة يا كرام في غياب الأنظمة التي تحكم هذه العلاقة وإن وجدت فثمة غياب لتطبيقها على أرض الواقع وتوضيحها للناس عن طريق هذا التطبيق حتى نصل إلى حالة واقعية واضحة لا يحق فيها للمدير أن يطبق ما يشاء متى شاء، ونترك للحاسب الآلي (الكومبيوتر) تطبيق النظام الشفاف وعندئذ دعهم يقتلون الكومبيوتر.
مشكلتنا يا سادة يا آمنين أن المدير والوكيل يتعامل مع مكان العمل وكأنه حوش في بيته أو بيت أبوه، والموظفين وكأنهم بشر (بلاش نغلط) في هذا الحوش مصيرهم مربوط بمزاج المدير أو الرئيس أو الوزير، والوظيفة بكل أنظمتها وقواعدها أداة بيده، هي سوط إن أرادها سوطا يروض ولا يكسر وعصا إن أرادها عصا تكسر العظم والخاطر يتكئ عليها في سلطته ويهش بها على غنمه وله فيها مآرب أخرى، وهي جزرة إن أرادها جزرة حلوة يضعها في فم من يشاء.
لسنا في حاجة لبدل خطر للمدير، نحن في حاجة لمنع خطر المدير على الناس وعلى نفسه بتحديد علاقة يكون فيها المدير تنفيذيا لنظام وليس نافذا متحديا للنظام، وعندها لن يتكون شعور لدى موظف أن المدير ظلمه ولن يحتاج إلى معاقبته لأن الأداة لا تعاقب، فإذا أصبح النظام فقط هو من يعين ويرقي ويكافئ ويعاقب ويفصل (وذلك على الجميع) فلن يظلم أحد ولن يغضب أحد إلا على نفسه.

معلم كسلان

يتذمر صاحبي من هشاشة المنتجات الحديثة مقارنة بالزمن القديم ويستشهد بالسيارات، فيقول: إن جسم السيارة (البودي) كان من الحديد الخالص القوي، فكان أمان الركاب أكثر بكثير إلا من التطاير لعدم ربط الحزام، أما اليوم فإن جسم السيارة كله من (الفيبرجلاس) لا يكاد يحدث أبسط احتكاك حتى تجدها تحطمت تماما، ثم يضيف أمثلة أخرى بالعدد والمفكات والزراديات التي لم تعد تصلح لأكثر من استعمال واحد فتندثر أو تنكسر، ويقارنها بعدة الميكانيكي سابقا، حيث كان الميكانيكي يموت وتبقى عدته يرثها الأبناء أبا عن جد أو تباع برأس مالها بسبب المتانة والقوة وجودة الصناعة، وهكذا يستطرد صاحبي مستشهدا بأمثلة أخرى لهشاشة المنتجات الحديثة من أثاث وورق وأخشاب ومسامير وخلافه فلم يعد ثمة وجود للأصلي.
قلت إن التأصيل والجودة اختفت في كثير من الأشياء في حياتنا أهم كثيرا من المنتجات الاستهلاكية وأصبحت شكوى عامة، فأنت تشتكي من ضعف جودة المنتجات، وغيرك يشتكي من ضعف أدائك في عملك، وآخر يقارن معلم اليوم بمعلم الأمس فيجد فارقا كبيرا في الإخلاص والجهد، ويقارن بين طبيب اليوم وطبيب الأمس فيجد بونا شاسعا في الالتزام بأخلاقيات المهنة والصدق مع المريض والتعامل الإنساني وتحولا إلى المتاجرة في الصحة، ويقارن مهندس اليوم بمهندس الأمس فيجد تهاونا وفسادا استشرى وأثر على جودة المشاريع وقوة البناء وعمر المبنى، وآخر يقارن كاتب اليوم بكاتب الأمس فيجد ضعفا شديدا في الثبات على المبادئ وعينا تستحي إذا أطعم الفم.
حتى طلاب العلم الشرعي يا صاحبي لم يسلموا من الهشاشة، فكثر من يفتي بعد قراءة ربع كتاب وهذا إذا قارنته بمن كف بصره من القراءة أو من مات منقطعا في البحث والدراسة ولم يصدر من أي منهما فتوى واحدة، خارج سرب العلماء لمست فرق الأمس عن اليوم.
ضعف الجودة يا صاحبي شامل لا يقتصر على العدد والمواد والأدوات بل حتى على العقول والمبادئ والذوات، وإذا كانت علة السيارة في (البودي) فإن علة البشر في المكينة، وفي ظني أن السبب واحد وهو ضعف الصناعة والإعداد والاستعجال في الإنتاج، ففي الزمن الجميل كان كل شيء يأخذ وقته حتى ينضج، سواء كان منتجا استهلاكيا صناعيا أو خريجا بشريا يشكل مشروع إنسان يحمل أمانة عرضت على السموات والأرض ولم يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان الظلوم الجهول، وما كان أقل في السابق هو ظلم الإنسان وجهله، وهو ما زاد حاليا فقلت معه الجودة، فأصبح لدينا معلم كسلان وطبيب مهان ومهندس (خربان).

اقتياد المرأة للسيارة

يصدم الملتقي إلى درجة الأسف والإحباط؛ حينما يرى أن الحوار يتحول إلى تعصب للرأي أو الهوى أو التيار إلى درجة المغالطة ولي عنق الحقيقة إلى حد الاستغفال، رغم أن المشاركين هم ممن يصنفون أنفسهم ضمن النخبة الواعية؛ إما حسب الشهادة أو التجربة الوظيفية أو المكانة الاجتماعية أو هم كذلك، مما حدا بالقنوات الفضائية استضافتهم لمناقشة قضية ما والتحاور حول جوانبها المتعددة سلبا وإيجابا بناء على حقائق وواقع وليس هوى واستغفالا.
خذ مثلا واضحا؛ موضوع قيادة المرأة للسيارة في السعودية، أولا من الجهل بتاريخ القضية أو التجاهل الأناني أن يقول قائل إن طرحها بدأ في عام 2005م، إذ إن الطرح بدأ من صحيفة الجزيرة في عهد رئاسة الأستاذ خالد المالك الأول؛ أي منذ ما يزيد على 30 سنة، وتحديدا في صفحة (عزيزتي الجزيرة) وكان حوارا جادا شاملا لكل الجوانب شارك فيه عدد كبير من المخلصين من فريقين؛ منهم من يؤيدون قيادة المرأة لأسباب أبدوها ولم ينكروا نقيضها أو يتجاهلوا صعوبتها وسلبياتها، وفريق لا يؤيدها لأسباب أبداها ولم ينكر ما يناقضها ونوقش الموضوع حتى قتل بحثا.
وعندما يأتي من يربط إثارة الموضوع بإثارته هو للموضوع ويتجاهل تاريخا مكتوبا، فليس من المستغرب أن يتجاهل جملة من الأساسيات منها أن المجتمع غير جاهز لخوض هذه التجربة.
من لي أعناق الحقائق أيضا أن يتم مقارنة المجتمع السعودي، الذي ولله الحمد، كون نفسه بنفسه ولم يدخله مستعمر، بمجتمعات دخلها المستعمر وبقي فيها زمنا طويلا أدخل خلاله قيادة المرأة للسيارة مبتدئا بالنساء من جنسيات المستعمر ووضع الأنظمة وجربها على هؤلاء النسوة كما هي في بلدانهم، وجس نبض المواطنين في خوض التجربة وبدأوا بها تدريجيا بالأكثر جرأة والأقل التزاما بقيود وعادات اجتماعية لم ينكرها المجتمع بأسره، بل إلى هذا الوقت ورغم سلامة التجربة لم يقتنع بها ويمارسها الجميع وما زال السائق موجودا ورؤية المرأة على المقود نادرا.
من المغالط أن تقارن مجتمعنا بمجتمعات عاشت أجيالا من الفتيات مارسن قيادة السيارة.
وهم أيضا تناسوا غياب الأدوات للتطبيق، يقارنوننا بدول أخرى ويتجاوزون حقيقة اختلاف تفعيل الأنظمة المرورية بيننا وبينهم بدليل أن من يفحط عندنا يربط الحزام هناك، حتى شركات إصلاح العطل على الطرق غير متوفرة لدينا ومتناثرة في مدن العالم وهي من الأدوات الغائبة.
الأهم أن رغبة الطرف المعني بالأمر وهي المرأة لم تدرس إحصائيا والذي تردد عن عدد من السيدات من مختلف الشرائح أنهن يردن ما هو أهم حقوقيا من القيادة وكأن البعض يريد أن يقتاد المرأة للسيارة.

لا تظلموا المالية

لم أندم على شيء كتبته قط، مثلما ندمت على مطالباتي منذ أكثر من 25 سنة بأن تستفيد كل مؤسسة حكومية من الإيرادات المالية لنشاطها، بدلا من أن تجتهد المؤسسة في نشاطات تحقق دخلا ماليا يذهب لوزارة المالية، فلا تستفيد منه الجهة التي اجتهدت في الحصول عليه، وبالتالي يقل حماسها للحصول على المزيد.
ندمت؛ لأنني وبعد أن تم تطبيق ما كنت وغيري نطالب به رأيت بأم عيني كيف أن إيرادات بعض المؤسسات يتم صرفها دون اكتراث ودون أولويات وبدون استفادة حقيقية، بل إنها أصبحت مثل المال السائب الذي يعلم السرقة؛ لأن الرقابة على الصرف وتحديد الاحتياجات لا بد أن يتما من جهة خارجية، وإلا فإن مثل هذه الإيرادات سيتم التعامل معها كمال سائب، ولعل أكثر الحالات شيوعا غير السرقة هو أن يستخدم المال في تلميع الأشخاص أو شخص المدير بعقود خيالية وغير مراقبة، ولا أنسى موقفا لأحد المتبرعين كان يقول: قدمت دعما ماليا هدفت منه إلى تحسين خدمة فئة تخدمها جهة حكومية، فقبل المدير العام رأسي لأجعلها لشأن آخر فيه بروز له شخصيا وليس في حاجة لدعم، لكنني أحرجت فقبلت بعد تقبيل الرأس.
إذا، فإن وزارة المالية لا تلام إذا تشددت في الصرف واعتماد المبالغ، فمن المؤكد أنها مرت بتجارب عديدة اعتمدت فيها مبالغ وصرفتها لمشاريع، لكنها وجدت أنها كانت كبيرة أو مبالغا فيها مقارنة بالمشروع بعد الإنجاز. وحقيقة، فإن ما حدث من نتائج ومشاهد لمشاريع صرف السيول ــ مثلا ــ هو شاهد لوزارة المالية وليس عليها، فثمة مشاريع كشفت السيول أنها مشاريع من قش، وهذا يدعو لمزيد من حذر وزارة المالية من اعتماد أرقام فلكية لمشاريع (فكاهية) في نتائجها.
الحل الوسط ــ في نظري، وأرجو أن لا أندم مرة أخرى ــ هو أن تمنح وزارة المالية صلاحية المساءلة عن ما تم صرفه بشكل تفصيلي لا يقتصر فقط على التأكد من البنود ومخصصاتها وتنقلاتها، ولكن عن تفاصيل تطابق ما تم صرفه مع ما تم إنجازه خطوة بخطوة وريالا بسلعة، وهذه تجربة موجودة على مستوى مصغر في منح الأبحاث المقدمة من مدينة الملك عبدالعزيز للعلوم والتقنية، حيث تتابع المدينة مراحل الصرف، وتطلب قوائم شراء الأجهزة والمواد وخلافه، ولكن تطبيق هذا الاقتراح يتطلب مزيدا من الوظائف الرقابية لوزارة المالية، ومزيدا من الدعم لهيكلتها التي بقيت كما هي، رغم أن الشق يكبر ويكبر عن رقعة الرقابة.