الزميلان العزيزان علي الشدي في «الاقتصادية» وخالد السليمان في «عكاظ» تناولا الأسبوع المنصرم موضوع حجب جائزة (سعفة القدوة الحسنة) والتي تمنح للأعلى في الشفافية والنزاهة، وتحدثا بأسلوبهما الراقي المعتاد الذي يقطر وطنية وغيرة عن أن حجب الجائزة يدلل على تدني الشفافية وهذا أمر لا شك فيه، وأجزم غير مجامل أن المقالين يجب الوقوف أمامهما طويلا واعتبارهما مرجعية للتأمل من وجهة نظر وطنية.
شخصيا، أعتقد أن صدمة السعفة مضاعفة، فعدم فوز أحد يعني انهزام الشفافية وهذا محبط، وتدني مستوى الشفافية لدى هيئة الاتصالات وتقنية المعلومات، وهي الفائز بالجائزة عند ولادتها، اشد إحباطا؛ لأن الهدف كما ذكر الزميل خالد السليمان ليس مجرد جائزة سبق تزين الدولاب.
حامل اللقب (هيئة الاتصالات) لا أقول سجلت تراجعا لأنني غير جازم بأنها تقدمت إلى الأمام أصلا، ولكن المؤكد أنها ضربت خلال هذا العام أمثلة غريبة في المواقف غير الواضحة، خاصة فيما يتعلق بموقفها من تجاوزات مقدمي الخدمة أو حقوق المشتركين، ولا أرى داعيا لإعادة ما كتب حول هذا الموضوع.
يقول الأستاذ علي الشدي: دخل مصطلح الشفافية إلى البلاد العربية منذ سنوات قليلة.. ولذا لم أجد في قواميس اللغة العربية تعريفا له غير ما يتعلق بالملابس والثياب الشفافة (أ.هـ).
قلت: حتى في الملابس الشفافة فإن الشفافية نسبية بل مخادعة أحيانا، ففي ضوء الشمس فإن القماش يسمح بالرؤية لكنه يغير الألوان، فيجعل البشرة السمراء تميل للحمرة والبيضاء برونزية والبثور مخفية.
معنى الشفافية في لهجتنا العامية يختلف عن المفهوم، فهي تعني أن ترى ما خلف الحاجز، لكنها لا تضمن لك أن تراه بألوانه الواقعية!!.
نحن نقول عن الزجاج إنه شفاف عندما يسمح لنا برؤية ما خلفه، لكننا لا نحدد ما إذا كان يسمح برؤية ما خلفه بنفس ألوانه، بدليل أننا نقول: زجاج شفاف وهو يريك ما خلفه باللون السماوي حتى وإن لم يكن سماوي النقاء، فنحن نقول إن الزجاج شفاف لمجرد أنه يطلعنا على عدد من خلفه من (الأزوال)، عددهم فقط لكننا لا نستطيع الجزم بأنهم أزوال سودانيون أم أزوال سويسريون!!.
الحالة الوحيدة التي نمارس فيها دقة بالغة في تعريف الشفافية تتمثل في تظليل السيارات، حيث يشترط أن لا تقل الشفافية عن 35 في المائة، وبالمناسبة هذه هي الحالة الوحيدة التي يمنع فيها التعتيم الكامل.
علينا نحن العرب أن لا نحزن، فحتى أمريكا والدول الأوروبية مترددة جدا في شأن إخضاع جميع ركاب الطائرات لجهاز فحص كامل الجسم بالمسح الضوئي، الذي يخترق ويتفحص كل أجزاء الجسم بشفافية عالية ويبدي كل مستور، فهي تستثني حاليا غير العرب، ومن يدري فلعل سبب التردد ليس قصورا في تطبيق الشفافية، ولكن الخوف من مواجهة حرج كبير عندما تكشف شفافية الجهاز تفوقا عربيا في المستور!!.
الكاتب: محمد الأحيدب
مات الطفل فهل تحيا الضمائر؟!
توفي الطفل محمد حمد الحكمي وهو في ربيعه السابع نسأل الله أن يلهم والديه وأقاربه الصبر والثبات، الطفل البريء مات لكنه وجه رسالة يفترض أن تحيي مئات الأطفال من بعده إذا وجدت ضمائر حية.
العبرة من وفاة محمد أن من يتاجرون بتسلية الأطفال رغم ما يحققونه من أرباح يتبعون أرخص التكاليف وأجهل العمالة وهذا يعني تدني إجراءات السلامة والمتابعة، وأعلى درجات الخطر على أطفالنا، وللأسف فإن الجهات التي ترخص لملاهي الأطفال وتراقبها لا تقل جهلا وتهاونا فموضوع أخذ الحيطة من أي احتمال غير موجود، كما أن غرامة المخالفات توحي بتدني قيمة الإنسان ( تتراوح بين 500ريال و30 ألف ريال) علما أن أية مخالفة قد تؤدي للوفاة.
نعم ما حدث قضاء وقدر وما كان لذلك الطفل أن يعيش أكثر مما كتب له لكن الضمير يمكن له أن يعيش أكثر وأكثر لو وجد من يحرص على إحيائه، واتخاذ أقصى درجات الحيطة يتطلب أن تفترض أن الطفل الذي سيركب ذلك القطار أو غيره ربما يقف أو يقفز أو يدخل منطقة محظورة، لذا فإنه لا بد من حمايته من نفسه بتثبيته بأداة لا يمكنه إزالتها إلا بعد توقف الحركة وانتهاء اللعبة بأمان وهذا مطبق في دول أقل منا إمكانات لكنهم أكثر حرصا.
إن إزهاق الروح ليس بالأمر الذي يمكن تركه للصدف، أو الاحتمالات لأنه يعني (إلى جانب إزهاق نفس لا تقدر بثمن) تحطيم أسرة كاملة وبالتالي ومع تكرار هذا الإهمال فإننا سننتهي إلى مجتمع مريض محبط، فنحن هنا لا نتحدث عن حالة نادرة بل عن إهمال في ملاهي أطفال يرتادها المئات ويجب أن يعاد النظر في متطلباتها، بحيث يصبح لكل لعبة أكثر من مراقب وأكثر من منقذ يتواجدون في نفس الوقت، وجميعهم يعلمون أن مسؤوليتهم كبيرة ومشتركة وعقوباتهم ومن يشغلهم مغلظة، ولا يمارسون هذا العمل إلا بترخيص قائم على تدريب واختبار قدرات، ومن يظن أن في هذه المتطلبات مبالغة فكل ما عليه زيارة ماليزيا والاطلاع عن كثب على درجة الحماية في ملاعب الأطفال التي لا تدع فرصة حتى للأب والأم في التدخل ولو على مسؤوليتهم الخاصة.
إننا نتهاون كثيرا في ترك الحبل على الغارب لمن أراد أن يتاجر في تسلية أطفالنا وهو إنما يتاجر بأرواحهم ولابد لهذا التهاون أن يتوقف.
الأمر الآخر هو مسؤولية مرافق الطلاب من المدرسة، فأين كان عندما حدث الإهمال؟! وهل مسؤوليته تنحصر في إركاب الأطفال في الحافلة وإنزالهم؟! ولماذا لم يتأكد من توفير سبل السلامة لهم؟! فإذا كان الترفيه عن الطلاب يتم دون ضمان سلامتهم فخير لنا أن لا يتم الترفيه عنهم، وواقع الحال أننا نحن الآباء نعاني قلقا شديدا قبل هذه الحادثة وبعدها عندما يأتي أحد أبنائنا يحمل ورقة للموافقة على رحلة ترفيهية سواء من مدرسة خاصة أو حكومية لأننا ندرك أن درجة الاحتياط تحت الصفر.
وقفات أسبوع
** بكل أسف أصبح الحديث عن تصريف مياه الأمطار في مدن المملكة مصاحبا لكل نشرة جوية للقنوات الفضائية، فها هي قناة العربية أمس تستهل نشرتها الجوية لأحوال الطقس والأمطار على حائل والمدينة المنورة بشكوى الناس من سوء تصريف السيول وخوفهم من ذلك، في حين نقلت القناة عن صحيفة «عكاظ» تطمينات أمانة منطقة حائل بأنها تراقب الموضوع وتعمل على تصريف تجمعات السيول بالشفط وغيره.
المهم في الأمر أن خبر الخوف من الغرق وحقيقة سوء تصريف السيول أصبح خبر الأحوال الجوية والشغل الشاغل لنشرات الأخبار، فمشاريع تصريف مياه السيول رغم المطالبة بها منذ عشرات السنين لا تزال تشوه سمعتنا إلى جانب الموضوع الأهم وهو أنها تسلب الناس أرواحهم وأحبابهم، فهل نركز عليها تنفيذا ورقابة؟!.
** يا جماعة، ما هي قصتنا بالضبط؟! كلما افتضح أمر شخص يمارس عنفا أو تحرشا جنسيا أو خطأ مهنيا فادحا جاءت عبارة أن الجاني لا يتبع للجهة، إنما هو دخيل عليها وكأن هذا العذر ليس أقبح من الذنب نفسه، فالمسؤولية الكبرى تكمن في السماح لدخيل على المهنة أو مكان العمل بالدخول إليه.
يا جماعة، أيهما أخطر وأدهى وأمر أن يضرب المعلم طالبا، أم أن يتضح أنه ليس معلما ولكن بائع عصير؟!.
** هيئة الاتصالات السعودية ــ بتجاهلها لتجاوزات ومخالفات مقدمي الخدمة نحو المستهلك بكل صورها غير المقبولة حقوقيا ــ تذكرني بمواقف مكافحة الغش التجاري، فالأولى جندت تدخلاتها لحماية مقدمي الخدمة من بعضهم البعض، والثانية جندت كل قواها لحماية تجار العلامات التجارية، أما المشترك والمستهلك فإن حقوقهما لا تعني الأولى ولا الثانية.
** لو كان لي من الأمر شيء لما منحت تصريحا لأي ملاهي أطفال، سواء في أسواق تجارية أو غيرها، إلا بعد التثبت من وجود (عدد 2) مراقب مؤهل لكل لعبة في كل الأوقات، وليس مجرد عامل لم يشاهد مثل هذه الألعاب في حياته (إنها قيمة حياة طفل).
أين عضلات هيئة الاتصالات؟!
الحد الاتماني حق من حقوق المشترك في خدمة الاتصالات، يحدده بنفسه لنفسه أو لابنه أو لزوجته أو لسائقه أو أي شخص يتيح له المشترك استخدام الهاتف (جوال أو ثابت) في حدود مبلغ معين يحدده حسب ميزانيته وقدراته المالية وتخطيطه ورغبته في عدم الهدر في استخدام الخدمة.
لا أحد، كائنا من كان، يملك الحق في حرمان الإنسان من تحديد ميزانية مصاريفه أو التخطيط لحياته الخاصة أو تحديد رغباته الخاصة به نيابة عنه طالما أنها لا تتعارض مع الشرع وليس فيها ضرر للآخرين.
ما يحدث الآن هو أن عددا كبيرا من المشتركين في خدمة الهاتف الجوال تصلهم فواتير بمبالغ هي أضعاف مضاعفة للحد الاتماني الذي حدده العميل، ويتم بعد وصولها أو الإشعار بها عبر رسالة نصية حرمان العميل من الخدمة ومطالبته بالتسديد، وإذا اعترض على ترك الجوال (الذي هو باسمه ويستخدمه ابنه أو ابنته أو زوجته أو حتى هو شخصيا) يتجاور الحد الاتماني الذي حدده، فإن كل ما يحصل عليه نتيجة الاعتراض هو رقم اعتراض، مع استمرار إيقاف الخدمة وإجباره على التسديد وإذا لم يسدد فإنه يدخل تلقائيا في القائمة السوداء لكل مقدمي خدمة الجوال في المملكة، ويتم إيقاف كل هواتفه الثابتة والمتنقلة!!.
أي أن المشترك (مواطن أو مقيم) يفرض عليه الحصار ويعزل تماما عن من حوله وتتعطل كل إجراءاته التي يستخدم فيها الهاتف الثابت والجوال ومنها بطبيعة الحال الاتصال عبر (الإنترنت) لمجرد أنه رغب في تحديد طريقة صرف ميزانيته ومد لحافه على قد رجليه!!.
لاحظوا أنني أركز على التساؤل عن أمر تحديد الرغبة لكي لا أدع فرصة لمراوغة هيئة الاتصالات ومحاولة الهروب للاحتمالات والافتراضات التي منها ما يتعلق بالمشترك، لذا فإنني لم أتطرق لاحتمال أن المبلغ نفسه غير صحيح أو أن المبالغ جاءت نتيجة خطأ في حاسوب (الفوترة) للشركة مقدمة الخدمة، وهو الأمر الذي شاع من مصادر داخل الشركة في تفسير تردد كشائعة قوية عن سبب (مكرمة) الشهر المجاني.
أنا أحاول جاهدا (التحجير) لهيئة الاتصالات، لذا فإن سؤالي محدد في سبب عدم تدخل هيئة الاتصالات في موضوع عدم التزام مقدم الخدمة برغبة المشترك في أن لا تتجاوز فواتيره حدا معينا حدده لابنه أو نفسه؟ وأين عضلات الهيئة التي فردتها في منع مجانية التجوال الدولي وأصبحت تبرره بالهمس لكل كاتب على حدة؟!
أين عضلات هيئة الاتصالات؟
مساكين تجار الحديد «يحسبونه كراث»
نشرت صحيفة عكاظ أول أمس خبرا بارزا في الصفحة الأولى وفي صفحة 18 تحت عنوان (أخفوه في مزارع للموزعين خارج نطاق العمران لتعطيش السوق.. إحالة المتلاعبين بأسعار الحديد إلى التحقيق). وتضمن الخبر تهديدات قوية من وزارة التجارة والصناعة لتجار الحديد، سواء الذين يبيعون الحديد بأسعار عالية مخالفة، أو أولئك الذين يخفونه في مزارعهم بعيدا عن أعين رقابة الوزارة وشركة سابك وأعين المستهلكين!.
أما أعين المستهلكين فموجودة وواسعة ومنبهرة ودامعة، هذا أمر لا شك فيه، فعين المستهلك هي العين الوحيدة (المفتحة) في كل العيون، أما (عيون) الرقابة فتذكرني (بعيون) القطط الملصقة في الأسفلت تدوسها الكفرات والأقدام وهي تبصرك الطريق وهي لا تبصر، وتستمد ضوءها من ضوء سيارتك، وإذا جاوزتها السيارة اختفى انعكاس الضوء منها في انتظار ضوء آخر مقبل.
أية رقابة، وأية عقوبات، وأي ردع نتحدث عنه؟، وكأن هذه سابقة جديدة، وكأن الحديد لم يرتفع من قبل، ولم يتم التلاعب في كمياته وبيعها بالأسعار التي يريدها التاجر حتى نفاد الكميات المخبأة في المستودعات.
السؤال التاريخي يا وزارة التجارة هو: لو أن تلك التهديدات المكررة من رقابة وعقوبات وتحقيق وخلافه من العبارات الرنانة المخيفة طبقت في السابق، ثم أضيف إليها حرمان الموزع أو التاجر من حصته وإيقافه عن البيع سنة كاملة، هل كان سيجرؤ على ممارسة ذات المخالفة وافتعال ذات الأزمة؟.
أنا أقترح على وزارة التجارة والصناعة وسابك، اتباع أسلوب جديد مختلف يتناسب مع واقع ضعف الرقابة وسطحية العقوبة وعدم جديتها، أقترح عليهم أن يتبعوا الأسلوب التربوي الحديث (سلاح العاجز)، وهو أن (يتظاهروا) أنهم مع التاجر -وحاشا أن يكونوا معه- ولكن نقول (مثلا فقط) يتظاهرون أنهم مع التاجر والموزع ويقولون إن تجار الحديد لم يقصدوا تخبئة حزم الحديد في مزارعهم فقد غم عليهم، والعتب على النظر، فاعتقدوا أن حزمة الحديد هي (صرة) كراث أو صرة علف أو بصل أسود، وأخذوه للمزارع ليلا لتدني مستوى الرؤية بسبب الغبار (كل شي عندنا من الغبار)، وسوف يعيدونه إذا أشرقت شمس الصباح وانقشع الغبار، وبهذا الأسلوب التربوي الحديث اللطيف سوف (يستحي) التجار ويخرجون كل (صرة) حديد من المزارع، ويبيعونها في سوق الخضرة بسعر الكراث يعني (الصرة) بريال والثلاث بريالين، بس أهم شي قولوا لهم لا يغطون الحديد (بخيشه) ويرشونه بماء مثل الكراث والجرجير، لأن الحديد يصدي مثل العقوبات والغرامات والرقابة بدون نفس.
حتى لا يحترق قطار الوزارة
امتدادا لموضوع الأمس (التمييز الوظيفي والوزراء الجدد) والذي تطرقت من خلاله إلى أن (نكبة) الوزارات والمؤسسات لا تكون من تدني الأجور الشامل للجميع مثلما تأتي من تفاوت الأجور والمميزات؛ لأن الإنسان يؤمن أن الموت مع الجماعة رحمة، لكنه يرفض أن يكون أقل من غيره دون سبب، ولذلك فإن زيادة الاستقالات في المؤسسة لا تكون بسبب تدني أجورها إذا ما قورنت بنسبة زيادة الاستقالات عندما تتفاوت الأجور ويتفاوت التقدير.
أعود لأحد أسباب حدوث مثل هذه الهزات الإدارية لبعض الوزارات والمؤسسات العامة وحتى الخاصة وهو القصور في القدرة على القيادة الإدارية والافتقاد لروح القيادة، وهي بالمناسبة قدرات وخواص وملكة وموهبة يهبها الله لمن يشاء مع ضرورة حصوله على التأهيل الإداري المتخصص والذي يأتي بالدراسة والتخصص العميق في علم كبير وتخصص قائم بذاته هو تخصص الإدارة.
وموضوع إيكال الإدارة للمختص في الإدارة، وإعطاء خبز الإدارة لخبازيها المتخصصين فيها مطالبة قديمة ودائمة ومستمرة لا يخلو حوار ولا قاعة نقاش ولا برنامج حوار تلفزيوني أو إذاعي أو مقال صحفي إلا وتطرق إليها وطالب بها، وقد طبقت هذا المفهوم العلمي القائم على التخصص دول ونجحت بسرعة مثل اليابان وماليزيا والولايات المتحدة الأمريكية وغيرها، ولم تستكمله دول أخرى لأنها لم تنعتق من الخلط بين التخصص في علم أو فن والقدرة على (إدارة) كل من يعمل في مجال يتعلق بهذا العلم أو الفن فيكون المهندس مديرا إداريا لكل ما له علاقة بالهندسة، والزراعي مديرا لكل من يعملون في شأن الزراعي، والطبيب مديرا لكل من لهم علاقة بالصحة وهكذا يتم الخلط بين كبير المهندسين ومديرهم والمدير الطبي والمدير الإداري، وعلى العموم فإن الأمر يتوجه إلى مزيد من التفهم حتى في الدول النامية.
الأهم ريثما يتم تطبيق المفاهيم الصحيحة هو أن يتنبه من يتولون الإدارة من الفنيين إلى خطورة التحيز إلى التخصص الفني أثناء ممارسة القيادة الإدارية، وهذه وربي أحد أهم سلبيات إيكال الإدارة إلى فني متعصب لمهنته؛ لأن الوزارة أو المؤسسة لا تسير على عجلة واحدة هي عجلة زملائك الفنيين، بل هي قطار طويل وسريع يسير على مئات العجلات التي تديرها آلاف التروس والمولدات والآلات ووقوده العدل بين كل هؤلاء وتوقف عجلة واحدة من عجلاته نتيجة عدم العدل في تشجيع و(تشحيم) كل عدة القطار سيؤدي إلى توقفها وتفحمها ثم احتراق قطار الوزارة أو خروجه عن السكة.
التمييز الوظيفي والوزراء الجدد
كلنا نعمل من أجل الحصول على أجر مادي (مال)، هذا أمر لا خلاف عليه في علاقة الموظف بصاحب العمل. والموظف إنسان وصاحب العمل كيان إما حكومي أو خاص، وفي كل الأحوال يمثله أيضا إنسان هو القيادي أيا كان منصبه؛ وزير، محافظ، أمين، مدير عام… إلخ.
حسنا، نحن تعودنا أن نمنح الدورات التدريبية والدروس والنصائح لصغار الموظفين، أما القيادي فبمجرد استلامه زمام المنصب فإنه يعتقد أنه أصبح في غنى عن التعلم (حتى في مجال قيادة المجموعة وهو أمر لم يجربه)، وفي غنى عن الدورات (مع أنه يعلم جيدا أنه لم يتدرب على القيادة ولا يجيد فنونها)، فكل هذه الأساسيات (التعلم والتدريب) يشعر أنها تنقص من قدره، وتدل أنه ما زال في حاجة إلى شيء ينقصه استكماله وهو يريد أن يبدو كاملا (الكمال لله)، مع أنه أكثر إنسان يعلم أن أشياء كثيرة تنقصه، بدليل خوفه الدائم من الفشل في مهمته وتكرار فشل سابق، ومع ذلك لا يريد أن يتسلح ضد الفشل بمزيد من التعلم أو الحصول على دوره، لكنه يقبل الحصول على نصيحة، أتدرون لماذا؟، لأن النصيحة تتم في السر، ولا تحتاج لأكثر من إصغاء، ولا تشتمل على إقرار بالحاجة إليها فهو يستمع ويستمتع ويستفيد ويستزيد دون أن يقر لك بالحاجة إلى ما قلت، بل إن بإمكانه بعد أن تتم نصيحتك، ويستفيد من كل حرف جاء فيها، أن يشعرك بأنه يعلم كل ما قلت ويعرفه أكثر منك.
ولأن الأمر غاية في التعقيد، فليس الأفضل من نصيحة موجهة للعموم فيستفيد منها من يستفيد، ولا نسأل عليها أجرا إن أجرنا إلا على الله.
أعود بكم من حيث بدأنا، وهو أننا جميعا نعمل في وظائفنا من أجل الحصول على أجر مادي، ولكن خذوها نصيحة من مجرب عمل أكثر من 30 عاما (نصفها عادي ونصفها قيادي)، أن روح العطاء لا يحددها مقدار الأجر وإنما ما يشعلها ويزيدها تألقا هو العدل في الأجر، والعدالة في التعامل، بل إنه إذا لم يتحقق في المؤسسة العدل في الأجور، فإن أكثر الناس أجورا أقلهم عملا، فهم يأخذون ولا يزيدهم ما يأخذون عطاء، بل يزيد غيرهم قهرا وإحباطا، لذلك فإن الأولى أن يكون الأجر على قدر العمل، لأن العمل إذا كان قليلا لا يقدر صاحبه على زيادته فإن الأجر لا يزيده، بينما إذا كان العمل كبيرا لأن صاحبه يبذل بطبيعته دون ان ينتظر زيادة في الأجر فإن تمييز غيره عليه دون حق يجعله يهرب من البيئة كلها.
لا تعاني المؤسسات من تدني الأجور الشامل للجميع مثلما تعاني من تفاوت الأجور والمميزات، فالإنسان يؤمن أن الموت مع الجماعة رحمة، لكنه يرفض أن يكون أقل من غيره دون سبب، ولذلك فإن زيادة الاستقالات في مؤسسة لا تكون بسبب تدني أجورها إذا ما قورنت بنسبة زيادة الاستقالات عندما تتفاوت الأجور ويتفاوت التقدير، فهل يعي ذلك الوزراء الجدد؟
المعوقون يكشفون إعاقة 3 وزارات
يكفي المعوقين في مجتمعنا أنهم يلعبون دورا كبيرا في لفت النظر إلى نواحي القصور والإعاقة الحقيقية عسى أن ننتبه لها ونعالجها، هذا بطبيعة الحال إضافة إلى أدوارهم التي يؤدونها بكل اقتدار، رغم إعاقتهم وعدم توافر سبل الإبداع لهم. معوق واحد كشف لنا ما لم نكن نتوقعه، وهو أن ثمة تعذيبا جسديا وحشيا يتم داخل دور التأهيل الشامل (دور يفترض أنها لتأهيل المعوقين)، وهذا المعوق رغم أنه أدمى قلوبنا وأشعرنا بالأسى والحسرة مثلما أدمى ذلك الوحش جسده وأشعره بالقهر، إلا أنه سيسهم -أو نرجو أن يسهم- في إصلاح حال وزارة الشؤون الاجتماعية والمؤسسات المدنية والحقوقية، لتستشعر أهمية المراقبة الدائمة والمكثفة على كل دور الإيواء .
الغياب التام للتسهيلات الخاصة بالمعوقين في المباني والشوارع ودورات المياه، سواء المعوقين حركيا أو بصريا أو سمعيا أو ذهنيا، يدل دلالة واضحة على أن الأصحاء لا يفكرون في غيرهم، وهذه وربي مصيبة كبرى (لا يطالب للمكفوفين إلا مكفوف، ولا للمعوقين إلا معوق!) فيفترض أن تكون لدينا النظرة الشمولية ونحن نعد لأي مشروع أو نمنح الترخيص لأية منشأة بحيث نحسب الحساب لفئة المعوقين، لكن هذا لا يحدث وإن حدث فهو نادر، رغم أن العالم الذي نزور مدنه وقراه يذكرنا بأن حق المعوق أولا.
أذكر أنني في أحد شوارع الرياض الذي خصصت فيه مواقف لسيارات المعوقين (وهذا أمر تشكر عليه أمانة مدينة الرياض) سألت أكثر من رجل مرور إذا كانت لديهم وسيلة للتأكد من أن السيارات التي تقف في هذه المواقف هي لمعوقين فعلا، كوجود لاصق أو علامة على السيارة وكان الرد ليس لدينا أي علم بهذا الأمر (أي أن المواقف خصصت لكن دون رقابة التطبيق و أحقية الاستفادة)، وهذا أيضا يدلنا على أحد جوانب القصور في التنسيق بين الجهات.
أما أحدث وأغرب المواقف فهو ما نشرته «عكاظ» في صفحتها الأولى يوم الخميس الماضي تحت عنوان (أعداد المعوقين تثير خلافا بين 3 وزارات)، فقد أوضح الخبر تباينا كبيرا وعجيبا بين ثلاث وزارات في إحصائية أعداد المعوقين، فالثانية رقمها ضعف الأولى تقريبا، والثالثة أربعة أضعاف الثانية، وأترك لكم الرجوع للخبر لتتعجبوا مثلي كيف سنخدم هؤلاء ونحن لم نتفق على عددهم بعد، وكل وزارة تضع الرقم حسب علاقتها بالأمر!، وتفسيري الشخصي أن الأولى لم تقم بواجب الإحصاء الصحيح، أما الثانية فقد تعودنا منها عدم تقديم الإعانات إلا لنصف المستحقين، أما الثالثة فربما وضعت المليون رقما مستهدفا لمن تنوي إعاقتهم بأخطائها، أما المؤكد فإن الوزارات الثلاث تعاني من إعاقة تتمثل في عدم التثبت قبل التصريح.
شكرا للمعوقين فقد اثبتوا أنه ليست لدينا قاعدة بيانات، أو أنها موجودة ولكن ليس لدينا من يرجع إليها!.
وقفات أسبوع
** الذي يشكك في عمل من سبقوه لا يخرج عن واحد من اثنين، إما عامل (سباك، دهان، مليس) يريد أن يستغلك ويحصل منك على أعلى أجر، أو مسؤول لم يجد في نفسه القدرة والكفاءة على تقديم إضافة، فأصبح يشكك في عمل من سبقه بنسب وتقديرات، إذا كان للاثنين ثالث أفيدوني وأكون شاكرا.
** المفلس ماليا يمنحك شيكا تكتشف بأنه بلا رصيد، والمفلس مهنيا يمنحك وعودا تكتشف بأنها بلا تنفيذ، وكلاهما تثبت الأيام أنه بلا رصيد أخلاقي.
** أحدث «تصريفة» وجدتها من الاتصالات السعودية هي عبارة «إذن سوف أحولك على المشرف» ثم يحيلك الموظف على جرس لا يرد!!، يبدو أنها تحايل من بعض موظفي استقبال الشكاوى على المكالمات المسجلة لأنه لو (سكر السماعة) في وجهك ربما يجد من يحاسبه، هذه مجرد ملاحظة أهديها للاتصالات على افتراض حسن النية وأنها لم تأت بتوجيه.
** عندما تكون أحد أدعياء الحوار والرأي الآخر وعدم الإقصاء فإنه يجدر بك أن لا ترد نيابة عن (أو بالأصالة عن) جهة أخرى وباستخدام حجج تلك الجهة بل أطلب منهم أن «يلقوا» ما لديهم ثم يحق لك إبداء الرأي الخاص بك حول ادعاء الطرفين، وعلى أقل تقدير فإنك حينما تسمع وجهة النظر الأخرى أعد تحديد موقفك أو اعتذر ولا تصمت.
** رفع تجار الحديد أسعارهم وأخفوا بضاعتهم ووزارة التجارة والصناعة تتوعدهم، فماذا نتوقع من حماية المستهلك حيال هذا الأمر الخطير جدا، الذي سينعكس سلبا على المستهلك، وسوف يستغله المقاولون بمطالبات لاحقة وسابقة، شخصيا وحسب عادة جمعية حماية المستهلك فإنني أتوقع أن تعقد لقاء مفتوحا بعنوان (اعرف حديدك).
الهيئة وحصانة عريس (طيحني)
ليس تعصبا للجريدة التي أنتمي إليها، لكن الإنصاف يحتم أن أشيد وأفتخر بالمهنية العالية التي تعاملت بها «عكاظ» ومراسلها الزميل خالد الجابري أول أمس الاثنين مع الخبر دون أي ربط أو ذكر لعبارة (عريس) ودون مبالغات وبنشر رأي جميع الأطراف كما هي عادة جريدة «عكاظ».
عندما تقرأ ذات الخبر في صحيفة أخرى ركزت على أن هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قبضت على (عريس) لارتداء بنطلون (طيحني)، ثم تشاهد في القنوات الفضائية ترديدا للخبر وتعليقا عليه وتحليلا له من نفس المنطلق، وهو القبض على عريس جديد، فإن أول ما يخطر على بالك هو أن الهيئة داهمت حفل زواج العريس وقبضت عليه، أو أن الهيئة اعتقلته وهو خارج للتو من حفل زواجه، لكنك كقارئ محلي لن تصدق، لأنك تعرف أن العريس السعودي غالبا يلبس في حفل زفافه ثوبا و(بشتا) محترمين، وحتى لو كان غير سعودي أو سعوديا متفرنجا فإنه سيرتدي بدلة أنيقة، وعلى حد علمي بأنه لم يفصل بعد بدلة رسمية ببنطلون (طيحني) ولا (يابابا سامحني)، إذا يا سادة يا كرام يا منصفين أين موقع العريس فيما حدث؟!، ولماذا يشار إلى أنه عريس؟! وما علاقة عرسه بالموضوع؟!.
بعد العرس بأسبوعين فإن الرجل إما سعيد أو تعيس أو (نحيس)، لكنه لم يعد (عريسا)، ولن يبقى عريسا إلى الأبد، ولنفرض أنه استمر في حمل صفة (عريس)، فما علاقة ما حدث بكونه عريسا حتى تضج القنوات الفضائية وضيوفها بالاعتراض على مساءلة عريس.
هل العريس فوق النظام؟!، وهل في النظام ما يستثني العريس الجديد من المساءلة والاستجواب أو التأكد أو حتى التوجيه؟!.
هل سنقرأ أو نشاهد خبرا يستكثر على المرور إيقافه لرجل تجاوز الإشارة الحمراء ويستنكر ذلك كون المخالف (عريسا جديدا)؟! وهل سينتقد المرور في القنوات الفضائية ويتهم بالتجاوز كونه استوقف عريسا تجاوز الإشارة؟!.
لو كان الأمر كذلك، وأن للعريس حصانة فكل منا سيدعي أنه عريس، بل إن كلا منا عريس جديد فعلا طالما أن مدة صلاحية العريس غير محددة بليلة الدخلة!!.
يبدو أن من حاولوا الصيد في (العرس العكر) غم عليهم، فاعتقدوا أن المقصود بأن المتزوج (محصن) تعني لديه حصانة من المحاسبة!!.
أرجو التأكيد على أنني لا أقصد الأخ سلطان تحديدا، بل أحترم حقه في الاعتراض والمطالبة والمقاضاة، وهو ما تضمنه له عدالة هذا البلد الأمين، لكنني إنما أعترض وبشدة على أمرين: الأول محاولة تضخيم ما حدث بإقحام صفة عريس وتصوير الهيئة وكأنها اقتحمت خصوصية ليلة الزفاف وزفة العريس إلى مركز الشرطة وهو ما اعتبرته القنوات الفضائية فرصة تندر على هذا الوطن وأهله، والثاني السذاجة المتمثلة في افتراض الحصانة للعريس، وهذه الأخيرة أرى أن أفضل طريقة للرد عليها هو القول: حسنا لنلتمس عذرا لرجل الهيئة فهو (عريس جديد)!!.
