الكاتب: محمد الأحيدب

العاصمة والمعاق وفرحة ما تمت

كانت سعادتي كبيرة وأنا أجوب مضمار المشي في طريق الملك عبدالله بالرياض أثناء احتفالات العيد السعيد، عندما رأيت عدداً من لوحات وقوف السيارات وهي تحمل لافتة كبيرة تعلن أن بعض المواقف القريبة مخصصة لذوي الاحتياجات الخاصة فشعرت أننا بدأنا نشعر بمعاناة هذه الفئة الغالية ولم أستغرب ذلك أبداً فمدينة الرياض بهيئتها العليا التطويرية وأمانتها الأمينة تثبت يوماً بعد يوم أنها عاصمة الإنسانية في مملكة الإنسانية فثمة عمل دؤوب، وجهد مشكور على كافة الأصعدة الإنسانية تتبناه عاصمة الإنسانية قد لا تكفي هذه الزاوية لتعداده ولا يحتاج رواده لإطرائه فمثل هذه اللمسات الإنسانية سواء في مجال الإسكان أو غسيل الكلى أو أعمال البر أو رعاية الأيتام أو إنصاف المشتكي المظلوم وغيرها كثير من المواقف الإنسانية يراد بها وجه الخالق سبحانه وإسعاد الإنسان فلا ينتظر رجالاتها من قلم متواضع مديحاً ولا ثناء ولا شكراً ولذلك فإنني لم أتطرق لأسماء ترجو الأجر والثواب من الله وحده.
هؤلاء الرجال في حاجة إلى من يكون عيناً تدلهم على مواطن الخلل، لا لساناً أو قلماً يشيد بهم ولهذا فإنني استدرك قائلاً إن صدمتي كانت أكبر وحزني كان أشد عندما لفت انتباهي وأنا أتفحص السيارات الواقفة فلا أجد ما يدل على معاق أو ذي حاجة خاصة كما هو معتاد وواضح من ملصقات على زجاج السيارة، فتوجهت إلى عدد من دوريات المرور المتواجدة بكثرة وأكرر السؤال “هل تأكدتم بأن المواقف التي خصصتها أمانة المدينة لذوي الاحتياجات الخاصة لا يقف فيها إلا هم؟!” وصعقت بأن الإجابة بالنفي القاطع بل إن أحد رجال المرور قال لي بالحرف الواحد (لا والله ما لنا شغل فيهم!!).

عندها أدركت أن المشكلة لا تخرج عن احتمالين: إما أن اللوحات وضعت دون التنسيق مع الرقيب الميداني “المرور” وأتمنى أن يكون ذلك مستبعداً، أو أنها مشكلتنا الأزلية المتمثلة في أن جهاتنا لا تعمل يداً واحدة لتحقيق الهدف فهذا يخيط والآخر يفتق الخيط، وفي هذا الصدد ولكي أكون منصفاً فقد وقفت على موقف مشابه ولكنه عكسي تماماً فالمرور عندما يضع مطبات صناعية في شوارع التفحيط لعلمه بحوادثها وخطورتها فإن البلديات تزيل المطبات خلال أيام مع أن المرور أدرى بمواطن الخطر ومواقع الحوادث وهذا الموضوع يحتاج إلى وقفة أخرى .. والله الموافق.

يا مدير الجامعة

أحسنت القيادة الحكيمة، رعاها الله، في إحداث تغييرات في إدارة الجامعات وإعطاء الثقة في قيادات شابة، حركت المياه الراكدة في جامعاتنا، وأعادت لها روح العمل الدءوب بعد طول انقطاع، وبدأت خطوة المليون ميل لإعادة مركز جامعاتنا ضمن التصنيف العالمي إلى موقعه الطبيعي، ونأمل أن يكون نجاح التغيير دافعا إلى توسيع رقعته في مواقع عديدة خاصة في المؤسسات التي تقهقرت أو الوزارات الراكدة .
جامعة الملك سعود، على سبيل المثال لا الحصر، شهدت حركة سريعة وتغيرات إيجابية نستشهد منها بخطوة كراسي البحث ومرونة القبول (وحقانيته) هذا العام .

ومن حق مدير هذه الجامعة الدكتور عبد الله بن عبد الرحمن العثمان علينا أن نخلص له في النصح ونهديه بعض عيوب الجامعة التي تحتاج إلى إصلاح من وجهة نظر متواضعة لأحد أبنائها فقد عايشتها طالبا ثم معيدا ثم محاضرا وانتقلت منها ممتناً لأم حنون رضعنا منها جملة قيم وأخلاقيات هي قيم هذا الوطن وأخلاقه الفريدة .

أتمنى أن يلتفت معاليه ضمن تطلعاته وآماله إلى إعادة الانفتاح على المجتمع وهو من أساسيات دور الجامعات .

جانبان فقط أود أن أذكّره بهما، الأول إعادة تبني الحوارات المفتوحة بين المسؤولين على اختلاف مسؤولياتهم والمواطنين بكافة فئاتهم فقد كانت جامعة الرياض (آنذاك) السباقة إلى هذا النوع من الحوار البناء الذي لا يتعارض مع مسؤولية الحوار الوطني القائم حاليا لاختلاف الطريقة والتوجه ونوعية الحوار .

لا تزال ذاكرتي كطالب ومعيد تستمتع بلذة حوارات مباشرة بناءة كثيرة اذكر منها أسئلة مباشرة رنانة غير مكتوبة أجاب عنها بكل صراحة ووضوح صاحب السمو الملكي الأمير نايف بن عبد العزيز وصاحب السمو الملكي الأمير سلمان بن عبد العزيز ومعالي وزير الإعلام آنذاك د. محمد عبده يماني ونحن في أمس الحاجة في هذا الوقت لهكذا حوارات مع كثير من المسؤولين وصناع القرار .

الجانب الثاني المستشفيات الجامعية فهي أوسع أبواب الانفتاح على المجتمع فأتمنى من معالي المدير أن يلتفت إلى ما حدث فيها من غياب الأطباء الاستشاريين نهارا جهارا عن عياداتهم وأجنحة المرضى،تحت مظلة السماح لهم بالعمل خارج أوقات المسؤولية الرسمية في القطاع الخاص رغبة من الدولة في تحسين دخولهم إلا أنهم وللأسف أساءوا استغلال هذه المرونة وأرجو من معاليه أن لا يعتمد في هذا الأمر تحديدا على القيادات الطبية لأنه شأن إداري بحت، ولأن لدى تلك القيادات إما نفس الممارسة أو غض الطرف مجاملة لزمالة الطب والأدهى والأمر أن المستشفيات الجامعية صدرت هذا السلوك المشين إلى المستشفيات الحكومية الأخرى فغاب الأطباء دون مظلة قانونية وبمخالفة صريحة في ظل إدارات تجامل الأطباء على حساب مهنة الطب وسمعتها وشرفها وعلى حساب المريض، إما لضعف إداري أو لعقلية متعصبة لا تجرؤ على محاسبة الأطباء وإن خالفوا النظام لأنها تراهم فوق المحاسبة وإن هبطوا في سلوكهم .

وأجزم أن كل مدير جامعة يربأ بالجامعة أن تصدر سلوكا مخالفا للنظام، مسيئا للمرضى وللرعاية الصحية في الوطن .

عيد الإصلاح القادم

كل عام وأنتم بخير، أعاده الله على الجميع ووطننا يصعد في سلم المجد، ويمارس مزيدا من الإصلاح والإنصاف والشفافية والعدل.
أعاده الله علينا وقد استشعر عدد أكبر من المسؤولين حجم مسؤولياتهم نحو أبناء هذا الوطن المخلصين، المحبين، الصابرين، فعملوا من أجلهم وليس من أجل أنفسهم، ولإسعاد الوطن لا (لسعادتهم)، ولعلو هامة المواطن وليس فقط (معاليهم).

أعاده الله علينا وقد انزاحت غمة الهموم، وأشرقت شمس التفاؤل، فانخفضت التكاليف والأسعار، وخف جشع التجار، وعادت الأسهم للاخضرار، وعطف الجار على الجار، وعامل الموظف مراجعيه معاملة الأحرار، ووظف المديرُ العاطلَ وكأنه قريب أو من الأصهار، وأعاد الله المعلمات من متاهات الصحاري والقفار .

أعاده الله علينا وقد اطمأنت النفوس، وقل اللصوص، وترك زميل العمل صفة الواشي والجاسوس، وما بقي مدير في مكتبه عن المراجعين محبوس.

أعاده الله عليكم وعلينا أعواما عديدة وأزمنة مديدة، وقد قبلت المستشفيات دخول الحالات الشديدة ولم يبق في الدخل المحدود من هو على الحديدة، ولا أعلن عن محتاج في جريدة .

أعاده الله علينا وقد قلت الحوادث وأعددنا خطة وطنية للكوارث، وبيع محصول كل مزارع وحارث.

أعاده الله علينا وقد أوقف دخول المسرطنات، وتوقف نفوق الإبل ووفيات المعلمات، وقل عدد من بالأخطاء الطبية مات، وخفضت تعرفة الكهرباء ورسوم الاتصالات، وصدقت خطوطنا الجوية في مواعيد إقلاع الرحلات.

لا تتركوا المرضى لمرضى

مرضى الإقامة الطويلة الذين يحتاجون إلى رعاية طبية متوسطة، ويعتمدون على أنبوب تغذية عن طريق الأنف وأجهزة تنفس ويحتاجون رعاية تمريضية متخصصة لا يمكن أن تقوم بها زوجة أو أم أو ابنة أو خادمة ولا بد أن تقام لهم مراكز رعاية صحية طويلة الأمد، وليس من العقل ولا المنطق ولا الإنصاف أن يطلب من أهاليهم رعايتهم في المنزل باستقدام ممرضة.
هؤلاء المرضى يشهدون الآن قمة الإهمال من مستشفيات جميع القطاعات التي توفر خدمات صحية باستثناء وزارة الصحة التي تتوسع في مراكزها القائمة أو ما يسمى مستشفيات النقاهة دون عون من إدارات الصحة في القطاعات الأخرى التي أصبح منسوبوها يعانون معاناة شديدة كلما احتاج أحد والديهم أو أبنائهم لرعاية طبية طويلة الأمد.

التخلي عن المرضى المزمنين ومرضى الإقامة الطويلة وصل حدا خطيرا جدا بقرار مرتجل من مستويات إدارية دنيا، مقارنة بحساسية القرار وتبعاته، وغني عن القول أن اتخاذ قرار إلغاء حلقة هامة في منظومة الرعاية الصحية أو إهمال فئة من المرضى أو شريحة كبيرة ممن تكفل الوطن برعايتهم، هو قرار لا يمكن أن يترك لفرد واحد قد لا يقدر خطورة القرار على نفسيات المواطنين وظروفهم ومن ثم ولائهم، ولا يملك بعد النظر لتصور مصير مريض يجبر على الخروج للمنزل وهو في حاجة لرعاية طبية تشتمل على أنبوب تغذية عبر الأنف وإعطاء أدوية تمنع التجلط وجهاز أكسجين دقيق وكم هائل من العلاجات وطرق التحريك وإعادة التأهيل والتنظيف.

لا يمكن أن يترك حق التقرير في إنسان كهذا، لشخص يقارن إمكانيات كل الناس على اختلاف مواردهم وظروفهم بإمكانياته هو، وظروفه هو، فمثل هذا القرار لا بد أن يدرس على مستوى وطني ويقرره أناس يقدرون أبعاده وأثره على الناس.

الطريف المبكي في أمر إهمال مرضى الرعاية المزمنة، أنهم مرضى، والشؤون الصحية في كل قطاع مسئوليتها الأولى والأساسية هي رعاية المرضى، لكنها تتخلى عنهم بحجة التوفير !!، وفي الوقت نفسه تتنافس في إنشاء الكليات، والكليات هي من مسئولية وزارة متخصصة ومتمكنة هي وزارة التعليم العالي وليس مكانها المستشفيات غير التابعة للجامعات والتي لا يتوفر فيها القادرون على إدارة الشأن الأكاديمي ناهيك عن تحمل مسئوليات التعليم الطبي.

جميل أن تتوسع المؤسسة في حدود الدور المناط بها وضمن ما تستطيع القيام به ودون أن تتأثر مهمتها الأساسية وعدى ذلك فإنها إنما تداوي الناس وهي عليلة!!.

الحصاد المر

للأسف فقد بدأت آثار إهمال النواحي التربوية سواء في المدرسة أو المنزل تظهر بوضوح، وبدأنا نقطف الثمار المرّة لما زرعناه من إهمال تعليم مكارم الأخلاق، وأخشى أن يتفاقم خطر إنتاج أجيال مهملة أخلاقياً إذا لم نسارع في تدارك الوضع خاصة في التعليم العام والجامعي كون التعليم قناة يمكن التحكم بها على مستوى وطني أكثر من المنزل .
ولعل إشغال المعلمين والمعلمات بهمومهم الوظيفية المهملة، وجعلهم في حالة إحباط دائم وعدم تقدير مستمر، أحد أهم أسباب عجزهم عن إعطاء الجانب التربوي حقه في توجيههم للطلاب لأنهم بالكاد يستطيعون إعطاء الدرس المقرر وبنفسية محبطة من بيروقراطية إدارية وشيوع الواسطة وعدم معالجة مشاكل المعلمين والمعلمات المعلقة لعشرات السنين .

مكارم الأخلاق نلحظ غيابها في الأجيال الحالية بسبب غياب التركيز عليها وتعليمها في المنزل والمدرسة مقارنة بما كان سابقاً .

في المنزل من قبل أب وأم وعم وخال مستعدين ذهنياً لتوجيه الأبناء في كل صغيرة وكبيرة والتوقف معهم عند كل سلوك وتقويمه، لا تشغلهم ضغوط عمل ولا انهيار أسهم ولا غلاء أسعار ولا متابعة حق ضائع ومعاملة متعسرة ومستشفى يحتاج إلى واسطة وطبيب متسيب ومدير متفرد بالقرار ومتسلط .

وفي المدرسة من قبل معلم ومعلمة لا يكدر صفوهما ما ذكر أعلاه إلى جانب وزارة لا ترى فيهما إلا مجرد عاملين بالساعات لم تقدرهما حتى في يومهما العالمي (لاحظت أن الطلاب هم من أوكل إليهم الاحتفاء بالمعلم إعلامياً أما الوزارة فلم تتحدث عن المعلم في يومه !!).

لقد تساهلنا كثيراً وطويلاً في توفير الجو النفسي للمواطن ليمارس دوره التربوي بنفس مفتوحة مستريحة، سواء كان أباً أو معلماً أو كانت أماً أو معلمة، عن طريق التساهل في محاسبة من كلفوا بخدمتهم اجتماعياً وتعليمياً وصحياً وتجارياً ومن أوكل لهم حماية حقوقهم ومعيشتهم وأسعار سلعهم الأساسية، فكانت النتيجة خروج جيل لم يحظ بالوقت الكافي ولا الجرعة الكافية فيما يخص تدريس مكارم الأخلاق ومنها بر الوالدين (ضاقت دور العجزة بالمطرودين من الوالدين) واحترام الشعور العام والحق العام والممتلكات العامة والأنفس (التفحيط أصبح أكثر ظاهرة مستعصية للعلاج)، جيل لا يحترم حق الجار، ولا أعراض الناس، ولا يعطي الوطن حقه بحفظ سمعته (تشويه سمعة الوطن المعطاء بلغت حدوداً متطرفة من الجانبين، المجتهد والمنحرف) ولا بحفظ وحدته .. زادت النعرات القبلية في وقت كنا نرجو اندثارها.

كان ذلك على مستوى السلوك المؤثر مباشرة في الآخرين، أما على مستوى الطبائع فقد كثر من قلت خاتمتهم وأصبحوا يسيئون لمن أحسن إليهم وكثر الكذابون والمحتالون وأرباب الوجهين .

وهذه كلها علامات إهمال لتدريس مكارم الأخلاق في المنزل والمدرسة بإهمال تهيئة الجو المناسب لمن يفترض أن يدرسها أباً أو أماً، معلماً أو معلمة .

العامل والمواطن وأقل الضررين

لا أعتقد أن أحداً يمانع أن يتم تعديل قرار أو إلغائه لأسباب إنسانية، مثل تلك القرارات التي تتعلق بالعمالة المستقدمة من الخارج سواءً المزارعين أم العمال أم السائقين أم العاملات في المنزل.
لكنني أجزم أيضاً أن لا أحد يختلف على أن الكفيل أو المواطن الذي استقدم العامل هو الآخر إنسان يستحق أن يراعي القرار المعدل إنسانيته وحقوقه.

وعندما تتعارض حقوق العامل مع حقوق كفيله (المواطن)، فأنا لا أقول بأن ننحاز مع المواطن فهذا ليس من الإنسانية في شيء، ولكن هناك ما هو أهم وأكثر عدلاً وهو اللجوء إلى نص شرعي “أقل الضررين” ولن تجد أكثر سماحة وعدلاً وإنسانية وإنصافاً من شرع الله المنزل الذي تتميز هذه البلاد بتحكيمه.

وأقل الضررين يتجسد في ماهية الأمر الأقل حدوثاً، فمثلاً عندما نلغي قرار اشتراط خطاب تصريح من الكفيل بتنقل العامل بين المدن (وهو بالمناسبة كان قراراً لا يمس إنسانية العامل، وإنما هو إجراء تنظيمي أمني بالدرجة الأولى ) ونسمح للعامل بالتنقل بين المدن دون تصريح من كفيله، ثم نجد أن هروب العمال وتسيبهم قد زاد بل تضاعف بشكل ملحوظ أضر بالمواطنين وهدد مصالح الوطن وربما أمنه (آلاف العمال يبتعدون مئات الأميال عن أعين كفلائهم والباحثين عنهم، ويتنقلون بحرية تامة دون حق الرقيب في المساءلة عن أسباب الابتعاد عن مقر العمل لإلغاء القرار).

هنا يجب أن نعيد النظر في السماح بالتنقل كون الضرر الناجم من بحث العامل عن كفيله ليوقع له خطاب السماح أقل بكثير من ضرر بحث الكفيل عن عامل هارب، دفع تكاليفه ولم يستفد من خدماته، وإذا قبض عليه فإنه مطالب بشراء تذكرة سفره وتكاليف ترحيله!!، كما أن معاقبة مواطن، يسيء استغلال العمالة أيسر كثيراً من البحث عن عامل يحمل إقامة سارية المفعول ويهيم بين المدن والقرى، فالمواطن يسهل تعقبه ببطاقة الأحوال والتي يستخدمها في منافع عديدة ومراجعات متعددة أما العامل فلا يبرز الإقامة إلا لموظف الجوازات كحجة لعدم مساءلته.

الذي نعرفه جيداً أن إلغاء شرط التنقل سهل من فرص هرب العمال ورفع أرقام الهروب وألغى ضابطاً مهماً في التحكم بتجول المجهولين وأضر بالمواطن الصالح الضعيف وفي نفس الوقت استفاد منه عدد من هوامير المواطنين المخالفين والذين أصبحوا يتحايلون على اشتراطات وزارة العمل بتوظيف العمالة الهاربة، خاصة في المزارع التي يصعب أو يستحيل وصول الرقيب إليها.

ما هكذا نكرم الوطن

الذي حدث مساء اليوم الوطني في شوارع الرياض، وتحديداً في مضمار المشي، وممر الزهور، وطريق الملك عبدالله، لا يعكس التعبير الصحيح عن حب الوطن، بل إن بعض الممارسات التي شاهدتها طوال تلك الليلة في تلك الشوارع يتنافى قولا وعملا مع حب الوطن، فقد شاهدت بعضاً من الشباب وصغار السن يستغلون خلو ممر الزهور من رجال الأمن ومن أي فرد له صلاحية الردع وحماية الممتلكات والأشخاص، ويقومون على مرآى من الجميع بالصعود على سيارة العمالة التي تتولى تركيب أضواء الاحتفال على النخيل ويستولون على عدد من (الكراتين) التي تحتوي مئات الأمتار من الأنابيب المضيئة (باهظة الثمن) ويفتحونها ويخرجون محتوياتها ويسحبونها على طول الطريق في عمل أقل مايقال عنه إنه تنكر للوطن في يومه المجيد.
في الوقت الذي كان فيه هؤلاء (المواطنون) يفرحون ويستمتعون بهذه الطريقة بعيدا عن أي رادع، كانت قلوب العمال (الأجانب) تعتصر ألماً وخوفاً وحسرة!!.

الألم لأن هذه الأدوات هي عهدة على عمالة فقيرة سوف يحاسبون على فقدانها، ولن يقبل لهم عذر ولا تبرير، اما الخوف فلأن بعضهم تعرض للاعتداء والسخرية من قبل عشرات المراهقين الذين لايمكن أن يقف امام فوضويتهم إلا فرق أمنية متخصصة(شاهدت احد العمال الذي جلب سحوراً لزملائه وقد استوقفوه واستولوا على مجموعة شطائر وعلب مشروب غازي فحرموه وبقية العمال من السحور وهو لا حول له ولا قوة )، اما الحسرة فلأن الممتلكات اتلفت في يوم الاحتفاء بالوطن وهي قد جلبت لتزين لهم يوم الوطن ويوم العيد القريب.

الجزء الآخر من الصورة تمثل في طرق رئيسة توقفت تماما لأن مجموعة من الشباب يعتقدون ان الوقوف في وسط الطريق والنزول من السيارة والرقص على أنغام الموسيقى الصاخبة هو قمة الوطنية!!، وأن غلق الطريق العام وحرمان مئات العائلات والأفراد من قضاء حاجاتهم وزيارة أقاربهم وعيادة مرضاهم، هو حق يبيحه لهم ما يعتقدون أنه تعبير عن حب الوطن!!..

إن حب الوطن تنمية شعور وليس تلوين شعر!!، وحب الوطن يتجسد في الحفاظ على ممتلكاته وليس الاستمتاع بإتلافها، وأفضل النغمات للتغني بحب الوطن هي نغمة احترام شعور مواطنيه والمقيمين فيه وليس الرقص على مشاعرهم.

الوطن مجموعة مواطنين

صحيح أن الوطن أرض ، لكنها أرض تحمل فوق ترابها ملايين المواطنين وتحوي داخل ترابها رفات اضعاف هذا العدد ، وجميعهم ، من فوق التراب، ومن تحته بذلوا من اجل هذا الوطن إما دمهم أو مالهم أو عرقهم أو كل ذلك.
حب المواطن من حب الوطن ، واحترام المواطن من احترام وطنه ، والرفق بالمواطن من اساسيات الرفق بالوطن.

هذا ليس موضوعا انشائيا أصفه بمناسبة اليوم الوطني ، بل هو اساس لنشأة وطن والحفاظ عليه.

ما بال كثير من المسؤولين يدعون حب الوطن ، واحترام الوطن ، والرفق بالشأن الوطني وهم يقصرون في القيام بمسؤولياتهم نحو المواطن؟!!.

حب الوطن ليس مقابلة تلفزيونية عابرة بمناسبة ذكرى اليوم الوطني ، نعدل خلالها (مرزام) الغترة ونحسن لف (البشت) على الثوب الأنيق ونطلق للسان العنان للتحدث عن حب الوطن في دقائق معدودة، ثم نخلع بعدها ذلك الإحساس قبل خلع (البشت) و نجلس ننتظر مردود ما قلناه على مصالحنا وعلى ذواتنا في شكل ترقية أو منصب جديد أومكافأة أو حافز.

الوطن ليس خيالا غير محسوس نمجده ولا نتحسسه، ولا ذاتا غير مرئية نعظمها لكننا لا نراها ، وليس ترابا نقبله ، وهو وضيع ، أو مبانٍ اسمنتية نتمسح بها وهي جماد !!.

الوطن يتجسد في مجموعة مواطنين يفترض أن نتحسس مشاعرهم قبل اجسادهم، ونعظم احتياجاتهم ونحن نراهم ، ونقبل رؤوسهم اجلالا لما قدموه ويقدمونه للوطن ، ونحمل اجسادهم عل الأكف احتراما لإنسانيتهم ، فالوطن هو كل هؤلاء المواطنين الذين يقيمون على ترابه أو في ترابه ويسكنون المباني الجماد أو في الألحاد ، وحب الوطن الحقيقي هو أن تحبهم ، وتخدمهم ، وتحقق مصالحهم ، وتسعى لجمع شملهم وعدم تفريقهم أو التفريق بينهم!! ، وأن تحترم آراءهم وتتقبل نقدهم وتعدل في قضاياهم، وتسعى لعزهم ورفاهيتهم ، وتعتبر نفسك واحدا منهم ، لا واحدا عليهم.

إذا طبق كل واحد منا ما ذكر على نفسه ، واعتمده أساساً لأداء مسؤلياته استحق أن يصنف محباً لوطنه فحب الوطن من حب المواطن.

سيدفع عنا الغلاء

نبرة صوت المأمومين وهم يقولون “آمين” عندما يدعو الإمام قائلاً “اللهم ادفع عنا الغلاء” كانت في السابق نبرة عادية غير متميزة عن غيرها.
في هذا العام وتحديداً في هذا الرمضان اختلف الوضع كثيراً نظراً لوقوع مصيبة الغلاء، فقد اختلفت النبرة فأصبحت عالية يصحبها أنين وربما بكاء وإلحاح من المأمومين وهم يردون خلف الإمام، كما أن الإمام أصبح يكرر هذه الدعوة ويركز ويلح فيها.

لا شك أن هذا أحد مؤشرات حجم المعاناة والتأثير الذي أحدثه ارتفاع الأسعار في نفوس الناس على اختلاف مداخيلهم ووضعهم الاقتصادي، وهو ليس المؤشر الوحيد، لكنه مؤشر له دلالات يتميز بها هذا البلد الأمين الذي يتوجه أهله إلى ربهم ويلجأون للدعاء قبل أن تصيبهم المصيبة وبعدها (ومن الطبيعي أن تختلف النبرة والإلحاح بين وضع ما قبل حدوث المصيبة وما بعدها).

وسبق أن سجلت نفس الملاحظة على نبرة تأمين المأمومين عند الدعاء (اللهم آمنا في أوطاننا) بين فترة ما قبل وما بعد اعتداءات الفئة الضالة على أمن الوطن، وكتبتها في هذه الزاوية بعنوان (الأمن بالدعاء) في 2004/11/20م.

النبرة المرتفعة لصوت ملايين المصلين أثناء التأمين عندما يدعو الإمام “اللهم ادفع عنا الغلاء” سواء وهو يختم خطبة الجمعة أو أثناء صلاة التراويح، تلك النبرة، هي أقوى من أي استفتاء عن حجم تأثير ارتفاع الأسعار في الناس ومقدار الارتفاع الكبير في الأسعار ويفترض أن تؤثر في وزارة التجارة والجهات المعنية بالمستهلك (إن كانت قد بدأت أعمالها)، لأن تلك النبرة العالية من الملايين أقوى من مئات المقالات وعشرات الرسوم الكاريكاتورية في جريدة، على الأقل فهي ليست “كلام جرايد” كما يدّعون ليقللوا من أهميتها.

الذي نؤمن إيماناً قاطعاً ونجزم به أن الله سبحانه وتعالى سوف يستجيب لدعاء المؤمنين فهو مجيب الدعاء (ادعوني استجب لكم) وإن لم تأت استجابته سبحانه على أيدي هؤلاء فنرجو أن تأتي على يد غيرهم.

سعر صرف المدارس الخاصة

عبثاً حاولت أن أجد مبرراً لرفع رسوم الدراسة في المدارس الخاصة والأهلية بذلك الشكل الشامل، الموحد، المؤقت، المسكوت عنه.
سكوت وزارة التربية والتعليم عن الزيادة ليس (مبرراً) لها وإنما (ممرر) للزيادة التي لم تصاحبها زيادة في رواتب المعلمات والمعلمين السعوديين المجبرين على العمل في المدارس الخاصة، لتصبح على الأقل تبريراً و(تبريداً) على قلب الأسر السعودية التي لابد أنها تتساءل عن “السر الغريب” الذي يكتنف صمت هذه الوزارة عن ممارسات المدارس الخاصة في عدم توظيف السعوديات برواتب معقولة، ورفع رسوم الدراسة بنسب غير معقولة، وكأن الوزارة والمدارس وجهان لعملة واحدة، والعملة إذا سقطت على أرض هشة لا تسمع لها ذات الرنين!!.

حاولت أن أعرف سبباً لرفع رسوم الدراسة فلم أجد!! قلت هل لارتفاع “الرز” علاقة؟! فوجدت أن المدارس تغلق قبل الغداء وقبل ساعة إعداد (الرز) إلا إذا كان الآباء يدفعون فرق ارتفاع سعر أرز مالك المدرسة وشركائه؟! ثم تساءلت هل رفع الرسوم جاء تعويضاً لانخفاض دخل المقاصف المدرسية خلال شهر رمضان؟! فوجدت أنها مجرد (25) يوماً رمضانياً لا تتناسب خسائرها مع حجم الارتفاع!!.

حقيقة لم أجد مبرراً مقنعاً ولا غير مقنع وعندما لا تجد مبرراً لارتفاع الأسعار فعليك بعذر “اليورو” لأن “اليورو” دائماً “يورينا” الويل في الأدوية والسلع، لكنني سرعان ما أصبت بخيبة أمل في إيجاد مبرر غير “الممرر” فالمدارس الخاصة لا تدفع تكاليف للكتب ولا للأدوات المدرسية ولا لعلاج الطلاب وأدويتهم بما فيها مطهرات الجروح والشاش الطبي لإسعاف الطالب المضروب ضرباً مبرحاً أو المعلمة المنهكة من ساعات الدوام الطويلة وقهر الأجر، لا تدفع المدرسة الخاصة لا بالريال ولا الدولار ولا اليورو فكيف أجعل “اليورو” مبرراً؟!.

وجدتها، إنها أسعار مواد البناء عند إنشاء المدرسة فبعضها يمكن أن نقحم فيه “اليورو” لكن المشكلة أمام هذا المبرر أن المدارس المفتتحة سابقاً لم “تلحق” على ارتفاع سعر صرف اليورو، والمدارس التي افتتحت هذا العام لا بد أن “أساساتها” قديمة ومخططاتها كان “مخططاً” لها منذ عشر سنوات على أقل تقدير وبناؤها لابد وأنه بدأ منذ أربع سنوات وهي حتى وإن افتتحت هذا العام فقد كانت جاهزة قبل توزيع رقاع الدعوات وقبل ارتفاع سعر اليورو.

إذاً لا علاقة لسعر صرف العملة بالموضوع ولعل السر يتضح في الوجه الآخر للعملة.