الكاتب: محمد الأحيدب

عبدالله .. كله بركة

الأجيال الحالية في حاجة إلى العبر ، والتذكير بالتنبؤات المبنية على فروسية الرجال ، وليس تنبؤات المنجمين ، والمؤسسة على قراءة طباع الأفذاذ وليس قراءة الكف.
اسمحوا لي بأن أستشهد بكلمة قالها لي والدي (رحمه الله) منذ حوالي ثلاثين سنة ، ليس لأنه والدي ، ولكن لكونه رجلاً عاصر الوطن منذ عهد الملك المؤسس عبدالعزيز بن عبدالرحمن ( رحمه الله) ، ولأنه كان كهلا علمته سنوات الفقر والخوف والمرض كيف يحسن تقييم النعمة ، وليس استغلالا للزاوية في شأن شخصي ولكنه استغلال للحقيقة في شأن وطني.

كان والدي عسكرياً في الحرس الوطني (تقاعد وتوفي وهو برتبة وكيل رقيب ، بكل فخر) ولم يكن يجرؤ على قيادة السيارة في الرياض فاشترى لي سيارة وأنا في مرحلة الكفاءة (وانيت داتسون غمارة) وكنت أوصله صباحا إلى مقر عمله في ما كان يسمى آنذاك ( قراش الحرس ) في العود وأعيده منه بعد الظهر وأجالس زملاءه ولازلت أذكر أسماء بعضهم.

بيت القصيد أنه ما أن يصل مقر عمله لابد أن يلتفت إلي ويقول : “إذا تخرجت وأنا أبوك توظف في الحرس ، ترى عبدالله كله بركه ، مبروك وما جاء فيه تبارك” ولم تبارح عبارته تلك ذهني ومخيلتي ، ولا تزال ترن في أذني مثلما أن دلالاتها وشواهدها تتجسد واضحة في أنحاء وطني.

كنا ، أقصد جيلنا ، نقدس نصيحة الوالد ولا نخالفها لأننا كنا ندرك أن أحداً لن يخلص النصح لك أكثر من والديك ، وأنك لن تجد رجلا يمنحك عصارة خبرته وحكمته وتجربته في الحياة مثل والدك ، (أتمنى من شباب هذا الزمان أن لا يهملوا هذه الحقيقة الثابتة) لذا فبعد حصولي على الماجستير من جامعة الملك سعود عملت محاضرا لسنتين ثم انتقلت للعمل في الحرس الوطني.

البركة التي أيقن بها والدي لمسناها في كل شأن يتعلق بالملك عبدالله بن عبد العزيز ولعل أحد الأمثلة ميزانية هذا العام وهي الأكبر في تاريخ المملكة ، والتي شهدت أرقاما قياسية تسجل لأول مرة وركزت على التنمية والرعاية الصحية والتعليم والرعاية الاجتماعية ومحاربة الفقر فهذه الميزانية مع ماحققته المملكة من تحرك موفق على كافة الأصعدة السياسية والاجتماعية والصناعية والاتفاقات الاقتصادية مع عدد من الدول الصديقة ، كلها شواهد وأمثلة تجسد تلك البركة التي طرحها الخالق سبحانه في راعٍ قام بمسؤوليته نحو رعيته بكل إيمان وامتثال لأمر ربه ، وإخلاص وبذل وجهد وحنية صادقة صافية.

عبدالله بن عبدالعزيز رجل مبارك أينما حل ، وفي أي أمر تدخل ، مبارك لوطنه ولأمته العربية والإسلامية وللعالم أجمع ، وهي بركة تلمسها في أفعاله التي تسبق أقواله ، وفي مشاعر قلبه كما هي في تعابير وجهه ، تلك التعابير التي تنطق إخلاصا وحبا لشعبه بلغة لم تكن قراءتها حكراً على والدي منذ ثلاثين سنة ، بل يستطيع كل ذي بصيرة أن يقرأها ، أما شواهدها ونتائجها فقد نظر لها الأعمى وأسمعت من به صمم محليا وعالميا.

حقوق الإنسان الأسهل

لن يكون عمل أي جمعية لحقوق الإنسان في العالم أسهل من عمل جمعية تعمل في بلد يطبق الشريعة الإسلامية كالمملكة، لأن دستور المملكة وأنظمتها مستمدة من شرع الخالق سبحانه وهو أرحم الراحمين بخلقه، وقد وضع لهم أسلوب الحياة الذي يضمن عدم جور أي منهم على الآخر، ويضمن حياة كريمة لا فرق فيها بين عربي ولا عجمي، ولا أسود ولا أبيض إلا بالتقوى.
أقصد أن جمعية حقوق الإنسان التي تعمل في بلد يطبق الشريعة الإسلامية ليست في حاجة إلى تعديل دستور، ولا إلى تغيير أنظمة ولا إلى إقناع حكومة بتطبيق الحد الأدنى مما يحقق كرامة الإنسان، فهي في غنى عن مرحلة التأسيس لقوانين وأنظمة تحمي حقوق الإنسان، كما أنها أمام شرع واضح ثابت، لا يتغير بناءً على تغير الظروف، مثلما حدث في الولايات المتحدة الأمريكية (أكبر أدعياء وأعداء حقوق الإنسان) عندما لويت أعناق الأنظمة والقوانين الحقوقية بين يوم وليلة لتقبل بالاعتقال التعسفي والتجريد من الحقوق الشخصية واقتحام المنازل، والسجن دون تهمة والتنصت على الخصوصيات، والتعامل حسب الهوية والجنسية، ثم امتلاك اكبر معقل لانتهاك حقوق الإنسان في “غوانتانامو” حيث لا أنظمة ولا قوانين ولا حقوق.

جمعية حقوق الإنسان في بلد كالمملكة وجدت تشريعاً جاهزاً مبنيا على شرع سماوي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، ولا يقبل تغييراً ولا يحتاج لتبديل ودور الجمعية ورجالاتها هو متابعة التنفيذ على مستوى الأفراد القائمين على التنفيذ سواء كان مديراً أو وزيراً أو مسؤولاً عن شأن إنساني.

أي أن جمعية حقوق الإنسان في المملكة كفيت الدور المنهك وهو ضمان وجود الأنظمة وأصبح دورها الأهم هو الدور الرقابي على حسن التنفيذ وتمشيه مع التشريع، وملاحقة الحالات التي تنتهك فيها حقوق طفل أو مريض أو عامل أو موظف أو سجين أو زوجة أو حتى طالب وهي انتهاكات تحدث بسبب سلوك فرد وليس نهج دولة، والخلل في سلوك الفرد أمر متوقع ولا يعيب الوطن كله وقد يحدث في أي منشأة فيها أفراد وجماعات بما فيها جمعية حقوق الإنسان نفسها.

ولهذا فإن أهم أولويات جمعية حقوق الإنسان في نظري هو التأكد من أن عناصر الجمعية والعاملين فيها، أنفسهم، لديهم الحماس والقدرة والكفاءة والمبادئ التي تؤهلهم للوقوف مع الآخرين دون التأثر بعلاقة مع موظف أو قرابة لمدير أو صاحب مؤسسة أو موقف شخصي أو فكري أو قبلي تجاه الطرف المحتاج للحماية وأن تعمل على استقطاب الأفراد الأكثر حماسا لحقوق الإنسان لأن في ذلك ما يساعد على الأداء المطلوب.

الوجهة والتوجّه

جميل أن ينتمي الإنسان لمسقط رأسه، أو قريته أو منطقته، والأجمل أن يرسخ هذا الانتماء بزيارتها وقضاء الأعياد فيها والتواصل مع أهلها وبلديتها ويعينهم بالرأي والمشورة والدعم المادي إذا كان مقتدراً .. هذا أمر لا غبار عليه وهو من الوطنية وقوة الانتماء فمن لا خير فيه لقريته لا خير فيه لوطنه.
في الوقت ذاته فإن من القبح بمكان أن ينحاز الإنسان إلى قريته أو منطقته فيما يخص مجال عمله ومسؤولياته، فلا يوظف إلا أبناء ديرته ولا يدعم بالمشاريع إلا منطقته ولا يقف مع أحد إلا إذا كان من قريته، فهذه هي المناطقية المقيتة التي تضر بالوطن الأم، وأعجب كيف لأحد أن يقبل بأن يضر بأمه من أجل إحدى بناتها، وأجزم أن من يتعامل من منطلق المناطقية والانحياز لأهل المنطقة أو القرية على حساب أهل الوطن الكبير ما هو إلا أهوج ليس في نفسه منبت للولاء وإنما هو أقرب للفساد منه للانتماء.

الانتماء للقرية أو المنطقة بالدعم الذاتي من مال الشخص أو أفكاره عامل بناءٍ وازدهار للقرية والمنطقة ومن ثم الوطن، أما التحيز والانحياز الذي يؤثر حتى في قرارات الشخص في مجال وظيفة منحها إياه الوطن فهو عامل هدم وتخلف، وليقعد في قريته ويرى إن جاءه المنصب أم لا!!.

قال لي أحدهم (ذات يوم) بعد أن وجهت لإدارته نقداً لاذعاً قال : ألست من أهل جلاجل ؟! قلت : بلى، قال وكيف تنتقدني وأنا من سدير؟! فتعمدت الضحك بقوة وقلت له: ما العلاقة بين الأمرين؟! فأردف قائلاً ألم نلتق على العشاء في منزل فلان أكثر من مرة ؟! أهو أنت أم أحيدب غيرك؟! قلت بل هو أنا، فصرخ مستغرباً ولماذا إذاً تهاجمني؟!

قلت ضاحكاً : لو كنت أعلم أن هذه عقليتك لهاجمتك في عقلك وليس في أدائك لعملك، وقد فعلت حتى راح وأراح.

وسألني أحدهم عن أحد المحاورين الأفذاذ في قناة الإخبارية قائلاً هل هو من سدير؟! قلت لا أعلم ولم اسأله، فأردف ولكنه استضافك وحاورك ذات مرة !! قلت : أكثر من مرة، ولكنه كان يسألني عن توجهي ولم يسأل قط عن وجهتي.

بيان العدل ومؤتمر الاستخبارات ومتحدث الداخلية

وزارة العدل، وقبلها الرئاسة العامة لهيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، اقتنعتا بإصدار بيانات توضيحية لما تتداوله وسائل الإعلام الخارجية والداخلية ومواقع الانترنت عن بعض القضايا الشائكة والمناسبة لانتشار الشائعات واللغط وسيادة الاصطياد في الماء العكر، وهذا هو عين الصواب الذي كنا نطالب به منذ مدة، لأن الصمت الرسمي هو أفضل وسط لنمو الشائعات وأكبر مسطحات المياه العكرة التي يصطاد فيها أعداء هذا الوطن، بما فيهم القنوات الفضائية التي تدعي الحياد، وتمارس محاربة هذا البلد الأمين بما يشبه “الاستهبال” الإعلامي فهي تعرف الحقيقة وتستغل غيابها، أو الصمت حيالها وعدم إعلانها، فتقوم بإثارة الزوابع، واعتقد جازماً أن قناة CNN التي أفردت ثلاثة أيام متتالية للحديث عن موضوع “فتاة القطيف” سوف يخرسها إيضاح وزارة العدل الذي أتمنى أن تبعث ترجمته لهذه القناة وتطالب بنشره، على الأقل لنفضح عدم حيادية الإعلام الأمريكي عندما يتعلق الأمر بالمملكة.
من جهة أخرى سجلت رئاسة الاستخبارات العامة رقماً قياسياً في مجال الانفتاح على المجتمع لم تسجله “الاستخبارات” في أي دولة أخرى، خاصة دول العالم الثالث، عندما نظمت مؤتمر تقنية المعلومات والأمن الوطني، وبذلك أحدث هذا الجهاز نقلة نوعية ووثبة طويلة فتحول خلال أيام معدودة من جهاز يبعث ذكره على الخوف إلى منبر علمي يتسابق العلماء لطرح أوراقهم العلمية في مؤتمره الأول، ومن جهاز يرعب استدعاؤه النفوس إلى جهاز يتفاخر المدعوون باستلام رقاع الدعوة منه لحضور مؤتمر تقني.

وقبل هذا وذاك كانت وزارة الداخلية السعودية قد نفذت حكم قطع رأس الشائعات بتعيين متحدث رسمي يخرج في كل مناسبة ليوضح أي لبس قبل حدوثه، ويجيب على التساؤلات قبل رواجها، وبذلك لم تترك الداخلية أدنى فرصة لمن يستمتع بالصيد في الماء العكر لأنها كانت تمارس تنقية فورية للمياه.

كانت تلك جملة من التحولات السريعة إلى الشفافية والانفتاح على المجتمع مارستها الجهات الأكثر حساسية والأكثر أهمية والتي عرفت في دول أخرى بانعزالها وعرفت لدينا بتحفظها الشديد ردهاً من الزمن، لكن هذه الشفافية أتت أكلها سريعاً، فهل تقتدي بها بعض الوزارات الخدمية والإدارات الصغيرة التي لا زالت تمارس المغالطات والتراشق واستغفال العقول، لمحاولة درء سوءتها؟!.

على الجميع الاقتداء بوضوح الداخلية وشفافية العدل وتجاوب هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وانفتاح رئاسة الاستخبارات العامة إذا ما أرادوا السير في ركب الوطن نحو الشفافية واحترام العقول، ذلك الركب الذي يقوده خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز ملك الإصلاح.

مَن للمتعففين؟!

في كل دول العالم المتقدمة والنامية والمتخلفة يوجد المشردون ويطلق عليهم صفة “هوملس” أي “بدون مأوى”، لكن التعامل معهم يختلف من دولة لأخرى، ونحن بكل المعطيات الدينية والاجتماعية والمالية والإنسانية ودعم القيادة الحانية أولى منهم جميعاً ولكن أين الموظف الذي يعمل للوظيفة المكلف بها وليس لنفسه فقط؟!
وكيل وزارة الشؤون الاجتماعية الأخ محمد العقلة قال في حوار تلفزيوني مع قناة الاقتصادية الفضائية ما نصه : إن الوزارة تطبق البحث الآلي عن الفقراء وبذلك قلصت مدة البحث من ستة أشهر إلى 15يوماً)، وعندما سألناه على الهواء أين البحث الآلي من أحد المحتاجين الذي اتصل من جدة بل أين البحث الآلي ممن يكتب عنهم الزملاء مناحي الشيباني و صالح الجميعة وسالم الكنعان يوميا في هذه الجريدة ومن يكتب عنهم في صحف غيرها؟!، استدرك وقال :(إن البحث الآلي لا يشمل الجدد وإنما يشمل المسجلين في الضمان سابقا)، وهذا يؤكد أن الشؤون الاجتماعية لدينا لا تزال تفتقد لآلية الوصول للمتعففين ومن لا يسألون الناس إلحافا.

إلى متى لا ترى وزارة الشؤون الاجتماعية إلا من تنشر عنه الصحف، ولا تتفاعل إلا مع من تفضح صوره قصور أدائها، ولا تتحرك مشاعرها إلا بعد أن تهتز مشاعر القراء، خوفاً من بعضهم؟!

أي عمل هو من صميم عمل هذه الوزارة (بعد فصل العمل عنها) أهم من إيواء المشرد وكفالة اليتيم وسد عوز الفقير؟!

إلى متى ووزارة الشؤون الاجتماعية تعتقد أن الميدان ليس من شؤونها وتصر على الاعتماد على سياسة موظف الكرسي الذي ينتظر توافد المحتاجين له وتوسلهم إليه ومع ذلك لا يتأثر إلا بما ينشر؟!

لماذا يكون النشر في الصحف حلقة أساسية في سلسلة تعامل وزارة خدمية مع المستفيدين من خدماتها، ولماذا لا تكون لوزارة الشؤون الاجتماعية عيونها وكشافوها الذين يعملون بستر وجدية ويتم التعامل مع تقاريرهم بمثل التعامل مع التقارير الصحفية بدءاً بأعلى هرم الوزارة وانتهاء بأصغر منصب فيها؟!

الشورى والضيف القادم

يجب أن نفخر كمواطنين بما وصلنا إليه فنحن نتطور بسرعة جيدة ومتزنة، والقناعة كنز لا يفنى، ويجب أن نتفاءل بأن القادم يحمل الكثير من البشائر فنحن نسير في الطريق الصحيح بخطى واثقة ورزينة، فكيف كنا؟ وأين أصبحنا؟!.
وصلنا مرحلة يناقش فيها مجلس الشورى الوزير عن هموم المواطنين وعن أمور دقيقة، ثم أصبحت هذه المناقشة تنقل لنا عبر التلفاز، وسبق أن وعد معالي الدكتور صالح بن حميد رئيس مجلس الشورى عبر الصحف بنقل مباشر للتحاور مع الوزراء وهذا جيد وتقدم كبير وسريع ورزين، ويدل على اهتمام كبير تلقاه هموم المواطن، وهذا مريح.

بكل فخر واعتزاز بما يقدمه مجلس الشورى أتقدم كمواطن فخور باقتراح متواضع: أقترح أن لا ترتبط الاستضافة بحدث ما أو ظاهرة اجتماعية، لا في التوقيت ولا في حدود المساءلة، مثلما حدث في مناقشة وزير التجارة عن ارتفاع الأسعار، كما أتمنى أن لا تقتصر فقط على الوزراء بل كل من يرتبط بمصالح المواطنين ويتضررون منه حتى لو كان أقل من مرتبة وزير.

ولمزيد من الوضوح أقول بأن على مجلس الشورى أن يستبق حدوث بعض المشاكل ويسائل المعنيين بها بناءً على ما يعلمه المجلس من قصور لابد وأن يؤدي إلى شكوى أو معاناة قادمة حتى قبل أن تحدث، فمثلاً إذا وجدت وزارة أو إدارة تعاني من غياب النظم والإجراءات والضوابط التي تحكم سير العمل، أو توجد بها الضوابط ولكن على ورق، فلا تحظى بالاحترام، فإن من الطبيعي جداً أن تعمها الفوضى وتزداد مشاكلها ومن ثم الشكوى منها وبالتالي فإن من الجيد أن يتنبأ المجلس باحتمال حدوث مشكلة على أساس أن “البعرة تدل على البعير” ويبدأ في مساءلة المسؤول عن غياب الأنظمة أو الفوضى الإدارية وكل ما قد يسبب أو سبب حدوث مشاكل قبل تفاقمها.

أيضاً الوزراء ليسوا هم فقط المعنيون بكل هموم المواطن فثمة مسؤولون مراتبهم أقل لكن صداعهم أكبر، والمتضررون من سوء إدارتهم أكثر، فإذا كان لهم ارتباط مباشر بمصالح الناس وخدمتهم ورعايتهم فلماذا لا تتم مساءلتهم؟!.

أجزم أن مجلس الشورى بفضيلة رئيسه العدل وأعضائه المخلصين قادرون على تلمس احتياجات المواطنين وتتبع شكواهم وقبل ذلك التدقيق في بوادر القصور لدى بعض الإدارات حتى قبل أن تفوح رائحتها في شكل ضرر ومن ثم مساءلة القادم عليها بحيث لا نشعر من هو الضيف القادم للمناقشة أو المدير الذي سيمثل أمام المجلس قبل أن يستفحل خطره وظلمه وضرره.

فينا واحد يلعب

أشكال المعاناة التي يعاني منها مجتمعنا مثل خسائر المواطنين في سوق الأسهم، ومقاومة القطاع الخاص لخطوات السعودة ومشاكل تعيين المعلمات السعوديات في مناطق نائية بينما توظف المدارس الخاصة متعاقدات في المدن الرئيسية لأنهم لا يريدون توظيف السعودية إلا بأجر زهيد، وارتفاع الأسعار، وأشكال وممارسات القطاع الصحي الخاص، وحيل مكاتب الاستقدام، والغش التجاري بجميع صوره وأشكاله، والمخالفات الشنيعة للمطاعم واستخدامها لأغذية فاسدة وأماكن تحضير مقززة، وتحايل العقاريين في المساهمات العقارية، جميعها صور تدل على أن فرص الكسب التي يتيحها الوطن بسماحة وحرية ويسر تُستغل أسوأ استغلال من قبل بعض أو معظم التجار.
لقد اتضح جلياً أن الوطن يعطي بسخاء وهؤلاء يأخذون بشراهة ونهم وغياب ضمير، صحيح أن معاناة المواطن أو المستهلك في هذا الوطن المعطاء لا تقارن بغيره من دول العالم الثالث، وأن من الإنصاف القول إننا أفضل حالاً من كثير من مواطني دول أخرى، لكن يسر الحلول وسهولتها وكونها في متناول اليد يجعلنا أكثر إلحاحاً وأكثر مطالبة.

معظم المشاكل يمكن تلخيصها بالقول إن “فينا واحداً يلعب وفينا واحداً يعاني”، فالتاجر يلعب والمستهلك يعاني مع أن كل الظروف والمعطيات والأجواء مهيأة لأن يربح التاجر دون أن يلعب ويستفيد المستهلك دون أن يعاني!! وكل ما نحتاج إليه هو سرعة تفعيل أوامر ملك تخالط هموم شعبه أنفاسه، ويجري حبهم وعطفه عليهم في دمه.

ولعل أوضح الشواهد صدور باقة متكاملة من الأوامر الملكية بإنشاء هيئة حكومية لحماية المستهلك ولجنة مشابهة من الأهالي وفي نفس الوقت إعادة لهيكلة القضاء ومحاكم متخصصة وكل ذلك يصب في صالح الكسب دون لعب والاستفادة دون معاناة.

كل ما أتمناه واستناداً إلى التاريخ والتجارب السابقة والمشابهة أن لا يتدخل التجار في تشكيل وعمل لجنة حماية المستهلك لأن التجار إذا دخلوا لجنة أفسدوها ولأن ثمة تضارب مصالح واضحاً بين التاجر والحماية.

المجرم الحقيقي طليق

ماذا نتوقع من إهمال المرضى النفسيين في مجتمعنا، وحرمانهم من الرعاية الصحية الحقيقية المتخصصة (ليس مجرد احتجاز المحظوظ منهم في مصحات غير مهيأة لعلاجهم)؟! هل نتوقع أن نصبح على حادث لمريض نفسي يطعن والده ونمسي على حادثة مريض نفسي يقطع رأس ابن أخيه، كما نشر في هذه الجريدة يومي الثلاثاء والأربعاء من الأسبوع قبل الماضي (حادثتين دمويتين في يومين!!).
وقبل ذلك نشر عن حادث مريض نفسي يقتل أخاه ذا التسع سنوات بدم بارد في حريملاء، وآخر يحرق سيارته في أحد شوارع أبها، أو ذلك الذي خلع ملابسه وتعرى عند اشارة مرور مقابل مبنى مجلس الشورى، وقد كتبت حينها أنه ربما أراد بعث رسالة للمجلس الموقر علّه يلتفت للمرضى النفسيين.

مسكين هذا المريض النفسي، لا يقدر على الشكوى بلسان فصيح ولو اشتكى بلسانه فحجته ضعيفة فهو مجرد مختل عقلياً أهمله مختل إدارياً.

لاحظ أنني لم اسمِّ أياً من الحوادث التي استشهدت بها “جريمة” بل “حادثة” لأن ما يرتكبه المريض النفسي حادثة مجرمها الحقيقي طليق.

أتساءل دائماً: لماذا يقتصر التقرير في شأن وطني حساس، لشرائح كبرى من المجتمع، هم المرضى، على مديرين لا يملكون غير تأهيل طبي نحترمه ونقدره لكنه لا يعطي صاحبه خاصية “الجوكر” العالم بكل شيء، فالطبيب الناجح، مثل المهندس الناجح والمحاسب الناجح، لا يفترض بالضرورة أن يكون مدركاً لخطورة قراره الإداري بإهمال شريحة من المجتمع حتى لو كانوا مرضى!! فما يربطه بهم هو قدرته على تشخيص مرضهم وعلاجهم فقط، إذا كان ضمن مجال تخصصه.

إذاً وما دام التخصص بهذه الدقة والانتقائية فإن من الظلم أن يتولى الطبيب منصباً إدارياً يخوله لتقرير مصير شريحة كبرى من المجتمع في شأن خدمي يتعلق باستراتيجية الدولة في رعاية مواطنيها وشمولية الرعاية والتخطيط لها وتنفيذها، فالطبيب يتعامل مع المرضى لكنه قد لا يدرك خطورة عدم انشاء مستشفيات تستوعب كل المرضى النفسيين لأن رسم الاستراتيجيات لاستيعاب شرائح كبيرة من المجتمع ليس من تخصص الأطباء، ولأن استشعار المخاطر الاجتماعية والنفسية والأمنية لإهمال شريحة كبرى ليس ضمن قدراتهم.

عجباً يا وطني كيف نتقيد بالتخصص الدقيق جداً في علم الطب الذي درس الدارس عمومه وتخصص في فروعه وننسى بأن الإدارة والتخطيط والاقتصاد تخصصات لا يجيدها الطبيب ولم يدرس مقرراً واحداً منها؟!!

اقتراح للوطن عبر وزارة البترول

منذ حادث تفجير العليا عام 1996م والحوادث الإرهابية التي استهدفت بعض الأجانب في المملكة وتضخيم الإعلام الغربي لهذا الاستهداف وادعاء حدوث فجوة بين السعوديين وضيوفهم من الأجانب العاملين في المملكة رجالا ونساء، وادعاء الإعلام الأمريكي أن العاملين الأجانب في المملكة غير مطمئنين ويغادرون بأعداد كبيرة ، منذ ذلك الحين وأنا أرى بأن جولة أي وفد غربي يزور المملكة ،خاصة الوفود الصحفية، يجب أن لا تركز على المباني والمنشآت والمواقع التراثية وأسواق الذهب بل علينا أن نركز على كل ما يدحض ادعاءات الإعلام المعادي ويوضح حقيقة عقلية الإنسان المسلم السعودي المحب لغيره والإطلاع المباشر على أحوال ونفسيات العاملين الأجانب وخاصة الأوربيين والأمريكيين في المملكة لتكون شهادة من شاهد منهم بأن إعلامهم لا يعكس واقع المملكة وأنه حتى الصحف الأمريكية والأوروبية التي يعملون بها (بالنسبة للوفود الصحفية) ليست أهدافها نزيهة ولا نهجها محايداً عندما يتعلق الأمر بالمملكة .
وكنت ولا زلت أرى أن عقد لقاءات وحفلات عشاء أو غداء تجمع تلك الوفود مع أبناء جلدتهم العاملين هنا ومع أبناء المملكة للتحاور والنقاش وتبادل الأحاديث بل وحتى (النكات) أهم من مجرد الإطلاع على مشاريع وأسواق بيع الذهب .

طبقت هذا المفهوم أول مرة منذ عدة سنوات عندما زار المملكة وفد من الكتاب والصحفيين الأمريكيين قوامه 25رجلاً وامرأة، وكان ضمن برنامج الوفد زيارة الشئون الصحية بالحرس الوطني، وكلفني معالي الدكتور فهد العبد الجبار ،المدير العام التنفيذي آنذاك، بتولي برنامج الجولة ، وهو رجل إذا كلف موظفا لا يتدخل في عمله ولا يتردد في محاسبته إذا تهاون قلت له: لا جولة لهم عندي، وليس أبلغ من أن نجعلهم يستمعون إلى أبناء جلدتهم وأبنائنا في جلسة شاي وقهوة في المقهى المفتوح في المدينة السكنية وندعهم يسألون عما يريدون، وبذلك سوف يتجولون جولة سمعية يصف خلالها حكم من أهلهم وأهلنا ما يجده في هذا البلد الأمين بما يصحح نظرتهم، لكنني لا أعدك بأنهم جميعا سيكتبون انطباعهم وإن كتبوا فقد لا ينشر ولكنه انطباع سيبقى وينتشر في المجتمع الغربي رغما عن صحفهم!! ، وجاءت موافقته في شكل ابتسامة ونظرة إخلاص وطني لم يعقبها شرح (حسب النظام) أو إحالة إلى لجنة.

وفعلا تم اللقاء في الهواء الطلق ودون تكلف وعلى طاولات مقهى أشبه بمقاهي خان الخليلي وطلب الضيوف تمديد اللقاء ساعتين على حساب مدة الزيارة التالية .

أقترح على وزارة البترول والثروة المعدنية أن تستغل مناسبة انعقاد قمة أوبك الثالثة في تنظيم لقاءات مشابهة خاصة للوفود الصحفية مع الكوادر السعودية الشابة ومع العاملين في المملكة ، في حفلات شاي بسيطة غير مكلفة ولا متكلفة في أجواء الرياض الرائعة هذه الأيام وستكون أجمل لو تمت في المزارع أو الصحراء حول النار(نار تدفئ المشاعر ولا تحرقها)، فالطابع الشاعري لبعض اللقاءات تجعله لا ينسى .

إحباط الخير ونشوة الشر

راجعت مخزون شكوى الناس في الذاكرة منذ أن بدأت أتلقى همومهم طوال أكثر من ربع قرن من العمل الصحفي سواء كمحرر أو محقق صحفي أو كاتب فوجدت أن أكثر الناس إحباطاً هم أكثرهم إخلاصاً لعملهم وحباً لوطنهم “اللبنانيون يقولون: على قدر المحبة العشم كبير”.
مثلاً مراقب البلدية، الذي يجتهد في عمله ويخلص فيه ويمنحه جل وقته وقمة النزاهة، إذا ضبط مخالفة ووثقها وقدمها لرئيسه فلم يتفاعل معها أو حال دون العقوبة الرادعة أو قبل فيها شفاعة شيطان، يصاب المراقب بقمة الإحباط المؤثر في أداء عمله.

نفس الشيء ينطبق على جندي المرور ورجل الأمن وضابط مكافحة المخدرات والمحقق الجنائي بل وحتى القاضي، فكل مخلص لا يرى نهاية ناجحة لعمله يضاف إلى طابور المحبطين، إن عاجلاً أو آجلاً.

الموظف عندما يخلص في أداء عمله والانضباط فيه ثم يرى أن التقدير والترقية تذهب إلى قريب المسئول أو صهره أو صديقه أو أحد وشاة العمل فإن الموظف المخلص ينضم للطابور نفسه.

الطبيب النزيه المخلص لمرضاه الذي يجند كل وقته لهم ولعمله في دائرته الحكومية إذا رأى زملاءه يتسربون إلى المستشفيات الخاصة منذ العاشرة صباحاً ثم يسكنون أفضل من سكنه ويركبون أفضل مما يركب ويجدون من تقدير إدارة المستشفى خيراً مما يجد فإنه لا شك يحبط ويتألم وللحق فإن لهؤلاء عزاءً يرونه في عيون مرضاهم وتأديتهم لرسالتهم الإنسانية وما ينتظرهم من أجر الصابر الزاهد.

الموظف الخبير، ثاقب الرؤية، صاحب المقترحات البناءة إذا وجد أن مديره يتبنى أفكاره ومقترحاته وينسبها لنفسه فإنه لا بد محبط ومتوقف عن تقديم الخطط والمشاريع والمقترحات، يقول لي طبيب في تخصص نادر ويملك حساً مرهفاً لحل المشاكل المزمنة والمستعصية انه كان يقدم المقترح تلو الآخر فيطير به المدير بعد أن يستبدل اسم المقترح باسمه، يقول وبعد ذلك أصبحت أشترط أن أكلف رسمياً بإعداد الدراسات ويوثق تسليمي لها، فلم أكلف بعد ذلك وارتحت ولم أرح !!.

ومثلما أن أكثر الناس إحباطاً هو مراقب البلدية الذي لا يرى نتيجة للمخالفة التي بلغ عنها، فإن أكثر الموظفين نشوة بالنجاح هو ذلك الواشي الذي يقطر في أذن المدير لأنه يرى النتيجة الفورية لعمله، خصوصاً إذا كان المدير أخرقاً فليس أيسر من “خرق الأذن”.

أما ما هو الحل لعدة إحباطات للخير ونجاح واحد لأن الشر مطيته فهو بأن نضع لكل شيء ولكل عمل ولكل خطوة نظم وضوابط وسياسات وإجراءات لا تفترض الثقة بالنزعات البشرية.