الكاتب: محمد الأحيدب

الإخفاق الشخصي

التناقض مهما كان في شأن صغير أو كبير فهو يشير إلى خلل في الشخصية وعدم انسجام بين ما نشعر وما نفعل .
أبسط الأمثلة تراها في كل لحظة عند إشارة المرور الحمراء، دقق وستجد أن معظم العربات في الصف الأول تتقدم تدريجياً عن الإشارة حتى تتعدى مستوى القدرة على مشاهدة الإشارة لأنها أصبحت خلف السائق وهذا يوحي بأن السائق في عجلة من أمره، لكن الواقع أن الإشارة تتحول إلى خضراء وهو لم يتحرك ولن يتحرك إلا بمنبه ممن يقف خلفه فهو هنا تأخر ولم يتقدم، ويفترض للمستعجل فعلاً أن يقف في مكان يجعله أول من يشاهد تحول الإشارة إلى الخضراء .

ذلك السلوك بالإضافة إلى القيادة بسرعة كبيرة وتخط مخيف للعربات عبر كل مسار وبطرق متهورة، يدل على أننا قوم مستعجلون على الدوام وفي واقع أعمالنا نحن لا نكترث بالوقت .

التناقض الآخر تجده في حرصنا على السعودة وانتمائنا الوطني وتعاطفنا مع أبنائه، الكل دون استثناء يطالب بالسعودة في المجالات والأعمال التي لا تتعلق بممتلكاته ومنافعه لكنه في الواقع يحارب السعودة عندما يتعارض الأمر مع مصالحه وربحيته، ليس هذا فقط بل حتى مع راحته الشخصية ورغباته العابرة أي أن التضحية في هذا الصدد معدومة تماماً فليس أصحاب الشركات والمصالح التجارية هم فقط من يطالبون بالسعودة في وظائف أبنائهم الحكومية ويحاربونها في توظيف أبناء الناس في شركاتهم بل إنني علمت من كثرة ركوبي مع السائق السعودي في سيارات الأجرة أو “الليموزين” أن المواطن محارب بشكل كبير في هذا المصدر الزهيد للرزق فهم جميعاً يشتكون بأن المرأة السعودية ترفض الركوب إذا عرفت أن سائق “الليموزين” سعودي وتفضل الأجنبي حتى لو بقيت في الشمس تنتظر (ثمة علامة استفهام وتعجب)، بل إن مجموعة النساء والعائلات يمتنعن عن الركوب مع السعودي، ربما لأنه يعرف ما سيدور من حديث !! أفلا تستحق السعودة التضحية “بالسواليف” مسافة الطريق ؟!.

الأخطر من هذا شكوى متكررة سمعتها من سائقي الليموزين السعوديين في المطار ومفادها أن رجال المرور يطبقون على السعودي أقصى عقوبة وأدق ترصد للأخطاء، بينما يغضون الطرف عن الآسيوي وقد وعدت أكثر من أربعة منهم بحوار صحفي وأعطيتهم رقم جوالي للتواصل لكنني لم أجد صعوبة في قراءة الخوف في العيون (ليس عدم صدق بل خوف !!).

على أي حال فإن إعاقة تنفيذ كل خطوات وأنظمة ومبادرات الدولة في مجال سعودة الليموزين واضحة للعيان ولا تحتاج إلى تحقيق صحفي .التناقض الأعجب هو فيما يخص نظرة المسؤول للإعلام، فالإعلام في نظره مهم جداً ومرجع موثوق إذا مدحه في مقال تمجيد أو خبر لإنجاز شخصي ونفس الإعلام مجرد “كلام جرايد” إذا انتقده في مقال صريح أو خبر لإخفاق شخصي !!.

طلع أمك

تلك قضية خطيرة، مضنية رغم سهولة العلاج لو وجد في كل قطاع مسؤول صحي يحمل هم الناس بدلا من حمل همومه الخاصة.
يبلغ عدد المرضى المزمنين، الذين يحتاجون إلى عناية طبية وتمريضية متوسطة طويلة الأمد حوالي 620مريضاً سنويا في مدينة الرياض فقط ومثل هذا العدد في المدن الرئيسة وأقل منه بالتأكيد في مدن أخرى وقرى وهجر.

الرعاية الطبية المتوسطة للمرضى المزمنين جزء لا يتجزأ من الرعاية الصحية لا تقل أهمية عن الرعاية الأولية والرعاية المتقدمة، وإن كانت تختلف عنهما في أنها أسهل وأيسر وأقل تكلفة.

في القطاعات الخمسة التي تقدم خدمات صحية حكومية هناك بعض المديرين من الأطباء الذين ينقصهم التأهيل الإداري، والحنكة الإدارية، ويعانون من ارتفاع أنزيمات حب الذات في القلب، وانخفاض شديد في كريات الدم (البيضاء) التي تحمل هم المريض وأقاربه وهم الوطن أجمع، فما الذي حدث؟!.

أصبح كل من لديه مريض مزمن يعاني الأمرّين في إيجاد سرير في مستشفى حكومي، سواء كان المريض شابا ضحية لحادث أصابه بغيبوبة أو شيخ أصابته جلطة مفاجئة جعلته أسيرا لجهاز التنفس وأنبوب التغذية عن طريق الأنف، بل أصبح يطلب من أهالي المرضى المنومين إخراجهم على وجه السرعة وإحضار ممرضة للعناية بهم في المنزل، وإذا كان استقدام الممرضة سوف يستغرق أشهرا فلا بأس بخادمة تتلقى التدريب في المستشفى، المهم أن يخرج المريض فهم يعتبرون المريض المزمن خارج نطاق التغطية الطبية، فلا يهمهم إلا المرضى الذين هم في كامل وعيهم فيمدحون في المجالس ووسائل الإعلام، أما مريض الجلطات والغيبوبة فصامت والصامت لا حق له عند هؤلاء (إما أن تمدح في المجالس فترغب أو تنتقد في الإعلام فترهب!!).

قد لا تكفي هذه المساحة لتغطية جوانب هذه الإشكالية الوطنية الكبرى المتمثلة في رفض دخول المريض المزمن للمستشفى أو إخراجه منه رغم حاجته لرعاية طبية وتمريضية متخصصة، وعدم توفير مراكز رعاية طويلة الأمد، لكنني اختصرها بالأسئلة التالية التي اجزم أنها تنزف نزفا حارا ومؤلما من قلوب مئات الأقارب ممن قيل لهم (أخرج مريضك):

كيف يتجرأ مدير صحي محدود الصلاحيات ويمنح نفسه صلاحية حرمان شريحة كبيرة من المرضى من حق الرعاية الصحية التي كفلتها لهم الدولة بل ووردت في النظام الأساسي للحكم؟!.

أي عقلية إدارية تلك التي تريد من كل قريب لمريض أن يستقدم ممرضة فإن لم يجد فخادمة؟ وما أثر ذلك على المجتمع؟!، بل أين ادعاءاتهم بدعم مهنة التمريض وهم يغرسون مفهوم أن الخادمة بقليل من التدريب تغني عن الممرضة، وهل سيأتي يوم يطلب فيه من قريب المريض استقدام طبيب وإن لم يجد فسائق يدرب على الطب؟!.

الحب من أول بيعة

بالرغم من الاحتياجات المشتركة بين كافة المواطنين إلا أن ثمة احتياجات خاصة تحظى بقدر أكبر من الاهتمام لدى فئة من الناس أو طيف من الأطياف الشعبية بناء على اهتمامات تلك الفئة ومجال عملها أو مجال تجارتها أو النشاط الذي تركز عليه، فتجدهم أكثر اهتماما من غيرهم بالإصلاح في هذا المجال والجديد حوله والتطوير فيه وملامح مستقبله، وبالتالي فإن ترسيخ عرى العلاقة والحب يزداد عندما يتعلق الإصلاح بهذا الشأن الهام لهم أكثر من غيرهم.
التاجر والمستثمر ينجذبان أكثر لما يتعلق بثبات الاقتصاد وتوسيع مجالات الاستثمار وتشجيعه، والفقير (وهو الأكثر عاطفة والأكثر امتنانا والأقوى تعلقا وحبا) ينجذب أكثر لما يتعلق بتحسين مستوى المعيشة وتيسير العيش وزيادة الرواتب والدخل، والمزارع يستهويه أكثر من يركز على المشاريع الزراعية وتيسير قروض الزراعة وشراء المحاصيل وتسديد ديون المزارعين، والصحفي، مثل غيره ممن ذكرناهم يمتن لهذا كله، لكنه يتعلق حبا وشغفا بمن يمنحه الهامش الأكبر من الحرية ويرسخ مفهوم الحوار والشفافية، والمريض بمن يسعى لرعايته ووقايته، ولا يتسع المجال لذكر كل الأطياف والفئات.

حسنا، إن إعجاز عبد الله بن عبد العزيز (الإنسان) يكمن في قدرته الفائقة (وبتمكين وهداية وإرشاد من رب رحيم حكيم) على الاستحواذ على حب وإعجاب وامتنان جميع الفئات والاهتمامات والأطياف في الداخل والخارج في زمن قياسي مقداره بيعتان بمقياس الولاء، وعامان بمقياس الزمن، ووحدته في مقياس الحب هي (اللانهاية) (حب لا يقدر بقياس).

لكل قلب مجاله الكهرومغناطيسي الذي ينجذب لهذا وينفر من ذاك، ولكل قلب نبضه الحسي (غير نبض التدفق) والنبض الحسي له موجة خاصة وتردد فريد، أما قلب عبد الله بن عبد العزيز (الملك) فقد اتضح جليا في أول خطاب له بعد البيعة وهو يردد (أشعر بأن الحمل ثقيل وأن الأمانة عظيمة)، وهو يعاهد الله ثم يعاهد شعبه أن يتخذ القرآن دستورا والإسلام منهجا وأن يكون شغله الشاغل إحقاق الحق وإرساء العدل وخدمة المواطنين كافة بلا تفرقة، اتضح جليا أن قلبه إنما يخفق بحاجة كل الفئات واهتمامات كل المهتمين لأنهم جميعا مواطنون وهو نذر نفسه لمعايشة همومهم وحل مشاكلهم وتفريج كربهم فالله سبحانه وتعالى انعم على هذا البلد الأمين بأن جعل لولي أمر شعبه قلبا له مجال مغناطيسي ينجذب لكل رعيته، ونبضا حسيا له موجة موحدة شاملة نبضت بالحب للجميع من أول بيعة!

كشف النقصان

لعل أكثر ما عانت منه الوظائف الفنية لدينا من هندسة وطب وصيدلة هو استعجال الإدارة، وكان ذلك أكثر ما كان في سنوات الطفرة حيث أُخذ على كل موظف سعودي استعجاله الحصول على مكتب وكرسي إداري حتى لو كان تأهيله وتخصصه أهم من أن يهجر وتترك معلوماته تتبخر بسبب الرغبة في وظيفة إدارية مكتبية رتيبة .
بلغ الأمر ذروته عندما أصبح معظم أصحاب التخصصات المهنية والفنية التي تعتمد على تدرب اليد وخفتها يعملون جاهدين على التحول إلى وظيفة مكتبية .

حمى “المكتبية” تلك لم تدم طويلاً فما هي إلا سنوات وشحت الوظائف وأصبح العرض أكثر من الطلب وأدرك من لديه معدل ذكاء طبيعي أن البقاء للصنعة والمهنة ومهارة اليد واقتنع الشباب والشابات بالانخراط في الأعمال المهنية اليدوية والإبداع فيها، لكن القطاع الخاص لا يريد أن يقتنع ولا يزال يصر على أن الشاب السعودي لا يريد غير وظيفة مكتبية رغم وجود أمثلة مشرفة في الشركات الكبرى والمنشآت الحكومية وشبه الحكومية، لكن من لا يريد أن يقتنع من العبث أن تحاول إقناعه ويفترض أن يتم التعامل معه بطرق أخرى تجيدها وزارة العمل إذا أرادت!!.

حسناً، مشكلة الشباب مع رغبة العمل المكتبي انتهت دون رجعة، لكننا ابتلينا بما هو أخطر ومن موظفين يفترض أنهم أكثر نضجاً وعقلانية، أناس تحولوا من التخصص الفني إلى العمل الإداري، وحصلوا على مميزات لا يحلمون بها وقد لا يتخيلها زملاؤهم ومن هم أقدم منهم وأكثر حكمة وعقلانية .

نعموا بمميزات الوظيفة الإدارية وبدلاتها وحظوتها و”برستيجها” لكنهم لم يقدموا للوظيفة عملا يذكر ولا طيب ذكر ولا خيرا يؤجر بل على العكس ربما جنوا منها من الآثام والدعاء أكثر مما حصدوه من حطام الدنيا!!، وكل ذلك لأن طموحهم أصلاً كان خاطئاً.

فقد كان هدفهم استعجال الرئاسة دون أن يكونوا أهلاً لها، اعتقاداً منهم أن المنصب ليس له ثمن مع أن الأمانة لمن يحملها ولا يتحملها ثمنها في الآخرة باهض جداً وثمنها في الدنيا فقدان حب الناس والتعرض لمغبة ظلمهم وإهمال حقوقهم .

في هذا الصدد قال الدكتور مصطفى السباعي رحمه الله في كتابه “هكذا علمتني الحياة”: لا تستعجل الرئاسة، فإنك إن كنت أهلاً لها قدمك زمانك، وإن كنت غير أهل لها كان من الخير لك أن لا ينكشف نقصانك..

إن كان صغار الموظفين جعلهم الزمان يعتبرون بأن البقاء لصنعة اليد فهل ينتظر كبار الموظفين درس الزمن ليعتبروا.

الضمان الصحي ومنتخبنا

إعلان توعوي تلفزيوني رائع ذلك الذي أعدته الكوادر الشابة في مجلس الضمان الصحي وبث ويبث حالياً خلال بعض القنوات الفضائية.
الفيديو كليب يصور باختصار كل ما يهيج الأعصاب من مواقف يومية تؤدي إلى “النرفزة” ثم يذكر الشخص بأن “صحتك أهم”.

أعجبني الأسلوب التوعوي كثيراً وأعجبني أكثر انه ركز على أن المدير في العمل هو أحد أهم أسباب حالات الإحباط ورفع الضغط وإثارة الأعصاب لدى الموظفين وبالتالي هدم صحتهم، فكان المقطع الأخير من لقطة الفيديو يوضح موظفاً بلغ به الهيجان أن رمى بالأوراق والمعاملات في الهواء وأصبح أشبه بمن أصابه مس من جان لتخرج العبارة التوعية “صحتك أهم”.

ويتضح أن مجلس الضمان الصحي سعى بحكمة إلى خيار الوقاية ووفق في هذا الاختيار الوقائي رغم أن المستفيدين من الوقاية إذا طبق التأمين هم شركات التأمين مالياً والمؤمن عليه صحياً بطبيعة الحال، والمجلس مصلحته السعادة بتحسن الوضع الصحي وهذا هدف نبيل أرجو أن يكون الأساس لكل مقترحات وتشريعات المجلس فيما يخص ما يشمله وما لا يشمله التأمين وتفاصيل شروط التأمين الصحي بما يخدم كل مواطن ومقيم سواءٌ في المدن أو الهجر، الصحيح والمريض المزمن، الحامل والعقيم، الشاب والشيخ الهرم، الفاتنة والعجوز المنهكة .

في المقابل ساءني جداً مقطع فيديو توعوي آخر، أجزم أن من اقترحه كان كئيباً جداً ولم يحالفه التوفيق .

المقطع يبث حالياً على القناة الرياضية بهدف التعبير عن حبنا لمنتخب كرة القدم ومساندته في بطولة آسيا، لكن المقطع يصور شاباً مريضاً توقف قلبه ودخل في غيبوبة.

ولم ينفع لإنعاش قلبه التنبيه الكهربائي بأجهزة الإنعاش لكن المريض تحرك قليلاً ونظر باكتئاب بعد أن سمع المعلق يصرخ بأن اللاعب قد سجل هدفاً حقق كأس آسيا.

الفيديو كئيب حتى في نهايته، وطبيعي جداً أن مريضاً في سريره أو في العناية المركزة لا يمكن أن يكون مشهداً يدخل البهجة، ناهيك عن عدم واقعية الدعاية مطلقاً فالأقرب أن يتوقف قلب مشجع بسبب إخفاق المنتخب مثلاً كما حدث في ثمانية ألمانيا، أما البهجة بفوز المنتخب فتدخل الضمائر والقلوب الحية وليس مكانها العناية المركزة .

حقيبة الخطوط السعودية

أكثر من 22سنة تفصلني عن آخر زيارة إلى مصر، وقد أقنعني صديق عزيز أن أزور القاهرة مجددا، خصوصا وأنني لا بد أن أنجز مهمة عمل إن عاجلا أو أجلا، وبينما نحن نهم بالعودة إلى الرياض، سألني صاحبي: كم استغرقت رحلة الذهاب من الرياض إلى القاهرة؟!، فأجبته متعجبا بأنها استغرقت قرابة ساعتين، وقد كنت معي وتعلم ذلك!!، فرد بسؤال أكثر غرابة، قال: هل تعلم كم تستغرق رحلة العودة من القاهرة إلى الرياض، فرفضت الإجابة احتجاجا على غرابة السؤال، وكانت الدهشة أكبر حينما قال لي تستغرق العودة أربع ساعات!!.
في البداية ظننته يسخر مني خصوصا وأنه غير راض عن غيابي عن مصر كل هذه المدة، لكنه أكد لي جديته وجزمه خصوصا وأنه ممن تحتم ظروف عمله التردد على القاهرة، فأعاد التأكيد جادا بأن الرحلة من الرياض إلى القاهرة لا تستغرق أكثر من ساعتين وربع بينما رحلة العودة من القاهرة إلى الرياض تستغرق أربع ساعات وقال سترى ذلك بأم عينك.

بدأت أشعر أن الأمر أقرب إلى الجد منه إلى الهزل فطلبت من صاحبي أن يكون أكثر وضوحا فقال: يعلم كل من يتردد على القاهرة أن رحلة العودة إلى الرياض تستغرق ساعتين في الجو وساعتين في انتظار الحقائب يمضي معظمها دون أن يتحرك السير ثم تبدأ (الشنط) في الخروج على دفعات بطيئة جدا تصيب المسافرين بالضجر والملل، ويتمنون لو أن الأربع ساعات مضت في الجو بدلا من حر المطار ودخان السجائر والانتظار.

وفعلا شاهدت ما ذكر بأم عيني، وعايشت مشاعر الضجر والملل بوجداني، وسمعت شكوى الناس وتأففهم بطبلة أذني وخرجت بعد ساعة ونصف من وصول الطائرة وكان أكثر من 80% من ركاب الدرجة السياحية ينتظرون حقائبهم.

المؤكد عندي أن تأخر الحقائب لا يمكن أن يكون حكرا على رحلات القاهرة، ولابد أن الرحلات الأخرى يطالها نفس التقصير إلا أن ركاب القاهرة يلاحظونه أكثر من غيرهم بحكم التردد على نفس الخط.

عجباً لماذا يصر بعض المسئولين على أن يحمل معه (حقيبة) إهمال العميل العادي أينما ذهب؟!!، ولا يلتفت لمشاعر العميل إلا بعد أن يدخل السوق طرف منافس.

نايف والهيئة وسمو العقل

عندما تهيمن العاطفة على العقل وتسيطر المواقف الشخصية وتصدر الأحكام المسبقة، وعندما يعتقد البعض أن الجمل قد وقع وتكثر السكاكين، يأبى نايف بن عبد العزيز بكل ما يحمله اسمه وفعله من معاني السمو إلا أن يعطي درسه المعتاد في الحكمة والروية والتحقق ويصدح بصوت العقل، الذي يعد من نعم الله على هذا الوطن ممثلا في حكمة قيادته.
موقف صاحب السمو الملكي الأمير نايف بن عبد العزيز مما كثر اللغط حوله عن هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لم يكن الموقف الأول ولن يكون الأخير، ولم يقتصر إنصافه على رجال الهيئة فقط بل نعم بعدله كل مواطن صالح بمثل ما ضرب حزمه بيد من حديد على هامة كل مرجف.

لا أنسى موقف سموه المنصف للصحفيين ولحرية الرأي والنقد الهادف أثناء مؤتمر صحفي منذ عدة سنوات عندما تذمر وزير الهاتف آنذاك من مواقف الصحافة.

تتجلى الحكمة وبعد النظر في هذه العبارة التي ذكرها سموه في حواره مع الزميل خالد الزيدان المنشور بهذه الجريدة يوم السبت 1428/5/23ه حيث قال (الهيئة جهاز حكومي والدولة تتابع أجهزتها وفيها رجال يقدرون المسؤولية ومؤمنون بالله ويعرفون واجبهم فلا يمكن أن يقبلوا هذا الأمر، وإن حدث شيء فيجب أن نحصره على خطأ أفراد، وليس على جهاز بأكمله، وفي إجابة لسؤال آخر ذكر يحفظه الله أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر جهاز قائم منذ أسست الدولة وركن من أركان الإسلام يجب أن يبقى ويجب أن يعزز ويطور) انتهى.

نعم الهيئة جهاز حكومي تتابعه الدولة وترعاه وينطبق عليه ما ينطبق على كل جهاز يعمل به آلاف الأفراد ولا يمكن أن يحكم عليه بناء على خطأ فرد أو أكثر، فعندما ضرب معلم طالبا بسلك كهرباء على عينيه لم تؤخذ وزارة التربية والتعليم بجريرته، ولا جريرة عشرات المعلمين ومنهم من ضرب ومنهم من درّس أفكارا إباحية وآخر أفكارا تضليلية بل وتكفيرية، ونفس الشيء يقال عن كافة القطاعات التي تقدم خدمات صحية فعندما قتل عشرات المرضى بأخطاء طبية سببها الإهمال وليس المضاعفات المعروفة تم التعامل مع الأطباء ولم تحاكم الجهات التي يعملون بها!!.

نفس المبدأ يطبق مع الأخطاء الفردية إذا حدثت من رجال الهيئة فأين المشكلة؟!، بل إن ثمة فارقاً كبيراً يصب في صف هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إذا أردنا أن نقتدي بحكمة وعدل قيادتنا فالمعلم يتعامل مع مجال وحيد هو التعليم لأطفال وشباب أسوياء، والطبيب يتعاطى مع شأن واحد هو الصحة ومع مرضى أبرياء، أما رجل الحسبة فيتعامل مع خارجين عن الشرع والنظام، مع مصنعي خمور أو مروجي مخدرات أو لاعبي قمار أو سكارى ومنحرفين يؤذون الناس في أعراضهم ومخالفين لشرع الله الذي هو دستور هذا البلد الأمين.

رحم الله المؤسس عبد العزيز بن عبد الرحمن فقد أسس على التقوى وورث أتقياء.

تنافس يدعو للتدخين !!

تصريح الطبيب قاسم القصبي المشرف العام التنفيذي على مستشفى الملك فيصل التخصصي ومركز الأبحاث والذي نقله لنا الزميل محمد الحيدر في عدد الخميس 1428/5/14ه ونسب له قوله أنه لا علم له برفع المستشفى التخصصي دعوى ضد شركات التبغ ولم يجد مستندات تثبت ذلك ثم رأيه بأن رفع مثل هذه الدعوى يفترض أن لا تكون أولوية وتساؤله الغريب بأن السكريات تسبب السمنة فهل ستقاضى محلات بيع السكريات؟! (انتهى).
رغم إعجابي بهدوئه ورزانته في تعامله مع الإعلام ليسمح لي الطبيب القصبي أن استنكر أن يغيب عنه البعد السلبي لمثل هذه المقارنة على المدخنين، بل على كل متلق وعلى وطن يحارب التدخين حتى ولو إعلاميا!!.، فهل فات على طبيب مثل القصبي أن مجرد إثارة موضوع مقاضاة شركات التبغ، حتى لو لم يتم أو لم ينجح، يؤكد للمدخن ارتباط التدخين بالسرطان وأمراض القلب والشرايين، وهو أمر يتجاهله المدخن ويبحث عن أية قشة تؤيد إنكاره النفسي له، وتصريح القصبي ليس قشة بل غابة تأييد خصوصا أنها تقارن التبغ بالسكريات والسرطان بالسمنة!!.

كيف؟!ولماذا؟! فات على طبيب في حكمة وعقلانية قاسم القصبي أن السكريات لا تسبب تعودا ولا إدمانا، بل ولا تسبب سمنة مؤكدة ولا ضررا مؤكدا لو تمت الموازنة بين تعاطيها واستهلاك طاقتها بالرياضة أو الحركة فهي مادة الأصل فيها الفائدة !!.

وكيف؟! ولماذا؟! فات عليه أن السكر مادة غذائية أحادية التركيب لا يتعمد صانعها غشا ولا إضافات تجذب الأحداث والكهول وتسبب إدمانهم، بينما تحتوي السيجارة على أكثر من 5000مادة كيميائية معروفة الخطورة وغيرها من المواد المجهولة ومسببات الإدمان، وان دخان السيجارة وضررها يطال غير المدخن، بينما لا دخان للسكريات.

كيف؟! ولماذا؟! فات عليه أن شركات صناعة السجائر تبث الدعاية، وتصرف الأموال، وتمارس الضغوط بهدف إسقاط الآلاف من شباب العالم الثالث في براثن السيجارة، بينما يعرض بائع الحلويات والسكر بضاعته لمن يحتاجها ولا حتى يصوت مناديا للجذب لها.

كيف؟!ولماذا؟! بدا لناقل الخبر وللقارئ أن القصبي كان يدافع عن شركات السجائر وينتقد خطوة وزارة الصحة في مقاضاة الشركات والتي ستبدأ مداولاتها في سبتمبر؟!

أما الإجابة لكيف فواضح أن الكيفية كانت بأن هوى النفس أغمض العين عن النفيس وبصر بالتنافس، أما إجابة لماذا فهي نفس الإجابة لأسئلة وجهتها في هذه الزاوية تحت عنوان (يا سعد خبر مريض الكبد) هذا الشهر.

إنها الغيرة المهنية (professional jealousy) وشيوع روح التنافس بين الأطباء على منصب واحد مما أنسى كل منهم مسئولياته وإدارته، أقول ذلك مع أنني أؤكد أن إبعاد الأطباء عن الإدارة وإيكالها للإداري بالتخصص سيجعل كل منهم يتفرغ لعلمه بمهنية وبدون نسيان لمعلوماته الأساسية.

البكباشي بروفسور

تحولنا السريع إلى مجتمع ألقاب وإسرافنا في استخدامها تطرق له الزميل خالد السليمان في جريدة عكاظ يوم الخميس الماضي 1428/5/7ه، وخالد السليمان لديه جهة خامسة غاية في الإبداع يتسلل من خلالها إلى الظاهرة الاجتماعية أو حتى الحادثة الطارئة فينتقدها ويعريها ثم يربطها في عامود الماضي ويذهب، وكل ذلك في أقل عدد ممكن من الكلمات الكفيلة بإيصال الرسالة .
وقد عنّ لي أن أدلي بدلوي وأقول بأن الأمر قد تعدى مجرد التباهي والتكلف ودخل في منطقة الاستغلال والاستغفال والدعاية غير المشروعة، بل وتشويه سمعة الوطن والإيهام بسطحية أهله، وجعله مثاراً للسخرية، تماماً مثلما كنا وإلى وقت قريب نسخر من مجتمع عربي يلقب الطالب ب”دكتور” لمجرد أنه سجل في كلية الطب أو الصيدلة !!.

لقب دكتور، في المجتمعات التي تحترم الشهادة العلمية ولا تسمح بتفاعلات مركبات النقص لا يطلق إلاّ على من يحمل شهادة الدكتوراه في الفلسفة (PHD) في أي علم كان، أما الطبيب فله لقب طبيب (Physician) وللصيدلي صيدلي (Pharmacist) ولهما أن يتدرجا إلى استشاري ولكن بنفس اللقب طبيب وصيدلي .

نحن بدلاً من أن نحد من سوء استخدام لقب “دكتور” ونحصره بمن يحمل الدكتوراه ونسمي الطبيب طبيباً والصيدلي صيدلانياً ونؤكد على هذا في المخاطبات والإعلام لتصحيح نطق العامة، وجدنا أنفسنا نتحول إلى ما هو أكثر خطورة واستغلالاً للعامة فقد لجأ المصابون بداء النقص وانفلونزا الديناصور من الأطباء الذين سبق أن عملوا في الجامعات إلى تمييز أنفسهم عن غيرهم من “الدكاترة بالتطبب” باستخدام لقب “بروفسور” في مراسلاتهم ولقاءاتهم الصحفية وهو لقب أكاديمي علمي بحت يفترض أن لا يخرج من أروقة البحث والنشر العلمي .

هذا اللقب الرنان راق للأطباء، حتى الطبيب الذي كان آخر عهده بالجامعة عندما تخرج بتقدير مقبول أصبح يدعي أنه بروفسور، ثم استغلت المستشفيات اللقب في دعاية واضحة لأطباء العقم وأمراض النساء والولادة ثم التجميل ولن أستغرب لو قيل “الحلاق البروفسور فرحات” !!.

ولا أعتبر نفسي متشائماً إذا قلت أنه وخلال أقل من ثلاث سنوات ستجد أن كل أطبائنا و(أكاديميينا) ينادون بلقب بروفسور ولأن اختصاره (بروف) فسوف تكون مستشفياتنا وجامعاتنا ووسائل إعلامنا أشبه بمستنقع ضفادع تتعالى أصواتها بالنقيق مرددة (بروف بروف).

وسوف يستمر المسلسل ويأتي من يريد أن يميز نفسه عنهم جميعاً فيسمي نفسه شيخ بروفسورات عصره أو (البروفسور باشا) وربما (البكباشي بروفسور) .

خادمات القطاع الخاص

دعني اعترف لك عزيزي القارئ أنني خدعتك بالعنوان، فأنا أريد أن أتحدث عن المعلمات السعوديات في مدارس القطاع الخاص والمدارس الأهلية وما يتعرضن له من ظلم وهضم حقوق يتعارض مع سياسة وتوجهات وقوانين وإنسانية وزارة العمل، لكنني علمت يقين العلم ومن تجارب سابقة أن وزارة العمل حالياً لا تنجذب لما يتعلق بالمعلمة، ولا يلفت نظرها إلا ما يخص “الخادمات” (أو العاملات المنزليات حتى لا نخدش لوحة الإنسانية التي تسير بها وزارة العمل بعرج واضح يحفظ للعاملة المنزلية ما لا يقرّه للمعلمة الوطنية!!) مع علمنا أن العمل (خدمة)، وخادم القوم سيدهم، وكان للموظفين ديوان (خدمة) مدنية وأصبح وزارة (خدمة).
أي أن المشكلة ليست في المسميات فكم من معلمة تتمنى أن تسمى “خادمة مدارس أهلية” لكي تنظر وزارة العمل في وضعها غير الإنساني، حيث تعمل بلا عقد وبلا حقوق وبلا بدلات وبدون تحديد ساعات عمل وبدون أمن وظيفي وبراتب خادمة منزلية هاربة أو مقيمة بطريقة غير مشروعة أو متخلفة بعد حج، راتب قدره عداً وليس نقداً 1200ريال، متحدياً المحاولات الخجولة لتحديد الأجر بمبلغ 2500ريال يدفع الصندوق جزءاً كبيراً منه حتى لا “يتضايق الملاك”.

في برنامج “إضاءات” في قناة العربية، وأيضاً في حوار تلفزيوني مع الزميلة الرائعة شفاها الله وأعادها وهجاً إعلامياً ريما الشامخ رد الدكتور غازي القصيبي، على المطالبين بتحديد حد أدنى للأجور للسعوديين لا يقل عن ثلاثة آلاف ريال وأنا أحد المطالبين بذلك منذ مدة، رد بأنه ليس من “الإنسانية” أن احدد أجراً للسعودي ولا أحدد مثله للأجنبي ولا يمكن أن أجعل الأجنبي بثلاثة آلاف ريال (انتهى) وأنا الآن أتساءل أين الإنسانية في أن يحدد أجر المعلمة الحكومية بما يزيد عن سبعة آلاف ريال بينما نفس المعلمة السعودية (نفس الوصف الوظيفي، نفس العمل، بل ساعات أطول وبدلات أقل ونفس المؤهل) وبراتب لا يصل إلى 2500ريال إلا بعد مقاضاة.. لماذا؟؟.

أين الإنسانية هنا؟! وأين فرض العقد المحكم المليء بالحقوق والحريات الشخصية والاستقرار الوظيفي والإجازات وتحديد ساعات العمل؟! بل أين العقد أصلاً.

أرجو أن لا يكون تدليل القطاع الخاص التعليمي خوفاً من تهديدهم هم أيضاً بأن ينقلوا نشاطهم إلى دبي لأن مدرسة حي واحد في الرياض تكفي طالبات القطاع الخاص في دبي كلها وأرجو أن لا يكون السبب أكثر وجاهة.