الكاتب: محمد الأحيدب

الرأس والفأس

لا شك أن التجاوب مع الإعلام يسعد كل إعلامي ويشعره بأن ما يكتبه أو يقوله أحدث تغييرا أو سبب فعلا.
ولكن عندما تصبح إثارة الموضوع في الإعلام مطلبا لإنجاز كل عمل، وحل كل مشكلة، وتحريك كل راكد فإن ثمة خللاً لا يسعد أحدا على الإطلاق.

الخلل ليس في الوطن، هذا أمر مؤكد لأن خلل الوطن إذا حدث، لا سمح الله، لا ينفع معه لا الإعلام ولا التعليم، ونحن نرى نماذج لأوطان لا يكترث فيها أحد لما يطرح إعلاميا حتى لو تعالى الصراخ.

مشكلتنا تكمن في كثرة وتكاثر من لا يريد أن يقوم بمسؤولياته تجاه المواطن ولا يكترث بشكواه ومطالباته ولا بدعائه عليه في أناء الليل وأطراف النهار، ويحتجب عنه خلف كم كبير من الحواجز البشرية المبرمجة على الصد، سكرتير ومدير مكتب ومدير عام مكتب، وجميعهم يجيدون التصريف وأحيانا الطرد والنهر، وعلى أقل تقدير تحويل المشتكي إلى موظف أصغر، وصدقوني ومن واقع تجربة ومعايشة فإن طبع المدير ينتقل إلى غالبية الموظفين أسرع من انتشار فيروس أنفلونزا الطيور ، فإن أغلق أبوابه أغلق موظفوه أبوابهم (وهذا طبيعي لأنهم يدركون أن أحدا لن يصل إليه ليشتكيهم) ، وعندما يضطر المراجع إلى عرض شكواه في الإعلام المرئي أو المسموع أو المكتوب تتحول المياه الراكدة إلى أمواج والأبواب المغلقة إلى مراوح لا تكاد تستقر، هذا يستنجد به ليرد وذاك (يفزع) باقتراح للخروج من الأزمة وثالث يبحث عن وسيط ليسكت الأصوات، ورابع يستغل الموقف للإيهام بأن في الأمر مؤامرة.

وعندما يحدث هذا الاستنفار وتلك الحركة الدفاعية فإن صاحبنا المدير يستقبل في الساعة الواحدة عشرات المنتفعين ويضيع في اليوم الواحد تسع ساعات!!.

أما كان الأجدى والأجدر والأوفر وقتا وجهدا لو تم فتح الباب أمام المشتكي عندما طرقه أول مرة ، وحيدا ، وبمنتهى الستر وحفظ الكرامة وقبل أن يقع الفأس في الرأس؟!.

متى يشعر كل من المسؤول وموظفيه أنهم إنما يتقاضون أجورهم مقابل خدمة المراجعين وليس خدمة ذواتهم وأقاربهم وأصهارهم ومن يتمصلحون منه؟!. هذا السؤال له إجابة واحدة : أما المسؤول فيشعر عندما تلاحقه الرقابة والمحاسبة التي تتبعها عقوبة أما الموظف فعندما تصلح حال مديره ، والله أعلم

المشرط الإداري

مثلما أن الإداري الفذ يسقط مغشياً عليه عندما يشاهد الدم، فإن الطبيب الماهر يغمى عليه عندما يواجه موقفاً إدارياً صعباً.
كم أتمنى يا وطني الغالي أن نقتنع بأن جل مشاكلنا الطبية، وشكوى الناس من المستشفيات، وتحطم ما يبذل من مال وجهد وأجهزة ومشاريع جبارة على صخرة الإدارة، إنما تعود جميعها إلى كوننا نعطي قوس الإدارة إلى غير باريها .

حتى في التفاصيل الإدارية ذات العلاقة بالطب نفسه فإن الطبيب يخفق فيها لأنه يحتاج إلى الفكر الإداري الذي لا ذنب له في غيابه .

خذ على سبيل المثال، لا الحصر، التعميم الذي صدر من وزارة الصحة منذ وزارة الدكتور أسامة شبكشي وحتى يومنا هذا والذي ينص على أن المستشفيات الخاصة لا تستقبل إلا الحالات الإسعافية الحرجة (دون تعريف لماهية الحالة الحرجة) واعترضت عليه كثيراً وعبر هذه الزاوية وفي الاجتماعات الخاصة وحتى يومنا هذا دون أن يعدل بطريقة تحدد على أقل تقدير تعريفاً للحالة الحرجة !!. أليس هو السبب والمشجب في رفض حالات إسعافية ليست فقط حرجة بل مميتة أشهرها وليس آخرها ولا أخطرها حالة الأديب والكاتب عابد خزندار ؟! وهل أكثر حرجاً من كسر الحوض الذي يقوم عليه ثقل كل الجسد؟! ألا يعرف الطبيب الإداري هذا ؟!.

هنا ندخل في جانب آخر هو التحيز للمهنة وحرص بعض وليس كل الأطباء في الوزارة وكل جهة صحية أخرى على أن تزدهر تجارة مستقبلهم وربما حاضرهم “تجارة الطب الخاص”.

إذاً فإن ما يعمي البصيرة الإدارية حتى في التفاصيل الطبية هي الرغبات !! وهذا يؤيد الحيطة بتولية الإدارة للمختص الإداري وما أكثرهم .

المشاكل الأخرى أكثر وأخطر ومنها التستر على طبيب مخالف أو ظلم الموظفين او إهمال شكاوى المرضى أو هدم بناء إداري قائم بحسن نية وجهل لفنون الإدارة وافتقاد لحكمتها .

هذا ما أدى إلى ازدياد وتنامي الشكوى من مآسي المستشفيات والجهات الصحية رغم أن وطننا يوفر كل أدوات النجاح لو وجدت من يديرها، ومثلما أن الإداري لا يتحمل رؤية الدم فإن الطبيب لا يتحمل التعامل مع المشاكل الإدارية وكم من طبيب له مشرط جراحي لا يعلى عليه ومشرط إداري لا يعول عليه .

يا سعد خبر مريض الكبد

الحوار مع الدكتور محمد السبيل الذي أجراه الزميل محمد الحيدر ونشر في صفحة كاملة بهذه الجريدة من الطبيعي جداً أن يحظى باهتمام عشرات الكتّاب في معظم صحف المملكة، فهو حوار حول مشروع وطني طبي كان علامة فارقة في تاريخ وطننا وكان يفترض أن يستمر ما ناله من وهج إعلامي وفخر وطني لو كنا نتعامل مع الإنجازات فعلاً على أنها من الوطن وللوطن. ثم أنه حوار مع جراح زراعة الكبد، أهم الأعضاء وأكثرها ضرورية للحياة، وهو الطبيب الذي لا يتحدث عن نفسه، بل يترك إنجازاته تتحدث عن الوطن!! وقد زاملته وبذلك أشهد أن الأضواء كانت تبحث عنه ويحولها للمريض ولقيادات هذا الوطن التي ساعدته على الإبداع. فطبيعي أن يكون الحوار معه بعد غياب طويل ملفتاً للنظر ومتابعاً ومقروءاً.
كل من عقب على الحوار نبض بقلب الوطن وتساءل عن زراعة الكبد، هذا المشروع الوطني الجبار الذي استمر بدون ذرة إعلام، لكنني وجهت عنواني وتساؤلاتي إلى الزميل سعد الدوسري بعد أن نكأت زاويته “وحش الصين” جرحا وطنيا في نفسي لطالما ناصحت أطرافه ولكن موضة (شخصنة الإنجازات الطبية) صمّت الآذان !!.

يا سعد اسأل جراح الكبد لماذا نحتاج للصين أصلاً ؟! اسأله لماذا كاد هذا الإنجاز الطبي أن يتوقف؟!، وهو الذي أنقذ في بداياته، بعون الله، أكثر من 188مواطناً ومواطنة من موت محقق، أولهم، أمد الله في عمره، لا يزال حياً يرزق يحمد الله ويدعو لخادم الحرمين عبد الله بن عبد العزيز الذي تبنى برنامج زراعة الكبد ودعمه.

يا سعد هل أصبح الطب لدينا يضيق بأكثر من إنجاز واحد؟! لماذا كان على ضوء زراعة الكبد أن يخبو حتى كدنا أن ننساه لولا حوار (الرياض) مع السبيل؟! لماذا يصر صاحب التسع وتسعين نعجة إعلامية أن يأخذ نعجة أخيه؟!، بل لماذا كان على مشروع منقذ لحياة المئات أن يصارع من اجل البقاء؟!.

يا سعد اسأل أطباءك فلعل لأسئلتك قبولاً خلاف أسئلتي، قل لهم لماذا نتعامل مع الإنجازات الطبية وكأنها “دلوي” سقاء لا بد أن يهبط هذا ليصعد ذاك ؟! بل اسأل زارع الكبد لماذا اختار مزاملتك على مزاملتي وقد كنا في قمة السعادة والوئام؟!

يا سعد لا تسأل أطباء زراعة الكبد العرب اللذين حضروا المؤتمر الثاني للجمعية العربية لزراعة الكبد في تخصصي الرياض، لا تسألهم لماذا غابت بعض المستشفيات في الرياض عن الحضور ناهيك عن التكريم؟! أقسم بأني أخجل أن يتذكروا هذا الموقف، فهم لا يعلمون بل لا يتخيلون أن السبب يعود لتلك الشخصنة المقيتة، سيعتقدون أن العيب في وطني وهو من العيب براء.

أتذكر يا سعد؟!، عندما كنا أطفالا نلعب في شوارع ثليم والريل والدركتر؟! لم تكن الأزقة ضيقة لكنني كنت أحاول منع (سيكلك) من تجاوز (سيكلي)، كنت أحدك وتسقط مع أن الطريق واسع و”سيكلك” أصلي و”سيكلي” صيني لكنني كنت أثقل منك وزناً وطفلا افتقد للحكمة!!.

هذا ما يحدث الآن يا سعد وطن واسع ونفوس ضيقة لا تتسع إلا لشخصها !!.

لوحة حماية الأسرة

موقف وزارة الشؤون الاجتماعية من مفهوم الحماية الأسرية لا يبشر بالحماس المطلوب ولا حتى القناعة بضرورة تطبيق هذا المفهوم، أما موقف الوزارة من التطبيق نفسه فإن أبلغ وصف له يتجسد في المثل الشعبي “مغصوب ولا قليل عرقه” وهو يصف من يؤدي العمل بالحد الأدنى من الجهد والاخلاص لأنه وببساطة إما أنه مدفوع لهذا العمل مرغما او أن الأجر زهيد.
أمثلة العنف الأسري تجاه الأطفال والزوجات والمراهقات والمراهقين، بدأت تتحدث عن نفسها، ليس في المستشفيات والشوارع ودور الإيواء وحسب بل حتى في وسائل الإعلام من صحافة مقروءة وتلفاز واذاعة، ووزارة الشؤون الاجتماعية لا تزال تتعامل مع الموضوع دون منهجية ولا نظم وسياسات ولا حتى تفعيل لإدارة الحماية التي أنشئت منذ عامين ولا تزال مجرد لوحة في شارع الشأن الاجتماعي وكأن الأسرة ليست هي لبنة المجتمع وكأن الشؤون الاجتماعية لا تعدو كونها مرتب الضمان الاجتماعي الذي لا يمثل الوزارة الا هو..!

ماذا تريد وزارة الشؤون الاجتماعية أكثر من أن عبء العمل تم فصله عنها في وزارة مستقلة عملت وأنتجت وحركت المجتمع، ووزارة الشؤون الاجتماعية لا تزال تعتبر نفسها وزارة الضمان الاجتماعي وبشهادة حق وانصاف فانها طورت آليات صرف الضمان، لكنها لم تطور بعد آليات تحديد الاحتياج اليه وتصنيف المستفيدين بطريقة علمية، لماذا لأنها تعاني من قصور العمل الميداني المتمثل في اعطاء المتخصص “الاخصائي الاجتماعي” فرصته في الإبداع وتطبيق مجال عمله والتقرير فيه.

إدارة حماية الأسرة أنشئت منذ سنتين ولا تزال مجرد لوحة، دون نظم ولا إجراءات ولا تحديد أدوار، ولا تدريب موظفين واخصائيين اجتماعيين، بل دون تحديد تصنيف لما يدخل ضمن مجال عمل الإدارة من عدمه، وماهي الحالات التي تحتاج ايواء وتلك التي يكتفى فيها بالمتابعة.

الطامة الكبرى في هذا الخصوص ايضا ان بوابات استقبال حالات العنف وهي المستشفيات متروكة وكل فيها يغني على ليلاه فمنهم من يوكل شأناً اجتماعياً بحتاً الى طبيبة أو طبيب لأنه لا يثق الا في ستر الطبيب، ومنهم من يعطي القوس لباريها (قسم الخدمة الاجتماعية) ولكن دون دعم أو صلاحيات.

ويبقى أمر العنف الأسري مجرد اجتهادات فردية ولعل هذا يفسر ما نشرته الصحف في خبر ارتفاع عدد المنتحرين إلى أكثر من مائة شخص خلال سنة ويبرئ ساحة الأسهم التي جعلناها شماعة كل تدهور نفسي ومالي.

تبييض اللحوم!!

الجانب الأخطر في جرائم ترويج مئات الأطنان من اللحوم الفاسدة، والذي لم يُثر على مستوى وطني بكل أسف، هو أننا نواجه عمليات غسيل لحوم أو “تبييض لحوم” وهذه لا تختلف عن عمليات غسيل الأموال، بل هي أخطر قياساً بأنها تتفوق إجراماً على تبييض الأموال كونها تهدد الصحة!!
953طناً لحوماً فاسدة تم ضبطها في الرياض خلال أقل من ثلاثة أيام و 100طن كبدة فاسدة ضبطت في جدة في ثلاجة واحدة، إضافة إلى عشرات الأطنان من اللحوم الفاسدة الأخرى التي تكتشف يومياً على الطرقات وفي المستودعات سواء من لحوم الأضاحي والهدي أو “فطيس البعارين” أو الأسماك الفاسدة..

مئات الأطنان تلك لو لم تضبط إلى أين ستذهب؟!، بل ما لم يكتشف منها إلى أين ذهب؟!..

الأمر لا يحتاج إلى ذكاء ولا حتى تفكير فهي بلا أدنى شك يتم “تبييضها” في شكل وجبات نتناولها إما معلبة في سوبرماركت أو هايبرماركت أو بقالات صغيرة أو مطبوخة في مطاعم نجمة أو خمس نجوم لا فرق مطلقاً إذا تساوت الذمم!!

ولأن جرائم غسيل الأموال عالمية فإن عقوباتها رادعة، أما جرائم غسيل اللحوم كونها محلية فإن عقوباتها مشجعة جداً فقد نشرت الصحف “وما لم يصحح فهو صحيح” أن غرامة ثلاجة كبدة جدة الشهيرة كانت 32ألف ريال مع إعادة فتح الثلاجة ولم يذكر شيء عن محاولة رشوة المراقبين الأمينين!! وقد قمت بحسبة سريعة ذكرتها في برنامج “دوائر” في “الإخبارية” خرجت منها بأن المائة ألف كيلوغرام من الكبدة الفاسدة المذكورة لو باعها بالكيلو فستحقق مليونين ونصف المليون من الريالات، ولو بيعت على هيئة (سندويش كبدة) فسوف تعمل 2مليون سندويشة قيمتها ستة ملايين ريال (سندويش الكبدة الغنم بثلاثة ريالات).

الربح في كل الأحوال يزيد عن مائة ضعف العقوبة، أي أن العقوبة التافهة مشجعة جداً على المجازفة وهذا خطير في قاموس الاقتصاد وقاموس تبييض الأموال.

أما في قاموس الصحة فإن تلك الكبدة كان من المتوقع لو بيعت أن تسمم 2مليون شخص يشكل من يموت منهم خسارة وطنية واجتماعية وإنسانية مؤلمة، أما من يعالج فسيكلف الوطن رقماً فلكياً يصعب حسابه!!.

عصابات تبييض اللحوم يجب أن تعامل بطريقة أقسى وعقوبات أغلظ من عصابات غسيل الأموال فالجريمة هنا مضاعفة والخطورة أكبر من قدرة وزارة التجارة على تخيلها ناهيك عن تحديد عقوبتها!!.

من الفقير؟!

أحسنت قناة الإخبارية عندما وضعت ضمن برامجها فقرة (سؤال اليوم) لتتيح للجمهور وللشارع أن يقول رأيه دون وصاية وبكل تلقائية ويبين وجهة نظره وإجابته عن سؤال مهم، ثم إنها بذلك تزيد بشكل كبير من عدد المتابعين خصوصا أن كل سؤال يجيب عنه عشرات الناس من مواقع مختلفة ذكورا وإناثا .
أحد الأسئلة كان (من هو الفقير في نظرك؟) ولعل الإخبارية تعمدت أن لا تحدد (فقير في ماذا؟!) هل في فكره أم ماله أم دينه….الخ، فجاءت الإجابات واقعية معبرة تدل على أننا نخطئ كثيرا في تقييم درجة وعي الشارع السعودي، ولعلي ذكرت مرارا اعتقادي بأن درجة الوعي لدى كثير من الناس العاديين أعلى من بعض المسؤولين فالمعاناة أقوى أداة لاستحثاث الشعور والمشاعر !!.

جاءت الإجابات حسب شعور كل شخص ومعاناته فقيل الفقير هو فقير الفكر، وقيل فقير الدين، وقيل من لا يصلي على النبي وقال آخر إنه من يشتم هذا ويسب هذا، وذكر أكثر من شخص أن الفقير من كان غنيا قبل الأسهم وخسر في الأسهم واستشهد آخر أن راتبه كان عشرة آلاف وكان ينوي أن يبني منزلا لكن خسارته في الأسهم جعلته لا يدخر أكثر من أربعة آلاف ويعيش دون بيت يملكه!!.

وقال أكثر من شخص أن الفقير بخصوصية المجتمع السعودي هو من لا يجد أساسيات الحياة وهي الوظيفة والمسكن الملك والرعاية الصحية بمعناها الحقيقي وليس كما يحدث الآن مجرد مضادات حيوية !!.

وقالت فتاة مرحة إن الفقير هو من لم يجد قبولا في الجامعات مثل حالتي أو من لم يجد وظيفة وجلس في بيته (طفران) مثلي، أما أبو صالح، وهو مسن شمالي اللهجة (وأهل الشمال يتحدثون بصراحة وبراءة) فقال الفقير هو (اللي ما عنده لا وظيفة ولا شين وما عنده حلال إلا الشونه) ويقصد من ليس لديه وظيفة ولا شيء ومعتمد على إعانة الشؤون الاجتماعية .

أما أنا فأرى أن الفقر يعتمد على نوع ما يفتقر له الشخص، وإذا ما حددناه بالمفهوم المباشر الشائع وهو الحاجة المادية فإن الفقير ماليا في مجتمعنا هو من لا يسأل الناس إلحافا وعندما يتقدم للشؤون الاجتماعية بعد طول خجل وتردد وحياء فإنه يصطدم بطلبات غريبة، موغلة في البيروقراطية وصعوبة التحقيق بالطرق التي تحفظ الكرامة، وإذا أردتم أتعس أمثلة الفقراء فهي امرأة إما أرملة أو معلقة أو مطلقة لديها عدد ممن تعول، ليس فيهم ذكر بالغ يستطيع المراجعة ولا تحب أن تشتكي حالها لغير ربها (وفي هذا قمة الغنى) فلا يعرفها موظفو الضمان الاجتماعي ولا موظفات الجمعيات الخيرية.

أما أخلاقياً فإن أشد الناس فقرا هو من أوكل إليه أمر الفقراء ومعاملاتهم والبحث عن المستحق منهم ولم ينجح في ذلك ثم لم يعتذر عن هذه الوظيفة.

شكرا للإخبارية وشكرا ل أبي صالح فقد أثار شجونكم وشجوني وعسى أن يثار مزيد من الشجون في وزارة الشؤون !!.

قال: ( أي مسؤول!!)

لأن كلمات ملك الإصلاح عبد الله بن عبد العزيز تخرج من قلب ملك القلوب، وليس من لسانه، فإنها تختصر العبارات لتجسد هم المواطن وتتحدث بنبضه، فقلب ملك القلوب ينبض بقلوبهم، ولذا فان في خطاباته من الدقة في اختيار الكلمة، وليس الجملة وحسب، ما يحقق وضوحا منقطع النظير وينفي أي احتمال لتفسير آخر أو فهم خاطئ.
لاحظ في خطابه، يحفظه الله نصيرا للشعب، انه قال (وليعلم كل مسؤول بأنه مساءل أمام الله تعالى ثم أمامي وأمام الشعب عن أي خطأ مقصود أو تهاون) فهو لم يقل (كل وزير) ويترك محاسبة من دون الوزير للوزير المختص، بل سيحاسب كل مسؤول عن مسؤوليته وخطئه المقصود أو العائد للإهمال .

واجزم أن مجلس الشورى لن يفوته بعد الآن أن المساءلة في المجلس يجب أن لا تقتصر على الوزراء فالوزراء ليسوا هم فقط المعنيين بكل هموم المواطن، فثمة مسؤولون مراتبهم أقل لكن صداعهم أكبر، والمتضررون من سوء إدارتهم أكثر، فإذا كان لهم ارتباط مباشر بمصالح الناس وخدمتهم ورعايتهم فلماذا لا تتم مساءلتهم؟!، مثل مدير عام أو وكيل أو خلافهما، طالما أنه أخطأ بقصد أو تهاون أو ظلم وجار على الناس أو على موظفيه، خاصة وأن ملك الإصلاح أكد مساءلة الشعب للمقصر عندما قال (ومساءل أمام الشعب) وهذه تعطي مزيداً من الدعم والمسؤولية لمجلس الشورى الذي يمثل الشعب.

ثم تمعن في دقة خطاب الملك العادل عندما قال (من حقكم علي أن اضرب بالعدل هامة الجور والظلم) ففعلاً فإن هامة الجور والظلم لا يمكن أن تضرب بغير العدل، فهو حفظه الله لم يقل بيد من حديد أو حدد عقوبة، بل قاده إخلاصه المعهود إلى أعمق من ذلك فالعدل يضمن القضاء على الجور والظلم ويقطع رأسه، وبغير العدل فإنك لا تضرب غير أصابع الظلم أو أطرافه، لكنك لا تقضي عليه إلا بتعميم العدل.

الوعد ركبة الشيخ

اقترحت أكثر من مرة فتح قنوات ميسرة للشكوى ومعالجة القضايا الوظيفية أو الإساءات لأشخاص أو أشكال الظلم والخداع والتحايل التي لا ترقى إلى رفعها لديوان المظالم خاصة أنه يغص بالقضايا طويلة الأمد .
كما سبق أن طالبت بتنمية روح الشكوى وروح التبليغ لدى المواطن والمقيم شريطة تيسير سبل إنهاء القضايا المتوسطة والشكاوى المصنفة على أنها صغيرة “مقارنة بغيرها” لأن كل هم لدى صاحبه أكبر من جبل أحد .

والشكوى هي في حد ذاتها رادع للمجرم والمسيء والمتطاول والمعتدي وحتى المدير الظالم وبالتالي تقل المشاكل وتتحسن نفسية المجتمع .

أكره أن نستشهد بأمريكا في كل شيء، بل في أي شيء، ومن ذلك إمكانية مقاضاة أي شخص لأي إساءة مهما صغرت فالواقع أن مجتمعنا الإسلامي كان السبّاق لهذا الأمر، بل جميع أمور الحياة مهما صغرت فالقرآن الكريم، دستورنا، نزلت فيه سورة “المجادلة” عن امراة تشتكي زوجها، ورسولنا الكريم “صلى الله عليه وسلم” هو من رفض تذوق تمرة خوفاً من أن تكون من مال صدقة، والفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه صنع نهجاً إدارياً فريداً ورثته عنه كل الأمم منذ ذلك العصر إلى يومنا هذا في رقابته وعدله وشمولية تحديده للمسئولية ومن الأمثلة قوله “لو عثرت بغلة في العراق لسألني الله عنها لما لم أسوّي لها الطريق” .

كما أننا في هذه البلاد منذ توحيدها كنا سباقون للاهتمام بالمقاضاة في كل أمر مهما صغر، طالما أنه يحقق العدل والانصاف، وهذه من أسرار نجاحنا، فقد كانت المحاكم في القرى، وربما إلى هذا الوقت، طالما لم تنشغل بالإجراءات الإدارية الأخرى، كانت تنظر في مرافعات لشكاوى تصنف الآن على أنها صغيرة، لكنها بالنسبة للمشتكي “حرقة قلب” تتعطش للإنصاف، وأذكر (ولست بكبير السن) أن من العبارات الشهيرة في سدير مثلاً عبارة “الوعد عند ركبة الشيخ” كناية عن رفع دعوى، ولعل الشيخ كان يجلس بسيطاً على بساط وركبته قريبة من المتخاصمين !!، ولم يكن ثمة طاولة ولا تطاول، لكن القضايا الصغيرة كانت تنظر ومن هنا فإنني أدعو إلى تحقيق الاستقرار النفسي للمجتمع بالنظر السريع في الخصومات التي لا تصل لحد إشغال ديوان المظالم، مهما صغرت، فكم من موظف تعمد إعاقة مصلحة مراجع دون حق فأضر به ضرراً كبيراً، وكم من مسئول استغل منصبه في ظلم المراجعين أو الموظفين وكأنه ملكه الشخصي، أو قطاع خاص استغل عملاءه دون حق، خذ على سبيل المثال قضية لا زلت أدرسها وأجهز إثباتاتها وسترونها قريباً مستشفى قطاع خاص يدّعي أنه طعم المولود ضد الدرن ويختم الشهادة وهو لم يفعل !!، أعلم أن الطفل لو أصيب بالدرن فإن الشرع سينظر في دعواه ويعوض لحصول الضرر، لكن إذا أراد الأهل رغم اكتشافهم للعبة رفع قضية نصب واحتيال ومحاولة تعريض ابنهم للخطر فقد لا يجدون السبيل السريع السهل لذلك .

أمتعتني بعورتها !!

عندما تسوء النوايا، يفسد كل شيء، بل تبدأ الأقنعة وأوراق التوت بالتساقط تدريجياً حتى تنكشف العورة.
وإذا كانت عورة الرجل من السرّة إلى الركبة، والمرأة كلها عورة إلا وجهها في الصلاة، فإن عورة القناة الفضائية تكمن في أهدافها الخفية وممولها المختفي.

ومثلما أن المتمرس في عالم الجريمة المنظمة يتمتع بذكاء خارق، وقدرة عالية على تفادي الاكتشاف وعدم ترك آثار للجريمة وأدلة للإدانة، فإن من إحقاق الحق القول إن قناة الجزيرة من قطر تتمتع بقدرة فائقة على الإيهام بالمهنية وحرية الرأي وخداع المشاهد العربي السطحي المغرم بالإثارة أو حتى المشاهد الغربي الذي قد يبهره هامش حرية الرأي الكبير، لكن خبرته في المنطقة لا تمكنه من إدراك أن الهامش الكبير هو مجرد هامش أعرج، موجه، ويقع على جانب واحد من الصفحة، لكن الجانب الآخر لم يتسع لصوت مواطن واحد من آلاف المواطنين القطريين المطرودين من آل مرّة الذين حرموا من أبسط حقوقهم، ولم يتسع لسؤال واحد عن القاعدة الأمريكية ولا لصورة واحدة من صور كبيرة للعلاقة مع إسرائيل عبر مكتب أكثر من تجاري !!.

تنكشف عورة الجزيرة أكثر ما تنكشف عندما يتعلق الأمر بالمملكة العربية السعودية، فذكاء القائمين على القناة وممولها وطاقمها يذوب بفعل حرارة حقد واضح ورطوبة نوايا سيئة (ألم أقل لكم إن سوء النوايا يفسد كل شيء).

خذ على سبيل المثال، أحدثها، والمتمثل في تفاعل القناة مع قمة الرياض التي كانت قمة متميزة ومختلفة في كل شيء، بدءاً بظروف انعقادها وصعوداً إلى الطريقة المتميزة في إدارتها، هل يعقل أن تقبل قناة تدّعي المهنية أن يقتصر أسلوب المحللين فيها على عنصر التنبؤ بنوايا الأشخاص بدلاً من تحليل كل حدث في القمة بناء على واقع الحدث اليومي؟!

أليس من العيب بل انكشاف العورة أن يقتصر تحليل قمة عربية على توقع مقاصد أو غوص في مكنونات القلوب التي في الصدور، ليقتصر التحليل على عبارات (فلان قصده هيك) و(علان كانت نيته يعمل هيك) حتى أن أحد الضيوف علّق قائلاً: “كيف عرفت بما في قلبه؟؟”.

ثم ما هو سر إخراج أبواق صدئة من أدوات الجزيرة من بين غبار المخازن كلما تعلق الأمر بالمملكة حتى لو كان الأمر يتعلق بقمة وحدوية هي بصيص الأمل المتبقي للمنطقة؟! ومن ثم يعاد مرة أخرى للأرفف البالية في انتظار مناسبة ينعق فيها بالشؤم مجدداً.

نحن لسنا ضد الرأي والرأي الآخر ولكننا نتساءل: أين الرأي المفيد في خزعبلات “بصارة” أو “قارئة كف” تعتمد على التنبؤ بمكنونات القلوب؟! والسؤال المهم كيف تقبل قناة تدّعي المهنية وتبث باللغة الإنجليزية أن تصور العرب على أنهم مجرد (ضاربات ودع) حتى في تحليلهم لأهم مناسباتهم السياسية؟!.

أما السؤال الأهم فهو ما الفرق، والأمر كذلك، بين قناة الجزيرة وقنوات قراءة البلورة وفتح “الكوتشينة” وقنوات الشعوذة والسحر وقراءة الطالع.

نحمد الله أن عورات أعداء هذا الوطن تنكشف كلما هب هواء الإصلاح، وشخصياً استمتعت برؤية عورة “الجزيرة”.

بل ابكِ يا فهد

الزميل “النحلة” فهد عامر الأحمدي يجلب لنا عبر زاويته المفيدة جداً كل مفيد، وأصفه بالنحلة لأنه يتناول من رحيق كل مصدر موثوق ثم يمدنا بالمعلومة رائعة وسهلة الهضم كالعسل .
في زاويته لعدد الخميس 10ربيع الأول 1428ه وضع فهد عسله على جرح المجتمع والعسل على الجرح يحرق، فقد تحدث عن بيئة العمل قائلاً “لست وحدك من يكره الذهاب للعمل .. ولست وحدك من يعاني من الظلم والإحباط والترصد الشخصي ..الخ” وكأني به هنا يخاطب العديد من الموظفين المحبطين في مواقع عملهم لدينا نحن قراءه تحديداً .

في المقابل نقل لنا عبر نفس الزاوية (حول العالم) نتائج دراسة مجلة فورتشن بعمل قائمة لأفضل 100شركة يرضى عنها موظفوها ويتمنى الناس العمل فيها وقد أتت في المركز الأول شركة “جوجل” وجميع الشركات – في هذه القائمة – اعتمدت على فكرة إرضاء الموظفين وإكرام المبدعين لكسب ولائهم وإخلاصهم .. فقبل ثلاث سنوات قامت موظفة شابة بتطوير برنامج يتيح لمتصفح جوجل البحث في كومبيوتره الشخصي فتم منحها مليون دولار مكافأة .

ثم عاد الأحمدي ليقارن ذلك بصور التسلط وهضم حقوق الموظف – وعدم راحته في العمل – والتي تؤدي إلى ردود فعل سلبية مكبوتة تظهر بشكل إهمال وتسيب وعدم اكتراث بنجاح المؤسسة ذاتها !! لكنه قال : وبالمناسبة لن أتباكى على ما يحدث في مواقع العمل لدينا، لأن ما يحدث في جوجل أمر يثير حيرة العالم أجمع ..

أما أنا فأقول للزميل الرائع فهد الأحمدي : بل إبك يا فهد، فما يحدث في بعض مواقع العمل لدينا أمر يثير الحيرة هو الآخر، فالمدير بالرغم من حصوله على كل البدلات والتسهيلات والمخصصات والهبات والدعم من الدولة، إلا أنه يستحوذ على إبداع موظفيه ويسرق إنجازاتهم “عيني عينك” ولا يحق لهم في نظره أن يطالبوا وإن طالبوا حوربوا .

كم من مبدع أحبط وكم من حريصة وطنية مخلصة عوقبت، لأن المدير متسلط .

ولا بد أخي فهد أن نستدرك ونقول إن ما يحدث من السيد المدير لا يعكس سياسة المؤسسة، ولا الجهات الحكومية عامة وهو تصرف فردي يعكس سلوكيات وأخلاقيات المدير وحده، بدليل أن نفس المؤسسة لا تعاني نفس المشاكل مع مدير سابق ولا مدير لاحق، لكن الأهم وطنياً أن نفرض ثم نرسخ ونطبق آلية وطنية عامة لتتبع الإبداع ومعرفة أصحابه الحقيقيين بصرف النظر عن كونهم من صغار الموظفين أو كبارهم، ثم لابد من تقييم رضا الموظفين وراحتهم بعيداً عن هيمنة المدير وعن طريق جهة رقابية مستقلة، ومشكلتنا نحن الصحفيين أننا في زياراتنا للمؤسسات الحكومية نسمع من المدير ونشاهد المدير وبعض الأجهزة والمباني، ولو سألت الموظفين فقد تبكي كثيراً يا فهد، فما يحدث في كواليس بعض الإدارات يحتاج إلى زيارة خاصة .