الكاتب: محمد الأحيدب

ارتفاع سعر الدواء

استشهدت بمقارنة بين ارتفاع أسعار الدواء بمباركة وزارة الصحة وبقاء سعر الدخان دون زيادة كنتيجة لسلبية نفس الوزارة وهي المعنية بعلاج مضاعفات التدخين الخطرة والمكلفة .
وأشرت في تلك المقارنة التي نشرت في هذه الزاوية يوم الخميس الماضي إلى أن السماح لشركات الأدوية برفع أسعار الدواء دلالة ضعف وزارة الصحة التي تحتاج إلى قوي، وكانت الإشارة إلى رفع أسعار الدواء على المرضى عابرة كعنصر مقارنة، وأرى أن مثل هذا الموضوع لا يجب أن يكون عابراً مثلما أنه يفترض أن لا يعبر كقرار بالطريقة التي تمت خاصة وانك تتحدث عن عنصر أساسي للحياة وليس سلعة ترفيهية أو حتى غذائية لها بديل .

إن ثمة شريحة كبرى فقيرة تعيش على أدوية السكر والضغط وتجلط الدم وأمراض القلب والغدد وعلاجات الأورام والكبد ومضاعفات زراعة الأعضاء .

وإن كثيراً من المرضى من المواطنين لم يعد لهم مرجعية علاجية في ظل قلة انتشار وانخفاض مستوى وقدرات مستشفيات وزارة الصحة وشح تخصصها مقارنة بالمستشفيات المتقدمة والمتخصصة للقطاعات الأخرى والتي أصبحت ترفض علاج غير منسوبيها وحتى لو قبل المريض بطريقة استثنائية في تلك المستشفيات فإنه يدفع تكاليف علاجه ويدفع قيمة الدواء او يشتريه من الصيدلية .

فهل من المقبول في ظل هذا القصور أن تقبل وزارة الصحة رفع سعر الدواء بتلك الصورة التي تنظر بعين الاعتبار لمشكلة شركات ووكلاء الدواء مع ارتفاع سعر اليورو ويكون ذلك على حساب المواطن المسكين؟ .

إنه وبحكم قربي من هذا المجال واهتمامي بهذا الموضوع أعلم أن مطالبات تجار الدواء بدأت منذ عدة سنوات لكن الوزارة كانت أقوى من أن تستجيب لهم على حساب المستهلك بل إن الإجتماعات والنقاشات بين الوزارة وتجار الدواء وصلت إلى حل قبلته جميع الشركات عدا واحدة ألمانية غير مهمة ولا نستورد منها إلا صنفاً أو اثنين لهما بدائل ويتلخص الحل في تثبيت سعر الدواء بالدولار لمدة خمس سنوات قادمة بحيث يقسم فرق سعر العملة المقدر بحوالي 24٪ على ثلاثة هم (الوكيل أو الشركة) و(الوزارة) و(المستهلك) وبذلك فإن الدواء لن يرتفع على المستهلك بأكثر من 8٪ في أسوأ الأحوال وقد لا يرتفع مطلقاً .

أما ما يحدث اليوم فهو اعتماد حل لم يكن تجار الدواء يحلمون به واعتمد على أعلى سعر وصله اليورو فأصبح معدل ارتفاع سعر الدواء حوالي 15٪ ووصل في بعض الأدوية إلى 34٪ بكل أسف . وهو ما ينم عن ضعف وزارة الصحة ورضوخها بسهولة لضغوط التجار وهي ضغوط لا يمكن أن تنتهي .

كما أنني لا زلت أرى أن ارتفاع سعر الدواء الذي هو عنصر حياة لكثير من المواطنين وبقاء الدخان رخيصاً وهو اداة فناء للآلاف منهم يعد مقياساً فعالاً لحجم الضعف في وزارة الصحة.

غلاء الدواء ورخص الدخان

إذا أردت أن تقيس درجة وعي سكان بلد ما بطريقة جد سريعة ومقبولة الدقة فما عليك إلا أن تحصي عدد المدخنين في الشارع والمقاهي والمطاعم وكل مكان تقع عليه عينك وستجد أن عدد المدخنين يتناسب عكسياً مع مستوى الوعي العام للبلد «كلما زاد المدخنون دل ذلك على قلة في الوعي».
حتى في نشرات الأخبار في التلفزيون ولوكانت صامتة يكفي أن تلمح لقطات على سكان المدينة لتدرك من عدد المدخنين أنك أمام خبر عن بلد متخلف أو من دول العالم الثالث.

وإذا أردت أن تقيس مدى جدية وزارة الصحة في بلد ما وحماس ووعي القائم عليها فكل ما عليك هو أن تمعن النظر في مدى قدرتها على فرض الوقاية كسبيل أفضل من العلاج في جميع المجالات ومنها محاربة التدخين والعمل على قطع دابره بما في ذلك القتال من أجل رفع سعره وفرض رسوم عالية عليه ومنع التدخين في أكبر مساحة ممكنة في الأماكن العامة وليس فقط استصدار أمر المنع ولكن متابعة تنفيذه فوزارة الصحة الواعية تدرك أنها تنفق النصيب الأكبر من ميزانيتها في علاج مضاعفات التدخين في المجتمع.

إذا اقتنعت بمدى دقة وصدق المقياسين السابقين، مقياس وعي المجتمعات ووعي وزارات الصحة فيها عن طريق التدخين فتعال لنقارن وستجد أن المدخن في الولايات المتحدة الأمريكية أصبح منبوذاً أكثر من أي وقت مضى وسترى أن جميع الأماكن العامة المكتظة بالناس لامكان للمدخن فيها وأن الفصل حتى مجرد الفصل لم يعد موجوداً فلا وجود لمناطق مدخنين على الإطلاق حتى في مواقع الجذب الربحي كالمطاعم ناهيك عن المطارات ومواقف النقل العام بل ودورات المياه. بينما في مطاراتنا الدولية فإن اكثر ما يسبب سواد لوحة «ممنوع التدخين» هوالتدخين تحتها دون رادع وأن أصعب أنواع النهي عن المنكر هو محاولة منع مدخن من التدخين في مكان ممنوع لأن وزارة الصحة لا تساعد على ذلك!! ولم تستعن بالجهات المختصة لتطبيق المنع بصرامة.

وفي الصورة الثانية قارن بين أسعار السجائر في جميع دول العالم مقارنة بالمملكة وستجد أن سعر العلبة في بعض دول أوروبا أربعة أضعافها هنا أما السعر في كندا فإنه أربعة أضعاف ونصف وفي سويسرا ثلاثة أضعاف. وأن سعر الباكت لدينا رغم المطالبات الإعلامية والاجتهادية برفع سعره وفرض رسوم عليه لم يرتفع خلال عشرين سنة إلا بمقدار ريال واحد ربما كان دعماً لوكلائه لأن الريال لايردع ولايخفض استعمالاً.

أما إذا أردت أن تعرف مدى ضعف وزارة الصحة فاعلم أنها استجابت لضغوط التجار برفع سعر الدواء على المواطن في وقت عز فيه توفر العلاج المجاني على كم كبير من شرائح المجتمع من موظفي الدوائر التي ليس لها مستشفيات فارتفع سعر الدواء بنسبة تجاوزت 10 إلى 15٪ وهي أدوية أساسية لإنقاذ الحياة بينما بقي الدخان على ارتفاع قدره ريال في العلبة خلال عشرين سنة.

إن ارتفاع سعر الدواء وبقاء سعر الدخان على ما هو عليه يطرح تساؤلاً حزيناً حول مدى قوة وقدرة وزارة الصحة وجديتها في مواجهة المواقف مع التجار فمثل هذه الوزارة تحتاج إلى قدر كبير من القوة.

قطار المناصب

هكذا وبطريقة تلقائية وجدنا أنفسنا وقد فرضنا على حياتنا الوظيفية، خاصة في المستويات العليا، نمطاً غريباً وفريداً من السلوك الوظيفي أو «بتعبير أقرب لمستوى الوظيفة» تعريفاً جديداً لمعنى المنصب الجديد.
يفترض أن التعيين في مستوى أعلى من المسؤولية يعتبر تكليفاً لا تشريفاً وتحميلاً لمزيد من مشاق العمل التي تستلزم مزيداً من الجهد ووقت التواجد و«التفرغ» لمهام المنصب الجديد ومحكاً دقيقاً لاختبار قدرات الشخص الإدارية وهل كان التوفيق حليفاً لمن رشحه أم أن المنصب كان أكبر من قدراته.

في نمطنا الجديد أصبح المسؤول الجديد يعتبر المنصب محطة للاستراحة والتفكير في كيفية تلميع الذات «دون عطاء» للصعود إلى الدرجة الأعلى مباشرة وعن طريق «مصعد» التواجد الإعلامي وحضور أكبر قدر ممكن من المناسبات الشرفية وإبداء درجة عالية من الليونة على حساب مصلحة العمل.

لم تعد المسؤولية الجديدة قاعة اختبار طويل المدى تؤهل إلى «احتمال» التكليف بمسؤوليات أكبر، وتستدعي جهداً وعرقاً وإبداعاً وبذلاً للوقت والذهن والتفكير والانصهار في تفاصيل المسؤولية الجديدة أملاً في فهمها وخدمتها والنجاح فيها.

أصبح الشخص يدخل المنصب مسرعاً يبحث عن الطريق إلى المحطة القادمة تماماً كمن ينزل من قطار أرضي يركض يمنة ويسرة ينظر في الخرائط من حوله عله يجد لون الخط الذي ينقله إلى المحطة القادمة.

هذه النظرة هي التي أدت إلى انخفاض الأداء في بعض المؤسسات وتدني الخدمات رغم ضخ دم جديد ما يلبث أن يوزع مسؤولياته على من هم حديثو عهد بالإدارة وينشغل عنهم بالحديث عن اللون الذي يؤدي إلى المحطة القادمة.

المجتمع هو الآخر انساق مع هذا النمط وتشبع وأصبح يعتبر التعيين تشريفاً يستوجب التهنئة وكأنما حصل على كسب مع أن الطبيعي أن نربت على كتفيه ونتمنى له النجاح في اختباره الصعب ونعزيه في ما سيفقد من راحة ووقت وأجواء أسرية، لأن الأصل أن الموظف للوظيفة وليس العكس وكلما كبرت الوظيفة احتاجت إلى مزيد من العمل وقليل من الراحة وكثير من التواجد في مقر العمل لكن هذا لا يحدث دائماً.

أطلال إدارة

لأننا في مؤسساتنا الحكومية لا نعير اهتماماً يذكر لوضع نظم وسياسات وإجراءات مفصلة وثابتة لكل تفاصيل شؤون المؤسسة فإن إداراتنا الحكومية مهما كبرت وبلغت من الأهمية والحساسية فإنها تكون ادارة الرجل الواحد.
رجل واحد يبنيها ويرفع بناءها ويجعلها شامخة وشعلة من نشاط ثم يأتي آخر ليهدم ما بناه من قبله ويحاول عبثاً التأسيس لبناء آخر مختلف بتوجهات مختلفة.

حتى لو لم يقصد الجديد التغيير أو لم يقدر عليه فإنه إذا لم يكن بنفس قوة وتمكن وخبرة وحنكة من قبله فإن قاعدة (من الصعب الوصول إلى القمة لكن من السهل جداً السقوط منها) تنطبق على المؤسسة فتجدها لا تلبث أن تنهار من كل جانب حتى تصبح أطلالاً!!

قد يضع البعض جل اللوم على الجديد القادم لقلة خبرته وضعفه وافتقاده لعناصر النجاح الاداري ولكن الجديد لا يتحمل وحده ما حدث، لأن من سبقه هو الآخر لم يؤسس البناء على أساس أنه راحل يوماً ما، ولذا فإن النظم والإجراءات والسياسات لم توثق بطريقة تجعل تغييرها صعباً ويحتاج إلى أكثر من مجرد جرة قلم أو فكرة عابرة أو اقتراح متمصلح.

كان يفترض بالمدير القوي المحنك أن يدرك أن ما تعب وعانى وصارع من أجل تأسيسه عرضة لأن يقع في يد من لا يدرك حجم المسؤولية أو من لا يستوعب دقة التخطيط وبعد النظر أو على أقل تقدير (وهذا وارد بشكل كبير) من لا يستطيع قيادة السفينة بنفس الابداع ونفس القوة، ولذا فإن من المفترض ضمن بدهيات وأبجديات التأسيس أن يجعل من الصعب تغييره إلا بقرار أعلى عن طريق توثيقه بطريقة محكمة ومعلنة بنظم وإجراءات رسمية.

قلنا ولانزال نقول إن (خير من استأجرت القوي الأمين) عبارة وردت في القرآن الكريم بترتيبها الحكيم المحكم فالقوي جاءت قبل الأمين لأهمية قوة من تستأجر ثم أمانته، لكن الأمانة وحدها مع ضعف لا تكفي مثلما أن القوة وحدها مع عدم الأمانة تعتبر خطيرة هي الأخرى.

إذا استبدلت القوي الأمين بضعيف أمين فقل على المسؤولية السلام، وهل هدد منجزاتنا وأهدر جهوداً جبارة بذلت إلا مسؤول ضعيف لا يقدر على اتخاذ قرار أو قيادة مجموعة موظفين ولا يمتلك قوة الشخصية للقطع في أمر ما إلا بعد أن يتردد كثيراً ويرتجف أكثر ثم يتوانى إلى أن ينهار البناء؟!

أو مدير يريد أن يغير ما بناه من قبله اعتقاداً أنه لا يجد نفسه أو يعلن عنها إلا بذلك التغيير الذي يكلف الوطن جهوده ومقدراته ويفقد المواطن خدمات بذلت فيها الدولة أموالاً طائلة؟!

إننا في أمس الحاجة إلى حسن الاختيار ومن مميزات القوي الأمين أنه لا يفكر في إحداث تغيير لمجرد التغيير لأنه أقوى من أن يستقوي بما لا يعد قوة.

المواطن السعيد

الاهتمام برفاهية المواطن وترفيهه وإدخال البهجة والسرور إلى نفسه وحمايته من كل ما يسيء إلى إنسانيته أو يهضم حقوقه أو يدخله ضمن دائرة الإحباط، هذه أمور مهمة جداً في خلق مجتمع صحيح سليم متماسك ومتحاب أفراده يلتفون حول وطنهم التفاف الجسد الواحد.
نحن في هذا الاتجاه السليم سائرون على الطريق الصحيح بإذن الله وثمة علامات فارقة واضحة تدل عى ذلك وأيضاً دلائل أخرى صغيرة لكنها تدل على الشيء نفسه.

الاهتمام بالترفيه أثناء عيد هذا العام والتركيز عليه على أعلى المستويات واحد من الدلائل الواضحة حتى ولو بدت صغيرة للبعض أو ثانوية أو وقتية لكنها ذات دلالات كبيرة فجميع الجهات ذات العلاقة أبدت هذا العام مؤشرات تدل على أن إسعاد المواطن والمقيم وإدخال البهجة والسرور للنفوس هو توجه عام ومهم وليس مجرد اجتهاد أشخاص أو بلدية أو أمانة مدينة وحسب.

الوطن أرضاً ومواطناً في أمس الحاجة إلى ما يدخل البهجة إلى النفوس، في أمس الحاجة إلى الخروج من حالات إحباط طالت، في أمس الحاجة إلى الاهتمام بالحالة النفسية للمواطن لتشجيعه على مزيد من العطاء، في أشد الحاجة إلى الفرح بعد أحزان الإرهاب والحروب والأوضاع الدولية السيئة المتلاحقة.

المؤمن القوي خير من المؤمن الضعيف والمواطن السعيد أقدر على التحمل والعطاء والإنتاج من المواطن الكئيب.

علينا أن نتذكر دائماً أن الإنسان بقدر ما أوتي من جبروت وقوة وعناد فقد أوتي قدراً كبيراً من الضعف والهشاشة وسرعة التراجع والتحول والتأقلم مع الواقع والتأثر السريع بما حوله، ألا ترى أن السياسيين وهم أعتى أصناف البشر وأصلبهم تؤثر فيهم الكلمة الواحدة سلباً أو إيجاباً (كلمة توديهم وكلمة تجيبهم) فكيف بالبشر العادي أو المواطن العادي؟!.

لقد رأينا كيف أن نزول قطرات المطر تحدث تغييراً غريباً في النفوس لأنها خلقت جواً نفسياً يعاكس الجفاف والحر والغبار، وهذه دلالة أخرى على سرعة تأثر الإنسان بمؤثرات بسيطة تدخل على نفسه البهجة.

أيضاً شاهدنا كيف أن إجازة اليوم الوطني وهي يوم واحد كان لها تأثير سحري في نفوس الناس وشعورهم أكثر من أي وقت مضى بأهمية اليوم الوطني.

المثال الأكثر وضوحاً وتأثيراً هو ما أحدثته زيادة الرواتب من أجواء الفرحة والالتفاف حول الوطن ومشاعر الحب والوئام، فإلى مزيد من مبادرات وأسباب السعادة والحب يا وطني.

الأمن بالإيمان

سيدوم أمن واستقرار وعظمة هذا البلد ما دامت أصوات التلاوة والدعاء تصدح من مآذنه (بالصورة) التي رأيناها ونراها وسنراها بإذن الله في كل وقت وصلاة وفي كل جمعة وفي ليالي شهر رمضان المبارك، وأقول صورة لأن الصوت إذا بلغ قمة جماله عبر عنه بالمشاهدة.
عظمة هذه البلاد وتخطيها للأزمات والمحن بيسر وسهولة، وسعادتها وما تزخر به من نعم وثروات مادية وبشرية ونجاحها دوماً في البقاء مستقرة وسط منطقة تهتز، وثابتة في عميق محيط هائج، وباردة رغم استعار النار من حولها، ومطمئنة رغم تعدد من يجمعون لها ويستهدفونها، هذا التميز آية في العظمة ولا شك أن أحد أسراره الإخلاص في الدعاء المصحوب بإخلاص في العبادة وهو الطابع السائد العام المميز لهذا البلد حيث لا يشوب ولن يشوب أصوات الدعاء شوائب من أصوات نشاز كما يحدث في أماكن أخرى.

إن أئمة المساجد في بلادنا يبذلون جهوداً كبيرة لا يرجون منها إلا وجه الله ورضاه وتتضاعف هذه الجهود في شهر رمضان خاصة في صلاة التراويح وقيام الليل وتفطير الصائمين وإقامة الدروس والمحاضرات التي تهدف إلى تثقيف الناس والنشء في أمر دينهم وتلك الجهود تحتاج إلى مواصفات شخصية ليست باليسيرة فغالبيتهم هم ممن يحفظ القرآن كاملاً ويرتله ترتيلاً بصوت عذب وبسرعة لا تقبل الخطأ أو التعثر ولعل تلك القدرات لحافظي القرآن هي من أمثلة إعجاز القرآن، فما من نص مهما اجتهد حافظه يمكن أن يلقى في جمع بنفس السرعة والإتقان ولو لدقائق معدودة دون تعثر أو اخطاء مكررة وعدة توقفات فما بالك بمن يتلو لساعات، في ليالٍ، في شهر، مقيداً بتجويد وتشكيل يحفظ المعنى ومع ذلك لا يخطئ إلا ما ندر.

وما يقال عن القراءة يندرج على استحضار الدعاء الشامل عن ظهر قلب ولعل لنا في شيخنا إمام المسجد الحرام فضيلة الدكتور عبدالرحمن السديس خير استشهاد برجل متمكن معتدل وسط، يملك حضوراً متميزاً وشمولية حكيمة، حرك بدعائه أفئدة وأحاسيس ومشاعر سكان المعمورة فخشعت قلوب المؤمنين منهم وجرت مدامعهم وصفت نفوسهم أما من لم يسلم من سكانها فقد سمع تأمين وتأييد ملايين المسلمين في تصويت حي ضد من أراد إسلامهم بسوء فأنزل في قلوبهم الرعب.

ثمة شباب كثر وشيب وكهول من الأئمة أجرهم وثوابهم يرجونه من الله سبحانه وتعالى الذي بيده خير أجر وأفضل ثواب وأزكى مكافأة، لكن هذا لا يمنع أن نكرم نحن كمجتمع أئمة المساجد بما يستحقون من كريم التكريم وتسليط الضوء على المتميز منهم ليكون قدوة حسنة لشبابنا في وقت نحن في أمس الحاجة فيه جميعاً للقدوة الحسنة.

صحيح أن إمامة المسجد ليست مهنة كباقي المهن ولا وظيفة كغيرها من الوظائف لكن رجالاتها هم من خير الرجال وروادها من أنقى الرواد ويشكلون شريحة اجتماعية هامة ومشرفة تستحق الإبراز كقدوة لبقية المجتمع خاصة وأننا في مجتمع دأب على تكريم كل من تميز من مثقفين وأدباء وعلماء علم وشريعة.

يعيرونك بالخليج

الوتر الذي يعزف عليه هذه الأيام بعض من يتنكرون لهذا الوطن الذي دعمهم حتى اصبحوا شيئاً يذكر هو وتر الاستثمار خارج الوطن وفي دول مجاورة بحجة ان اجراءات التراخيص لدينا معقدة وطويلة وتستلزم الكثير من التعهدات والاقرارات والإثباتات التي إذا ما قورنت بسهولة الاجراءات في دول خليجية مجاورة فإنهم يعتبرونها سبباً لهجرة الأموال.
هؤلاء مثلما تناسوا مرونة هذا الوطن في دعمهم وتشجيع استثماراتهم عند بداياتهم المتواضعة، نسوا أنهم أحد أهم اسباب تلك التعقيدات بل سببها الوحيد.

«يعيرونك بالخليج» قل في تلك الدول لم يعمد التاجر إلى التستر لكي ينتفع وهو قاعد ويضر بوطنه، ولم يمارس رجال الأعمال التحايل على الدعم الحكومي والقروض، ولم يحدث أن أقاموا مشاريع وهمية ومؤسسات على الورق من أجل المتاجرة في تأشيرات العمالة.

في تلك الدول كان وعي المواطن المستثمر وحبه لوطنه أكبر من أن يجعله يزور نسب توطين الوظائف أو يمارس «تطفيش» الموظف الوطني ليجهض كل جهود مكافحة البطالة.

في تلك الدول لم يحاول أحد الالتفاف على الأنظمة السهلة الميسرة أو يتفنن في التحايل عليها وإلا فإنها سوف تتبدل تلقائياً من اليسر إلى العسر!!

كلما زادت وتكررت الممارسات الخاطئة والتحايل على النظم والاجراءات الميسرة كلما أدى ذلك اجبارياً إلى وضع المزيد من القيود والتعقيدات وهذا ما مني به وطننا الغالي في مجال الاستثمار.

كانت معظم السبل ميسرة إلى ان جاء من يستغل اليسر وطبيعي أن تجابه الاستغلال بالعسر.

الذين يعيرون هذه البلاد بدول مجاورة بين الفينة والأخرى فيما يختص بيسر الاجراءات يتجاهلون انهم لو نقلوا أموالهم واستثماراتهم فإنهم سينقلون معها ممارساتهم وعندها سوف يصدمون بعقوبات وجزاءات لا ترحم.

صحيح أن الوطن يفترض فيه ان يشكل وعي المواطن ويرتقي به إلى أعلى الدرجات لا أن يتأثر به في نظمه واجراءاته لكن زمن الطفرة كان أسرع من كل رياح التغيير والتوعية فقلب كثيراً من الموازين ومنها أن المواطن الجشع الانتهازي أساء إلى غيره وأرغم بحيله وتحايله وممارساته الأنانية النظم والاجراءات على أن تكون أكثر تعقيداً ثم ها هو اليوم يقارن بين ما آل إليه أمر وطنه بسببه وبين دول مجاورة لم تشهد من مواطنيها ذات الممارسات الخاطئة.

يعيرونك بالخليج قل انقلوا أموالكم وأعمالكم ولن يفعلوا لأن البيئة لن تمكنهم من العيش بطريقتهم فلكل سمك ماؤه.

من طرائف حماية المستهلك

قد تكون المواقف التي سوف أوردها طريفة وقد يكون بعضها محزناً، لكن الأكثر طرافة والأشد حزناً منها أنه لا يوجد لدينا حتى الآن (حماية مستهلك) وذلك منذ أن تم حل حماية المستهلك وتحويل مسؤولياتها إلى مكافحة الغش التجاري.
مشكلتنا أننا نعرف المستهلك على أنه مستهلك المواد الغذائية وأن حمايته تكون بمراقبة أسعار الأغذية، عفواً، هي ليست مراقبة ولكن تحذير من عدم التلاعب بالأسعار.

استضاف برنامج الوجه الآخر في قناة الإخبارية سعادة الأستاذ عبدالعالي العبدالعالي مدير عام مكافحة الغش التجاري وأنا وكان بيننا الدكتور عبدالله الطاير مقدم البرنامج.

المقدمة التي أعدها وقرأها الدكتور عبدالله الطاير كانت بحق ودون مجاملة تغني عن قول كل خطيب لكننا خطبنا ومحصلة الحوار على مدى ساعة التي خرجت بها شخصياً على أقل تقدير أن الاتفاقيات والعقود بين المشترك والشركة المقدمة للخدمة سواء كانت شركة كهرباء أو اتصالات أو ماء أوتأمين أو بنوك أو مكاتب استقدام أو مستشفيات خاصة أو وكالة سيارات والتي تملي الشروط على المستهلك ولا تضمن له أدنى الحقوق هي عقود أعدتها الشركة من طرف واحد وتعتبر جائزة واسميها عقود إذعان وهي ليست من اختصاص مكافحة الغش التجاري شأنها في ذلك شأن مشروبات الطاقة التي تنعم بالرواج لأن وزارة الصحة لم تعترف أنها أدوية والتجارة لا تراها غذاء.

واتضح أيضاً أن كل ما يرد للغش التجاري يبحث له عن جهة اختصاص يحال إليها وهناك متشابهات تضيع كضياع الدم بين القبائل.

أما المواقف للمستهلكين فأحدها أن مستهلكاً كشط كرت مسابقة فوجد أن ابنه قد فاز بجهاز الكتروني وعند مراجعته للمتجر الذي طرح المسابقة قوبل بنظرات استغراب شديدة، كيف فاز؟! ولا وجود للجائزة في المحل أصلاً أما وجه الاستغراب فلأن المتجر كان متأكداً من أن جميع الكروت التي تحوي جوائز لم تطرح في السباق أصلاً وهذا الكرت سقط سهواً.

الآخر مواطن من جدة اشترى لابنه لعبة من أحد متاجر الألعاب بالرياض (سيارة بجهاز تحكم) فعل ما عليه وجربها في المحل فلم تكن تسير إلى الأمام لكن العامل قال له إذا شحنت في المنزل سوف تعمل أخذها للطفل في جدة وشحنها ولم تعمل وعندما عاد إلى الرياض حاول يائساً استبدالها من البائع ودخلا في شجار وانتهت محاولاته بأن أكل الزبون علقة ساخنة من أحد عمال المحل لأنه طالب بحقه، بعدها أشفق عليه المالك واستبدل له اللعبة.

في مراحل النقاش بين الطرفين كاد الزبون يسقط من فرط ارتفاع الضغط وأصيب برعشة واضحة لكنه سقط أخيراً بالضربة القاضية!!

السؤال الذي يطرح نفسه كم من حالات الإحباط التي يتعرض لها زبون يومياً وما تأثيرها على أدائه في عمله وفي المجتمع وهل يستحق هذا الوضع النفسي المؤثر إنشاء هيئة تطوعية مستقلة لحماية المستهلك كتلك الموجودة في كل دول العالم المتحضرة؟!

هيئة الأسوار المغلقة

نزلاء ونزيلات دور رعاية القصر أو الأحداث والمقيمين والمقيمات في دور الرعاية الاجتماعية من العجزة والمقعدين بل والشابات اللاتي حكمت عليهن ظروف أسرية قاهرة أن تكون الدار مأواهم الآمن ونزلاء دور رعاية الأيتام واللقطاء والمرضى المنومين في مستشفيات العزل أو المستشفيات النفسية.
كل أولئك (وقد أكون أغفلت غيرهم) هم في واقع الأمر يعيشون داخل أسوار مغلقة ويقوم على رعايتهم بشر معرضون للخطأ والقسوة والظلم مثلما أن بعضهم أهل للتعامل بحسن نية وصلاح وضمير.

تساءلت في هذه الزاوية منذ سنوات وتحديداً في عدد «الرياض» رقم (12446) في 22 يونيو 2002م في مقال بعنوان (أسرى الحواجز لمن يشتكون؟!) ومازلت أتساءل: هؤلاء لو أُسيء إليهم أو جرى استغلالهم أو حرموا من حقوقهم أو ظلمهم عامل أو مشرف أو طبيب أو اخصائي اجتماعي، كيف يشتكون؟! ولمن يتظلمون وكيف لشكواهم أن تخرج من الأسوار المحكمة الغلق إلى الجهة الحكومية الرقابية التي لا يساورنا أدنى شك انها سوف تنصفهم وتدافع عنهم وترد حقوقهم إذا علمت، ولكن كيف لها أن تعلم وهم لا يقدرون على الشكوى؟!.

الإساءة والتحرش والاستغلال صور لمعاناة محتملة ولكنها قد تبدو للبعض بأنها الأبعد حدوثاً، ولكن حسناً ماذا عن قصور الخدمات وسوء الأحوال الصحية ونقص العناية اليومية، كلها أمور تتعلق بالإدارة المشرفة على المؤسسة وهي الخصم وهي الحكم.

إذا كان المواطن أو المقيم الذي يعيش خارج تلك الأسوار في منزله الذي يملك مفتاح الخروج منه قادراً على الشكوى والوصول عبر عدة قنوات، سواء بالمقابلة المباشرة لمسؤول أعلى أو الاتصال الهاتفي أو اللجوء للصحافة أو الشبكة العنكبوتية أو حتى إبلاغ قريب نافذ ومع ذلك فإنه يشتكي بألم وحرقة ويحتاج إلى تكرار الشكوى وسلوك أكثر من قناة حتى تصل شكواه، فكيف بمن ذكرت ممن لا سبيل لهم إلا الشكوى لإدارة المركز نفسه؟!.

الحل سبق أن اقترحته وهو ليس اختراعاً أو فكرة خارقة إنها مجرد إدخال طرف خارجي محايد يكون رقيباً حريصاً يقابل هؤلاء وفقاً لجدول زمني لا يعرف التخاذل.

اقترحت هيئة مستقلة تعنى بتقصي أحوال وظروف تلك الفئات ولا علاقة لها من قريب أو بعيد إدارياً ولا مالياً ولا تنفيذياً بالوزارة المعنية بشؤونهم.

هيئة لها صلاحيات نافذة تملك حق الرقابة والاستجواب والمساءلة وفرض العقوبة فإذا دخل موظفها أو موظفتها إلى الدار أو مستشفى العزل أو المؤسسة الاجتماعية وقابل نزلاءها ارتعد كل مستغل ومتحرش ومسيء ومقصر ومتواطئ وساكت عن الحق.

إنها مسؤولية فئة اجتاعية لها تأثيرها على المجتمع بالانجاب والتربية والخروج إلى العالم الفسيح مستقبلاً والتأثير فيه بمثل ما تأثرت به وقبل هذا وذاك هي شريحة من رعية وكل راع مسؤول عن رعيته وزيراً كان أو غيره.

فقط لنتذكر أن شكواهم لا تصل وأنهم لا يستطيعون الوصول وعلينا أن نصل إليهم في عقر دارهم المسورة.

مونيكا «سويقه»

حتى الممارسات شديدة السلبية إذا أرغمتنا بفعل بشاعتها على طرحها بشفافية في الإعلام فإنها تسجل لنفسها إيجابية ولو واحدة، فتدخل ضمن «رب ضارة نافعة».
لم نكن نتطرق لموضوع التحرش الجنسي قبل حادثة فتاة «الباندا» وفتاتي النهضة مع أن المفترض أن نفعل لأن التحرش الجنسي بتعريفه الشامل كان ومازال موجوداً وبأشكال متعددة.

الغريب أن الحادثتين اللتين علقتا الجرس تشتركان في صفة واحدة غريبة جداً وهي إعلان الفاعل أو الفاعلين عن التحرش بعد تصوير الإدانة ثم نشرها على الناس في الإنترنت أو عن طريق تكنولوجيا الهاتف الجوال، ولعل هذا ينبهنا إلى عامل هام جداً وهو الجهل بالعقوبة وعدم إدراك عواقب الأمور.

يذكرني هذا بتحقيق صحفي أجريته مع مدير عام مكافحة المخدرات اللواء جميل الميمان منذ حوالي عشرين سنة في جريدة «الجزيرة» نشر على ثلاث صفحات آنذاك.. قال لي إن أحد المروجين عندما أحضر لي حلف وهو يدخل صارخاً بأعلى صوته «أقسم لك بالله أني أبيعه لكنني لا أستعمله».. ولم يكن يدرك خطورة اعترافه فلم يكن يعلم أن عقوبة الترويج تصل حد القتل بينما الاستعمال سجن سنوات لاتزيد على خمس آنذاك.

الجهل بالنتائج درس يجب أن نتعمله ونعلمه لمن يجهلونه فعلى الناس أن يعرفوا مغبة كل فعلة عن طريق توعية مكثفة.

أما الدرس الثاني فهو ما يتعلق بأن التحرش كما ذكرت موجود بعدة صور ومنذ القدم، لكننا لم نوجد بعد قنوات «مستورة» للتبليغ عنه وانتظرنا من يبلغون عن أنفسهم من المجرمين بالصوت والصورة.

بائع الذهب والقماش والملابس والأواني والدواء يتحرش بزبونته جنسياً إما بالقول أو بالفعل لمساً وخلافه.

سجلت حالات وقضايا لأطباء تحرشوا جنسياً بمريضاتهم لكن روح النقابة لدى بعض زملائهم وهم رؤساؤهم تجعلهم يتسترون على كثير من المواقف لكن الفعل موجود.

أصحاب سيارات الأجرة يمارسون أشكالاً من التحرش الجنسي بالقول والعمل.

زملاء الأعمال المختلطة يخلطون كثيراً بين ما يختص بالعمل وما يصنف كسوء عمل !!.

في جميع الحالات والحوادث تفرض صفة الحياء وطلب الستر في مجتمعنا على المرأة أن تكتم ما تتعرض له من أذى وتحرش عن أقرب الناس إليها وحتى أقربهم لو أبلغته فإنه يريد الستر وقد ينهي الأمور بطريقته الخاصة.

كل هذا لأننا مجتمع شديد الحساسية والحرص على السمعة فلسنا مجتمع مونيكا التي ربما تفاخرت بالتحدث لوسائل الإعلام بالتفصيل الممل عن كيف تحرش بها رئيس أكبر قوة في العالم ولو تواجدت في سوق «سويقه» أو «السدرة» منذ ثلاثين سنة لما انتهت مسلسلات اعترافاتها حتى يومنا هذا طالما لا يعيقها الحياء وطبيعة المجتمع التي تعيق غيرها !!.

علينا إيجاد قنوات ستر تبلغ من خلالها كل ضحية عما تعرضت له من أذى ونضمن سرية المعلومات، وعلنا بتطبيق وإعلان عقوبة أو اثنتين «بعد التثبت» نكون قد جعلنا من تلك القنوات عوامل ردع للتحرش المستور.. وقد سبق أن اقترحت أقساماً في المستشفيات تعنى بشئون المرأة العاملة تكون نواة لهيئة تقوم فيها المرأة على شئون المرأة، لكن يبدو أن الاقتراح الذي يعنى بالمصلحة العامة فقط يطول انتظاره في زحمة مقترحات المصالح الذاتية.