الكاتب: محمد الأحيدب

“كيكة” المسؤول وخبزة المواطن

كتبت سابقاً عن حمى الفصل بين المواطن والمسؤول تحت عنوان “مواطن فوق المواطنة” وكان هم ذلك الموضوع أن بعض من تولوا مناصب عليا أصبحوا ينظرون للمواطن على انه إنسان هذا البلد الكادح المعني بالخدمات وقبل ذلك المطالب بالرسوم والعطاء واتباع التعليمات والرضوخ للمطالب الوطنية.
ومن الخطورة بمكان أن يعمل المواطن المسؤول أو الحائز على الثقة في منصب عال بمعزل عن شعور المواطن العادي واحتياجاته وظروفه القاهرة. وأعني بمعزل أي دون الأخذ في الاعتبار الظروف المستجدة الصعبة التي قد يعاني منها المواطن أو ما يترتب على بعض القرارات من معاناة للمواطن العادي لمجرد اختلاف ظروف المعيشة والقدرات والإمكانات المادية للطرفين.

بعض القرارات لا تحسب حساباً منصفاً لظروف المواطن العادي أو حتى متوسط الدخل، وقد تبدو مشابهة لموقف الطفل الفرنسي الذي اقترح حلاً لمجاعة الطفل الأفريقي نتيجة انعدام الخبز بأن يأكل الكيك!! وهنا تبدأ المشكلة الناجمة عن عدم تقمص المسؤول لشخصية المواطن العادي والشعور بنفس مشاعره وحساب ألف حساب لظروفه.

القياس مهم جداً عند اتخاذ الأحكام وإذا قاس المسؤول قراره بناءً على ظروفه هو بعد ما طرأ عليه من ترفيه وما حل به من نعمة فإن القياس يكون مبنياً على حال النخبة أو الشريحة الأقل عدداً وعلى حساب العامة.

وفي هذا الصدد نحن لا نكتب من فراغ بل من واقع تجارب وأمثلة سببت مصاعب جمة لكثير من الناس تم العدول عن بعضها بعد أن ثبت فشلها مثل المبلغ العالي المبالغ فيه لدخل تأسيس الكهرباء “قيمة العداد” مثلاً ومثل مبلغ العشرة آلاف ريال كرسم اشتراك الجوال عند بداياته “وهذه مجرد أمثلة توضيحية استشهادية فقط”.

أما الكثير منها فلم تحل حتى اليوم مثل رسوم الهاتف وسعر الدقيقة وتكاليف استهلاك الكهرباء وعدم تناسب الراتب مع تكاليف الحياة اليومية أو عدم وجود راتب ولا وظيفة أصلاً وهي أم المشاكل واضطرار من لا تستقبلهم المستشفيات المتقدمة للعلاج في المستشفيات الخاصة بتكاليف مرتفعة، ورسوم تجديد الكثير من المستندات السنوية للمواطن ومن يستقدمهم محتاجاً لخدمات أساسية تفرضها حاجة الزوجة للعمل أو انعدام وسائل المواصلات العامة الجماعية المنظمة، ونقصد الخادمة في الأولى والسائق في الثانية.

تلك التكاليف العالية للمعيشة قد لا تعني شيئاً يذكر للمواطن المسؤول الذي يقترحها كون دخله يفوق تكاليف الحصول على تلك “الكيكة”، لكنها تعني أمراً يصعب تحمله بالنسبة للمواطن العادي الذي لا يكاد دخله يكفي توفير خبز يومه.

كم هو جميل أن يكون قياس المواطن “السوبر” مبنياً على ظروف المواطن العادي أو محدود الدخل لنكون جسداً واحداً رغم اختلاف الإمكانات.

إهمال المشكلة الوطنية الأولى

قياساً بعدد الخسائر البشرية في الأرواح والإصابات والإعاقات فإن قضية حوادث السيارات تعد بالنسبة لنا القضية الوطنية الأولى دون منازع ودون أدنى خلاف.
حوادث السيارات هي القاتل رقم واحد إحصائياً في مجتمعنا، وهي سبب اليتم والمشاكل الاجتماعية الناجمة عنه، وهي سبب إعاقة عدد كبير من أفراد المجتمع، وهي التي تشكل أعلى تكلفة اقتصادية في المجال الصحي لعلاج نتائجها أو رعاية ضحاياها.

ومع هذا كله فإننا لم نر أو حتى نسمع عن دراسة جادة لهذه المشكلة الوطنية الأولى!! دراسة تشمل الأسباب الحقيقية لحوادث السيارات وتقترح الحلول الجذرية لها كونها هَمّا وطنياً يفترض أننا سعينا إلى كشفه وإزالته منذ مدة ليست بالقصيرة.

لا أقصد دراسة تحتفظ بها رفوف المكتبات كما هي معظم أعمال الأكاديميين والباحثين في مجتمعنا!! إنما أعني دراسة شاملة اعتمدت لاتخاذ حلول جذرية ويتم تطبيق توصياتها خطوة بخطوة لنستطيع القول إننا في أحد الأعوام القادمة سنتمكن من خفض نسب الوفيات والإعاقات ونتائج حوادث السيارات نتيجة اتخاذ خطوات عملية جادة ومدروسة.

صحيح أن الجهات المعنية بهذه القضية لدينا تتفنن في إعطاء أرقام الوفيات نتيجة الحوادث إن شئت سنوياً أو أسبوعياً أو يومياً أو كل دقيقة!! وصحيح أننا ردّدنا كثيراً عبارة أن أرقام وفيات حوادث السيارات لدينا في عام واحد تعادل أعداد ضحايا الحرب الأهلية في لبنان. أي أننا إحصائياً قمنا باستشعار حجم الخطر، لكننا لم نقم بأي جهد يذكر لوقف نزف الدم أو على أقل تقدير خفض النسبة المخيفة لأعداد الوفيات أو الإعاقات أو الخسائر.

وبطريقة جد متحيزة ومجاملة للدوائر الحكومية كنا ولا زلنا نعلق جل المشكلة على شماعة وعي المواطن المتمثل في السرعة أو عدم اتباع أنظمة القيادة، في حين أن واقع الأمر يشير إلى دور كبير للطريق يتمثل في ضيق وسوء بعض الطرق من جهة وعدم الصيانة وانعدام التعليمات المرورية الواضحة المتفق عليها دولياً في كثير من الطرق خاصة تلك القديمة أو الضيقة ذات المسار الواحد!! أقول إن ثمة دوراً كبيراً للعوامل الأخرى غير السائق والمركبة لكنني لا أستطيع تحديده دون دراسة.

إننا إذا ما أردنا إجراء مقارنة لمستوى الأهمية فإن اهتمامنا بحوادث السيارات كسبب للموت يفترض أن لا يقل مطلقاً عن اهتمام الولايات المتحدة الأمريكية بالإيدز أو الإرهاب مؤخراً، لأنها قضية وطنية ذات أبعاد اجتماعية وصحية واقتصادية ونفسية لا يمكن تجاهل أي منها ومن المستغرب جداً أن لا نتحرك لاحتوائها ونكتفي بلوم المواطن والسرعة والمركبة!!.

العلاج المؤلم

التطعيم أو التلقيح من أسهل وسائل الوقاية وأقلها تكلفة وأنجحها نتائج، ومثلما أن الجسد يحصن عن الفيروسات والبكتيريا بالتطعيم فإن الوطن هو الآخر يحصن عن الأفكار الهدامة والإفساد وزعزعة الأمن.
الفرق يكمن فقط في الطريقة أو الوسيلة،وزرع المناعة الدائمة أو طويلة الأمد في الوطن يتم بطريقة سهلة جداً ومحبوبة ومطلوبة إلا أن تنفيذها يكون صعباً على النفوس المريضة فبالرغم من أنها لا تعتمد على الوخز بالإبر إلا أنها تبدو وخزاً مؤلماً على الأعضاء المبتلاة بطغيان حب الذات على حب الوطن.

كل ما عليك هو أن تستبعد الممارسات التي تثير الغيظ وتقلل من جذوة حب الوطن وستجد أن الوطن أصبح منيعاً ضد كل عدوان فكري أو سياسي أو حتى عسكري.

والممارسات التي قد تسبب غيظاً أو حتى ردة فعل نفسية سلبية يمكن بسهولة التعرف عليها لأنها أصبحت أوضح من أن تختفي بل أصبح ممارسوها أبجح من أن يحاولوا إخفاءها وكل ما علينا الآن للقضاء عليها هو أن نسن الأنظمة والإجراءات التي تمنع تماماً منح الثقة أو الصلاحية لأي مسؤول كان فيما يتعلق بما يرتبط بهوى النفس لأن النفس أمّارة بالسوء في كل ما يرضي هواها.

التوظيف مثلاً أمر يفترض أن لا نبالغ في منح أمر الثقة فيه لبشر أياً كان، لأن المعاناة الواضحة التي نعيشها أننا عجزنا تماماً عن تأثير الإقليمية والقرابية والمصاهرة والأهواء في أمر التوظيف .. وغني عن القول أن حصول غير المؤهل على وظيفة وحرمان المؤهل منها أمر شديد التنغيص قد يتسبب في التأثير على جذوة الوطنية والشعور الوطني وبالتالي انخفاض المناعة الوطنية وهذا ما قصدناه أو ما نخشاه.

نفس الشيء ينطبق على ممارسات أخرى يتسبب فيها مهملون أو أنانيون ويعاني منها أو من نتائجها الوطن بأكمله ومنها على سبيل المثال لا الحصر تعطيل شكاوى الناس ومطالباتهم الحقوقية ومصالحهم مالم تتوفر لهم الواسطة أو الدعم أو الظهر، والتمييز بين الموظفين في البدلات والانتدابات والدورات والمميزات الوظيفية بصفة عامة، ومنها محاربة طالبي الرزق ممن لا عمل لهم أو مؤهلات علمية توفر لهم وظيفة وهو ما حدث تجاه بعض باعة الخضار في الشوارع أو سائقي الأجرة أو حتى “الوانيتات” وكأننا قضينا على كل الأخطاء ولم يبق إلا منع مرتزق من بيع فاكهة!!.

ومنها تأخير الحلول الناجحة المقترحة لمسألة العلاج للجميع وأهمها مقترح البطاقة الذكية الذي دفن في إحدى الجهات الطبية لمصالح شخصية، مما تسبب في حصول البعض على أكثر من أربعة ملفات علاجية في أربعة مستشفيات متقدمة في حين يضطر البعض الآخر للتداوي في مستشفى خاص بتكاليف عالية جداً رغم اشتراكهما في المواطنة.

ومن الأسباب التي لا يجب أن نغفل عنها أو نصد عن مناقشتها ارتفاع فواتيرالخدمات ورسومها إلى حد يخدم الشركات الخدمية ويثقل كاهل المواطن فوق المتوسط دخلاً فما بالك بصاحب الدخل المحدود.

إن إزالة مسببات الغبن أو الإحباط ستكون بمثابة علاج ناجع بالإبر السعودية لكثير من مشاكلنا الوطنية وسيكون مؤلماً لهواة المصالح الشخصية.

السقوط الكبير

بالرغم من ان التوجه العام للعقلاء كان يستنكر سلوك كثير من القنوات الفضائية العربية غير الاخبارية والذي يركز على الرقص والغناء والفيديو كليب الخليع، وبالرغم من ان هذا الاستنكار جاء مؤخراً على شكل إجماع واتفاق لم يقتصر على الوعاظ او الملتزمين دينيا بل شمل الاستهجان حتى من لا يعنيهم كثيراً تعارض ما يحدث من تلك القنوات مع تعاليم واخلاق الاسلام ممن رأوا في إصرار قنوات العرب على الرقص والغناء في كل الظروف العصيبة التي تعيشها الامة سذاجة وعدم مواكبة لنفسيات المتلقي خاصة عندما تحولت بعض “الفضائحيات” العربية الى “كبريهات” تمارس عرض بضاعة الغانيات وهوان اشباه الرجال في صور شتى لا يمكن للمشاهد العربي والاجنبي ان يقرأ من خلالها سوى رسالة واحدة هي ان هذه الامة تعود الى جاهليتها الاولى ولا تحمل هماً ولا معاناة ولا طموحاً غير اشباع الغريزة الجنسية بابتذال المرأة كياناً وكرامة وتقديرها جسداً وبضاعة!!.
اقول بالرغم من ان استهجان هذا السلوك وانتقاده بلغ حداً وحدة كبيرين وشاملين اكثر من اي وقت مضى الا ان هذا الاستنكار لا يجد آذاناً صاغية بل ان الاجماع على رفض هذا السلوك ولد على ما يبدو حرصاً اكثرلدى من يتبنونه على تعميمه.

من كان يتوقع ان يتحول ختام نشاط رياضي عربي من النهج المعتاد المتمثل في استعراض رزين وفقرات “نظيفة” مرضية لجميع الاذواق وفرقة موسيقى عسكرية جادة ومؤثرة في تأجيج الحماس، الى حفل غنائي راقص تقوده نانسي عجرم وفرقتها؟!.

اذا كان لدى شبابنا المحافظ العاقل الرزين الرافض للانحلال الخلقي الخيار في تحويل مستقبل القنوات الفضائية عن تلك القنوات الرخيصة الى قنوات جادة او اخبارية او رياضية فهل بلغ بهم الحرص على إفساده حد نقل “التعري” التلفزيوني الى الملعب بدلاً من نقل المباراة الى التلفزيون؟!.

لماذا يريد هؤلاء ان يكرسوا النظرة العامة عن العرب على انهم هواة رقص وجنس ومجون؟! واذا كانوا نجحوا في ترسيخ هذا المفهوم من خلال قنوات فضائية نافست الانحلال الغربي، لا تحمل لا هدفاً ولا رسالة غير رسائل المراهقين الغرامية لبعضهم البعض وعبارات يوردها شريط متحرك لم نكن نقرأها الا في جدران دورات المياه العامة والمدرسية، أفلا يكتفون بهذا التشويه حتى ينقلوه حياً في ملاعب الكرة.

من سمح لمثل هذه الفقرة الدخيلة على الرياضة؟! وكيف سمح ولماذا؟! وما علاقة نانسي وفرقتها بكرة القدم غير الكرة التي كانت تهزها وهي تجوب الملعب لاهثة؟!!.

هل نشاهد مستقبلا تطبيقاً حياً لبعض مشاهد الكليب داخل ملاعب كرة القدم وأعني تلك اللقطات التي تصور تقبيلا وحضنا و(….).

لقد كان شكل نانسي وفرقتها وهم يهزون مؤخراتهم امام جمهور نشاط رياضي شريف مقززاً للغاية وهو بالمناسبة مالم يحدث في افتتاح او ختام كأس العالم في الولايات المتحدة الامريكية اكثر دول العالم انحلالا فقد كانت المشاركة الوحيدة للمغنية البدينة السوداء العجوز وكانت اغنية خالية من اي هز او إغراء.

أعتقد ان ماحدث في ختام البطولة العربية كان سقطة ساعدت على حدوثها اجواء خاصة ويجب ان لا تتكرر الا اذا كنا شعرنا بسقوط الكرة العربية وتراجعها وقلة الاقبال عليها وأردنا ان نعوض تلك الكرة بمجموعة كور بشرية متحركة على أمل جذب الجمهور، واذا كان الامر كذلك فعلى صاحب الفكرة “الجهنمية” ان ييأس ويعلم جيداً ان جمهور الكرة انظف مما يتوقع وأن الابل الرياضية لا تورد هكذا.

وحقوق المواطن

جميل جداً أن نلتفت إلى ضرورة الأخذ في الاعتبار الحقوق الإنسانية للعمالة الأجنبية والحرص على عدم ترك أدنى فرصة لسوء السلوك في هذا الصدد.
وكل ما يعنى بالنواحي الإنسانية وأمور المساواة أمر جميل كفله ديننا الحنيف وركز عليه وحث على الاهتمام به ويفترض بنا أن نحرص عليه من هذا المنطلق!!.

الأجمل أن نعنى بالنواحي الحقوقية الأخرى التي تتعلق بالطرف الآخر وهو المواطن على حد سواء مع حقوق العامل المستقدم، وأعني هنا أن رب العمل أو الكفيل له حقوق كثيرة تهضمها آلية التعامل وواقع الممارسة وهي التي تحكمها العلاقة بين العامل ورب العمل ومكتب الاستقدام والدوائر الحكومية.

مكتب الاستقدام سواء المحلي أو وكيله الأجنبي كلاهما داخل في الربح خارج من الخسارة في العملية التعاقدية، فالكفيل يتحمل كل التكاليف بما فيها تكاليف تمرد العامل ورفضه للعمل أو هروبه أو ما يتسبب به تجاه الآخرين من أضرار.

لا يوجد أي ضمانات مالية أو حتى قانونية يتحملها مكتب الاستقدام تحثه على تحري الدقة في الاختيار أو أخذ ضمانات على العامل “أو العاملة” المستقدم تجعله أو تجعلها حريصة على إتمام العملية التعاقدية على خير، بالرغم من أن كلاً من مكتب الاستقدام المحلي والخارجي يمتص جيب الطرف القريب منه بطريقة جشعة جداً، فالعامل يدفع كل ما يملك للحصول على تأشيرة عمل دفع تكاليفها المواطن السعودي ودفع معها تكاليف الاستقدام للمكتب المحلي ورغم أن ما يدفعه كلا طرفي العمل مبلغ كبير جداً إلا أن هذه المبالغ الكبيرة لا تتعلق مطلقاً بضمان التزام أي من الطرفين بشروط العقد، فهي عملية استغلال وقتي لحاجة كل منهما للتعاقد ولا يتحمل مكتب الاستقدام أدنى مجازفة، فحتى مدة الأشهر الثلاثة التجريبية يضمنها للمكتب المبلغ الذي دفعه العامل مقابل مجرد إرسال فاكس أو اثنين.

إن من الضروري ونحن نسعى لضمان الحقوق أن نضمن حقوق جميع الأطراف، فمثلما طالبنا كثيراً بالضرب بيد من حديد على الشركات والمؤسسات والمقاولين والأفراد ممن لا يدفعون للأجير أجره ولا يكتفون بجفاف العرق بل يؤخرون الرواتب حتى جفاف كل المنابع ووسائل العيش مما يضر بالمجتمع أجمع أو أولئك الذين يسيئون للسائق أو الخادمة بطريقة تنذر بالعقوبة، فإننا نطالب أيضاً بضرورة سن تشريعات دقيقة ونظم واضحة تحمل في مضمونها ودقة تطبيقها ضمانات للمستقدم أو من نسميه “الكفيل” بأن ما يدفعه يشكل حماية لحقوقه هو الآخر، وضماناً مالياً قد يخسره مكتب الاستقدام أو العامل المستقدم إذا أخل بشروط العقد وأهمها بطبيعة الحال الجدية في القيام بالعمل!.

أليس من المخجل أن يصل حد إهمال حقوق الإنسانية للكفيل وهو مواطن إلى اتفاق مكتب الاستقدام مع الخادمة على العمل بإخلاص فترة التجربة “ثلاثة أشهر” ثم التمرد على صاحب العمل ورفض العمل أو الهرب أو التمثيل ليقوم بتسفيرها على حسابه ودفع تكاليف الاستقدام ثانية وثالثة؟!.

إن كلمة كفيل ليست عيباً في حق العامل لأنها بكل معانيها العملية على أرض الواقع تعني أن هذا المواطن المسكين يكفل ويتكفل بكل ما يتعلق بهذا العامل وأن مكتب الاستقدام لا يتكفل إلا بالمتاجرة بالطرفين في ظل ضياع الضمانات.

مجتمع بلا”كتلوج”

طال كثيراً غياب تواجد نظم وإجراءات مكتوبة تفصيلية تحكم سير العمل في دوائرنا الحكومية تتيح للموظف أن يعرف ما له وما عليه وما هو عمله بالضبط، وما الذي يجب عليه أن لا يعمله بحيث يصبح واضحاً ما إذا كان الموظف يستغل الاستغلال الصحيح أم أن غياب النظم يجعله ودون قدرة على الاعتراض يعمل كل ما يطلب منه خلال ساعات العمل سواء لصالح العمل أو لصالح رئيسه، وسواء كان بنفس القدر مثل أحد زملائه أم أن ثمة تفرقة!!
الوصف الوظيفي ليس الغائب الوحيد الذي طال غيابه، فهناك نظم وإجراءات عديدة نفتقدها بل مرت عشرات السنين على وزاراتنا دون أن تفكر ولو مجرد تفكير في تدوينها وسنها وجعلها مرجعية مكتوبة، والسبب في “شكي” أن الوزير عندنا يكون مشغولاً بتحقيق إنجازات “وقتية”، آنية، عابرة تسجل لفترته عبر وسائل الإعلام كخبر أو تشاهدها بعض العيون أو كل العيون دون الاهتمام بتأسيس بنية تحتية إدارية تحتفظ بها مكتبة وأرشيف الوزارة دون أن يشعر بها الجميع مع أنها ذات قيمة هامة يقدرها من يأتون بعده ويستفيد منها في سير العمل من هم يعملون في فترته وبعدها ويستفيد منها الوطن في شكل انتظام لسير الحياة العملية وراحة نفسية للمراجع والموظف على حد سواء، وأهم من هذا وذاك خلق بيئة وطنية منظمة وعادلة وشفافة، لا مجال فيها للصيد في المياه العكرة غير الواضحة.

معظم أمورنا الحياتية نعالجها بطريقة آنية، أنانية عشوائية غير مقننة تعتمد على الاجتهاد والعلاقات وتتيح مجالاً رحباً للمخالفات وعدم الإنصاف.

إن أخطر نتائج هذا الغياب هو أن جميع دوائرنا دون استثناء أصبحت دائرة الرجل الواحد، فمجرد تغير الوزير أو المدير يعني تغير الكثير من النظم والإجراءات التي هي بطبيعتها آنية اجتهادية غير مدونة ولا صادرة عن طريق دراسة أو أقرتها هيئة خبراء.

حتى الشعور العام داخل الوزارة أو الدائرة تسيطر عليه مشاعر انتظار التغيير لمجرد تغير المسئول الأعلى في الهرم، كل شيء ينتظر أن يتغير ليس بالضرورة إلى الأفضل، ولكن إلى التغيير، وهذا التغيير قد لا يقتصر على الإجراءات والأنظمة وسير العمل، بل قد يشمل الأشخاص وكأن لكل مسئول طاقمه الخاص الذي يتنقل به أو ينقله معه.

أصبح الشعور العام أن المسئول الجديد الذي لا يغير، مسئول غير ناجح أو غير قادر على مجاراة من سبقه أو تعويضه.

إن ما يحدث لأجهزتنا من ارتباك عند كل تغيير أمر متوقع في ظل غياب الكتيب الإرشادي الكفيل بجعل الجهاز يسير على طريقة صحيحة في كل الأوقات ومع كل الأشخاص. لأننا وكما يبدو أصبحنا مجتمعاً بدون “كتلوج” وأي جهاز يدار دون الرجوع إلى كتيب إرشادي عرضة للاحتراق أو العمل بطريقة غير صحيحة أو عدم الاستفادة من أقصى إمكاناته!!

والسؤال المحير هو لماذا لا يطلب من المسئول الناجح تدوين نظمه وسياساته لتستفيد منها الدائرة خاصة أنه تقاضى أجر ذلك العمل في تلك الفترة؟!

بل السؤال الأكثر عجباً وحيرة هو لماذا تبلغ بنا الأنانية حد إخفاء النظم والإجراءات وعدم تدوينها وكأنها براءة اختراع للوزير أو المدير السابق يأخذها معه؟!

أزمة انطباع

المشكلة أننا تعودنا أن تكون قراراتنا مبنية على انطباع، مع أننا نعيش في عصر الدراسات والإحصاءات والنسبة والتناسب والقرارات المعتمدة على معلومات احصائية وحقائق وليس مجرد انطباع مبني على مشاهدة واقعة قد تكون نادرة أو سلوك قد لا يكون شائعاً.
عدوى الانطباع انتقلت وانتشرت واستشرت بفعل غياب أو تغييب الدراسات والاحصاءات فلم تعد مقتصرة على صدور قرار مبني على “إشارة لما لوحظ” أو تطبيق مقترح أساسه انطباع شخص واحد نقله وضخمه واستصدر فيه قراراً ملزماً. أي لم تعد العدوى منتشرة في دوائرنا الحكومية بل تأثر بها القطاع الخاص والأهلي ثم المجتمع ثم الأفراد فرداً فرداً (أعلم أن الطبيعي هو أن نبدأ بالأفراد كوحدة ثم ننتهي بالمجتمع ككل لكنني قصدت أن أقول إن النظرة العامة الانطباعية أصبحت ديدن كل فرد حتى في حياته الخاصة والعامة طبعاً).

الطريف أن الفكرة الراسخة نتيجة انطباع شخصي لا يغيرها إلا انطباع مخالف لنفس الشخص، وإذا ما كان هذا الشخص هو صاحب القرار فلا يمكن لآثار انطباعه أن تزول، ما لم يتغير انطباعه الشخصي أولاً ثم يصحح ما أفسده انطباع سابق!!.

الأمثلة كثيرة جداً وفي مجالات شتى ولكن دعونا نستشهد بمثل واحد لكل صنف وأعني انطباعاً حكومياً وآخر قطاعاً خاصاً ثم انطباع مجتمع وانطباع فرد:

حكومياً كان الانطباع أن وظيفة مذيع تلفزيوني لا يمكن أن يقوم بها سوى اثنين أو ثلاثة لا غيرهم خاصة في المهام الصعبة والفقرات الهامة وأهمها نشرات الأخبار ولعل قناة الإخبارية والقناة الرياضية غيرتا هذا الانطباع بطريق الصدفة عندما برز أكثر من مذيع سعودي شاب وأبدوا مقدرة فائقة في قراءة الخبر والثقة في النفس والظهور البهي وأبدى عدد من المحاورين ذكاءً وفطنة واختياراً دقيقاَ للسؤال في مواقف عصيبة وعلى الهواء مباشرة، فبعد أن جازفت كل من الإخبارية والرياضية وعاندت ذلك الانطباع خرجنا بكم كبير من المذيعين الناجحين.

في القطاع الخاص لا يزال الانطباع بأن الشاب السعودي غير جاد في عمله ويريد وظيفة إدارية هو الانطباع السائد رغم أن وزير العمل نفسه لديه عكس هذه القناعة ويحاول جاهداً تغييرها بالتصوير تارة بزي الطباخ وتارة مع الحلاقين. لكن القطاع الخاص يحتاج إلى إقناع كل هامور بتجربة شخصية حتى يزول الانطباع.

على مستوى المجتمع فإن ثمة انطباعاً سائداً بأن السياحة الداخلية مكلفة جداً وأن الإيجارات مرتفعة وهذا الانطباع أسهمت أزمة التأشيرات بعد أحداث 11سبتمبر في تغييره بالتجربة لدى كثيرين لكن مهمة الهيئة السعودية للسياحة أن تسعى لتغييرها تماماً عن طريق مزيد من التحكم ومزيد من الإعلام المقنع وإن كنت شخصياً سبق أن كتبت ما ينفي تماماً مثل هذا الانطباع بشرح تجربة شخصية في عسير نشرتها في هذه الزاوية ونشرتها جريدة الوطن في صفحة كاملة.

وعلى المستوى الفردي أعتقد أن انطباع معالي وزير التربية والتعليم بأن إنجازات وزارته على ورق الصحف تعادل الإنجازات على أرض الواقع يعتبر من الانطباعات الفردية التي يصعب تغييرها مثلما يصعب تصديقها!!

فرس الاتصالات

تهدف الهيئات الحكومية المشكلة لمتابعة أو الاشراف على شأن ما إلى ضبط زمام الأمور والتحكم فيها بحيث لا يطغى جانب المصلحة الشخصية أو المؤسساتية على الجانب الأهم وهو مصلحة المواطن وحقوق وأموال الوطن.
وخاصة فيما يتعلق بالجوانب الخدمية التي يستثمر فيها القطاع الخاص فقد مررنا بتجارب كثيرة ناجحة لعب فيها الاشراف والمتابعة من قبل جهة حكومية دوراً هاماً في حفظ الحقوق والتحكم الدقيق وضمان عدم استغلال الفرص بما يضر بالمستفيد من الخدمة، وفي الوقت نفسه تحرص الدولة على استفادة المستثمر واستقراره بسلوكه الطرق المعقولة المتفق عليها للربح دون مبالغة أو استغلال أو استحداث اجراءات مفاجئة تؤثر سلباً على المستفيد.

أي ان الهيئات الحكومية الاشرافية تطبق مع الشركات الخدمية مفهوم الشاعر خالد الفيصل عندما وصف “فرسه” أو من شبهها بالفرس بقوله “تلعب وأنا حبل الرسن في يديا”.

وكم هو جميل حينما تسمح لفرسك بأن تمارس نشاطها وهوايتها في الحركة بينما تحتفظ أنت بحقك في منعها من الجموح عن طريق حبل مرن طويل هو “الرسن”.

في شأن الاتصالات يبدو أن طرف الحبل يلتف على رأس الفرس والطرف الآخر في يد رخوة أو ملساء إلى درجة أن الحبل يفلت كثيراً مما أضر بالجمهور فتعرض للكثير من جمحات الفرس وربما رفسات مؤلمة تحدثنا عن العديد منها في مقال الأسبوع الماضي بعنوان “هيئة التنصلات”.

وإذا اتفقنا أن الهيئة الاشرافية التي يفترض أن يصدق قولها بأنها في صف المشترك وتسعى لحفظ حقوقه فإنني أجدها فرصة لأقترح على محافظ الهيئة وزملائه الاطلاع على ردود القراء وهم مشتركون، وهم شريحة مستهدفة، وهم أصحاب حقوق وشكاوى، أقول لتطلع الهيئة على منتدى الكتاب بهذه الجريدة مثلاً وهو بالمناسبة يعبر عن رأي من يكتب فيه وهو رأي قد يهم الهيئة!! فربما لو اطلعت على سيل الردود على ذلك الموضوع على سبيل المثال فقد تجد أولاً أنني مقل جداً ولم أقم بالدور المطلوب الذي يقتضيه الوضع وستجد ثانياً أن حبل “الرسن” لم ولن يكون في يدها ما لم “تخشوشن” اليد قليلاً فاليد ملساء والحبل طويل والفرس لعوب جموح لم تروّض كما يجب.

هيئة “التنصلات”

حذار فإن أكثر ما يزعج المواطن هو أن ينبري أحد المسؤولين المكلفين بخدمته والمستأمنين على حقوقه فيمارس استغفاله والمنة عليه بل ومخادعته.
عندما بدأت خدمة الهاتف الجوال كان رسم الاشتراك مبلغ عشرة آلاف ريال، وشعر “مستوري” الحال “ومحدودي” الدخل أن هذا المبلغ الكبير مقارنة بدول مجاورة يقصد منه تعجيزهم وجعل هذه الخدمة الجديدة حكراً على الموسرين “المميزين” مثلما كان الهاتف السيار الذي مات وهو ميزة لهم لم يمسسه معسر.

هذه المرة أصر ذوو الدخل المحدود على إقحام أنفسهم والاشتراك في “الجوال” بعد معاناة للحصول على عشرة آلاف ربما وصلت حد التدين “العشر اثنا عشر” وربما سفك ماء الوجه والتسلف ولا يستبعد أن هذا التحدي تسبب في سلوكيات غير أخلاقية لحصول إحداهما أو أحدهما على هذا المال.

بعد عدة سنوات طويلة دخلت شركة الاتصالات في الخط واعتبر الرسم ثلاثة آلاف ريال واعتبرت السبعة رصيداً مقدماً للمشترك ثم انخفض الرسم حتى انتهت فترة الاحتكار ليصبح الاشتراك مجانياً “صفراً” لأن ثمة منافسين قادمين لمنافسة الشركة المدللة.

ولأن هذه المنافسة القادمة بين مقدمي الخدمة ستكون على المشترك لكسبه ويفترض أن تنعكس إيجاباً لمصلحته، وعلى كسب رضاه فليتنافس المتنافسون فقد خرج علينا محافظ هيئة الاتصالات في مؤتمر صحفي بتصريح يطمئن الفتاة المدللة شركة الاتصالات ويحبط أي أمل للمشتركين مفاده أننا لن نسمح بحرب أسعار بعد الترخيص لشركة الجوال الثانية وأن منح التخفيضات على الأسعار المقدمة للمستهلك ستكون بإشراف هيئة الاتصالات وفي ذلك إشارة واضحة لحماية الفتاة المدللة لسبب لا نعرفه أو نخجل من ذكره وفيه إشارة أن المشترك لن ينعم أبداً بمميزات التنافس التي ينعم بها كل مشترك في العالم عندما يتنافس مقدمو الخدمة ومشغلوها لإرضائه وكسب وده.

المحافظ الدكتور محمد السويل كرر القول ان هيئة الاتصالات إحدى الأدوات المساندة للمشتركين وهي التي تراقب سوق الاتصالات وهي “المشرع” وأنها لن تسمح بإجراء تخفيض في أسعار الخدمة إلا عن طريقها حتى لا تحدث حرب أسعار تضطر المنافس الجديد للخروج من السوق في المملكة وفي هذا إيماءة واضحة إلى أن شركة الاتصالات الحالية قد “علكت” المشترك و”شفطت” حقوقه وأمواله خلال فترة التميز الحصري والامتياز بتقديم الخدمة إلى درجة قد تجعلها تقدم تنازلات كبيرة من الهامش الصغير للاستغلال الذي حدث مما سيضر بالمنافس الجديد.

ويذكر المحافظ عبارة اعتبرها تستفز المشاعر عندما يقول “إن الهيئة حريصة على تقديم الخدمات بشكل جيد وسعر عادل وأنها لا تعطي ميزة لأحد دون الآخر” انتهت العبارة، ولعل السؤال الذي يتبادر للذهن فور سماع هذه العبارة هو: أين الحقيقة عندما حدد رسم الاشتراك بعشرة آلاف ريال؟! أو أين العدل عندما سمح لشركة الاتصالات اعتباره ثلاثة آلاف وهو مبلغ يبقى كبيراً جداً مقارنة بالاشتراك المجاني الحالي؟! أو في إبقاء سبعة آلاف ريال في حقيبة الاتصالات من “ضعاف” المشتركين؟!.

أين الرؤية يا معالي المحافظ عندما تسمحون أو تفرضون رسم خمسة وعشرين ريالاً لاستبدال صفر مفروض بغيض بالرقم خمسة وكلاهما رقمان في خانة واحدة، فقط لأنكم لا تريدون لمشترك غير مميز أن يتميز؟!.

ثم أن السماح لشركة الاتصالات الحالية بحل مشاكلها وسوء تخطيطها فيما يخص خانات الأرقام وإضافة الصفر أو أي رقم آخر كالخمسة مثلاً من جيوب المشترك قبل بضعة أسابيع فقط من دخول المنافس الجديد ماذا يسمى؟

هل هذا هو الانصاف الذي أنشأت من أجله الهيئة والذي عين من أجله المحافظ؟!

هل هي هيئة اتصالات أم “تنصلات” من واجباتها نحو المواطن والمقيم، تلك الواجبات التي أرادت لها الدولة أن تكون لخدمة الانصاف الحقيقي؟!.

قدور التعليم

صدقوني، ما من شيء يدعونا لتصيد أخطاء وزارة التربية والتعليم لسببين:
الأول أن هدفنا، ولا نزكي أنفسنا، ليس تصيد الأخطاء فما من سبب شخصي يدعونا لذلك، بل لو تركنا للنفس هواها لربما امتنعت عن نقد هذه الوزارة لاعتبارات كثيرة لكن القلم يفترض أن يحرّك بفعل هوى المصلحة العامة لا هوى النفس!!

السبب الثاني الذي لا يدعونا لتصيد أخطاء هذه الوزارة هو أن أخطاءها تتكاثر علينا كتكاثر الضباء على خراش، فلا ندري ما نصيد من كثرتها، ويعلم الله أننا نتمنى أنها قليلة إلى حد تصيدها ليسعد هذا الوطن بإمكانات تعليمية حقيقية لأن هذا الجانب الحيوي “التعليم” هو مفتاح كل شيء إن خيراً فخير وإن شراً لا سمح الله فشر.

ولم أكن لأتطرق لبكاء الطفل الموهوب المتفوق في الصف الأول الابتدائي محمد المالكي ( 6سنوات) الذي فوجئ بأن جائزة تكريمه من ادارة التعليم بمنطقة مكة المكرمة المغلفة تغليفاً فاخراً لم تكن سوى أربعة صحون صيني وجائزة تكريمه في حفل مدرسته الخاصة الذي كان منفصلاً عن حفل الوزارة كانت هي الأخرى مغلفة بتغليف فاخر، لكنها كانت طقم فناجين قهوة مما جعل الطفل المحبط يبكي بكاءً شديداً يوم تكريمه كموهوب.

أقول لم أكن لأتطرق لهذا الموقف لأنني أرى أن مصيبة هذا الطفل وإن كانت كبيرة في نظره فإنها في نظري لا تقارن بمصيبة الطالب سعد بدر الدكان الذي دهس داخل فناء المدرسة أو الصغيرات اللاتي أجبرن على إعادة السنة الأولى الابتدائي أو الكبيرات المحبوسات تحت الشمس في فناء الثانوية 68بالرياض لمدة ساعتين بحثاً عن جوال أو الطلبة والطالبات في المدارس الحكومية ممن لا يجدون دورات مياه ولا مكيفات ولا فصولاً دراسية مناسبة ولا تقارن بمصيبة المعلمات اللاتي يمتن في طرق صحراوية ولا المعلمين الذين يحترقون في ميدان التعليم وزملاؤهم ينعمون بنفس البدلات في وظائف ادارية. فمن عرف مصيبة غيره مع هذه الوزارة هانت مصيبته وعلى الطفل محمد المالكي أن يدرك ذلك!!

لكن ما استهواني في هذا الموقف هو توافق سلوكياته مع التوجهات المعروفة لوزارة التربية فالهدية “النكتة” من ادارة التعليم كانت مغلفة تغليفاً فاخراً رغم ان محتواها أربعة صحون صيني وهكذا هي الوزارة في كل ما تقدمه لنا ولهذا الوطن، أغلفة مبهرجة براقة تمني الوطن والمواطن بمحتوى يرقى لمستوى التغليف ثم تتمخض عن لا شيء!!

وهذه العدوى السلوكية، والتي تكاد تصل حد انتقال جين وراثي من الوزارة لاداراتها، اعتبرها عدوى شديدة الخطورة لأن الوعود البراقة والمبالغ فيها والمخصصة للاستهلاك الإعلامي أو تخدير المسئول تعتبر سلوكاً خطيراً يؤدي إلى الإحباط واليأس بل والاشمئزاز فإذا تحول إلى تقليد عام في هذه الوزارة أو تلك فإن الخطورة أكبر.

في مثال جائزة الطالب محمد المالكي بدا واضحاً ان ادارة التعليم كانت تهدف للمردود الإعلامي لحفل التكريم وليس تشجيع وتقدير طالب موهوب فكان تغليف الهدية فاخراً ومحتواها “صحوناً” مما يدل على عدم بذل أدنى جهد حتى في التفكير فيما يناسب الطالب الطفل وما يفرحه فكانت الجائزة كديكورات أفلام هوليود شكلاً للتصوير فقط!! فليس مهماً ان يحصل الطالب على “صحون” أو قدور!!

المدرسة الخاصة هي الأخرى كانت هديتها تعكس نواياها وأهدافها فهي بهدية “الفناجين” لا تهدف للطالب أو الطفل بل تخاطب “نقاد الدراهم” الأب ولو كانت أمه هي المتكفلة بالدفع فربما كانت الهدية أصبع “روج” صيني الصنع.

هذه مشكلة المشاعر المصطنعة حتى لو بدت حسنة النوايا فإنها تتأثر بحقيقة النوايا، والضحية هم الشريحة المستهدفة!!