الكاتب: محمد الأحيدب

وزارة ووزارة

حرصنا على هذا الوطن وحبنا له وفخرنا بالانتماء إليه جميعها عوامل تفرض علينا أن لا نتردد في مناقشة أي موضوع له مساس بالصالح العام لهذا الوطن وأن لا نتحفظ في هذا الصدد أو نراعي نفسيات أشخاص على حساب مصلحة الوطن.
دراسات المقارنة أسلوب علمي وحضاري فعال للخروج بتصور واضح بل هو الآن أكثر أساليب الدراسات البحثية فاعلية، وعقد المقارنات بين عناصر متشابهة الظروف لا يقل أهمية ودقة عن البحث التفصيلي ولا بد أن يوصلنا إلى حقيقة ونتيجة دقيقة.

الصحة والتعليم، تجمعهما عناصر مشتركة كثيرة أهمها أن كلاً منهما يعتبر من أساسيات حياة المجتمعات فلا حياة لأمة بدونه وأنهما متشابهان في الهيكل التنظيمي الذي يتمثل في إدارة مركزية وفروع متعددة في كافة أنحاء الوطن دون استثناء ومتشابهان في نواحٍ فنية وإعداد العاملين ومهمة تأهيلهم وتطويرهم مهنياً وعدد المستفيدين وتنوع فئاتهم وطبيعة المباني المستخدمة من حيث ضرورة توفر مواصفات خاصة لكل منها. وتتشابهان أيضاً في سرعة تأثر كل منهما بالوضع الاقتصادي للبلاد وخطوات الترشيد.

في المقابل نجد أن ثمة اختلافاً كبيراً في حجم وطبيعة الإنتاج في كل منهما في نفس الظرف الزمني والاقتصادي.

لنأخذ العاصمة الرياض كمثال وسنجد أن وزارة الصحة استطاعت إحياء مدينة كانت ميتة وحولتها إلى مدينة طبية كبرى هي مدينة الملك فهد الطبية التي كان إحياؤها أمراً ميئوساً منه قياساً بالاحتياج الضخم لتجديد الأجهزة والمباني والمختبرات وخلافها وأهدت وزارة الصحة هذا الإحياء كهدية مفاجئة للجميع دون ضجة، بينما بدأ العام الدراسي ووزارة التربية والتعليم لم تنقل طاولات مدارس من مبنى مستأجر متهالك، خطير، مزحوم إلى مبنى جاهز منظف واسع وآمن. (تريد مثالاً خذ الثانوية 65في حي النزهة التي لا تزال في مبنى مستأجر ترفض الوزارة منذ سنتين إجراء الصيانة له بحجة قرب الانتقال إلى المبنى الجديد الذي انتهى ولم يفرح بالانتقال، ربما لأنه انتهى أثناء إجازة الصيف حيث كانت قيادات الوزارة في مهام سياحية خارجية!!).

احتفلت وزارة الصحة باستقبال طلبة كلية الطب في الوزارة التي لم يعلن عن فكرتها إلا منذ قرابة عام واحد، وتهدف للعون في سد الحاجة للأطباء السعوديين بينما طار مسؤولو وزارة التربية والتعليم للتعاقد مع معلمين للغة الانجليزية من الخارج وعادوا دونه وبدأت الدراسة دون معلمين رغم أن أكثر من 4000خريج سعودي قادرون على تدريس الانجليزية للمرحلة الابتدائية يعيشون حالة بطالة!!.

توسعت وزارة الصحة في إنشاء مراكز الرعاية الصحية الأولية حتى خلنا أن الحي الواحد قد يشتمل على مركزين في حين تعتبر قضية تسجيل الطلاب والطالبات في المدارس هي قضية المجتمع هذا العام وكل عام بشهادة الصحافة ومسؤولي الوزارة لأن مدرسة واحدة تخدم أكثر من ثلاثة أحياء كبيرة (مثال الثانوية 68بنات في حي المصيف تخدم أحياء المصيف والتعاون والازدهار) وقد أصبحت فاتورة الكهرباء أهم مستند تسجيل لإثبات الحي وكأننا مجتمع لا يثق حتى في صدق الآباء والأمهات الباحثين بلهفة عن مدرسة حكومية.

وأخيراً: تشتكي المستشفيات الخاصة من منافسة المستشفيات الحكومية بينما تنعم المدارس الخاصة بسوء حال المدارس الحكومية. هذه وزارة وتلك وزارة وهذا وزير وذلك وزير والعبرة هي بالفرق بين أن تعمل وأن تقول.

ضرب مروج (جح)

أعجب لنا كيف لا نستفيد من الدروس الصغيرة ولا تلك الكبيرة ولا الخطيرة في تغيير نهجنا العشوائي في الحياة رغم أننا رأينا شواهد لنيران أضرمت من مستصغر شرر!!
ويبطل العجب عندما أتذكر أن السبب هو أننا نفتقد كثيراً لمن يرسم أطراً دقيقة وتفصيلية “مركزية” لتعاملنا مع بعضنا وصلاحيات كل طرف من مؤسساتنا وحقوق الطرف الآخر إلى جانب حقوق وواجبات الفرد.

وبالرغم من بطلان العجب إلا أن التساؤل يعود مرة أخرى بصورة أكثر إلحاحاً في شكل “إلى متى نستمر في هذا الوضع المبني على بعض اجتهادات فردية لأشخاص أو أفراد؟! والفرد عرضة للأهواء والفساد والخطأ والنظرة الآحادية الخاطئة للأشياء وربما اللوثة العقلية الطارئة، الحادة أو المزمنة.

تريدون مثالاً يبدو بسيطاً وسطحياً لكنه يجسد الخطر بعينه وقد ثبت ذلك عملياً لكننا لا نتعلم من الدروس!!.

ملاحقة الشباب الباحث عن مصدر رزق حلال عن طريق بيع فاكهة في ظهر “وانيت” أو استعمال سيارته الخاصة في إيصال راكب بمقابل أو عرض بضاعة سهلة الحمل قرب الأسواق والتجمعات أو بعد صلاة الجمعة.

هؤلاء الشباب لم تتوفر لهم الوظائف التي تغنيهم، وصعبنا أمامهم أمر الترخيص لنشاط تجاري نظامي عن طريق رفع الرسوم أو حصر الترخيص للمؤسسات والشركات الكبرى ورفعنا تكلفة معيشتهم اليومية وعقدنا السبل أمام التحاقهم بالجامعات والحصول على مكافأة شهرية. فإذا حلف أحدهم ألاّ يسرق ولا يسلك طرق الحرام وقرر أن يشتري شحنة “حبحب” بالجملة وحملها في “وانيته” ووقف في موقف مسموح على قارعة طريق يبيعها “بالقطاعي” ليكسب بضعة ريالات، كيف نتركه لقمة سائغة لمراقب بلدية يطارده بسيارة البلدية في شوارع العاصمة أمام الملأ ثم حين عجز عن إيقافه يصدمه بسيارة الدولة ويعرضه ونفسه ومرتادي الطريق للخطر ثم عندما سلم من الحادث يوسعه ضرباً أمام الملأ؟؟!! (حسب ما نُشر في جريدة الجزيرة يوم الخميس 24رجب 1425هـ الصفحة الأخيرة) أسئلة كثيرة تخنقك وأنت تقرأ مثل هذا الخبر أهمها كيف نريد لهذا الشباب أن يعيش وينشغل وتتكون لديه المناعة ضد الأفكار المضللة ونحن نلاحقه بهذه الطريقة؟! ولماذا يطارد بهذه الصورة وكأنه ارتكب جرماً أو إفساداً؟! ومنذ متى يسمح لمراقب بلدية أن يطارد سيارة؟!!، علماً أن سيارات المرور والشرطة لا تطارد المفحطين والمخالفين إلا بأمر وفي أضيق الحدود محافظة على سلامة الآخرين، وبأي سلطة يمارس مراقب البلدية الضرب للمخالف؟ وهل كان قرار ملاحقة طالبي الرزق من هؤلاء الشباب مبنيا على أساس صلب ومدروس وشامل يراعي الصالح العام ومصلحة الوطن؟!

الواقع المؤسف أن العامل المشترك الأعظم لإجابة كل تلك الأسئلة هو أنه لا يوجد إطار يحكم السلوك اليومي لمؤسساتنا فكل يغني على ليلاه وبناءً على فكر واجتهاد وقرار رجل واحد سواء كان وزيراً أو وكيلاً أو مديراً عاماً أو حتى رئيس قسم.

اننا في أمس الحاجة أكثر من أي وقت مضى إلى قطع دابر الإجراءات المبنية على ردود فعل انفعالية سواء لأشخاص أو مؤسسات وترك هامش أكبر لحرية الفرد فيما لا يضر بالجماعة وجعل قراراتنا مبنية على أساسات صلبة مقنعة لا تقبل الشك أو التذمر أو ردود الفعل العكسية الخطرة.

الاتصالات المولود المشوه للتخصيص!!

عندما عقدت مقارنة بين أسعار وخدمات الاتصالات لدينا مع تلك في الإمارات العربية المتحدة وأثبت عملياً أننا من شركة الاتصالات السعودية “مأكولون ومجحودون” وأن ما ندفعه هو أضعاف ما يدفعه المشترك سواء في الإمارات التي سيأتي منها المنافس الممنوع من المنافسة أو في جمهورية التشيك حيث اكتشفت ان العالم يتمتع بيسر وانخفاض تكلفة الاتصال الدولي بينما اشعرنا نحن وبمباركة من محافظ هيئة الاتصالات أننا محرومون من نعمة يسر التقنية والتنافس عليها.
أقول عندما عقدت تلك المقارنة في مقال سابق قال لي أحد كبار قيادات شركة الاتصالات السعودية ما معناه: حاسبنا نحن الشركة على الخدمات أما الأسعار فإن الهيئة “ويمثلها المحافظ” ترفض أن نخفض الأسعار أو أن نجعل رقم خمسة بدلاً من الصفر مجاناً”!!.

إذا كان هذا الكلام دقيقاً فمعناه أن هيئة الاتصالات أصبحت أرحم على الشركة من رجالات الشركة وهذا أمر خطير يؤيده ويؤكده صمت محافظ الهيئة عن التعليق على الانتقادات الكثيرة من جميع الاتجاهات التي تلت تصريحه الشهير “لن نسمح بحرب أسعار بين مقدمي الخدمة”.

وإذا كان هذا واقع أول خطوة نحو التخصيص في بلادنا فإن أول مولود للتخصيص خرج مشوهاً!!.

اتفقت معه على أن خدمات شركة الاتصالات جيدة مقارنة بعصور انقطاع كوابل الهاتف الثابت واستغراق إصلاحها عدة شهور وليتني لم أتفق!!.

لقد شهدت الخمسة أيام الماضية وتحديداً ابتداءً من يوم الثلاثاء الماضي وحتى ساعة كتابة هذه الحروف منتصف يوم السبت أول أيام العام الدراسي الجديد عطلاً في النظام أدى إلى حرمان قرابة ثمانين ألف مشترك جديد من تنشيط بطاقة الجوال حسب إفادة ثلاثة من مشرفي الخدمات العاملين في كل من الصيانة وخدمات المشتركين وتسبب العطل في منع ترقية بطاقات “سوا” إلى بطاقة عامة مع تجميد بطاقة “سوا” لدخولها في اجراءات الترقية وهذا معناه حرمان هذا الكم الهائل من المشتركين الجدد من الخدمة أكثر من خمسة أيام في حين كانت لا تستغرق أكثر من خمس ساعات!! كما أن جميع عمليات إضافة الخدمات توقفت لنفس المدة واضطر عدد كبير ممن طلبوا الصفر الدولي لجوالاتهم استجداء ذلك الجهاز خمسة أيام علهم يستطيعون إجراء مكالمات أعمالهم الدولية أو التحدث مع ذويهم.

الردود على شكاوي المشتركين لم تعدُ وعوداً كاذبة بأن تعمل الشريحة خلال نصف ساعة وفي ذلك تعويد لشباب عامل مخلص على الكذب و”توهيق” للمشترك والمشتركة بأن جهاز الاتصال الوحيد سيعمل مما يجعله يواصل مشواره أو سفره براً إلى منطقة لا اتصال فيها بغير هذا الجهاز وإنني أتساءل بحرقة عن مصير المعلمات اللاتي اشتركن في هذه الخدمة حديثاً لأنهن عُيّنّ في مناطق صحراوية نائية وسوف يسافرن مع سائق أو متعهد نقل وسلاحهن الوحيد للإبلاغ عن عطل أو ضياع أو الاستنجاد بالسلطات هو هذا الجهاز الذي لم يعمل خلال خمسة أيام وغادرن على وعد كاذب أن تنشيط الشريحة سيتم خلال (نصف ساعة). أيضاً هناك مستشفيات ومستوصفات ومراكز إسعاف في مناطق بعيدة تعتمد في استدعاء طواقمها الطبية على الجوال حيث لا تتوفر أنظمة النداء “البيجر” فما هو مصير هؤلاء ومرضاهم وضحايا حوادث العودة إلى المدن والقرى والهجر.

لقد أصبح هذا الجهاز “الجوال” جزءاً أساسياً من حياتنا وشركة الاتصالات وهيئة الاتصالات الموقرة كل منهما تنظر إليه على انه مصدر رزق ووسيلة تسلية بإرسال “النكت” ولذا فإن تعطل أنظمته لمدة تزيد عن خمسة أيام أمر لا يدعو للقلق.

إن شركة غير مؤهلة لإصلاح عطل أهم عنصر إستراتيجي للدول في حال السلم والحرب وهو “الاتصال” غير جديرة بالحماية بل لعل اطمئنان هذه الشركة على ترك الحبل لها على الغارب وحمايتها و”منعها” كما ذكر المصدر من التخفيض أو إلغاء رسم إدخال الرقم خمسة بدل الصفر البغيض أحد أهم اسباب تراجع خدماتها وتقاعسها واستغلالها في وقت يفترض أن يكون فيه دخول المنافس نعمة كبرى على المواطن والمقيم “المشترك” تلك النعمة التي يصر محافظ هيئة الاتصالات على حرمان الوطن منها ليجعل من أول خطوات التخصيص خطوة فاشلة لأن عراقيل الاجتهادات الشخصية غير المفهومة ستزيدنا جراحاً وألماً وربما قهقرة.

المستقبل الهش

كنت قد حذّرت كثيراً.. من الإفراط في منح الثقة للقطاع التجاري في المشاركة في بعض النشاطات الصحية والتعليمية في ظل غياب مؤسسات حكومية رقابية كبرى متكاملة العدد والعدة والإمكانات وذات صلاحية وتتسم بالصرامة التي لا شفاعة فيها أو تردد أو شفقة. وذلك استناداً إلى حقيقة ان التجارة إذا دخلت مجالاً اساسياً يشكل ركيزة كالصحة والتعليم أو المجال الرقابي أفسدته ما لم تكن السيطرة عليها محكمة وشاملة مثلما يحدث في الدول التي نقلدها ونستشهد بها كالولايات المتحدة الأمريكية حيث تعتبر زلة القطاع الخاص والحكومي رصاصة انتحار.
بلغ خوفي أشده حينما تقرر الموافقة على منح تراخيص لمختبرات تجارية تتولى تحليل الأدوية وإصدار شهادات صلاحيتها وفاعليتها لأننا بذلك نضع مسوغاً نظامياً للغش في مجال الدواء وننشىء سوقاً سوداء بل داكنة السواد لتجارة شهادات الجودة تروج أدوية مغشوشة بشهادة حماية قانونية لن تتردد شركات الأدوية في شرائها بأي سعر يحدده تاجر المختبر، مثلما كان تاجر أكبر مجموعة صيدليات عنقودية مستعداً لدفع عشرة ملايين ريال لشراء خطاب تعميم إداري!!.

دخول القطاع الخاص في الخدمات الأساسية كالصحة والتعليم ومنح الشهادات يستلزم إمكانات رقابية لا نملكها حالياً ولا نستطيع في ظل الظروف الحالية أن نؤسسها من جديد خاصة أنها تحتاج إلى كوادر مكلفة خبيرة ومؤهلة وتحتاج إلى تشريعات نافذة لا يدخلها الباطل من أمامها ولا من خلفها ولا عن يمينها أو شمالها ولا تقبل التوسط أو الشفاعة أو الستر، وتحتاج إلى تنفيذ عاجل ونهائي للعقوبات والجزاءات بل الإغلاق الفوري للنشاط ونعني هنا العقوبات التي لا تحتمل المجازفة أو المقارنة بين الربح والخسارة التي شئنا أم أبينا هي ميزان التاجر!!.

كيف نتوسع في التعليم الجامعي التجاري ونحن نرى ان التعليم العام في مراحله الابتدائية والمتوسطة والثانوية عندما فتح أبوابه للتجارة أصبح القناة الرئيسة للتفوق المزيف والنجاح المضمون والنسب العالية وتسريب الأسئلة بل انه فتح بابا خطيرا جدا وهو إنشاء جمعيات طلابية مالية لشراء ذمم المعلمين مثل تلك التي أعلنت عنها وزارة التربية والتعليم متفاخرة كالعادة باكتشافها في حين أن أسلوبها العقيم في الامتحانات ومنح التراخيص ودعم توظيف المعلم المستورد هو سبب نشوء الظاهرة “طلاب يتشاركون في جمع آلاف الريالات لشراء الأسئلة من معلم مدرسة خاصة يحرج على ضميره”.

نفس الشيء يقال عن التوسع في منح الثقة للقطاع الخاص الصحي إلى حد تسليمه زمام الرقابة!!

قريباً وعندما تكتمل لديّ المعلومات سوف أكشف لكم عن ممارسات في القطاع الخاص الطبي تجعلكم تعودون للعلاج بالحلتيت على أن ترسلوا بناتكم وزوجاتكم لمركز طبي أهلي!

القتل والاستغفال

ليس اشد واخطر من القتل غير المتعمد الا استغفال اقارب المقتول أو المصابين أو الناس عامة.
في حادث ايكيا جدة الذي قتل فيه شخصان واصيب حوالي ثلاثة وعشرين بسبب تزاحم حوالي ثمانية آلاف شخص على مدخل لا يتسع لخمسين نسمة لأن المتجر أغرى الناس بتوزيع كوبونات مجانية لما قيمته 500ريال لأول خمسين زبونا ينجحون في التدافع!!.

ثم يخرج علينا نائب رئيس مجموعة إيكيا ليقول ان سبب ما حدث هم الجمهور وعشوائيتهم وأن المتجر لم يهمل بدليل أنه وفر سبعة عشر مخرجاً للمبنى!!.

الموت والتدافع والازدحام جاء عند المدخل فما علاقة المخارج هنا؟! وكيف يجرؤ البعض على التلاعب بالألفاظ وسط رائحة الموت؟! بل ويتهم الضحايا بصفات غير لائقة دون ذكر لمحاسنهم وأحدها كان الثقة في المجموعة والدفاع المدني ووزارة التجارة والصناعة والغرفة التجارية بجدة حيث يفترض ان لا يسمح بذلك الإغراء دون التأكد من أن من يمارسه مستعد للأعداد المتوقعة.

أتدرون كم كلفت تلك اللعبة الخطيرة ذلك المتجر انها مجرد خمسة وعشرين ألف ريال ادت الى كارثة بلغ مجموع ضحاياها بين قتيل وجريح خمسة وعشرين إنساناً، أي إنسان مقابل كل ألف ريال!!.

السؤال الذي يجب ان يطرح فوراً هو هل حصلت المجموعة على إذن الدفاع المدني لتطبيق ذلك الإجراء الخطر؟! واذا كان الجواب بنعم فهل زار خبراء الدفاع المدني الموقع وأخطأوا التوقع، عندئذ فإن هذا الجهاز يدخل طرفاً ثانياً بعد المتجر في المسؤولية!!.

واذا كان الدفاع المدني لم يستأذن فهل فاته رؤية الاعلانات المكثفة التي جلبت 8000زبون؟!.

السؤال الثاني: كان ضمن الضحايا نساء فكيف سمح في مجتمع يمنع الاختلاط بحرص شديد أن يتم تزاحم ثمانية آلاف رجل وامرأة على باب لا يتسع لخمسين وما عساه حدث في ذلك الالتصاق المخيف من تنازلات؟!.

أين هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بجدة مما حدث؟! وشهادة حق فإن هذا الجهاز هو اكثر الأجهزة تفوقاً في مجال التنبؤ وتوقع الأحداث واكثرها حرصاً على اداء المهام بمنتهى الإخلاص والحماس، فما الذي حدث وجعل الهيئة تسمح بتزاحم ثمانية آلاف رجل وامرأة لسبب تافه؟!.

الربعية تحمل كميرا!!

يمكن لأحد أن يشكك في حقيقة اننا ومقارنة بالدول العربية مجتمعة ومعظم دول المنطقة كنا أول من شهد تطوراً سريعاً في مجالات عدة أهمها المجال الصحي والمعماري ومجال الطرق وجمال المدن إلى جانب تطوير الإنسان بابتعاث أعداد كبيرة من الطلاب والدارسين في الدراسات العليا المتخصصة والذين عادوا لممارسة تخصصاتهم باتقان وبالتالي نافسنا حتى الدول المتقدمة في بعض الاجراءات خاصة الطبية لتوفر البيئة التقنية المناسبة.
لكننا يجب أن نعترف أيضاً أننا توقفنا أو خففنا سرعة ركب التطور إلى أن لحقت بنا دول كانت لا تمثل بالنسبة لنا قرية نائية، بل ربما سبقتنا وأصبحت أكثر لفتاً للأنظار.

المشكلة ليست في أن نبطئ عجلة التطور لظروف وقتية ونبقى عن حد معين وصلنا إليه، ذلك أننا يمكن أن ننطلق مرة أخرى بعد زوال الأسباب من نفس نقطة التوقف، لكن المشكلة الحقيقية اننا لم نحسن تنظيم حركتنا ليصبح ثمة تناغم في حال التهدئة وفي وضع السرعة فأصبحنا وكأننا قطار توقف فجائياً فخرجت عرباته عن السكة الحديدية فالتوى على نفسه وأصبحنا نحاول إعادة كل عربة على حدة بجهود فردية لشخص أو بضعة أشخاص وبطريقة اجتهادية عشوائية غير مدروسة!!

انظر إلى فوضى القبول في الجامعات والكليات وستجد ما قلت وراقب الاغراءات الفردية التي تمارسها جهات تعليمية عليا لجذب الطلاب لدخول برامج مدفوعة التكلفة (حكومية تجارية) وسترى أن المشكلة ليست مشكلة مقاعد أو كوادر تدريسية ولكن اتخاذ قرار ودعمه بميزانية، فإذا كانت الميزانية تأتي من جيب الطالب فلا توجد مشكلة، لكن توجد مصيبة كبرى لأن من دفع ليتعلم لن يجد وظيفة كما وعد ولعل رفض وزارة التربية والتعليم توظيف من درسوا اللغة الانجليزية على حسابهم في جامعة الإمام وبعد وعد معلن في الصحف بأنهم سيقبلون وهو وعد لم تعترض عليه التربية والتعليم واحد من أمثلة عديدة.

مربط الفرس في نظري اننا اصبحنا نتخذ قرارات انفعالية، بينما في الحقبة الذهبية، حقبة التطور كنا ندرس قراراتنا بهدوء لتصبح سديدة، دائمة، ومقنعة.

نحن تراجعنا في مجالات عدة بسبب الاستعجال، وهذا التراجع انعكس طبياً في شكل أخطاء قاتلة، وعلى الطرق في صورة حوادث مأساوية، وفي التعليم حدث ولا حرج فقد أصبح التعليم أشبه “بالنكتة” في شكل قرارات وتقليعات لم يشهد أمر ما معارضة وتهكماً مثلما شهدته خطوات التعليم التي تراوح مكانها أو ترجع، وفي الرياضة أصبحنا اضحوكة بعد أن كنا نحتفل كثيراً، وكنا رواداً في مجال الصناعة والتجارة والآن نصبح على قرار غريب ونمسي على تهديد اصحاب رؤوس الأموال بنقل أنشطتهم لأننا “دلعناهم ودللناهم” بطريقة غير مدروسة ولا تناسب الأزمات.

في مجال فرص العمل وبالرغم من قناعتنا ان شح فرص كسب العيش هي سبب رئيس لحل مشاكلنا لا زلنا نلاحق الشباب في نشاطاتهم التجارية الصغيرة مثل (بيع جح، سيارات أجرة، بيع فاكهة وخضار على ظهر وانيت أو تأجير سيارته الخاصة بايصال راكب من المطار) كل هذا ونحن لم نعمل شيئا يذكر لتوفير فرص العمل لهم بل وفي قرارات فردية ووجهات نظر خاصة حنونة نرى أن تحديد حد أدنى للأجور للمواطن فيه جرح لانسانية الأجنبي.. أما “شوت” مراقب بلدية لبضاعة بائعة العاب أطفال لا تجرح الإنسانية.

أتريدون أصغر أمثلة القرارات الانفعالية غير المنطقية وغير المقنعة لأكثر الناس علماً ولأكثرهم جهلاً على حد سواء، انه ايقاف شاب وتكسير كميرا هاتفه الجوال مع أن معارض الجوالات تبرز أبو كميرا عبر طاولات عرض زجاجية شفافة دون أن يتعرض لهم أحد.. (فهمتوني غلط): لا أقصد اغماض العيون على المهربين ومصادرة بضاعة الموزع الصغير فهذه قديمة ربما تعودنا عليها وان لم نقتنع ولن نقتنع إنما أقصد ان التصوير ليس حكراً على جوال فثمة كاميرات تصوير يمكن أن تعلقها “الربعية” كسلسال رقبة و”الربعية” خطيرة قد تصور مشاهد لا يمكن للزوج أن يشاهدها.

رعب الاتصالات

على الأقل إلى أن سافرت في إجازة طويلة إلى حيث تصعب المتابعة الدقيقة للصحف باستثناء المتابعة السريعة على شبكة النت، ومحافظ هيئة الاتصالات يحجم عن التعليق على ما كتبته وكتبه الكثيرون غيري عن قراره بمنع التنافس بين مقدمي خدمة الاتصالات بعد دخول اتصالات الامارات كمقدم ثانٍ يفترض أن يكون منافساً لشركة الاتصالات السعودية التي احتكرت السوق حتى ربحت الكثير وخسرنا نحن كل شيء
زميل القلم الدكتور محمد القنيبط فزع معي متوسلاً لمحافظ الهيئة بالرد على تساؤلاتي في اربع مقالات وتساؤل غيري لكن دون جدوى إلا اذا كان معاليه نزل بسرعة من برجه العاجي أثناء انشغال الناس في الترفيه عن أنفسهم صيفاً بعد معاناة طالت.

التطنيش سياسة جديدة تأمل بعض الجهات الحكومية أن تضعف بممارستها لياقة النقاد الكثر، لكنني أزعم ان نفسي أطول ولذا فإنني سوف أورد لكم ما أثبت لي أكثر من أي وقت مضى ان الاتصالات تأكلنا دون حياء!!.

في هذا الصيف اضطررت الى السفر مرتين قارنت خلال كل سفرة منهما بين ما ندفعه لاتصالاتنا وما ندفع مقابل نفس الخدمة في بلد آخر فأصبت بالإحباط في الأولى وكانت الثانية من شر البلية الذي يضحك!!

في جمهورية التشيك كنت أشتري شريحة الجوال وبطاقتها مدفوعة الثمن بخمسمائة “كرون” أي ما يعادل اثنين وسبعين ريالاً “يوجد في التشيك أكثر من ثلاث شركات مسموح لها بالتنافس لإرضاء المستخدم (!!) لذا فالأسعار متقاربة وبطاقة “أوسكار” التي استشهد بها تأتي وسطاً.

بذلك المبلغ 72ريالاً كنت أجري أكثر من ست مكالمات دولية لبلدي، جوالات وثابت ومكالمات عمل طويلة الى جانب المكالمات الداخلية طبعاً وكنت أصاب بالملل قبل أن ينتهي رصيد البطاقة وأشعر بالحزن على حالنا!!.

خلال 32يوماً لم أستخدم سوى ثلاث مرات شحن للبطاقة بنفس المبلغ أي حوالي 216ريالاً في حين طولبت مرتين برفع الحد الائتماني لشريحة اتصالاتنا السعودية وبلغت فاتورة جوالي من مكالمات واردة وبضع مكالمات صادرة أجريتها مستعجلاً لوجود أرقامها مخزنة في جوالي السعودي أو لنسياني الجوال المستعار أقول بلغت أكثر من ثلاثة آلاف ريال بما فيها الرسم المبهم طبعاً.

كل ما يذكرني به جوالي الوطني عن بلدي آنذاك هو رسالة مكررة “قاربت على بلوغ حدك الائتماني”!!.

التجربة المضحكة كانت في السفرة الثانية، في الامارات العربية المتحدة، هناك استفدت من درس التشيك ووضعت شريحة جوالي الأصلي “اتصالاتنا” في محفظتي ومن حسن الحظ انها انكسرت “ربما يبست من كثر الفلوس” أو حطم ظهرها الحد الائتماني.. المهم أنني اعتمدت على شريحة اتصالات الإمارات، قيمة الشريحة حوالي 165ريالاً سعودياً ورصيدها المبدئي عشرة دراهم بادرت الى شحنها بثلاثين درهماً لانني اعتقدت انها سوف تنفذ في ساعة قياساً “بربعنا”.

بعد عدة أيام من الاتصالات الداخلية الطويلة نزل الرصيد الى 31درهماً أي 31ريالاً سعودياً، لم أكن قد استخدمتها لأي مكالمة دولية بعد.

كنت في منطقة بعيدة عن الأسواق واحتجت أن أوصي ابني في الرياض بمهمة عاجلة وتصورت أن رصيد الواحد وثلاثين درهماً أو ريالاً “هما متساويان” لن يكفي لإجراء مكالمة دولية قياساً بتجربتنا المرعبة مع اتصالاتنا العزيزة المدعومة، فاتصلت بابني وأنا مستعجل ومشدود، قلت له “اسمع وأنا أبوك، إذا انقطع الخط اتصل بي لأن الشريحة قد لا تكفي وأمليت عليه ما أريد وفوجئت أن الخط لم ينقطع فكررت التوجيه بارتياح وتكرار ثم أقفلت الخط طائعاً غير مرغم، بعدها اتصلت بالرقم 121للاستعلام عن الرصيد المتبقي لتكون المفاجأة المضحكة عندما أجاب جهاز الرصيد “ان رصيدك المتبقي هو 29درهماً و 19فلساً” أي أن المكالمة باستعجالها ثم ارتياحها لم تكلف سوى أقل من ثلاثة ريالات (دراهم).

أما المضحك جداً هو ان نفس الشركة الاماراتية “اتصالات” هي التي فازت بتقديم الخدمة في بلادنا والتي يفترض ان تنافس اتصالاتنا على إرضائنا، لكنها فازت بما هو أعظم وهو انه لن يسمح لها بتقديم أسعار منافسة لذا فإن سعر الدقيقة لمن يتصل من الرياض الى دبي سيكون أضعاف السعر لنفس الدقيقة بنفس مقدم الخدمة عندما يكون الاتصال من دبي الى الرياض(!!) أليس هذا هو شر البلية يا معالي المحافظ؟! نحن في رجب وسوف نرى العجب، سيكون إملاء مثل هذه المقالة من دبي على قسم الوكالات في الجريدة أرخص من إرسالها بواسطة الفاكس من داخل الرياض وليس من داخل المملكة وحسب!!

المفهوم العقيم في التربية والتعليم

من أكثر الأمور صعوبة على نفسي أن أتناول خطوة فيها قدر من الإيجابية أو التقدم إلى الأمام وأستخدمها استشهاداً بوجود سلبية، لأننا لا نهدف إلى النقد فقط أو تصيد الأخطاء حتى في الخطوات الإيجابية، لكن ماذا نفعل إذا كان تقديم الخطوة الإيجابية يتم وفق مفهوم خاطىء خطير خاصة وأنها تأتي من جهة ذات مسؤولية كبيرة ويفترض أن تكون مرجعاً في ترسيخ المفاهيم الصحيحة، لكنها ليست كذلك.
وزارة التربية والتعليم تصرح بلسان مساعد المدير العام للتربية والتعليم بمنطقة الرياض للشؤون الإدارية والمالية الأستاذ عبدالمحسن الثابت بأن تعليم الرياض يؤكد على جميع المعاهد والمدارس الأهلية بضرورة إشغال الوظائف الإدارية والمالية والخدمات والسائقين والحراس بمواطنين سعوديين والالتزام بتطبيق ذلك بنسبة تشغيل 100%.

إلى هنا والأمر لا بأس به وإن كان المفترض أن يشمل التأكيد على الوظائف التعليمية لأهميتها وتوفر الكوادر الوطنية الباحثة عن فرص عمل في هذا المجال، لكن المفهوم الخاطىء الأول الغريب من مصدر ينتمي لسياسة التعليم يبرز عندما يقول المصدر أن هذا يأتي في إطار التعاون مع وزارة العمل في سبيل تحقيق سعودة ملموسة للقطاع التعليمي الأهلي وسبب الغرابة في نظري هو أن المفترض أن القرار يأتي لوجود حاجة وطنية وقناعة بضرورة السعودة وليس ضمن أطر التعاون أو المنة على وزارة العمل لأن السعودة هدف وطني فصلت وزارة العمل من أجله وليست خدمة تقدم لوزارة أو للتعاون مع وزارة، ثم إن السعودة بذلك الشكل الذي اقتصر على وظائف إدارية معظمها دنيا ليس سعودة ملموسة في القطاع التعليمي الأهلي لأنها لم تشمل الوظائف التعليمية.

الأغرب من هذا وذاك ما ورد من أن الوظائف والمهن اقتصرت على وظائف إدارية ومالية وسائقين لأن هذه الوظائف كما ذكر المصدر لا تتطلب مؤهلات علمية عالية ويتوفر من يمكنه الالتزام بها من السعوديين، وهنا تأتي الطامة الكبرى أو قمة المفاهيم الغريبة الخاطئة وهي الاستمرار في التقليل من مؤهلات وإمكانات السعوديين في حين أننا أكثر بلد في المنطقة الشرق الأوسطية المؤهل شعبها قياساً بنسبة حملة المؤهلات العليا والطبية والصحية والتعليمية إلى عدد السكان ومع ذلك تصورنا التربية والتعليم على أننا بلد يستطيع أبناؤه شغل وظائف سائقين وحراس وخلافه!!.

لا تريد الوزارة بكافة مسؤوليها بسبب سياستها العليا أن تعترف بأنها قاسية على مجتمع لينة على ملاك المدارس ولا تريد أن تقول إنها اختارت الوظائف التي لا تستلزم سوى رواتب زهيدة بل ليس لها سلم رواتب معروف يمكن المقارنة به وأنها لا تريد أن تحرج المدارس والمعاهد الأهلية بسعودة وظائف التعليم لأن ذلك قد يؤثر على أرباح تلك المدارس مقارنة بتوظيف متعاقد “أقل تأهيلاً” بربع أو خمس الأجر المتوقع للسعودي، والمؤسف أن تعمد الوزارة إلى تبرير هذا القرار بالتشكيك في قدرات وتأهيل أبناء الوطن الذي كافح وعمل بكل إمكاناته ليخرج أبرز المعلمين الأكفاء والأطباء والعلماء والمهندسين وأساتذة الجامعات.

شكوى أغنام

نحتاج فقط لدراسة احصائية تدعمها الأرقام لنؤكد ما تشير إليه التجارب والمواقف المتعددة والذي أصبح شبه قاعدة ثابتة وهو أنه عندما يجمع أكثر من تاجر على التذمر من جهة حكومية أو حتى موظف حكومي فأعلم أن الجهة والموظف نزيهان أما إذا كان المتذمر تاجر واحد فقد يكون على حق لشذوذه عن قاعدة زملائه ورفضه شراء ذمة الموظف هذا ما لم يكن التاجر الواحد هو الوحيد المتعامل مع الموظف، ففي هذه الحالة فإن النسبة هي واحد من اجمالي العدد وهو واحد أيضاً أي 100% وهذه تنطبق عليها قاعدة الأغلبية وهي نزاهة الموظف أو الجهة بأكملها.
وعندما يجتمع عدد من تجار الأغنام ويشتكون إلى وزير التجارة والصناعة(!!) ما اسموه تعسف المحجر الصحي في ميناء جدة الإسلامي “التابع لوزارة الزراعة!!” ضدهم فإنني أبشر وزير الزراعة معالي الدكتور فهد بالغنيم أن المحجر الصحي يعمل بكل أمانة ووطنية وإلا لرضي عنه التجار!!

الغريب، المحزن، أن نفس التجار في شكواهم لجريدة “الوطن” يقولون بأن الأغنام الاسترالية التي يرفضها المحجر يعاد إدخالها بعد ذبحها في بلد خليجي (ليس بلد المنشأ طبعاً) وهم بذلك وبكل “سذاجة” يحاولون إثبات أن المحجر كان مخطئاً وقد أنساهم تخبطهم أن في ذلك اتهاماً لوزارة التجارة والصناعة بأنها تخالف الأنظمة بإدخال لحوم لم تذبح في بلد المنشأ، وأنهم بذلك يشتكون لوزير الزراعة تسيب وزارة التجارة والصناعة وليس كما أرادوها، شكوى لوزير التجارة والصناعة من تعسف وزارة الزراعة.

شخصياً لا أعتقد ولا أتمنى أن يكون ما ذكروه عن دخول لحوم مذبوحة في غير بلد المنشأ صحيحاً لكنني أجزم أن حزم ونظافة المحجر الصحي بميناء جدة الإسلامي هو سبب ذلك الفشل الذريع وأجزم أكثر أن على وزارة التجارة والصناعة أن تطالب بحقها النظامي والشرعي إزاء ما تعرضت له من اتهام خطير ومخيف للمستهلكين.

يا سادة يا كرام، يا من لا تنقصهم فراسة وذكاء العرب وفطنة أبناء جزيرة العرب، إذا افترضنا جدلاً أن الأغنام المرفوضة من المحجر تذبح في دولة مجاورة ويعاد إدخالها بطريقة غير مشروعة في شكل لحوم مبردة!! من الذي عمل هذه الحيلة والتحايل أليس التجار أنفسهم؟! أو تجار مثلهم؟! أم ان الأغنام عندما أعيدت غضبت وانتحرت وعادت على شكل لحوم زحفاً على الإلية؟!

كل ما ورد في الشكوى كما نشرتها “الوطن” يشير إلى ان عدداً من تجار الأغنام عجزوا عن التحايل على المحجر وعجزوا عن “إقناع” موظفيه بأن شحوم الأغنام المذابة المسماة في نجد “الودك” تنفع لدهن السير فعمدوا إلى تذمر غريب أرادوا منه النيل من الزراعة فأجهزوا على التجارة والصناعة معاً بطريقة ما كان للأغنام نفسها أن تقع فيها لو ترك لها المجال للمطالبة.

إنجاز أمني أُهمل

مثلما أن على الكاتب أن ينبه للسلبيات لمعالجتها فإن عليه أن يشير إلى الإنجازات، خاصة تلك التي قد تمر دون ملاحظة أو توقف أو قد لا تسترعي انتباه الكثيرين رغم أهميتها.
في حربنا على الإفساد في الأرض حققنا نجاحات أمنية كثيرة تعتبر جيدة بالنسبة لمجتمع عاش أمناً منذ أن تم توحيده واستقراره، وقد أشيد بالإنجازات الأمنية من منظور عام وإجمالي.

ما يهمني هنا إنجاز مرّ مرور الكرام دون إشادة أو توثيق رغم أهميته القصوى وصعوبة تحقيق النجاح فيه على دول سبقتنا في مجال محاربة الإرهاب وتمرست فيه كالولايات المتحدة الأمريكية مثلا.

القتل الخاطىء لمشتبه به بريء أمر يكثر حدوثه في الأزمات الأمنية التي يصبح فيها رجل الأمن مهدداً بالقتل كردة فعل من المجرم أو يكون طابع تنفيذ الجريمة سريعا مثل تفجير النفس بحزام ناسف أو سيارة مفخخة وهي حالات لا يكون فيها لرجل الأمن وقت كاف لاتخاذ القرار أو التأكد أو الإنذار وتستوجب حماية الغير والنفس اتخاذ قرار إطلاق النار في ثوان معدودة لا تتجاوز الثلاث، ومع أننا تعرضنا للأشكال الثلاثة من التهديد إلا ان توفيق الله أولاً وعظم قيمة النفس البشرية لدى الجندي المسلم وتوكله على الله وتثبته منع تماما حوادث قتل مشتبه به بريء لمجرد الحذر والاستعجال وسجل رجال الأمن رغم صعوبة مواقفهم نجاحا باهرا في هذا الصدد علما أنهم تعرضوا لمواقف مثل فيها طيبة البعض أو سرحانهم أو جهلهم سبباً كافياً للشك فيهم وبالتالي إطلاق النار عليهم إلا ان رجال الأمن تحلوا بالصبر والتروي والحس الإنساني والوازع الديني وهو الأهم الذي ألهمهم بعدم الاستعجال رغم توفر كل عوامل الشك في بعض الأبرياء ممن قادتهم الطيبة أو نقص الإدراك إلى دخول مواقع ممنوعة أو عدم التوقف لرجال الأمن “أعرف شخصا دخل بطريق الخطأ لموقع تقطنه رعايا من الغربيين بسيارته وتوقف أمام أحد المطاعم المكتظة بهم ولم يدرك إلا والرشاش موجه إلى رأسه، ورجل الأمن يصرخ به أن يترجل فما كان منه إلا ان ذكر الله وتشهد فكانت هذه اخر عباراته قبل أن يرشه رجال الأمن بالماء ليفيق من حالة فقدان الوعي التي أصابته وهو يعتقد انه مقتول لا محالة”، إلا ان رجل الأمن كان يشعر بطمأنينة إلهية منعته من ضغط الزناد أكثر من مرة وأدرك بفراسة عالية أن المشتبه به فقد الوعي وأنه ضحية جهل.

في دولة مثل أمريكا وفي ظروف عادية وروتينية قتل أكثر من طفل بريء أصابه الذعر من رجل الشرطة فهرب أو شخص كان يحمل في يده أداة اعتقد الشرطي انها مسدس وقد تسبب قتل الشرطة لأبرياء بطريق الحذر المبالغ فيه موجة احتجاجات على هذا التسرع وسن تشريعات جديدة تحد من تسرع رجال الشرطة ومنها الإنذار أكثر من مرة بعبارة “توقف” أو إطلاق النار في الهواء.

وقياساً بما حدث ويحدث في دول أخرى فإن من حقنا ان نفخر بهذا الإنجاز الأمني ونبرزه ونحتفل بنجاحات رجال الأمن ونثمّن جهودهم في جميع الأحوال وليس في حالات الشدة فقط!!