التصنيف: بصوت القلم

الرجل المناسب

تابعت ودققت كثيراً فلم أجد أخطر على المنشأة والموظفين والمراجعين من مدير ضعيف، ولا على الوطن أجمع من غياب النظم والإجراءات المفصلة لكل صغيرة وكبيرة تعنى بشؤون الناس وحياتهم ومواقع عملهم ومراجعاتهم .
الإدارة سفينة ضخمة، والسفينة لا يمكن أن تسير بأمان دون ربان ماهر، وللقبطان الماهر خصائص ومميزات إدارية لا يعوض عنها شيء آخر أو تميز آخر والإدارة تخصص وملكة لا يغني عنها تخصص آخر أو ملكات مختلفة .

النظم والإجراءات الدقيقة والمفصلة والمفعلة والمطبقة بدقة ودون تمييز أو استثناء، هي الآلية أو “الميكانيكية” التي تجعل ركاب السفينة وبحارتها وحتى قبطانها يعملون ويتعاملون وفق منهجية واضحة ودقيقة تحقق إنسياب الحركة وتناغم التعامل دون فوضى ومشاحنات واحتقان .

حسناً، إذا تخيلنا أن الإدارات الحكومية لدينا تشكل عدداً من السفن التي تبحر نحو أهدافها يقود كلاً منها قبطان، فإن من السهل عليك أن تلحظ تلك التي تعاني من سوء القيادة والتخبط، والأخرى التي تمخر عباب البحر بجرأة وتمكن، ولذا فإن من غير المنصف أن نحمل البحر أو الرياح مسؤولية الإخفاق، فالإخفاق لم يحدث لأن الرياح جرت بما لا يشتهي “السَفن” بل لأن السَفن “الربان” نفسه له شهوته الخاصة في مسار الرياح والتي لا تتناسب مع مصلحة السفينة، أو إنه حمل مسؤولية اكبر من قدراته الإدارية ففقد السيطرة تماماً .

الوطن يدفع ثمن منح الثقة في قبطان غير مؤهل، في شكل احتقان للموظفين والمراجعين وتذمر على صفحات الصحف ومواقع الإنترنت وشكاوي للمسؤولين وديوان المظالم وتراجع في أداء وخدمات الجهة الحكومية وقلق اجتماعي وكان بالإمكان تلافي كل ذلك لو أن الرجل المناسب جلس في المكان المناسب .

لوحة حماية الأسرة

موقف وزارة الشئون الاجتماعية من مفهوم الحماية الأسرية لا يبشر بالحماس المطلوب ولا حتى القناعة بضرورة تطبيق هذا المفهوم، أما موقف الوزارة من التطبيق نفسه فإن أبلغ وصف له يتجسد في المثل الشعبي “مغصوب ولا قليل عرقه” وهو يصف من يؤدي العمل بالحد الأدنى من الجهد والإخلاص لأنه وببساطة إما مدفوع لهذا العمل مرغماً أو أن الأجر زهيد .
أمثلة العنف الأسري تجاه الأطفال والزوجات والمراهقات والمراهقين، بدأت تتحدث عن نفسها، ليس في المستشفيات والشوارع ودور الإيواء وحسب بل حتى في وسائل الإعلام من صحافة مقروءة وتلفاز وإذاعة، ووزارة الشئون الاجتماعية لا تزال تتعامل مع الموضوع دون منهجية ولا نظم وسياسات ولا حتى تفعيل لإدارة الحماية التي أُنشئت منذ عامين ولا تزال مجرد لوحة في شارع الشأن الاجتماعي وكأن الأسرة ليست هي لبنة المجتمع وكأن الشئون الاجتماعية لا تعدو كونها مرتب الضمان الاجتماعي الذي لا يمثل الوزارة إلا هو !!.

ماذا تريد وزارة الشئون الاجتماعية أكثر من أن عبء العمل تم فصله عنها في وزارة مستقلة عملت وأنتجت وحركت المجتمع، ووزارة الشئون الاجتماعية لا تزال تعتبر نفسها وزارة الضمان الاجتماعي وبشهادة حق وإنصاف فإنها طورت آليات صرف الضمان، لكنها لم تطور بعد آليات تحديد الاحتياج إليه وتصنيف المستفيدين بطريقة علمية، لماذا لأنها تعاني من قصور العمل الميداني المتمثل في إعطاء المتخصص “الأخصائي الاجتماعي” فرصته في الإبداع وتطبيق مجال عمله والتقرير فيه .

إدارة حماية الأسرة أُنشئت منذ سنتين ولا تزال مجرد لوحة، دون نظم ولا إجراءات ولا تحديد أدوار، ولا تدريب موظفين وأخصائيين اجتماعيين، بل دون تحديد تصنيف لما يدخل ضمن مجال عمل الإدارة من عدمه، وما هي الحالات التي تحتاج إيواء وتلك التي يكتفي فيها بالمتابعة .

الطامة الكبرى في هذا الخصوص أيضاً أن بوابات استقبال حالات العنف وهي المستشفيات متروكة وكل فيها يغني على ليلاه فمنهم من يوكل شأنا اجتماعيا بحتا إلى طبيبة أو طبيب لأنه لا يثق إلا في ستر الطبيب، ومنهم من يعطي القوس لباريها (قسم الخدمة الاجتماعية) ولكن دون دعم أو صلاحيات .

ويبقى أمر العنف الأسري مجرد اجتهادات فردية ولعل هذا يفسر ما نشرته الصحف في خبر ارتفاع عدد المنتحرين إلى أكثر من مائة شخص خلال سنة ويبرىء ساحة الأسهم التي جعلناها شماعة كل تدهور نفسي ومالي.

الوزارة بالجوال

جميل أن تصنع التقنية لنا صديقا، ووسيلة إلى جانب الهدف الأساسي من الجهاز وهو الاتصال.
جهاز الهاتف النقال أو الجوال أو المتحرك أحدث نقلة في حياة المجتمعات، كل المجتمعات، وكل مجتمع أشبع فيه الجوال ما ينقصه، إلى جانب دوره الأساسي كوسيلة اتصال.

في مجتمعنا أشبع الجوال رغبات كثيرة، وسد نقصا كبيرا، بل فرض حدوث أشياء لم تكن لتحدث بسرعة بدونه، ولعل أبرزها النواحي الإعلامية، فانتشار لقطات النقد عبر البلوتوث لبعض الأخطاء والممارسات فرض أولا تصحيحها خوفا من صحافة البلوتوث المصورة، وثانيا أفسح مجالا واسعا أمام الصحف للإفصاح والحديث حول حقيقة أمر ما، لأنه أشيع بواسطة تقنية البلوتوث، ولو لم ينشر في الصحافة ويوضح فإن الجوال سيتولى أمره، وهذا ساعد الصحف على القيام بدورها بدرجة أعلى من الشفافية.

وكأي وسيلة إعلامية فإن للجوال في شقه الإعلامي أو لقطات البلوتوث، ورسائل الوسائط، والرسائل النصية جوانب سلبية يصعب تفاديها، لكنها لا تحسب ضد التقنية بقدر ما تحسب ضد مستخدم التقنية، ومن ذلك اللقطات المخلة بالأدب والشائعات وتسخير الشق الإعلامي من الجوال لخدمة مآرب شخصية، مثلما يحدث حاليا من بث رسائل شائعات حول التشكيل الوزاري، لم تقف عند حد تسمية شخص أو اثنين أو رصد توقعات، بل ذهبت، إمعانا في الإيهام، إلى تحديد قائمة كاملة.

هذه الشائعات (الجوالية) لا تخرج مصادرها عن واحد من ثلاثة: إما راغب في منصب فيعلن عن نفسه، عسى أن يصدق نفسه أو يصدقه أحد، أو مدمن شائعات يعاني من فراغ ويسعد بأن تنتشر شائعاته بين الناس أو هاو للتوقعات والمراهنات لا يعرف اليأس رغم فشله عدة مرات.

المؤكد أننا في بلد أكثر رزانة وحكمة من أن تلعب الشائعات والرغبات دورا في قراره، وهنا لا بد من الاستشهاد بما ذكره الدكتور غازي القصيبي في كتابه (حياة في الإدارة) حول هذا الموضوع، فهو يثبت زيف الشائعات وبراءة الوطن من مصادرها.

يقول الدكتور غازي القصيبي بعد أن وصف لحظة تكليفه بوزارة الصحة يقول: (في هذه الأثناء، عطلة نهاية الأسبوع، كان أكثر من مواطن يتلقى التهنئة بعد أن سمع من (مصادر مطلعة) أنه سوف يكون وزير الصحة الجديد!. انتهى ص 230(حياة في الإدارة) الطبعة الرابعة.

لا ثقة بكذاب

لو كان لي من الأمر شيء، لجعلت شرط اجتياز اختبار الكذب أساسا لكل اختيار وكل توظيف وكل تحميل لمسؤولية، لأن الكذب مفتاح الفساد، ودلالة الخداع، ومؤشر الفشل!!، ألا يكفي أن حبل الكذب قصير، فكيف نتوقع لكذاب أن ينجح ؟!بل كيف لنا أن نأمن من كذب؟! كيف نأمنه على وظيفته؟ وعلى مسؤولياته؟ وعلى من هم تحت سلطته؟!
الكذب من فصيلة السرقة بل هو أخطر، فقديما قالوا (من يسرق البيضة قد يسرق الجمل)، ومن يكذب في الأشياء الصغيرة لا بد وأن يلجأ للكذب في الأمور الكبيرة لأن الكذب أصبح مخرجه السهل في كل مواجهة أو موقف صغر أو كبر .

وأقول أن الكذب أخطر من السرقة لأن السارق الخبير، إذا وصل حد السرقات الكبيرة لا يعود إلى سرقة ما صغر، بينما الكذاب يكذب فيما صغر أو كبر، وفي كل وقت ومناسبة.

ليس أدل على ما أدعيه من موقف المحدث الجليل عندما شد الرحال إلى البصرة ليتلقى حديثا عن رجل في البصرة وعندما رآه يوهم الفرس بطرف ردائه وكأن فيه شعير وهو خال، رفض أن يأخذ عنه الحديث جازما أن من كذب على فرسه لا يؤمن في روايته، وكذلك حديث الرسول صلى الله عليه وسلم (لا يزال الرجل يكذب، ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذابا) .

صحيح أن ثمة كذب مباح في الإصلاح بين الناس كما روى البخاري وغيره مما ورد في حديث مسلم، لكن ما أقصده كذب الرذيلة، أي كذب، صغر أو كبر فإن مدمنه يجب الحذر منه ومراقبته وعدم تكليفه بالمسؤوليات، لأن من كذب لك كذب عليك!!، ومن ضعف إلى حد الخروج من مأزقه بالكذب فإنه خطر على الوظيفة والمسؤولية والمستفيدين والمجتمع أجمع.

وان كنا استشهدنا بشيء من تراثنا وأمثلتنا وحكمنا وتعاليم ديننا وفي ذلك كفاية، إلا أنه لا يمنع من الاستشهاد بتجارب الآخرين، حيث يعتبر اثبات الكذب على متهم مفتاح خسرانه بكل قضاياه، وهذا ما عانى منه الرئيس الأمريكي بيل كلينتون نفسه، عندما كذب أمام المحكمة في دعوى بولا جونس وأنكر أمام المحكمة أية علاقة بينه وبين مونيكا لوينسكي، فغرم تسعين ألف دولار لكن كذبته كانت وبالا عليه في كل مواقفه وقضاياه، ليس لأنه ارتكب فعلا ما ولكن لأنه سجل كاذبا.

أكرر الأمنية بأن يكون اجتياز شرط الخلو من سوابق الكذب أهم من الخلو من أي سوابق أخرى وألا تمنح الثقة لكذاب في أي وظيفة صغرت أو كبرت.

الأسعار والحفر

موضوعان، كل منهما يستحق إفراد صفحات بل ربما كتب قياساً بالأهمية، لكن إيصال المعلومة عن أي منهما لا تحتاج إلى أكثر من نصف مساحة هذا العمود .
يحتاج المسئول، أي مسئول، أو موظف إلى توفر درجة عالية من الإيمان بمسئوليته عن كل صغيرة وكبيرة في إطار مسئولياته لكي لا يتغاضى عنها أو يعتقد بعدم أهميتها، أو يقلل من شأنها .

الموضوع الأول : الملاحظ أن كل الأسعار لدينا تتجه إلى الأعلى في اتجاه واحد لا يقبل الرجوع (باستثناء سوق الأسهم بطبيعة الحال )، وذلك الارتفاع يحدث وبمباركة من الجهات المعنية عند حدوث أي مبرر للارتفاع يطرأ على التكاليف، لكن نفس الجهة لا تعير اهتماماً لزوال المبرر فتفرض خفض الأسعار، والأمثلة على ذلك كثيرة، لكنني أتوق إلى الأحدث والأكثر وضوحاً وسهولة للفهم .

خذ مثلاً لا حصراً تعرفة سيارات الأجرة ( الليموزين ) ارتفعت بشكل ملحوظ، وبمباركة من وزارة النقل، عندما ارتفع سعر البنزين (بحجة ارتفاع أسعار الوقود).

أما الآن وبعد أن انخفض سعر البنزين مرتين متتاليتين إلى حوالي النصف، لم تحرك وزارة النقل ساكناً لخفض تعرفة “الليموزين” أو حتى بدل فتح الباب !! بل إن اللجنة الوطنية للنقل تقود تحركاً شبه رسمي (حسب خبر جريدة الرياض في 30رجب 1427ه) لخفض تعرفة عدّاد سيارات الأجرة “الليموزين” بنسبة 20% بعد أن تم خفض أسعار البنزين 30% !!.

لاحظ الاستحياء والتردد في “محاولة” الخفض بينما الجرأة والسرعة في “اتخاذ قرار” الرفع.

الموضوع الثاني : يتعلق باحتياطات السلامة وأمن مرتاد الطريق فالواضح أنه أمر ضائع بين أمانات المدن وبلدياتها والدفاع المدني، ولو توفر الإيمان بالمسئولية لقام كل بدوره .

مشاريع ببلايين الريالات يتم حفر أساسها بانخفاض ثلاثة أمتار دون سياج مانع لا للكفيف ولا للسيارة ولا للطفل (إن سقوط سيارة بمن فيها إذا كان السائق فقط يعني إزهاق روح، فإذا كان صالوناً يحمل 12شخصاً فالكارثة واحدة مضاعفة اثني عشر ضعفاً، وبحساب الأيتام والمحزونين والثكلى والأرامل فإنك تتحدث عن مجتمع كامل أصيب بالإحباط لأن رقيباً لم يقم بدوره أو أراد إسعاد نفسه وأسرته وصمت !!.

أما الحفر العميقة على جوانب الطرق فقد فضحتها السيول، عندما سدت الطرق وملأت الحفر وحولت مسار الطريق إلى الحفرة فغرقت سيارة بمن فيها في حفرة كانت البلدية تعتقد أنها بعيدة (ليت بعد النظر كان أبعد من مسافة الحفر).

يا وزير التجارة لو (عشان) السياحة

مقولة قديمة متجددة كنا نرددها ومفادها أن أول انطباع يسجله السائح عن البلد يبدأ من سائق سيارة الأجرة وموظف الفندق.
الآن ثمة عوامل كثيرة تؤثر في الانطباع، سواء الأول أو الأخير للسائح ، فالسائح لم يعد مجرد ضيف يدور في سيارة (تاكسي) ، ويسكن فندقاً.

على أي حال ، وهذا رأي شخصي، أنا أرى أن إراحة المواطن والمقيم أهم من مجرد العمل على تلميع صورة البلد لدى السائح، أي أن المواطن والمقيم (ألزم) عندي من الزائر، ثم إنك إذا احترمت هؤلاء (المواطن والمقيم) وحققت ما يريحهم تحسنت الصورة تلقائيا أمام الزائر والسائح والعالم أجمع.

لكن دعونا نشفع ونحتج بالسائح لنقول إننا نهمل كثيرا، ونتساهل كثيرا في خدمات أو احتياجات نعتقد أنها ثانوية وهي أساسية وتؤدي إلى مشاكل من شأنها أن تشغل كل الأجهزة الحكومية ، وتثير أعصاب المستفيد وتؤدي إلى الفوضى العارمة، بينما كان بالإمكان تلافي ذلك بفرض متطلبات من مقدم الخدمة تضمن تقديمها بالشكل الحضاري، المريح والمشرف للوطن.

خذ مثالاً للقياس، ويهم السائح كثيرا جدا ، ويتمثل في مكاتب تأجير السيارات فهناك شركات تأجير مشهورة عالميا ولها أنظمتها وتعاملها الذي يحكمه التنافس ولا بد أن يكون في مصلحة العميل لجذبه، وإن كانت عندنا لا تقدم كل ما في جعبتها من عناصر الراحة للعميل مثل مرونة التسليم في أي مكان والاستلام في المطار والنقل من المكتب إلى المطار والتخفيضات وخلافه، وهذه تأتي إن شاء الله عندما نكون بلدا سياحيا.

المشكلة أن ثمة مكاتب تأجير سيارات يمنح ترخيصها لأشخاص، وهؤلاء يعتبرونها وسيلة لتحقيق أعلى ربح بأدنى جهد، وهي أقرب للتعامل مع المستأجرين للتفحيط وليس للأهداف الحضارية.

تخيلوا أن مكتب التأجير عبارة عن دكان به عامل متعاقد واحد فقط إذا ذهب لمراجعة الشرطة (وهم يتعاملون كثيرا مع الشرطة لكثرة مشاكلهم) فإن الدكان يقفل فلا تستطيع إرجاع السيارة في وقتها، وتضطر لانتظار الموظف، ربما إلى اليوم التالي (تخيل أن لديك رحلة طيران وأنت تريد إرجاع السيارة) وعندما يحضر الموظف يضطر للتوسل إليك باحتساب يوم الزيادة عليك ، حتى وإن كان هو السبب، أما لماذا فلأن الكفيل لن يقبل خصم اليوم ويعتبره سرقة من الموظف الوحيد، والكفيل مواطن كسول نائم حتى العصر !!.

المضحك : أنه سُجل كثير من حالات الشجار عند تلك الدكاكين لأن الزبون أعاد السيارة ويريد استرجاع مبلغ التأمين، لكن الموظف يعتذر بأن الصندوق خاو فالكفيل أخذ الغلة ومعه التأمين فيرجوك الموظف أن تنتظر إلى أن يحل زبون ورزق جديد !!. ويحلف لك باليمين الغليظ أن (ما معيش فلوس).

أنا أريد من وزير التجارة والصناعة وكل مسؤول عن السياحة أن يتخيل معي حجم العناء الذي تسببه هذه الدكاكين لأجهزة الدولة ممثلة في الشرطة أولا وسيارات الإسعاف والمستشفيات والجهات الحقوقية والمحاكم عندما يحصل الشجار، أما انطباع السائح وتضرر المواطن والمقيم فيحتاج إلى خيال واسع لاستيعابه.

تأجير السيارات مثال واحد فقط للقياس وارجو ان لا يقال تعامل مع الشركات المشهورة واترك هذه للمواطن الضعيف لأنني أريد حماية هذا الضعيف.

قريص الوطن

ما هي علتنا الحقيقية في تعاملنا مع وطن معطاء؟! لماذا يحرص كثير ممن يتولون المسؤوليات على الاستفادة من المنصب بدلاً من إفادة المنصب؟! لماذا يعملون من أجل البقاء وليس من أجل العطاء.
إذا كانت هذه مشاعر وسلوكيات جيل أنتجته الطفرة في السبعينيات والثمانينيات الميلادية، أي انه نعم بخيرات هذا الوطن في أفضل أحوالها (قبول ميسر في المدارس والجامعات، وتوظيف سهل في أي مكان يشاء، وابتعاث بأعلى المميزات والبدلات، ورسوم رمزية على الخدمات وأسعار زهيدة، وخدمات صحية مجانية مع مواعيد قريبة وتنويم ميسر)، فكيف ستكون حال جيل الصعوبات التي فرضتها الأزمات الاقتصادية؟!.

ثمة بصيص أمل أن الوطنية ستكون أفضل في جيل الصعوبات على أساس مشاهدة سلوكية تقول إن الابن غير المدلل، أو من يمر بالصعوبات وقسوة الظروف أكثر براً بوالديه وأكثر نجاحاً من شقيقه المدلل!!.

لكننا لا يجب أن ننتظر طويلاً إلى أن يتخرج الجيل الحالي، جيل الصعوبات، ونراهن على صحة تلك المشاهدة والاستنتاجات.

لا بد أن نعمل كل ما من شأنه تحقيق استفادة المنصب والوطن من الموظف وليس العكس، ويكون ذلك بفرض المحاسبة الدقيقة والمراقبة الصارمة لإنتاجية المسؤول وزيراً أو محافظاً أو مديراً عاماً تنفيذياً قياساً بالإنجازات الحقيقية الملموسة لإدارته وليس ما تدّعيه العلاقات العامة أو يردده هو.

لا بد أن نغير ثقافة اعتبار المنصب تشريفاً و (برستيجاً) لأن المفترض أن يكون تكليفاً وتحميلاً لمسؤوليات جسام، ولو نجحنا في تحويل ثقافة التشريف إلى ثقافة التكليف فإننا سنتوقف عن حمى التهنئة بالمنصب ونتحول إلى عبارة “شد حيلك والله يعينك”.

أيضاً علينا، إذا أردنا، عملاً من أجل الوطن أن نغير مسار المناصب ليصبح ذا اتجاهين بدلاً من الاتجاه الواحد إلى الأعلى، فمن يبدع يستحق الأعلى، أما من يخفق فيجب أن يشعر انه أخفق، وإلا فإن عنصر الأمل بالثواب والخوف من العقاب سيغيب وذلك لا يخدم الوطن.

أؤكد لكم أنني لم أضع نظارة سوداء قط في حياتي، لكنني ألاحظ أن المثل الشعبي (كلٍ يحوش النار لقريصه) يتجسد لدينا كثيراً وبشكل لا ينم عن وطنية وإخلاص للوطن، لذا فإن علينا أن نعمل ونفرض كل ما من شأنه أن نحوش النار لقريص الوطن والوطن فقط!!.

رسائل حوار الفقيه

حلقة مليئة بالفخر والعبر والثقة، تلك التي استضاف فيها برنامج الإخبارية (رجال في الذاكرة) رجلا كانت له الريادة بصمت في عالم الجراحة هو الدكتور محمد بن راشد الفقيه.
لن استطيع أن الخص ما جاء في الجزء الأول من البرنامج فقد كان غنيا جدا، لكن لابد من التأكيد على ما يعد بحق دروسا لغيره من الأطباء والمهنيين.

الرجل كافح في تعليمه أثناء كفاح والده طلبا “للرزق خارج الوطن وتحديدا” في الزبير، لكن الولاء كان واستمر للوطن!!، وكافح في اختيار أصعب مجالات الجراحة وأقلها فرصا للنجاح فحقق لوطنه (وليس لشخصه وحسب) فخر الريادة وبتدريبه عشرات الخلفاء في مجال التخصص حقق استمرارية النجاح حتى بعد تركه جهة عمله، ولم يتركها إلا “متفرغا” لنفس المجال، وهذه رسالة لمن يجمعون بين العمل الحكومي والخاص ويضيعون مرضى الطرفين!!.

الدكتور محمد الفقيه لم يبحث عن بهرجة الإعلام وشخصنة الانجازات في الإعلام الداخلي، وعمل بصمت، لكن أصحاب الاختصاص الجراحي عالميا عرفوه فبحث عنه الإعلام العالمي قبل الداخلي.

عندما سئل ما إذا كان قد سعى للشهرة والكسب المادي، قال لن أتحدث عن الشهرة وأترك أمرها للناس أما الكسب المادي فلو سعيت له لما عملت 26سنة براتب ديوان الخدمة بينما أجر عمليتين في القطاع الخاص يساوي راتب شهر ويمكنني أن أجريهما في يوم واحد، لكنني لم أفعل، وهذا جوابي.

قال إن شهرة الطبيب يحددها أهل الاختصاص بناء على نوعية العمليات ونتائجها وعددها (أي ليس بأحدها فقط)، وقال أيضا إن الطبيب الذي لا يستمع لمريضه ولا يمنحه الوقت الكافي ولا يتابعه بدقة في جميع المراحل، لا يمكن أن يتطور بل الأقرب أن يتخلف ويتقهقر بسرعة لأن سماع شكوى المريض أهم عناصر الإلمام بحالته (وهذه رسالة لمن يديرون ظهورهم لمرضاهم بحجة التعالي على المريض).

وفي حكمة قل من يتحلى بها رد على سؤال حول الموقف مع المريض حينما يكون شخصية هامة مثلما حدث مع رئيس وزراء إحدى الدول أو شخصيات سياسية عربية فقال إننا لا نغير أسلوبنا اليومي أيا كان المريض فلو فعلنا ذلك لحصل الخطأ الطبي نتيجة التغيير عن المعتاد.

الفقيه ذكر اسم أحد الفنيين الذي ساعده بتحريك الآلة بإصبعه عندما انقطعت الكهرباء خلال إحدى العمليات منذ أكثر من 26سنة، وهو سعيد الزهراني، فلا يزال يذكره، وذكر اسم من فتح الصدر وأغلقه في عملية رئيس الوزراء العربي وهو الدكتور يحيى الفرائضي وكان الفرائضي متدربا آنذاك (وهذه رسالة لمن يحجب من يعملون معه وله!!).

الدكتور محمد بن راشد الفقيه هو رائد جراحة قلب الأطفال عربيا، وبدأ قبل غيره منذ عام 82م، وهو جراح القلب الذي أجرى أكثر من 6000جراحة قلب (العملية الأخطر)، وعمليات زراعة قلب ناجحة، وهو رئيس هيئة تحرير مجلتي جراحة قلب الأطفال في ايطاليا وأمريكا بترشيح منهم لتميزه، وهو عالميا من طور عملية إيقاف الدورة الدموية لدى الأطفال بالتثليج.

هذا الرجل قدرته القيادة ورجالات الوطن ومنح إمكانات النجاح ونجح نجاحا مميزا حقا ومفخرة لمملكة الإنسانية، لكن إعلامنا المحلي لم يسلط عليه الضوء المستحق، فمعظم ما أنجز لم يذكر ناهيك عن أن يبهرج ويبهر.!!

شجعوا التشغيل الذاتي لمستشفياتنا

خطوة وزارة الصحة بالتحول للتشغيل الذاتي بدلاً من التشغيل التعاقدي لمستشفياتها، خطوة تستحق التشجيع والمساندة من كل من لديه حس وطني وحرص على إنسانية المواطن والمقيم بالمحافظة على صحته وتقديم الرعاية الصحية التي لا تشوبها حمى المصالح الذاتية، والأنانية، والرغبة في تحقيق الفوائد من مصائب الآخرين.
يريد مني البعض أن أقارن التشغيل التعاقدي للمستشفيات بالتشغيل الذاتي من منطلق ممارستي واطلاعي المباشر على الخدمات الصحية، وهنا أجد لزاماً عليَّ أن أذكر بأن التشغيل التعاقدي تم اللجوء إليه كوسيلة لتلافي أمرين كانا مستعصيين: الأول التحرر من محدودية عدد الوظائف في القطاعات الصحية والتي لا يكفي المخصص منها ربع احتياج الجهة الصحية، والثاني ممارسة المرونة في تحديد الرواتب والمميزات بما يحقق الجذب للعمل بساعات عمل المستشفيات، وهو ما لا يحققه التقيد بسلم الرواتب الحكومي.

كانت تلك هي الميزة الوحيدة للجوء للتشغيل التعاقدي، أما عيوبه فحدث ولا حرج فإذا أردتم عصارة تجربة وممارسة واطلاع مباشر فقد كنا كمواطنين (نحب هذا الوطن حتى النخاع) نتألم ونحزن عندما نرى أن متعاقداً مفصولاً من مشروع أحد المستشفيات، لسبب أخلاقي، أو مهني خطير، يتم توظيفه في المستشفى الآخر كتعاقد جديد، لمجرد أن المقاول المشغل للمستشفيين الحكوميين واحد، ولأنه يريد أن يستفيد من أجور ونسبة (كمسيون) التعاقد دون جهد بل عن طريق اجترار موظف فاشل مفصول!!

كان التعاقد مع العجائز والمتقاعدين من كندا وأمريكا وأوروبا برواتب خيالية، وبدلات فلكية سمة المشغل بالتعاقد لأنه يستفيد من نسبته من التعاقد، والمصاريف معوضة، والخاسر هو الوطن والمريض، فبعض المتعاقدين من العجائز يحتاج أصلاً إلى رعاية طبية يتلقاها بموجب العقد على حساب المستشفى الحكومي، ولو كان أجره مجرد تلك الرعاية لكان أجراً كافياً لشخص مسن تقاعد في بلده وأحضر ليجد راتباً عالياً وسكناً فخماً ورعاية صحية مجانية، كنا (نعضد) لبعضهم لنعينهم على الحركة لأداء أعمالهم!!

المشغل المتعاقد، لم يكن يهتم بقيمة الجهاز، مهما ارتفع سعره، ولا بضرورة توفيره من عدمه، ولا بالجودة النوعية، ولم يكن يعنيه أمر التدريب للسعوديين، بل لم يكن يسعده!!

كل الأدوار الأساسية يقوم بها شباب سعودي مؤهل تابع للجهة الحكومية مباشرة بصفة مشرف، بينما موظفو الشركة المشغلة مجرد عقارب الساعة التي تشاهد وهي تدور بجهد تروس وطنية تعمل وهي مختفية تحتها (تحت المينه) وخلف الكواليس.

التشغيل بالتعاقد يلغي الاستقرار تماماً بسبب تغير المشغلين، ويتنافى مع التخطيط السليم طويل الأمد لأنه حل وقتي بعقد لا يتعدى ثلاث سنوات، والمقاول باختصار كان وسيلة للحصول على عدد الوظائف ومرونة الرواتب وهذه أمور حققها التشغيل الذاتي مع تلافي كل تلك السلبيات المذكورة آنفاً.

الملاحظ أن تدليل هذا الوطن المعطاء للمستثمر جعل الأخير يتمادى كثيراً في التدلل والأنانية، وتبرر الغاية عنده كل الوسائل، فهامور الأسهم يريد أن يترك ليقتات على الصغار وإلا فإنه سيدمر السوق!!، ومقدم الخدمة الصحية لا يريد أن تنافسه الحكومة بعيادات تجارية تتقاضى رسوماً أقل!!، والمقاول المشغل يحتج على التشغيل الذاتي، ويطلب دعمه بدعوى الوطنية وهو يهدد الوطن بالنزوح للخارج !! عجبا من هؤلاء!!

انتحار الموظف والمراجع

ليس من المصلحة الوطنية أن تتراكم المعاناة وتزداد أعداد المتضررين مع بقاء قنوات الشكوى ضيقة ووعرة، وليس من مصلحة سمعة الوطن أن تكون وسائل الإعلام (صحف، قنوات فضائية، وكتاب) هي الملاذ الوحيد لمن يريد لشكواه أن تجد صدى واستجابة وأن تذهب في النهاية لغير (الخصم الحكم) فيحصل على حقه أو جزء منه.
نحن لا نتحدث هنا عن ظلم سلطة أو تسلط على مستويات عليا، كما حدث ويحدث في كثير من دول العالم الثالث، بل على العكس تماما، نحن ننعم ولله الحمد بقيادة غاية في الإنسانية والعدل والحنان الأبوي، وعندما تصل الشكوى إلى كبار المسئولين فإنها تجد أذنا صاغية وعاطفة جياشة وتفاعلا إنسانيا، وقد يكون هذا أحد أسرار نجاح الشكوى عبر الإعلام لأنها تصل إلى كافة المستويات وتجد التجاوب من أعلاها.

مشكلتنا تكمن في المسئول الضعيف الذي بلغ من الضعف مبلغا يجعله لا ينجد المظلوم ولا يقوى على الظالم ولا يريد لصاحب الحق أن يتخطاه إلى غيره، لأنه يرى في ذلك جرأة ممن يراه ضعيفا فيستقوي عليه، ويشبعه ظلما وقسوة وتهديدا بأن شكواه أينما ذهبت ستعود إلى هذا المدير وسيكون له الويل والثبور.

معظم الشكاوي التي نتلقاها ككتّاب أو تصل للإعلام كقناة وحيدة، إن لم يكن جميعها، هي لشخص أو مجموعة أشخاص بلغ بهم اليأس من مديرهم مبلغه فقرروا اللجوء للإعلام مع انهم يعتبرون ذلك انتحارا وظيفيا، فإما الحياة و إما الردى لأنهم بذلك (يقامرون)، أو (يراهنون) على مستقبلهم فلا ثالث لخيارين إما أن يعلم المسئول فينصفهم أو تحال نفس الشكوى لنفس الظالم فيزيدهم ظلما وفي كلتا الحالتين تم نشر غسيل الجهة الحكومية لأن مديرا، ضعيفا مع كبار موظفيه، مُستضعفاً لصغارهم وللمراجعين يدافع بشراسة عن كرسيه وكرسيه فقط.

لابد من قنوات شكوى فعالة وأكثر سرعة وديناميكية تعنى بمشاكل الموظفين والمراجعين مع مدير ضعيف ودائرة ضائعة، لأن ديوان المظالم ينظر في قضايا متعددة ومتشعبة تستغرق وقتا طويلا، ولا يمكنه عمليا أن يغطي العدد الكبير من قضايا تظلم المراجعين والموظفين الذي تستقبله الصحف ووسائل الإعلام الأخرى بصفة يوميه.

الأهم من قنوات الشكوى هو معالجة أصل المشكلة عن طريق تحري الدقة والخبرة والتأهيل والتخصص فيمن يكلف بالإدارة، مع ضرورة فرض نظم وإجراءات واضحة للتعامل مع الموظف والمراجع لا تقبل الاجتهادات والظلم.