التصنيف: بصوت القلم

قمة القمم في مملكة القيم

مثلما أن الحقيقة قد يجهلها البعض وقد يتجاهلها الآخرون، فإن السر خلف الواقع قد يجهله البعض وقد يتجاهله الكثيرون.
الحقيقة التي تفرض نفسها هي أن المملكة العربية السعودية مهما اشتدت الرياح وتلاطمت الأمواج وتفاقمت المحن واشتعلت الفتن تسير واثقة وفق ثوابت لا تهزها رياح المواقف المتباينة ولا تتأثر بعنصر الزمن ولا عوامل التعرية.

ولذا فإن المملكة العربية السعودية، كما عرفها المراقبون والمؤرخون والنقاد بل وحتى المتربصون، هي ذات الموقف، ذات الوقفة ونفس الثوابت في كل زمان وتحت أي ظرف.

هي صوت العقل، هي فعل الإصلاح، هي منطق الحق وحقل المنطق.

عندما تعلو أصوات المهاترات، وتتشكل جمل الاستفزاز، لا تجد للمملكة صوتا نشازا ولا جملة استفزازية، وعندما تهب رياح الصلح والإصلاح والمساعي الحميدة فلا بد أن تفوح منها رائحة خزامى الرياض وورود الطائف وروحانية مكة، وعندما يشتد عناق المتخاصمين وتلتقي قلوبهم فإن للعناق مكاناً واحداً ومناخاً واحداً وعاملا مشتركاً أعظم هو المملكة العربية السعودية.

كانت تلك هي الحقيقة التي لا يجهلها إلا جاهل ولا يتجاهلها إلا مكابر، أما السر خلف الحقيقة فهو أن ثوابت هذه البلاد وقيمها مستمدة من كتاب الله، قرآن منزل لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، كتاب يشرح تعاليم خالق مدبر، وليس أطروحات وشعارات مخلوق مجتهد أو مضلل بشيطان زين له سوء عمله!!.

سر الثبات والثوابت والتوفيق الدائم يكمن في تطبيق هذه البلاد لشرع الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم في كل شأن سواء كان في إصلاح بين طائفتين من المؤمنين اقتتلوا، أو معاهدة أو عهد، أو إصلاح ذات بين، أو اجتماع على كلمة سواء، أو شورى في أمر.

بلد أمين رسخ ثوابت الدين فميزته الثوابت، وتميز بالثبات.

فلله درك يا وطني كم جمعت من القمم، وكم أصلحت بين أشقاء، وكم نصرت من مسلم دون رياء، وكم دحرت من الأعداء بحكمة وصمت ودون ضجيج!!، وها أنت تعقد في الرياض قمة القمم في مملكة القيم، (قيم الإسلام).

القشور

أولويات أي مجتمع، أو أولويات الغالبية العظمى من أفراده، مؤشر مهم جداً على درجة الوعي والجدية ورقي المجتمع من عدمه .
عندما يتنافس المجتمع على التحصيل العلمي والإبداع في مجال التخصص والنجاح الوظيفي، ويصبح هم شبابه الوصول لأعلى المراتب العلمية وطموح رجاله تحقيق نجاح للوطن، ويعمل كهوله وعجائزه إلى آخر ذرة طاقة إنتاجية فإن المجتمع يصنف كمجتمع واعٍ وطموح وجاد وواثق، لأن أولويات غالبية أفراده ذات عمق وذات جوهر ووزن .

ما أخشاه كثيراً على مجتمعنا، وسبق أن حذرت من أسبابه وحوافزه ومشجعاته، هو شيوع التنافس على القشور، وسطحية الطموح والرغبة في التميز بما لا يميز، مثل رقم لوحة سيارة، أو جوال أو ملبس مبالغ في تكلفته، أو مظهر ملفت للنظر حتى لو كان إلى النشاز أقرب منه إلى الأناقة .

المتتبع لمراحل حياة أحد أفراد فئة محاولة التميز بالقشور يجد أن والديه قبل الزواج أرادا لحفل الخطوبة أن يكون مميزاً ومكلفاً للغاية وحافلاً بتكاليف وفقرات تفوق كل أقرانهم، ثم حفل زواج في أكثر الفنادق وصالات الأفراح تكلفة يضاف إليها بذخ هائل يكون هو حديث الركبان في طرق التبذير للتميز، فإذا ما نجح الزوج بعد كل هموم التكلف في أن يحدث حملاً فإن المراجعة والولادة يجب أن تكون في أفخم المستشفيات الخاصة فندقة وأقلها إمكانات طبية، وما أن يخرج ذلك الطفل للحياة (من فضل ربي أن الخروج للحياة عبر طريق واحد لا مجال فيه للتميز شأنه شأن مغادرة الحياة !!) فإن أبواه يميزانه فيتربى على التميز بالقشور بدءاً بالروضة الخاصة والمدرسة الخاصة وانتهاءً بالسيارة المميزة نوعاً وموديلاً ورقماً .

لقد شاع لدينا حب التميز السطحي ووصل مرحلة جعلت الأطراف ذات العلاقة تداعب هذه الرغبة تجارياً، انظر أين وصلت أسعار لوحات السيارات المميزة وكذا أرقام الهاتف الجوال فأصبح طموح معظم الشباب أو بعضهم هو رقم مميز دون أن يحجز الشاب لنفسه مكاناً علمياً يجعل منه رقماً مميزاً في أسرته ومجتمعه وأمته .

إن مركبات النقص في شخصية الفرد قد تقوده أكثر وأكثر إلى تعويضها وحشوها بما خف وزنه وقلت قيمته من القشور، وعلينا كمجتمع أن نسعى إلى تصحيح هذا التوجه، لا أن نسايره ونشجعه، لذا فإنني سبق وأن حذرت من فتح باب التميز في لوحات السيارات لأنها قد تؤثر حتى على رجل المرور، واقترحت أن يحدد تاريخ تقديم الطلب وجهة الرقم المميز سواء في السيارة أو الجوال، وحسب الأخبار فإن الكويت بدأت الآن في معالجة أخطاء التميز في أرقام السيارات بعد أن عانت منه كثيراً .

الأهم عندي أن نربي أبناءنا على تحديد الأولويات الجوهرية العميقة ونخرجهم من دوامة التنافس بالمظهر أو الرقم أو نوعية الممتلكات وننتشلهم من مسببات خلق جيل سطحي هش ضحل الطموح .

الراشد وفرخان

وأنا أشاهد حواراً متلفزاً مع لويس فرخان في إحدى القنوات الفضائية، اضطررت لتسجيل الحوار، ليس لأنني مشغول بشيء أهم من الحديث الهام جداً لشخص مثل فرخان عندما يتناول السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط، بل لم أجلس أمام التلفاز إلا وأنا متفرغ للمتابعة، لكنني أجبرت على تسجيل الحوار، لأن ذاكرتي سحبت تركيزي وحولته إلى استعادة موقف له علاقة بزعيم جماعة “أمة الإسلام” لويس فرخان حدث منذ حوالي عشرين سنة في آخر أيامنا في جريدة الجزيرة، فقد كنت أسند رأسي مهموماً بسبب تأخر إجازة ندوة صحفية من ست صفحات يفترض أن تنشر على حلقتين كنت قد أجريتها مع نخبة من أطباء النساء والولادة وطبيب أطفال حديثي الولادة وأخصائي اجتماعي لإقناع الناس آنذاك بأن العملية القيصرية يجريها الأطباء بسبب تعسر الولادة أو الخطورة على الأم والجنين، وليس لمجرد إجراء عملية تسجل في خبراتهم كما كان يشاع آنذاك على مستوى شكاوى وصلت للإعلام.
كان الأطباء آنذاك جميعاً يعملون بإخلاص لوطنهم وواجبهم الإنساني ومهنتهم النبيلة ويستحقون من يدافع عنهم، مثلما أن بعضهم اليوم يستحق ما يشن عليه من نقد لاذع.

وبينما أنا أسند رأسي على الجدار كان الزميل عبدالرحمن الراشد مدير مكتب “الجزيرة” في واشنطن (آنذاك) يسند رأسه على الطرف الآخر من الجدار محبطاً من عدم نشر حوار صحفي خصه به لويس فرخان، ليس أصعب على الصحفي من أن يحصل على سبق أو يمنحه متحدث هام الوقت والصراحة ثم لا ينشر عمله لأنه بذلك يفقد المصداقية ونشوة النجاح، وكان الراشد قد صلّى بجانب فرخان وحصل منه بصعوبة على ذلك الحوار وكما ذكر لي الزميل عبدالرحمن فإن فرخان أو “فرقان” وافق له على الحوار لأنه صحفي من مهبط الوحي والأرض الطاهرة، أرض الحرمين وكانت مئات الصحف وعشرات القنوات المتلفزة تتمنى إجراء مثل ذلك الحوار معه فقد كان في قمة نشاطه قبل بضع سنوات من دعوته إلى المسيرة المليونية الشهيرة.

انشغلت عن الحوار المتلفز مع فرخان وسجلته لأنني أبحرت في عديد من التساؤلات والتخيلات، فلو كنت مكان الزميل عبدالرحمن الراشد مدير قناة العربية حالياً، لكنت منحت المساحة الأكبر لفرخان في قناة العربية وقبلها في الشرق الأوسط فالرجل يتحدث عن الممارسات الأمريكية والإسرائيلية في الشرق الأوسط بحقائق وأرقام أهل الدار، ويتناول بعمق وأمثلة مفصلة لتعارض سلوكيات أمريكا في المنطقة، ليس فقط مع حقوق الإنسان بل مع فقرات هامة في الدستور الأمريكي الذي لا يمكن لأحد حفظه عن ظهر قلب أفضل من مواطن أمريكي أسود مثل فرخان.

ما يعتقد لويس فرخان شيء يهمه ويهم الجماعة التي يتزعمها، لكن ما يعلمه كمواطن أمريكي عن إسرائيل والموساد وأمريكا ويقوله بجرأة لصالح قضايانا العربية يفترض أن يهمنا جميعاً ونستخدمه، لذا فقد تمنيت لو أعطى مساحة في قناة العربية ولو رداً للجميل وجمالاً للقناة ودعماً لقضايانا.

“فُصِلَ السيامي في السودان” لكن وطني غير

سبق أن ذكرت وكررت أن ما يبقى، وينمو ويترعرع ويؤثر هو إنجاز الوطن، واسم الوطن، وشأن الوطن، وتميز الوطن.
قلت في أكثر من زاوية وبرنامج تلفزيوني ان ما يميز هذا الوطن العربي المسلم المعطاء أن ثرواته وإمكاناته وتقدمه العلمي والصحي والتقني ينعم به كل عربي وكل مسلم بل وكل إنسان محتاج على وجه المعمورة، وأن النعم التي أنعم الله بها على هذا الوطن لم تكن يوماً من الأيام حكراً على مواطنيه بل كثيراً ما أفادت المحتاج العربي والمسلم والإنسان عامة.

حتى حكمة قادة هذه البلاد نعم بها الأشقاء والاخوة المسلمون والبشر عامة في كل مكان في شكل إصلاح ذات بين ودرء حروب ووقف نزف دموي وإزالة خلاف عربي عربي، بل وخلاف داخل وطن واحد.

لذا فإننا يجب أن نركز في احتفالياتنا بإنجازاتنا على تميزها الحقيقي والفريد وهو فتح ذراعيها وصدرها الرحب للجميع، فكل شأن يمكن أن ينافسنا عليه غيرنا إلا جانب الإنسانية الحقيقية النابعة من كوننا مسلمين، رحماء، كرماء وأكرمين نبذل دون منّة أو انتظار شكر ونحتضن ضعيفاً أو مريضاً مغموراً ربما كان يسكن في معزل حتى في وطنه.

خذ على سبيل المثال لا الحصر، عمليات فصل التوائم السيامية، ما يميزنا فيها لو حصرناه بالعملية الجراحية ذاتها فسوف يأتي من يقول انها أجريت بنجاح في السودان كما ورد في الصحف ومنها جريدة “الرياض” في يوم الإثنين بتاريخ 26فبراير 2007م وسيأتي من يقول ان عملية فصل معقدة واتصال في العمود الفقري تمت في المغرب بنجاح، لكن أحداً لا يستطيع إطلاقاً أن ينافسنا بالقول ان بلداً آخر غير المملكة العربية السعودية تكفلت بإجرائها مجاناً وبكل كرم ضيافة لعدد من الجنسيات غير السعودية بل وصادف ان شكل التوائم السياميون الذين نعموا بما ينعم به السعودي كل ألوان الطيف في العلاقات الإنسانية فمنهم إخوان عرب ومنهم إخوان مسلمون من المشرق واخوان مسلمون من المغرب ومنهم غير مسلمين من الشرق لاعتبارات إنسانية بحتة ومنهم غير مسلمين من أوروبا لاعتبارات إنسانية أخرى قد لا يشكل فيها الجانب المادي العائق.

إذاً فإن إنجاز الوطن الحقيقي الباقي هو تميز الوطن بإنسانية توجهاته، وتوجهاته الإنسانية، وليس التميز بأشخاص أو نوعية إجراء طبي، فالسودان والمغرب وغيرهما من الدول التي نفرح بأن تنجح في فصل التوائم السيامية، ومع كل الاحترام لها لم تتكفل بفصل سياميتي الكاميرون مثلما فعل ملك الإنسانية، ملك الإصلاح، قائد مملكة الإنسانية مملكة الإصلاح.

بقي الانتصار

هكذا هي طبيعة النفس البشرية كما خلقها البارئ سبحانه، أكثر ما يثيرها أن تهان، أو يسلب لها حق أو أن تفتقر للعدل، وهو أمر مؤكد فيما يخص الإنسان نفسه فتفاعله مؤكد وان كان يتفاوت من حيث السرعة والقوة على حسب ما رزق من نعمة الصبر والاحتساب .
فيما يخص اطلاع الإنسان على الإساءة لآخرين وتفاعله معها فهذا يتفاوت بشكل كبير، فهناك من يرى الناس كنفسه فيتفاعل مع الإساءة إليهم أو الإضرار بهم، وثمة سلبي أناني لا يعنيه إلا نفسه .

تلك لم تكن مقدمة إنشائية لطبيعة البشر، فغيري أعلم مني بهكذا موضوع، لكنها تأكيد على أننا يجب أن لا نهمل هموم الناس وأن نسارع بتفريجها بأسرع وقت ممكن وإنصافهم حتى مع أحب من نحب وأقرب من نقرب لأن الأهم هو أن نهيئ مجتمعاً صحيحاً نفسياً، تغلب عليه السعادة والاستقرار ليكون منتجاً .

القضايا الحقوقية بالغة التعقيد أو ممارسات الظلم قد تكون الأقل حدوثاً أو (الأندر) وتلك خطيرة وتستدعي الحل لتلافي وسوسة الشيطان على المظلوم فتزداد تعقيداً .

لكن الأخطر هو الأكثر حدوثاً، والأكثر شيوعاً، وإن كان الأقل حدة وهو ما يتعرض له شريحة كبيرة من الناس نتيجة تسلط مدير أو تعسف مسؤول أو التفريق بين الموظفين بالإغداق على غير مستحق لأنه قريب أو مداهن وترقيته وتدليله وظيفياً بينما يغبن مجموعة موظفين منتجين مخلصين لأنهم ليسوا من ذوي القربى أو الواسطة أو النفوذ .

عندما يتواجد مدير يفتقد لأبسط مقومات الإدارة والحكمة، أو مسؤول عن مصالح الناس يفتقد للإخلاص والرفق بالناس فإن هذا معناه أن كثيرين من الموظفين والمراجعين سيتعرضون للإحباط

لقد وصل مجتمعنا ولله الحمد وفي هذا العهد الزاهر إلى درجة رفيعة من التفاؤل والسعادة والإحساس بالاهتمام والدعم النفسي والمعنوي في كل أزماته، بدأ بخفض أسعار الوقود وزيادة الرواتب وميزانية الخير والمواقف المتعددة التي تجسد حنان وأبوية القيادة .

ويبقى أن نفعل الرقابة والتفاعل مع شكاوي الموظفين والمراجعين لتعم السعادة.

ماذا يريد الأطباء؟

تعد مخالفة أطباء المستشفيات الحكومية لنظام الخدمة المدنية بالعمل في المراكز الطبية الخاصة أشهر، وأوضح، وأطول حالات الخروج على النظم والقوانين، وأكثرها إضرارا بالناس وأكثرها إمعانا في تحدي الأنظمة وقرارات مجلس الوزراء والإيضاحات والتحذيرات اللاحقة بل والفتاوى والملاحقة.
ما يميز تلك المخالفات ويجعلها الأكثر، هو أنها تحدث من فئة صرف على تعليمها الكثير، ومن مهنة يفترض أن لا يمتهنها إلا شخص راق في تعاملاته وإنسانيته وأمانته وتقديره لخطورة الانشغال عن مرضاه وطلبته والمتدربين على يده، خصوصا إذا كان الانشغال مخالفاً للنظم والقيم و أخلاق المهنة، والآن وبعد صدور فتوى مفتي البلاد بعدم جواز هذا العمل فقد أضيف إلى ما ذكر أنها مخالفة للشرع، وكانت الفتوى قد صدرت نتيجة لانتشار وشيوع هذه الممارسات الخاطئة وتضرر العباد منها، وشكوى الجهات الحكومية من نتائجها الخطيرة، وجاء نشر الفتوى في الصحف ليقطع الطريق أمام كل عذر ولكن لا حياة لمن لا ضمير له.

يكفي عن كل ما ذكر أعلاه أن انشغال أطباء المستشفيات الحكومية بالعمل في المراكز الخاصة جعل الأخطاء الطبية تصل أرقاما كبيرة وتصبح سمة واضحة بعد أن كنا الرواد في مجال الطب، و أن متدرب وطالب الطب أصبح يفتقد للمرشد والموجه ويضطر للعمل منفردا على حساب المريض، فيزيد الأخطاء الطبية أخطاء والضحية المريض البريء، الذي لا حول ولا قوة له فيما يحدث، فإن كان ضحايا الأسهم مثلا لهم دور في وقوعهم في براثن الاستغلال، فإن ضحايا الأخطاء الطبية والإهمال الطبي الحاصل من الأطباء هم ضحايا أبرياء، مجبرون على الثقة وتسليم أنفسهم وحياتهم لمن لم يقدر ما قدمه له الوطن من تعليم مكلف ورواتب عالية ومزايا وبدلات سخية منها بدل تفرغ، تميز به عن غيره، وخالفه دون غيره، وطمع في المزيد.

هذه القضية، التي تصنف كأشهر مثال للمراوغة بناء على الحيثيات المذكورة آنفا، تخرج كل يوم بجديد من الاستنكار ولكنها تستمر، وجديدها اليوم طرفة مفادها أن المستشفيات الخاصة الكبرى تناشد وزارة الصحة وقف هذه الظاهرة، لأن المراكز الطبية الخاصة والتي تعتبر مجرد عيادات أصبحت تشغل الأطباء الحكوميين الذين يظهرون إعلاميا فتجذب (الزبون) عن تلك المستشفيات الكبيرة التي صرفت مبالغ على التعاقد مع أطباء متفرغين!!.

أمر محزن جدا أن يصبح المريض مجرد (زبون) يتنافس عليه المستثمرون، ويصبح الطبيب مجرد (عامل مخالف)، يتخاطفه المشغلون، ونضطر الى صحافة وفتوى وخطابات سرية من اجل وقف مخالفة صريحة في وضح النهار.

إن الخوف من انتقال الأطباء الحكوميين للقطاع الخاص لن يحدث لأنهم لا يثقون إلا في الوظيفة الحكومية، ويعتبرونها مصدر امن حتى للمخالف!!، أما التهديد بالنزوح للخارج فمجرد مناورة لأن قسيمة الجزاءات في الخارج لا ترحم كما يفعل الوطن، كما أن الزبون عدديا لا يقارن بهذه البلاد.

الحل لا يخرج عن عبارة قالها الطبيب يعقوب المزروع وكيل وزارة الصحة للطب العلاجي وهو مسؤول مخضرم شغل أكثر من منصب في الوزارة قال: من يرد القطاع الخاص فعليه أن يتفرغ له، ومن يختر العمل الحكومي فعليه الالتزام بأنظمته، ثم أردف قائلا (ما يحدث خيانة للأمانة).

(المشاطة)

المسئول في هذا الوطن المعطاء وفرت له اليوم كل السبل لأن يكون جميلا.
جميل في انجازاته للمؤسسة التي يرأسها، وليس لنفسه، جميل في عطائه لوظيفته منذ أول يوم يتولى مسئولياته أيا كان مستواها، جميل في تعامله مع المواطنين والمراجعين والمستفيدين من عمله الحالي وليس العمل الحلم، جميل في التخطيط والبناء لمنصبه الحالي لأنه أمانة منذ أول يوم حمل فيه الأمانة.

ما بالنا إذن لا نتزين إلا قبل ربيع الأول بأيام أو أسابيع أو حتى أشهر؟!

لماذا لا تكون كل سنوات عملنا ربيعا حقيقيا، وليس فقط ربيع التجمل ووضع أصناف الأصباغ غير الحقيقية لنخرج في أبهى صورة لا تعكس الوجه الحقيقي.

هذا الوطن بقادته المخلصين وأرضه المعطاء وبيئته الخصبة التي توفر كل أسباب البذل، من مميزات الممتازة وبدلاتها وإغداقها على المسئول، إلى منح الثقة والتشجيع والصبر، تهيئ كل الظروف والإمكانات المادية والمعنوية والنفسية للموظف لكي يكون جميلا في كل الأوقات والشهور، فلماذا لا يكون جميلاً فعلاً؟!

نحن لدينا، أو لدى بعضنا، طبع قديم بأن لا نتزين إلا في المناسبات، ولا نرتدي أجمل حللنا إلا قبلها بساعات.

حتى قبل زمن (الكوافيرات) وصالونات التجميل كان أول وآخر عهد العروس بالتزين هو ليلة الزفاف، فقد كانت (المشاطة) في قديم الزمان هي صالون عصرها، لكنها لا تمشط إلا شعر العروس ولذلك جاء المثل الشعبي ذو المدلولات القوية والمعبرة ألا وهو (مداحتها أمها والمشاطة)، أي أن من يمدح المخطوبة إما والدتها أو المشاطة أو هما معا فقد لا تكون بذات الجمال لكنها تصور كذلك.

نفس الشيء فإن الموظف إذا طمح أو طمع في ترقية أو منصب أفضل فإنه يسخر (مشاطة) إعلامية تزين صورته قبل موعد الزفاف، مع أن من حق هذا الوطن المعطاء علينا، ومن حق قادته علينا أن نكون في قمة جمالنا في كل الأوقات بأفعالنا، بذمتنا بوطنيتنا، بإخلاصنا وباحترامنا للمسئولية والوظيفة، وليس بطموحنا لأفضل منها دون عمل حقيقي يؤهلنا.

لنعمل للوطن ولتكن (مشاطتنا) أعمالنا وحسب، وبذلك فإنه لن يكون ثمة داع لحمى التزين والتسابق قرب خط النهاية التي نشاهدها الآن.

ملك الإصلاح

من صور الجمال الإعجازي الذي يميز لغتنا العربية أن الكلمة بنفس تهجئتها وطريقة كتابتها ونطقها قد تؤدي إلى أكثر من معنى، ومما يميز قائدنا الملك عبد الله بن عبد العزيز أن أفعاله شملت كل المعاني الجميلة للكلمة .
الإصلاح، كلمة يمكن أن تعني محاربة الفساد في الوطن وإصلاح حاله وتصحيح ما اعوج من مساراته.

والإصلاح أيضا كلمة قد تعني إزالة الخلاف بين طرفين وإصلاح ذات البين بين متنازعين وتحويلهما من افتراق إلى اتفاق.

عبد الله بن عبد العزيز أبى إلا أن يحمل هم أبناء شعبه وأبناء الأمة العربية والإسلامية ، ليكون الرجل الصالح في نواياه وفي أحاسيسه وفي أفعاله ويصبح الاسم الصالح لإتمام كل جملة تدخل فيها مفردة (الإصلاح) بكل معانيها ودلالاتها، وبذلك فإنني لا أجد حرجا لغويا من تسميته (ملك الإصلاح) لأن تعدد معاني الكلمة لا يفوق تعدد صفات وخصال الملك.

من خصال عبد الله بن عبد العزيز أنه فارس يعشق اعتلاء صهوة الفرس الجموح صعبة المراس مستحيلة (العسف)، فيعسفها.

احتواء خادم الحرمين الشريفين للمأزق الفلسطيني فروسية نادرة ، فالخلاف بين المجاهدين والمناضلين عندما يصل حد الاقتتال العلني وسيل الدماء ، ليس بذلك الخلاف الذي يسهل إعادته إلى اتفاق ، فهو يفوق في خلفياته وترسباته ، وآثاره ، ومنعته وشراسته الخلاف التقليدي الذي يحدث بين طرفين متعاديين لأسباب حدودية أو جغرافية وعادة ما تكون سطحية وبسيطة وقعت أصلا نتيجة رغبة للخلاف لدى الطرفين المتحاربين وبالتالي فإنها أكثر قابلية للتنازلات ويسهل حلها.

الخلاف بين حماس وفتح وصل ذروته ببطء وبعد نفاد كل سبل الإصلاح ولم يصل حد الاقتتال بين الإخوة المجاهدين إلا وقد بلغ حداً يستعصي على الإصلاح لكن فارس الإصلاح كان بإخلاصه ونيته الصادقة قادراً على عسف الفرس القموص .

إذا كان الشعب الفلسطيني بل شعوب الأمة العربية والإسلامية قد نعمت بإحدى معاني كلمة الإصلاح لدى خادم الحرمين الشريفين عبد الله بن عبد العزيز في شكل اتفاق سيرهب الأعداء ، فإن شعب المملكة قد نعم بكل معاني الكلمة لديه يحفظه الله ، فنحن نسعد يوميا بخطوات إصلاح داخل الوطن وسعدنا بنجاح إصلاح ذات البين في الوطن الكبير والأمة العظيمة وأصبح مصدر فخر لنا.

ستبقى يا وطني مملكة الحكمة ، مملكة الإنسانية ، تحت قيادة ملك الإصلاح ، ملك الإنسانية.

الجذب الإعلامي المعاكس

ندوة تأثير القنوات الفضائية على الثقافة العربية أكدت على أننا في الوطن العربي ندرك جيداً ما يحيط بنا من خطر أو أخطار البث الفضائي، ولا تنقصنا مطلقاً القدرة على التعبير عن قلقنا من هذا الخطر ولا نفتقر للمفكرين في هذا المجال ولا لاقتراح الحلول لما نعلمه من خطر قادم يفوق كثيرا ما نعايشه اليوم، لأنه خطر يتزايد ليس كل يوم ولكن كل دقيقة .
ما ينقصنا حقا هو قدرة المفكرين على إقناع أصحاب المصالح وأصحاب القرار أن الخطر على الأمة يفوق كثيرا المكاسب الشخصية، ولا يقارن بها على الإطلاق.

الشيء الآخر أو السبيل الآخر غير الإقناع هو أن تكون لدى الأمة العربية الجدية والصرامة في أن تجبر ملاك القنوات ومنافذها على تغليب المصلحة العامة على المصالح الشخصية، تماما كما ذكر أحد المتحدثين في الندوة وأعتقد أنه الدكتور عدلي رضا (ان امتلاك القناة الفضائية لا يعطي مالكها الحق في أن يفعل ما يشاء) .

الإعلامية والمذيعة خديجة بن قنة ترى أن حرية المشاهد ورقابة المشاهد على نفسه ومن هم تحت وصايته هي المحك فالمشاهد هو من يركب الصحن الفضائي وملحقاته وجهاز الاستقبال وهو من يحرك جهاز التحكم عن بعد (الريموت كنترول) فهو المسئول عما يختار لنفسه وأسرته من القنوات، أما الأستاذ حمدي قنديل مقدم برنامج (قلم رصاص) في قناة دبي الفضائية فقد تحدث عن إيجابيات مرحلة الفضائيات مقارنة بما قبلها، لكنه أبدى استغرابه وامتعاضه من انتشار قنوات الميوعة والخلاعة والمجون التي تطلق بدعوى أن (الجمهور عايز كده) مع أن وادي الغناء والرقص والطرب هو وادي مختلف عن الوادي الذي نعيش فيه كعرب !! وتساءل عن أي نوع من (الشيزوفرينيا) (فصام الشخصية) الذي يجسده التناقض بين الإعلام والأمة وبين وادي الانبساط والفرفشة والواقع المناقض الذي نعيش فيه؟.

تساؤل الأستاذ حمدي قنديل منطقي جدا ويبرئ ساحة المشاهد لأن بعض قنوات الفضاء تفترض واقعاً أو وادياً غير الوادي الذي نعيش فيه .

أما أنا فأعتقد في رأيي المتواضع أننا وفي ظل استحالة فرض آلية عربية تغلب المصلحة العامة للأمة على أهواء قنوات الفضاء، ليس أمامنا إلا نهج أسلوب الجذب المعاكس للمشاهد عن طريق إشباع رغباته الواقعية وجذبه أو إشغاله عن قنواتهم بدعم القنوات المهنية سليمة المقاصد والهادفة البناءة في أي مجال كان.

القنوات الرياضية لو مارست مهنية عالية كفيلة بجذب أكثر من مجرد فئة الشباب ولديها هامش أوسع للتفاعل وقضايا ذات جذب حميد وممتع.

القضايا الاجتماعية والاقتصادية وبرامج النقد والتحاور وسيلة جذب أخرى لا تقل متعة ومتابعة إذا اتسمت بالمهنية وهامش أوسع من الشفافية والإثارة المحمودة التي تنعكس على المجتمع العربي بإيجابيات عدة تجمع بين الإصلاح والجذب والإشغال عن توافه الأمور.

فتح باب التعبير والمطالبة والتفاعل بين القنوات الهادفة ومشاهديها سيقطع الطريق أمام قنوات الرسائل النصية (sms) الهابطة لأن الشاب والفتاة سيتحول إلى التفاعل مع مجتمعه بدلا من الاختباء خلف اسم مستعار ليملأ فراغه بمداعبة مفاتيح جهاز الهاتف النقال لإرسال مشاعر نحو مجهول على الطرف الآخر للقناة.

التقدير بالعقوبة القاسية

جهد كبير ويستحق الشكر ذلك الذي تقوم به قوة المهمات الخاصة بشرطة منطقة الرياض في المتابعة الدقيقة والمتأنية لكل فعل إجرامي يهدد أمن السكان أو أخلاقيات هذا البلد الأمين، والذي أصبحت نتائجه تلمس بشكل يومي أو أكثر من مرة في اليوم الواحد في شكل عمليات قبض بالجرم المشهود وبكامل الأدلة والشهود وهذا النوع من الإنجاز الأمني هو من أصعب وأدق الإنجازات وأكثرها حاجة للجهد والصبر والحكمة والمتابعة الدقيقة والتحري الذكي .
التحري الدقيق والصبور الذي يؤدي في النهاية إلى الإيقاع بالمجرم وهو يمارس الجرم المشهود، لا تتوقف إيجابياته عند حد تسهيل إثبات الجريمة وسهولة إصدار الحكم بل ان له دوراً كبيراً وفاعلاً في الردع وهو الأهم .

خذ على سبيل المثال ذلك العامل البنجلاديشي الذي نشرت هذه الجريدة خبر القبض عليه في عدد الأربعاء 15محرم 1428ه رغم أنه كان يتنقل من حي إلى آخر ومن سكن إلى آخر وتحصن بعدد من العيون التي تخدمه في المراقبة وتشعره بأي مراقبة، إلا أن قوة المهمات الخاصة بشرطة منطقة الرياض أطاحت به وهو يمارس إدارة وكر للدعارة يستدرج فيه الخادمات الهاربات ليمارسن الدعارة مع عمالة مختلفة مقابل مبلغ مالي يتراوح بين 150- 300ريال مما جعل دخله الشهري يصل إلى ثلاثين ألف ريال، وهو ما يزيد من احتمالية تحصنه وحيطته باستخدام عدد أكبر من المستفيدين والعيون وأدوات الإنذار البشرية، سواء تلك الحريصة على المال أو على المتعة المحرمة، لأن سقوطه يعد خسارة كبيرة مالياً للعيون المراقبة وجنسياً للزبائن وهذا أحد أشد أشكال المجرمين منعة وصعوبة لكنه وقع ووقوعه يعني للعديد من المجرمين أو المقبلين على ممارسة عمل مشابه رادعاً قوياً وسبباً في التوقف أو النزوح عن البلد غير مأسوف عليهم.

ذلك كان مثالاً فقط لأنه يحمل كل أسباب وعناصر ومغريات الاختباء لكنه وقع فأصبح أوضح أمثلة الردع، إلا أن الرادع في نظري لن يصبح كاملاً وقوياً ما لم تكن العقوبة صفعة حياة وليست مجرد صفعة عمر، لأن التسفير ليس عقوبة، والسجن لأقل من سبع سنوات لا يعتبر رادعاً كافياً، وطالما كررت أن لدينا تجربة فريدة وناجحة عالمياً تتمثل في عقوبات التهريب والترويج للمخدرات وكيف أصبحت سبب ردع حقيقي لأن المجرم هنا يراهن على حياته وليس على جزء من عمره أو مجرد عودته سالماً غانماً لبلاده.

إن جهود رجال الأمن تستحق الإشادة والتثمين، وأحد طرق تثمينها عقوبة رادعة للمجرم تقطع دابر شره .