التصنيف: بصوت القلم

مجتمع بلا”كتلوج”

طال كثيراً غياب تواجد نظم وإجراءات مكتوبة تفصيلية تحكم سير العمل في دوائرنا الحكومية تتيح للموظف أن يعرف ما له وما عليه وما هو عمله بالضبط، وما الذي يجب عليه أن لا يعمله بحيث يصبح واضحاً ما إذا كان الموظف يستغل الاستغلال الصحيح أم أن غياب النظم يجعله ودون قدرة على الاعتراض يعمل كل ما يطلب منه خلال ساعات العمل سواء لصالح العمل أو لصالح رئيسه، وسواء كان بنفس القدر مثل أحد زملائه أم أن ثمة تفرقة!!
الوصف الوظيفي ليس الغائب الوحيد الذي طال غيابه، فهناك نظم وإجراءات عديدة نفتقدها بل مرت عشرات السنين على وزاراتنا دون أن تفكر ولو مجرد تفكير في تدوينها وسنها وجعلها مرجعية مكتوبة، والسبب في “شكي” أن الوزير عندنا يكون مشغولاً بتحقيق إنجازات “وقتية”، آنية، عابرة تسجل لفترته عبر وسائل الإعلام كخبر أو تشاهدها بعض العيون أو كل العيون دون الاهتمام بتأسيس بنية تحتية إدارية تحتفظ بها مكتبة وأرشيف الوزارة دون أن يشعر بها الجميع مع أنها ذات قيمة هامة يقدرها من يأتون بعده ويستفيد منها في سير العمل من هم يعملون في فترته وبعدها ويستفيد منها الوطن في شكل انتظام لسير الحياة العملية وراحة نفسية للمراجع والموظف على حد سواء، وأهم من هذا وذاك خلق بيئة وطنية منظمة وعادلة وشفافة، لا مجال فيها للصيد في المياه العكرة غير الواضحة.

معظم أمورنا الحياتية نعالجها بطريقة آنية، أنانية عشوائية غير مقننة تعتمد على الاجتهاد والعلاقات وتتيح مجالاً رحباً للمخالفات وعدم الإنصاف.

إن أخطر نتائج هذا الغياب هو أن جميع دوائرنا دون استثناء أصبحت دائرة الرجل الواحد، فمجرد تغير الوزير أو المدير يعني تغير الكثير من النظم والإجراءات التي هي بطبيعتها آنية اجتهادية غير مدونة ولا صادرة عن طريق دراسة أو أقرتها هيئة خبراء.

حتى الشعور العام داخل الوزارة أو الدائرة تسيطر عليه مشاعر انتظار التغيير لمجرد تغير المسئول الأعلى في الهرم، كل شيء ينتظر أن يتغير ليس بالضرورة إلى الأفضل، ولكن إلى التغيير، وهذا التغيير قد لا يقتصر على الإجراءات والأنظمة وسير العمل، بل قد يشمل الأشخاص وكأن لكل مسئول طاقمه الخاص الذي يتنقل به أو ينقله معه.

أصبح الشعور العام أن المسئول الجديد الذي لا يغير، مسئول غير ناجح أو غير قادر على مجاراة من سبقه أو تعويضه.

إن ما يحدث لأجهزتنا من ارتباك عند كل تغيير أمر متوقع في ظل غياب الكتيب الإرشادي الكفيل بجعل الجهاز يسير على طريقة صحيحة في كل الأوقات ومع كل الأشخاص. لأننا وكما يبدو أصبحنا مجتمعاً بدون “كتلوج” وأي جهاز يدار دون الرجوع إلى كتيب إرشادي عرضة للاحتراق أو العمل بطريقة غير صحيحة أو عدم الاستفادة من أقصى إمكاناته!!

والسؤال المحير هو لماذا لا يطلب من المسئول الناجح تدوين نظمه وسياساته لتستفيد منها الدائرة خاصة أنه تقاضى أجر ذلك العمل في تلك الفترة؟!

بل السؤال الأكثر عجباً وحيرة هو لماذا تبلغ بنا الأنانية حد إخفاء النظم والإجراءات وعدم تدوينها وكأنها براءة اختراع للوزير أو المدير السابق يأخذها معه؟!

أزمة انطباع

المشكلة أننا تعودنا أن تكون قراراتنا مبنية على انطباع، مع أننا نعيش في عصر الدراسات والإحصاءات والنسبة والتناسب والقرارات المعتمدة على معلومات احصائية وحقائق وليس مجرد انطباع مبني على مشاهدة واقعة قد تكون نادرة أو سلوك قد لا يكون شائعاً.
عدوى الانطباع انتقلت وانتشرت واستشرت بفعل غياب أو تغييب الدراسات والاحصاءات فلم تعد مقتصرة على صدور قرار مبني على “إشارة لما لوحظ” أو تطبيق مقترح أساسه انطباع شخص واحد نقله وضخمه واستصدر فيه قراراً ملزماً. أي لم تعد العدوى منتشرة في دوائرنا الحكومية بل تأثر بها القطاع الخاص والأهلي ثم المجتمع ثم الأفراد فرداً فرداً (أعلم أن الطبيعي هو أن نبدأ بالأفراد كوحدة ثم ننتهي بالمجتمع ككل لكنني قصدت أن أقول إن النظرة العامة الانطباعية أصبحت ديدن كل فرد حتى في حياته الخاصة والعامة طبعاً).

الطريف أن الفكرة الراسخة نتيجة انطباع شخصي لا يغيرها إلا انطباع مخالف لنفس الشخص، وإذا ما كان هذا الشخص هو صاحب القرار فلا يمكن لآثار انطباعه أن تزول، ما لم يتغير انطباعه الشخصي أولاً ثم يصحح ما أفسده انطباع سابق!!.

الأمثلة كثيرة جداً وفي مجالات شتى ولكن دعونا نستشهد بمثل واحد لكل صنف وأعني انطباعاً حكومياً وآخر قطاعاً خاصاً ثم انطباع مجتمع وانطباع فرد:

حكومياً كان الانطباع أن وظيفة مذيع تلفزيوني لا يمكن أن يقوم بها سوى اثنين أو ثلاثة لا غيرهم خاصة في المهام الصعبة والفقرات الهامة وأهمها نشرات الأخبار ولعل قناة الإخبارية والقناة الرياضية غيرتا هذا الانطباع بطريق الصدفة عندما برز أكثر من مذيع سعودي شاب وأبدوا مقدرة فائقة في قراءة الخبر والثقة في النفس والظهور البهي وأبدى عدد من المحاورين ذكاءً وفطنة واختياراً دقيقاَ للسؤال في مواقف عصيبة وعلى الهواء مباشرة، فبعد أن جازفت كل من الإخبارية والرياضية وعاندت ذلك الانطباع خرجنا بكم كبير من المذيعين الناجحين.

في القطاع الخاص لا يزال الانطباع بأن الشاب السعودي غير جاد في عمله ويريد وظيفة إدارية هو الانطباع السائد رغم أن وزير العمل نفسه لديه عكس هذه القناعة ويحاول جاهداً تغييرها بالتصوير تارة بزي الطباخ وتارة مع الحلاقين. لكن القطاع الخاص يحتاج إلى إقناع كل هامور بتجربة شخصية حتى يزول الانطباع.

على مستوى المجتمع فإن ثمة انطباعاً سائداً بأن السياحة الداخلية مكلفة جداً وأن الإيجارات مرتفعة وهذا الانطباع أسهمت أزمة التأشيرات بعد أحداث 11سبتمبر في تغييره بالتجربة لدى كثيرين لكن مهمة الهيئة السعودية للسياحة أن تسعى لتغييرها تماماً عن طريق مزيد من التحكم ومزيد من الإعلام المقنع وإن كنت شخصياً سبق أن كتبت ما ينفي تماماً مثل هذا الانطباع بشرح تجربة شخصية في عسير نشرتها في هذه الزاوية ونشرتها جريدة الوطن في صفحة كاملة.

وعلى المستوى الفردي أعتقد أن انطباع معالي وزير التربية والتعليم بأن إنجازات وزارته على ورق الصحف تعادل الإنجازات على أرض الواقع يعتبر من الانطباعات الفردية التي يصعب تغييرها مثلما يصعب تصديقها!!

فرس الاتصالات

تهدف الهيئات الحكومية المشكلة لمتابعة أو الاشراف على شأن ما إلى ضبط زمام الأمور والتحكم فيها بحيث لا يطغى جانب المصلحة الشخصية أو المؤسساتية على الجانب الأهم وهو مصلحة المواطن وحقوق وأموال الوطن.
وخاصة فيما يتعلق بالجوانب الخدمية التي يستثمر فيها القطاع الخاص فقد مررنا بتجارب كثيرة ناجحة لعب فيها الاشراف والمتابعة من قبل جهة حكومية دوراً هاماً في حفظ الحقوق والتحكم الدقيق وضمان عدم استغلال الفرص بما يضر بالمستفيد من الخدمة، وفي الوقت نفسه تحرص الدولة على استفادة المستثمر واستقراره بسلوكه الطرق المعقولة المتفق عليها للربح دون مبالغة أو استغلال أو استحداث اجراءات مفاجئة تؤثر سلباً على المستفيد.

أي ان الهيئات الحكومية الاشرافية تطبق مع الشركات الخدمية مفهوم الشاعر خالد الفيصل عندما وصف “فرسه” أو من شبهها بالفرس بقوله “تلعب وأنا حبل الرسن في يديا”.

وكم هو جميل حينما تسمح لفرسك بأن تمارس نشاطها وهوايتها في الحركة بينما تحتفظ أنت بحقك في منعها من الجموح عن طريق حبل مرن طويل هو “الرسن”.

في شأن الاتصالات يبدو أن طرف الحبل يلتف على رأس الفرس والطرف الآخر في يد رخوة أو ملساء إلى درجة أن الحبل يفلت كثيراً مما أضر بالجمهور فتعرض للكثير من جمحات الفرس وربما رفسات مؤلمة تحدثنا عن العديد منها في مقال الأسبوع الماضي بعنوان “هيئة التنصلات”.

وإذا اتفقنا أن الهيئة الاشرافية التي يفترض أن يصدق قولها بأنها في صف المشترك وتسعى لحفظ حقوقه فإنني أجدها فرصة لأقترح على محافظ الهيئة وزملائه الاطلاع على ردود القراء وهم مشتركون، وهم شريحة مستهدفة، وهم أصحاب حقوق وشكاوى، أقول لتطلع الهيئة على منتدى الكتاب بهذه الجريدة مثلاً وهو بالمناسبة يعبر عن رأي من يكتب فيه وهو رأي قد يهم الهيئة!! فربما لو اطلعت على سيل الردود على ذلك الموضوع على سبيل المثال فقد تجد أولاً أنني مقل جداً ولم أقم بالدور المطلوب الذي يقتضيه الوضع وستجد ثانياً أن حبل “الرسن” لم ولن يكون في يدها ما لم “تخشوشن” اليد قليلاً فاليد ملساء والحبل طويل والفرس لعوب جموح لم تروّض كما يجب.

هيئة “التنصلات”

حذار فإن أكثر ما يزعج المواطن هو أن ينبري أحد المسؤولين المكلفين بخدمته والمستأمنين على حقوقه فيمارس استغفاله والمنة عليه بل ومخادعته.
عندما بدأت خدمة الهاتف الجوال كان رسم الاشتراك مبلغ عشرة آلاف ريال، وشعر “مستوري” الحال “ومحدودي” الدخل أن هذا المبلغ الكبير مقارنة بدول مجاورة يقصد منه تعجيزهم وجعل هذه الخدمة الجديدة حكراً على الموسرين “المميزين” مثلما كان الهاتف السيار الذي مات وهو ميزة لهم لم يمسسه معسر.

هذه المرة أصر ذوو الدخل المحدود على إقحام أنفسهم والاشتراك في “الجوال” بعد معاناة للحصول على عشرة آلاف ربما وصلت حد التدين “العشر اثنا عشر” وربما سفك ماء الوجه والتسلف ولا يستبعد أن هذا التحدي تسبب في سلوكيات غير أخلاقية لحصول إحداهما أو أحدهما على هذا المال.

بعد عدة سنوات طويلة دخلت شركة الاتصالات في الخط واعتبر الرسم ثلاثة آلاف ريال واعتبرت السبعة رصيداً مقدماً للمشترك ثم انخفض الرسم حتى انتهت فترة الاحتكار ليصبح الاشتراك مجانياً “صفراً” لأن ثمة منافسين قادمين لمنافسة الشركة المدللة.

ولأن هذه المنافسة القادمة بين مقدمي الخدمة ستكون على المشترك لكسبه ويفترض أن تنعكس إيجاباً لمصلحته، وعلى كسب رضاه فليتنافس المتنافسون فقد خرج علينا محافظ هيئة الاتصالات في مؤتمر صحفي بتصريح يطمئن الفتاة المدللة شركة الاتصالات ويحبط أي أمل للمشتركين مفاده أننا لن نسمح بحرب أسعار بعد الترخيص لشركة الجوال الثانية وأن منح التخفيضات على الأسعار المقدمة للمستهلك ستكون بإشراف هيئة الاتصالات وفي ذلك إشارة واضحة لحماية الفتاة المدللة لسبب لا نعرفه أو نخجل من ذكره وفيه إشارة أن المشترك لن ينعم أبداً بمميزات التنافس التي ينعم بها كل مشترك في العالم عندما يتنافس مقدمو الخدمة ومشغلوها لإرضائه وكسب وده.

المحافظ الدكتور محمد السويل كرر القول ان هيئة الاتصالات إحدى الأدوات المساندة للمشتركين وهي التي تراقب سوق الاتصالات وهي “المشرع” وأنها لن تسمح بإجراء تخفيض في أسعار الخدمة إلا عن طريقها حتى لا تحدث حرب أسعار تضطر المنافس الجديد للخروج من السوق في المملكة وفي هذا إيماءة واضحة إلى أن شركة الاتصالات الحالية قد “علكت” المشترك و”شفطت” حقوقه وأمواله خلال فترة التميز الحصري والامتياز بتقديم الخدمة إلى درجة قد تجعلها تقدم تنازلات كبيرة من الهامش الصغير للاستغلال الذي حدث مما سيضر بالمنافس الجديد.

ويذكر المحافظ عبارة اعتبرها تستفز المشاعر عندما يقول “إن الهيئة حريصة على تقديم الخدمات بشكل جيد وسعر عادل وأنها لا تعطي ميزة لأحد دون الآخر” انتهت العبارة، ولعل السؤال الذي يتبادر للذهن فور سماع هذه العبارة هو: أين الحقيقة عندما حدد رسم الاشتراك بعشرة آلاف ريال؟! أو أين العدل عندما سمح لشركة الاتصالات اعتباره ثلاثة آلاف وهو مبلغ يبقى كبيراً جداً مقارنة بالاشتراك المجاني الحالي؟! أو في إبقاء سبعة آلاف ريال في حقيبة الاتصالات من “ضعاف” المشتركين؟!.

أين الرؤية يا معالي المحافظ عندما تسمحون أو تفرضون رسم خمسة وعشرين ريالاً لاستبدال صفر مفروض بغيض بالرقم خمسة وكلاهما رقمان في خانة واحدة، فقط لأنكم لا تريدون لمشترك غير مميز أن يتميز؟!.

ثم أن السماح لشركة الاتصالات الحالية بحل مشاكلها وسوء تخطيطها فيما يخص خانات الأرقام وإضافة الصفر أو أي رقم آخر كالخمسة مثلاً من جيوب المشترك قبل بضعة أسابيع فقط من دخول المنافس الجديد ماذا يسمى؟

هل هذا هو الانصاف الذي أنشأت من أجله الهيئة والذي عين من أجله المحافظ؟!

هل هي هيئة اتصالات أم “تنصلات” من واجباتها نحو المواطن والمقيم، تلك الواجبات التي أرادت لها الدولة أن تكون لخدمة الانصاف الحقيقي؟!.

قدور التعليم

صدقوني، ما من شيء يدعونا لتصيد أخطاء وزارة التربية والتعليم لسببين:
الأول أن هدفنا، ولا نزكي أنفسنا، ليس تصيد الأخطاء فما من سبب شخصي يدعونا لذلك، بل لو تركنا للنفس هواها لربما امتنعت عن نقد هذه الوزارة لاعتبارات كثيرة لكن القلم يفترض أن يحرّك بفعل هوى المصلحة العامة لا هوى النفس!!

السبب الثاني الذي لا يدعونا لتصيد أخطاء هذه الوزارة هو أن أخطاءها تتكاثر علينا كتكاثر الضباء على خراش، فلا ندري ما نصيد من كثرتها، ويعلم الله أننا نتمنى أنها قليلة إلى حد تصيدها ليسعد هذا الوطن بإمكانات تعليمية حقيقية لأن هذا الجانب الحيوي “التعليم” هو مفتاح كل شيء إن خيراً فخير وإن شراً لا سمح الله فشر.

ولم أكن لأتطرق لبكاء الطفل الموهوب المتفوق في الصف الأول الابتدائي محمد المالكي ( 6سنوات) الذي فوجئ بأن جائزة تكريمه من ادارة التعليم بمنطقة مكة المكرمة المغلفة تغليفاً فاخراً لم تكن سوى أربعة صحون صيني وجائزة تكريمه في حفل مدرسته الخاصة الذي كان منفصلاً عن حفل الوزارة كانت هي الأخرى مغلفة بتغليف فاخر، لكنها كانت طقم فناجين قهوة مما جعل الطفل المحبط يبكي بكاءً شديداً يوم تكريمه كموهوب.

أقول لم أكن لأتطرق لهذا الموقف لأنني أرى أن مصيبة هذا الطفل وإن كانت كبيرة في نظره فإنها في نظري لا تقارن بمصيبة الطالب سعد بدر الدكان الذي دهس داخل فناء المدرسة أو الصغيرات اللاتي أجبرن على إعادة السنة الأولى الابتدائي أو الكبيرات المحبوسات تحت الشمس في فناء الثانوية 68بالرياض لمدة ساعتين بحثاً عن جوال أو الطلبة والطالبات في المدارس الحكومية ممن لا يجدون دورات مياه ولا مكيفات ولا فصولاً دراسية مناسبة ولا تقارن بمصيبة المعلمات اللاتي يمتن في طرق صحراوية ولا المعلمين الذين يحترقون في ميدان التعليم وزملاؤهم ينعمون بنفس البدلات في وظائف ادارية. فمن عرف مصيبة غيره مع هذه الوزارة هانت مصيبته وعلى الطفل محمد المالكي أن يدرك ذلك!!

لكن ما استهواني في هذا الموقف هو توافق سلوكياته مع التوجهات المعروفة لوزارة التربية فالهدية “النكتة” من ادارة التعليم كانت مغلفة تغليفاً فاخراً رغم ان محتواها أربعة صحون صيني وهكذا هي الوزارة في كل ما تقدمه لنا ولهذا الوطن، أغلفة مبهرجة براقة تمني الوطن والمواطن بمحتوى يرقى لمستوى التغليف ثم تتمخض عن لا شيء!!

وهذه العدوى السلوكية، والتي تكاد تصل حد انتقال جين وراثي من الوزارة لاداراتها، اعتبرها عدوى شديدة الخطورة لأن الوعود البراقة والمبالغ فيها والمخصصة للاستهلاك الإعلامي أو تخدير المسئول تعتبر سلوكاً خطيراً يؤدي إلى الإحباط واليأس بل والاشمئزاز فإذا تحول إلى تقليد عام في هذه الوزارة أو تلك فإن الخطورة أكبر.

في مثال جائزة الطالب محمد المالكي بدا واضحاً ان ادارة التعليم كانت تهدف للمردود الإعلامي لحفل التكريم وليس تشجيع وتقدير طالب موهوب فكان تغليف الهدية فاخراً ومحتواها “صحوناً” مما يدل على عدم بذل أدنى جهد حتى في التفكير فيما يناسب الطالب الطفل وما يفرحه فكانت الجائزة كديكورات أفلام هوليود شكلاً للتصوير فقط!! فليس مهماً ان يحصل الطالب على “صحون” أو قدور!!

المدرسة الخاصة هي الأخرى كانت هديتها تعكس نواياها وأهدافها فهي بهدية “الفناجين” لا تهدف للطالب أو الطفل بل تخاطب “نقاد الدراهم” الأب ولو كانت أمه هي المتكفلة بالدفع فربما كانت الهدية أصبع “روج” صيني الصنع.

هذه مشكلة المشاعر المصطنعة حتى لو بدت حسنة النوايا فإنها تتأثر بحقيقة النوايا، والضحية هم الشريحة المستهدفة!!

اسمعها يا وزير الأيتام

أحرص كثيراً على سماع برامج الدكتور عبدالله الفوزان في “بانوراما” لأن هذا المتخصص يثير مواضيع هامة جداً ولأنه مظلوم في الإعلام المحلي لم يستغل رغم تخصصه وقدراته بل ان بعض أفكاره سرقت وحولت إلى برامج تلفزيونية فاشلة لأنها أسندت إلى غير ذي تخصص والمثل الشعبي يقول “البشت هو البشت والشخص غير الشخص”.
الأهم من الحديث عن الدكتور الفوزان هو دعوة معالي وزير الشؤون الاجتماعية شخصياً لسماع تسجيل كامل عن حلقة برنامجه “من الأعماق” حول رعاية الأيتام ومجهولي الأبوين التي أذيعت عبر موجات “إف ام” في “بانوراما” وأعتقد جازماً أن وزارة الشؤون الاجتماعية لو كان لديها إدارة علاقات عامة تعنى بمتابعة ما يهم الوزير والوزارة بل ما يدخل ضمن مسؤولياته وذمته الوظيفية فإنها لابد أن تبحث عن شريط الحلقة وتتوسل للوزير أن يسمعه وإلا فإنها كغيرها من إدارات هذه الوزارة سوف تسهم في قهر اليتيم أعاذنا الله وإياكم من قهر اليتيم “فأما اليتيم فلا تقهر”.

معالي الوزير أعلم ما أنت عليه من خلق رفيع وعاطفة جياشة وإخلاص وبُعد عن الأضواء، خلاف غيرك، كما نحسبك والله حسيبك أنك ممن لا يخشى في الله لومة لائم ويراقب الله فيما يقع تحت مسؤولياته.

اسمعها يا معالي الوزير.. اسمع تلك الحلقة فستجد فيها ما يعينك، فإما أن تصلح شأن اليتامى ومجهولي الوالدين فتؤجر أو لا تستطيع فتعلم أن لهم ديناً عليك!!

لن أتحدث عن تفاصيل ما جاء في تلك الحلقة الإذاعية من نذر خطيرة توحي بظلم شريحة كبيرة لا ناصر لها إلا الله، ولو اضطررت إلى إيراد أهم ما جاء فيها بإيجاز فسيكون ذلك في حلقات من هذه الزاوية أرجو أن لا أضطر لها.

لكنني أكتفي بذكر ما يشجع كل مسؤول على البحث عما ذكر وسماعه بأذن صاغية ليدرك ان أمر إصلاح شأن اليتامى أهم من كل مصلحة دنيوية وأولى من الاهتمام بالكرسي فإما أن يقدر عليه أو أن يريح ذمته وضميره ويترك المسؤولية على غيره ولغيره.

ضيف الحلقة كان الأستاذ عبدالله العبيلي باحث ومستشار اجتماعي وقد تحدث عن ادارة دار رعاية الأيتام وأن القائم عليها إداري غير متخصص جاء من دار الأحداث وهم فئة تختلف تماماً عن الأيتام سلوكياً وطبيعة ونفسياً وأن هذا الإداري البحت يتدخل في شؤون مختصين نفسيين واجتماعيين وذلك أمر خطير!!

وأن الدار لا تتابع ولا تتحمل مسؤولية اليتيم بعد بلوغه 18سنة. ولا تقوم بدراسات اجتماعية ونفسية على معاناة الأيتام في المجتمع وأن ثمة موظفين سيئين جداً ويفتقدون للتخصص وأن نظم الدار لم تتغير منذ أن أُنشئت.

أما المتصل بالبرنامج الأستاذ خالد التميمي وهو حاضن ليتيم فقد ذكر ما يندى له الجبين حول تعامل بعض الأسر البديلة مع الفتيات اليتيمات أو مجهولات الوالدين من استغلال لضعفهن ولون بشرة بعضهن وذكر بكل تفصيل وصراحة أمثلة لسوء استغلال واستخدام بعضهن (أعتذر شخصياً عن إعادة ذكرها لأسباب أحتفظ بها لنفسي) وأكتفي بالإلحاح على كل مسؤول عن اليتامى والمواطنين عموماً أن يسمع تلك الحلقة والتي قبلها.

وزارة القرية

منذ أكثر من عشر سنوات حاولت جاهداً أن أنسق لندوة صحفية في هذه الجريدة “ندوة الثلاثاء” حول موضوع الإقليمية في التوظيف أو قل القرابية أو توظيف أبناء القرية الواحدة وتركزهم في دائرة حكومية معينة يكون وزيرها من تلك القرية وهي ممارسة اصبحت واضحة للعيان ووصلت إلى حد كونها ظاهرة، حيث أصبح من النادر أن تخلو مؤسسة حكومية من وجود تكتلات ذات قرابة بالمسئول إما من نفس قريته أو أقربائه أو منطقته، بل ان الأمر وصل حد قناعة من يبحث عن وظيفة انه يجب أن لا يتقدم لهذه الجهة أو تلك لأنه ليس مؤهلاً اجتماعياً أو إقليمياً ليصبح أحد موظفيها رغم تأهيله العلمي وتميزه وقدراته وكفاءته.
أقول منذ أكثر من عشر سنوات حاولت طرح هذا الموضوع في ندوة الثلاثاء إلا أنني لم أنجح في إقناع مسئول واحد بالتحدث عن هذا الموضوع بل ان أحد كبار مسئولي ديوان الخدمة المدنية (كما يسمى آنذاك) نصحني بعدم إثارة هذا الموضوع لحساسيته كما يعتقد وعند إلحاحي عليه ليكون جزءاً هاماً من هذه الندوة الصحفية قال لي: أنصحك بعدم طرحها وتريدني أن أشارك؟!!

اليوم لاشك اننا شهدنا تحولاً كبيراً في شكل مرونة كبيرة، بل انفتاح ايجابي في امكانية مناقشة قضايا عديدة لم تكن متاحة في السابق والتحاور حولها.. أي اننا نشهد اتساعاً كبيراً في هامش حرية الطرح الإعلامي، لذا فقد اتيحت لي فرصة الحديث عن هذا الموضوع تحديداً في القناة الأولى للتلفزيون “القناة الرسمية” بمنتهى الحرية والصراحة والمباشرة في الطرح وكنت قد تطرقت لموضوع توظيف أهل القرية أو المنطقة أو الأقارب كأحد أسباب التأثير على شعور المواطنة في برنامج مع الأحداث وأعتبر نفسي مديناً للزميل عبدالعزيز العيد تحديداً كمحاور لعدم مقاطعتي وللتلفزيون كوسيلة إعلامية ارتقت إلى مستوى الحدث لقبوله لما قلت وإن كان بتره في إعادة الحلقة لتكرار تغطية حدث هام اتبعته أغان وطنية.

في مثل هذا الموضوع لا يكفي ارتقاء مستوى الحوار واتساع هامش حرية الطرح والحديث عن المشكلة بمنتهى الصراحة وإنما نحن في حاجة إلى علاج هذه الظاهرة ومسحها تماماً عن طريق المتابعة الدقيقة المخلصة والمساءلة الدقيقة وسحب الثقة ممن يمارس التمييز الإقليمي أو المناطقي أو القروي أو القرابي أو الشللي، فالاعتراف بوجود المشكلة لا يعتبر علاجاً وإنما هوتشخيص أو تأكيد للتشخيص المتضح من الأعراض الواضحة لكن مرحلة العلاج تبدأ بمحاربة هذا السلوك الذي يؤدي إلى خسارتنا لكوادر وقدرات وكفاءات وطنية بسبب أهواء شخصية، هذه خسارة.

أما الخسارة الأخطر فهي توالد شعور بالعزلة والإحباط لدى شريحة واسعة ممن ليس له صاحب أو ابن قرية في مركز مرموق!!

كفالة وزير

في هذا الوقت نحن في أمس الحاجة أكثر من أي وقت مضى إلى تأمين مستقبل أكبر عدد ممكن من الشباب والشابات عن طريق توفيرمزيد من فرص العمل الحكومي إلى جانب فرض السعودة على القطاع الخاص.
فيما يخص القطاع الخاص أو الأهلي فإن الأمر يبدو مستعصياً لأن هذا القطاع يجيد التملص بالأعذار ونحن نمارس معه “الحنية” المفرطة لأنه نحن!! ولذا فإننا نكتفي بتحميل “الراغب” من هذا القطاع والمبادر من ملاكه أكثر مما يحتملون ونترك المتنكر ينعم بالحنية.

في القطاع الحكومي الأمل معقود على توفير الوظائف في الميزانيات بزيادة طفيفة لأن مقاعد الوظائف الحكومية لا تعرف لعبة الكراسي الموسيقية، أي لا تشهد حركة خروج مثلما تشهد من الدخول وهذا صعب جدا ولا يتناسب مع كل المعادلات والحسابات والظواهر الطبيعية لأن الطبيعي أن نزيد من عدد الوظائف الكبيرة التي تعادل الواحدة منها عشرين وظيفة صغيرة في نفس الميزانية.

تماماً بنفس مفهوم صاحب الطرفة الشعبية الذي زوجوه عجوزاً في الثمانين فخاطب من زوجه معاتباً ومطالباً أن “يصرف” أم ثمانين عاماً إلى أربع من فئة العشرين ربيعاً.

لكن هذا المفهوم لا يطبق على واقع هيكل الوظائف الحكومية أو الميزانية المخصصة لها، فنحن نعنى كثيرا بتأمين مزيد من الحياة الرغدة والعمر الوظيفي لأصحاب المراتب الوظيفية العليا من وزراء ومراتب ممتازة فتجد الواحد منهم إذا حدث وأنهى فترته الوزارية يتحول بنفس المرتبة العليا إلى مستشار أو عضو مجلس شورى وبالتالي يبقى رقماً كبيراً في ميزانية الرواتب والوظائف كان بالإمكان “صرفه” إلى أرقام صغيرة لعدد كبير من الوظائف المحدثة لشباب يشع حيوية ويعد بعطاء كبير.

إننا نعنى كثيرا بكفالة الوزير أكثر من كفالة اليتيم وأعني الشاب الذي لا وظيفة له ولا مصدر رزق، مع أن أصحاب المراتب الوزارية والعليا والممتازة أخذوا من (جماتها) بنصيب وافر وأمنوا بالفعل مستقبل الجيل الرابع من ورثتهم وآن الأوان أن نلتفت إلى أجيال لم يشم جدهم رائحة الوظيفة.

حماية لأعراض الفقراء

مقدما برنامج شباب في القناة الرياضية الزميلان عبدالرحمن الحسين وعلي الشهري أثارا شجوني بسؤال عن ضرورة فصل سكن العزاب عن العائلات في حلقة كنت خلالها ضيفاً للحديث عن مشاكل العزاب في مجتمعنا .
السؤال كان عن الإجراء الظاهر، الشائع خاصة في الأحياء الراقية أو أحياء النخبة حيث تطبق التعليمات والاحتياطات بعناية وحرص وإخلاص شأنها في ذلك شأن النـظافة وتوفير الخدمات ومن ضمن تلك التعليمات أو الاحترازات عدم السماح بسكن العزاب في أحياء العائلات.

أثار السؤال شجوني فتحدثت عن شيء معاكس تماماً، ليس (إستخفافاً ) بالسؤال (حاشا وكلا) وليس هروباً منه ولكن (استثقالاً) لواقع أليم شاهدته عياناً بياناً وأنا أحضر لتلك الحلقة بدراسة الوضع ليس في أحياء النخبة وحسب بل في أحياء “النقمة” ، الأحياء الفقيرة مثل الظهيرة، والعود ،والديرة، والشميسي القديم والجديد.

أعيد ما ذكرته في حلقة(شباب) لأن الحلقة بثت على الهواء متزامنة مع مباراة كرة قدم بين نخبة فرنسا ونخبة انجلترا فلعلها فاتت على بعض النخبة من المسئولين عن المأساة وهم كثر.

في تلك الأحياء شاهدت عكس ماكان عبدالرحمن وعلي يريدانني أن أتحدث عنه (فصل سكن العزاب عن العائلات).

لقد شاهدت منازلا وشققا لعائلات سعودية “مستورة” تتكون في الغالب من أم مطلقة أو معلقة أو أرملة ومجموعة من البنات في سن الشباب أو الزهور وأولاد صغار لم يصلوا حد القيام بدور المحرم أو القادر على حماية والدته وأخواته.

تلك المنازل والشقق تحيط بها بيوت يسكنها عمالة أجنبية من كل الجنسيات والغالب منها أسيوي وبأعداد كبيرة جداً في البيت الواحد، والأحياء عبارة عن “أزقة” ضيقة مظلمة شبه معزولة . أي انه جمع خطير بين عزاب من نوع خاص وعائلات مجبرة بحكم ظروفها المالية والاجتماعية على العيش في تلك الظروف !! فأين دعاة الفصل بين العزاب والمتزوجين هنا؟! أين من ترجف قلوبهم خوفاً وغيرة على النساء والبنات والأعراض والأخلاق ؟! أين الحرص على درء الشبهات واجتناب وقوع المحظور؟!

هو واحد من حلين لاثالث لهما لو كان حرصنا متساوياً في كل الأحوال وكل الأحياء أحياء النخبة وأحياء الفقراء .

إما إجبار كفيل هؤلاء العمال وهو بالتأكيد إما شركة أو مقاولاً أو فرداً متستراً ، إجباره على إسكانهم في مواقع خاصة بالعزاب وبالذات العمالة، وبذلك نبعد هذه الجموع الكبيرة من العمالة العازبة عن سكن العائلات الفقيرة المكلومة المضطرة. أو أن يتم وبسرعة (إعادة توطين ) ونقل سكن تلك العائلات السعودية بما يحقق أمنهم وكرامتهم ويمنع وقوع مالا تحمد عقباه وهو أمر لايقارن بأي تكلفة ولايمكن أن يقدر بثمن أو تحول بيننا وبينه عوائق مالية لأننا بهذا الإجراء ندفع درهم وقاية تلافياً لدفع قنطار علاج كما نفعل دائماً بتأخرنا في الاحتراز.

إحدى النساء المطلقات في الظهيرة تعاني كل صباح وهي تمسك بيد ابنتها المتفوقة في كلية علمية لتوصلها من داخل تلك الأزقة إلى الشارع العام حيث تقف حافلة النقل للكلية، تعاني من تحرش أعداد من العمالة بها وبابنتها وخاصة عندما تعود السيدة أدراجها بمفردها، الأمر الذي جعلها تضطر لإخفاء العصا داخل عباءتها وإظهارها عند الحاجة ” لتهش” بها ذئاباً بشرية!! .. فهل من جهة تحميها؟! انني أدعو إلى تكثيف تواجد رجال الحسبة الأشاوس، المخلصين ، في تلك الأحياء فالأمر خطير والمعاناة تبدو كبيرة جداً لشريحة من الناس ليس لهم من يطالب بحقوقهم لأنهم ليسوا من النخبة!!.

مواطن فوق المواطنة

مشكلة بعض المسؤولين، ومن تولوا مناصب عليا ومسؤوليات جساما، انهم يعتقدون أن المواطن لفظ يطلق على من هم دونهم في الوظائف والمسؤوليات، أي أن المواطن هو رجل الشارع أو الموظف الكادح، أما هم فإن لهم مسمى آخر هو “المسؤولون”.
وقد كان الإعلام للأسف يرسخ هذا المفهوم الخاطئ فيردد هذه التسميات التصنيفية كعناوين لبرامج مواجهة أو صفحات شكاوى المواطنين فيقول المواطن والمسؤول وجهاً لوجه أو ما يريده المواطن من المسؤول.. الخ.. تلك التسميات.

والواضح أن بعض المواطنين ممن تولوا مسؤوليات كبرى على مستوى وزاري أو وكالة وزارة أو حتى مجلس شورى اعتقدوا أنهم تم “ترفيعهم” أو “ترقيتهم” من مستوى مواطن إلى مستوى مسؤول وليس مواطن مسؤول.. وأصبحوا يرددون النصائح والتوجيهات والمتطلبات المطلوبة من المواطن وكأنهم ينتمون إلى فئة لا تعنيهم أسس متطلبات المواطنة ومسؤولياتها أو الحد الأدنى المطلوب من المواطن الصالح المخلص!!

والواقع أن المواطنين في المسؤوليات العليا لو مارسوا المواطنة المخلصة الصادقة، لقل كثيراً عدد المواطنين ممكن يمكن لهم أن يجرؤوا على القيام بممارسة مسيئة أو تنم عن عدم حب الوطن أو قلة الإخلاص له.

ذلك أن حب الوطن عدوى حميدة تنتقل من أعلى الهرم الوظيفي إلى أسفله، بل هو تقليد جميل وقدوة حسنة يقتدي فيها من هو دون بمن هو أعلى!!، ومن هو أفقر بمن هو أغنى!! ومن هو كادح بمن هو في رخاء من أمره!!

مشكلة بعض المسؤولين لدينا تكمن في سرعة التأثر بالتحولات الوظيفية التي في مجملها تشعرك بأنك أصبحت فوق المواطنة وفوق النظام وفوق كل الاعتبارات بما تحفل به من تميز ومميزات وإعفاءات واستثناءات كثيرة تجعل النفس البشرية وهي ضعيفة بطبيعتها تصدق أنها انتقلت من حالة المواطنة إلى صف الاستثناء حتى من المواطنة في مفهومها الصحيح، مفهوم التضحية والإخلاص والصدق مع النفس ومع الآخرين والعطاء.

ولأن المواطن المسؤول لدينا يعاني من هذا الانفصام فإنه يعتقد أن الالتزام والدوام وعدم المخالفة وأخلاقيات العمل والأمانة وعدم هدر المال العام وعدم التفريط في ثروات الوطن ومائه وكهربائه هي مسؤولية رجل الشارع “المواطن”.. أما هو فمسؤوليته تنحصر في استغلال التميز الجديد باعفاءاته واستثناءاته ونعمه التي يرى أنها دون مقابل.