التصنيف: بصوت القلم

التعليم أسد على الأطفال

عجباً، كأن وزارة التربية والتعليم فرغت للتو من تصحيح جميع الممارسات الخاطئة والتجاوزات الكبيرة في مجالات أهم، مثل تنفيذ المشروعات وتعيين معلمات قرب بيوتهن وأخريات في مناطق نائية دون مبرر نظامي أو فروقات أكاديمية وكأنها انتهت من مراجعة تراخيص المدارس الخاصة والتفتيش عليها لتستبعد المدارس المخالفة أو تصحح عيوبها ومخالفاتها وكأنها أنهت مشكلة الدروس الخصوصية وما يصاحبها من العادات السنوية لتسرب الأسئلة وكأنها ألغت جميع الفروقات بين مدارس حكومية نموذجية، مكيفة ومزودة بوسائل الإيضاح ووسائل الترفيه وفصولها واسعة ومريحة وأخرى حكومية ايضاً لكنها تفتقد لأبسط مقومات الجو المدرسي فلا تتكيف ولا وسائل إيضاح ولا ترفيه وفصول مزدحمة مكتومة وساحات تتربص فيها مقومات ضربة الشمس.
أقول عجباً كأن وزارة التربية والتعليم عالجت كل تلك الممارسات والتجاوزات ولم يبق عليها إلا أن تصحح وبأثر رجعي التجاوز في مجال قبول بعض الصغيرات قبل إكمالهن السنة النظامية بعدة أيام أو حتى شهور.

حيل هذه الوزارة المهمة الأساسية ضعف أمام كل التجاوزات واشتد على صغيرات لا حول لهن ولا قوة فيما حدث، ليأتي القرار قاسياً بعيداً كل البعد عن مراعاة مشاعر صغيرة في أول مرحلة دراسية يفترض ان تكون تربوية.

قرار الوزارة يقضي بأن الطالبة التي لم تكمل السن النظامية عند تسجيلها تبقى في صفها الدراسي وتعد هذا العام في مرحلة تمهيدية أي أنها العام القادم ستعيد ما درسته وتعيد الصف الأول الابتدائي بينما يصعد زميلاتها إلى الصف الثاني.

هل فكرت وزارة التربية والتعليم في الآثار النفسية على طفلة في مثل هذا العمر؟!، هل حسبت حساباً كافياً لموقف الأم في السنة الدراسية القادمة عندما تسألها ابنتها الصغيرة: لماذا لم أنقل مع زميلاتي للصف الثاني؟! وما عسى الأم أن تجيب هل تقول لأنك لم تكملي السن النظامية؟!! وإذاً فعلت ألا نتوقع من أسئلة الطفولة البريئة المحرجة أن تخرج في صيغة “إذا لماذا قبلوني أصلاً ودرسوني وكلفوني بواجبات منزلية واستيقاظ مبكر لعام كامل؟!

هل تقول الأم إنهم قبلوك بواسطة ثم جاءت الرقابة متأخرة لتعاقبك بأثر رجعي وتترك من تسبب؟!

هل وضعت الوزارة الآثار النفسية والتربوية في كفة وحجتها بما سيواجه الطالبة من عقبات في المستقبل في الكفة الاخرى ووجدت أن العقبات تستحق التضحية بالعواطف والآثار النفسية؟! أعتقد أن الفرق بين السنة الأولى والثانية لا يصل إلى حد العقبات بدليل أن نسبة كبيرة ممن قبلوا قبل السن النظامية واصلوا طرقهم بتفوق وبدون عقبات.

من المؤسف أن يأتي القرار بعد أن ادخل اسم التربية للوزارة لأنه يناقض مفهوم التربية!!

ثم إن الطالبة الضحية كان قبولها من من خلال القنوات الرسمية وعن طريق (استثناء) كغيره من الاستثناءات اليومية في مجالات أكثر خطورة وحساسية، فلماذا تدفع تلك الصغيرة ثمن خطأ لم ترتكبه ولماذا تكون هي كبش الفداء لتأخر الوزارة في تطبيق التصحيح حيث جاء القرار متأخراً في نهاية الحصاد، وما دامت الوزارة أدركت مثل هذه المشكلة فلماذا لم تتخذ القرار مع بداية العام الدراسي الحالي أو أن تؤجله لبداية العام الجديد؟! وما سر إصرار الوزارة على تطبيقه بأثر رجعي؟! وما أسباب صدوره المتأخر؟!.

إن من المفارقات العجيبة أن وزارة التربية والتعليم نفسها راعت “نفسيات” تجار الأقمشة وأجلت قرارها بتغيير لون الزي المدرسي لعام كامل حتى يتمكن “التجار” من تصريف بضائعهم ومخزوناتهم من “ستوكات” اللون الذي سيتغير!!

وهنا فإن الوزارة “حنونة جدا” على من يدعون أنهم سيخسرون مادياً أما من سيخسرون نفسياً، لا محالة، من الشرائح المستهدفة بخدمة وزارة التربية والتعليم وهم بطبيعة الحال الطلاب والطالبات فإن الوزارة بدت “قاسية جداً” وكأنها تريد لأعراض الإحباط والكبت أن تبدأ مبكرة جداً!!

أياً كانت مستجدات هذا القرار فإن ما حدث من إرباك وقسوة على صغيرات لا ذنب لهن يوحي مبكراً أن وزرة التربية والتعليم ربما لا يكون لها من اسمها نصيب!! وأنها لابد أن تخضع لتغيير فعلي يتمثل في ضخ عدد كبير من التربويين الناجحين والمدركين لأهمية نفسيات الطلاب والمعلمين وليس مجرد مراعاة نفسية القطاع الخاص.

جلاجل صحية ثم ماذا؟!

اختيار مدينة جلاجل ومدينة الدرعية مدناً صحية لم يأت من فراغ أو من مجاملة بل جاء ليرسخ دلالة واضحة على وعي سكاني بالدرجة الأولى وعمل مخلص للمؤسسات الحكومية ممثلة في إدارة المركز والبلدية ولجنة التطوير المكونة من أهالي المدينة وفروع المؤسسات الحكومية الأخرى.
ما أقوله عن جلاجل ينطبق تماماً على الدرعية من حيث العمل الدؤوب الذي أدى إلى ترشيح هاتين المدينتين لهذا الوسام المشرف.

ولكن ماذا بعدما أثبت الأهالي والعاملون في المؤسسات الحكومية وإدارة المركز جديتهم وهمتهم في خلق بيئة صحية ومدينة صحية بكل ما تحمله عناصر وحيثيات الاختيار وأسس التقييم من شمولية ودقة وتعقيد تجاوزته تلك الجهود بنجاح.

عندما أتحدث عن جلاجل فأنا أعني الدرعية وقبلهما البكيرية وما يربطني بجلاجل ليس مسقط الرأس أو الانتماء إلى مدينتي الحبيبة وحسب ولكن معرفتي من واقع تجربة ومعاناة وحضور عن قرب أن هذه المدينة لم تحصل بعد على ما تستحقه من دعم ولعل هذا الشرف الذي نالته بجهود أبنائها ورجالاتها ورئيس مركز جلاجل وموظفي البلدية فيها بدءاً بالرئيس وانتهاءً بأصغر موظف فيها يشفع لها الآن لتنال التشجيع الذي تستحقه والذي تعودت عليه كافة مدننا ولكن بدرجات متفاوتة حسب متابعة ومثابرة “الواصلين” من أبنائها.

صحيح أن جلاجل عُرفت إعلامياً أكثر ما عرفت بسبب حادث أليم تمثل في سقوط مدرسة البنات منذ عشرات السنين، لكنها عرفت قبل ذلك وبعده بإنجابها لكفاءات بشرية عديدة في سائر فروع المعرفة وهذه الكفاءات وإن لم تتقلد مناصب إدارية عالية تشفع للمدينة بمزيد من الاهتمام إلا أنها تقلدت تميزاً في مجالات تخصصها يعتبره الناس هو الوسام الحقيقي فهذه المدينة أنجبت أساتذة جامعات في مجالات الفيزياء والكيمياء والرياضيات وأمهر الأطباء الجراحين وأعلى المهندسين فناً وإبداعاً وعدداً من صقور الطيران الجوي الحربي المخلصين لدينهم ومليكهم ووطنهم وكماً كبيراً من الأدباء والمبدعين ومثل هذه المدينة المنتجة لهذه التشكيلة من أرباب الإبداع في مجالات علمية وتطبيقية وعسكرية نادرة ومطلوبة جديرة بأن تقدر وكأنها أنجبت وزيراً أو مسؤولاً محنكاً.

مازحت أحدهم ذات يوم ونحن نخرج فجراً مزهوين بنجاح إنجاز وطني صفق له الجميع في أنحاء العالم وهو نجاح فصل التوأم السيامي الماليزي الذي أسهم مع غيره من نجاحات وطننا الحبيب في رفع اسم المملكة عالياً في المحافل الطبية العالمية وأرغم حتى القنوات الفضائية العالمية الكبرى على أن تفرد ساعات طوالاً لمتابعة هذا الإنجاز، مازحته وكنا كل منا يتباهى بمدينته رغم قرب المسافات، قلت له أكثر من جراح أساسي ماهر إضافة لرائد هذا الإنجاز هم من جلاجل هذا مع أن أكثر من 18زهرة توفين في حادث المدرسة كل منهن كان من الممكن أن تكون أماً وتنجب عدداً من المبدعين، أجاب: في هذه معك كل الحق.

لم يكن ولن يكون حديثنا ذلك ضرباً من ضروب الإقليمية فذلك الصديق سهر أكثر من 18ساعة متواصلة ليقبل رأس د. عبدالله الربيعة ود. سعود الجدعان وهما يخرجان من غرفة العمليات وذرف دمعة وطنية حارة وهو يفرح بالنجاح لكنه مزاح كنا نقطع به ساعات طوالاً نفترش “ثيل” حديقة المستشفى تارة وسجاد المسجد تارة أخرى.

أعود لأقول إن معظم مشاريع مدينة جلاجل الحالية هي بتبرعات مشكورة من رجالاتها كالمركز الصحي الجديد ومبنى الإسعاف والجامع وبعض المشاريع الخدمية الأخرى لكن جلاجل تستحق أكثر مما تم وكل سكانها الذين اشتهروا بالعمل بصمت يأملون أن تحظى بمزيد من الخدمات التي تريحهم من خطر وعناء التنقل وأراهم بناء على ما ذكر وليس بناء على حبي لجلاجل أهلاً لأن تتحقق أحلامهم في شكل باقة من مشاريع الخير والنماء تقدم كهدية بمناسبة “جلاجل المدينة الصحية”.

شكراً للوزير

سعدت كثيراً بالتجاوب السريع والاهتمام البالغ الذي أولاه صاحب المعالي وزير الصحة الدكتور حمد المانع بالموضوع الذي طرحته في هذه الزاوية حول إهمال أحد المستوصفات الأهلية لحالة حرجة لإحدى المواطنات المصابة في حادث سير والتعامل السيىء لطبيب المستوصف وتأخيره لنقل الحالة إلى أحد المستشفيات رغم خطورة وضعها الصحية واصابتها بكسور في الأضلاع والحوض.
ففي اتصال هاتفي في نفس يوم النشر أبدى معاليه امتعاضه مما حدث ووعد بتصحيح هذا الوضع الخاطئ مؤكداً أن صحة وسلامة وتقدير حياة المواطن والمقيم هي شغله الشاغل وهو أمر غير مستغرب من معالي الوزير د. المانع فقد عرف عنه قبل وبعد توليه هذه المسؤولية الجسيمة وقوفه مباشرة على أوجه القصور في المستشفيات والمستوصفات الحكومية والخاصة وعلاج أوضاعها بالقرار السريع الفعال والأمثلة على مواقف د. حمد المانع الإنسانية يصعب حصرها في هذه المساحة أو أضعافها المضاعفة.

في الوقت ذاته أسفت كثيراً لما ورد في تعقيب مالك ذلك المستوصف من موقفه الدفاعي المغلوط عن التصرف غير اللائق لذلك الطبيب في وقت كنا نتمنى أن يعتذر المستوصف عن سلوكيات أحد أطبائه وأن يعتبرها خارجة عن سياسات وأهداف مستوصفه التي يفترض أن تكون إنسانية قبل كل شيء أو على أقل تقدير أن تعطي الجانب الإنساني نفس الاهتمام بالمكاسب المادية.

التعقيب تجنب لب الموضوع وهو رفض نقل المصابة وتعسف الطبيب وإهانته لابنها ومن أسعفها ورجال الأمن وراح يسرد خدمات روتينية بطريقة مبالغ فيها وكأنه يستجدي تعويضاً لما ركبه من أنابيب وأقنعة أكسجين وأورد معلومات مغلوطة عن مدة التأخير وطريقة نقل المريضة التي تدخل العامة في تصحيحها وكأنه يرى أن حياة مصابة من أبناء هذا الوطن لا تساوي ما صرفه من أنابيب!!.

ذكرت في هذه الزاوية تكراراً ومراراً أن مشكلة بعض المستوصفات والصيدليات الأهلية تكمن في جشع المالك الذي لا يفرق بين ملكية منشأة إنسانية طبية وملكية “قلابي” أو “وايت” حتى ان بعض العاملين من أطباء وصيادلة يستقيلون حفاظاً على أخلاقيات المهنة التي لا تتناسب مع جشع المالك ونظرته المادية البحتة!! فالمكاسب تسيطر على فكر بعض الملاك إلى درجة أن كاتب التعقيب يتوهم أن هدفي من كتابة الشكوى البحث عن “مكاسب أخرى” أي مكسب يهدف إليه كاتب من نشر معاناة ابن يرى والدته تحتضر بسبب طبيب أهوج، سوى مكسب الأجر من الله، هذا المكسب الذي لو وضعه كل مالك نصب عينيه ما وقع مثل ما وقع!!

فاكس الموافقة من مستشفى حكومي التي يتحايل بها المستوصف لا يمت للحالة الاسعافية بصلة والمقصود منه الحالة المنومة المستقرة التي تبحث عن سرير شاغر، وهذه المستشفيات والمستوصفات الخاصة التي أنشئت بدعم وإعانة الدولة يستكثر ملاكها أن يقدموا الخدمات الإسعافية ضريبة لما حصلوا عليه من دعم في تنكر واضح لجهود الدولة وواجبهم نحو مواطنيها والمقيم على أرضها ولو سايرنا رغبات بعضهم فإن طموحاتهم قد تصل إلى طلب تأثيثها بأجهزة المستشفيات الحكومية!!

على هذه المستوصفات أن تدرك انها دعمت لا لتقدم خدمات التدليك والتجميل ونواعم موظفات الاستقبال ولكن لتسهم في رعاية صحية بحجم طموح ودعم الدولة.

المصابة حجزت أكثر من ساعة وربع خلاف ما تحايل به التعقيب وكان من الممكن أن تموت من جراء هذا التأخير والطبيب حلف أن لا تنقل دون فاكس من أحد المستشفيات ولعله لم يحنث في حلفه والمرافقون والشهود أهينوا وكلهم متحمس ومستعد للشهادة بما واجهوا من معاناة وكل ذلك لا يراه المالك مستحقاً للإشارة أو رآه واقعاً يصعب إنكاره!!

وبكل تحد يتشبث الرد بقرابتي من المواطن الذي أسعفها وتابع حالتها ويتهمه بمخالفة الأنظمة وكأنه يريده أن يتركها تموت كما مات الطفل المدهوس في الخالدية على مرأى ومقربة من مستوصف يشبه صاحبنا في اعتبار العمل الإنساني النبيل ضرباً من ضروب المستحيل “هكذا يرون الناس بعيون طبعهم” يرون المصاب بعين الريال!! ومحتاج المساج بعين الرأفة والشفقة.

قريبي هذا أستاذي في جامعة الإمام، أفخر به إنساناً شهماً يربي أجيالاً وأنقذ نفساً بفضل الله، من أحياها فكأنما أحيا الناس جميعاً وكدتم أن تقتلوها ومن قتلها فكأنما قتل الناس جميعاً.. والمسعف الآخر رجل فاضل شهم وبقية الشهود رجال أمن تربوا على بذل أنفسهم من أجل حياة الآخرين.

أعتذر من القراء الأعزاء فليس من عادتي أن أرد على مثل هذه التعقيبات لكن طيات التعقيب فيها ما قد يضلل الناس ويشككهم في حقوقهم على المستشفيات والمستوصفات الأهلية خاصة في مجال الإسعاف ومن و اجبي أن أوضحها حتى لو اضطررت للهبوط إلى مستوى لا أرغب النزول إليه.

المسؤول الميداني

لا أدري ما هو سر شغف المسؤولين لدينا بالجولات الميدانية مع أنها ونسبة للنتائج تعتبر مضيعة للوقت، وإذا نسبت للبقاء في المكان المهيأ للتفكير والتخطيط وإنهاء الإجراءات وإجراء الاجتماعات ومتابعة النتائج عن طريق التقارير سواء الملقاة شفهياً في الاجتماع أو المكتوبة على ورق فإن ساعة بقاء في المكتب تعادل يوم زيارة ميدانية حتى ولو زينت بلقب “تفتيشية”.
قد يكون السر في الضوء الإعلامي أو البهرجة الصحفية ولعل هذا هو مربط الفرس فالجولة الميدانية تتمخض عن ولادة خبر في جميع الصحف حتى وإن كانت جولة شكلية لا تقدم ولا تؤخر، أما البقاء خلف كواليس المكتب وطاولة الاجتماعات فإنه إنتاج فعلي له نتائج إيجابية على المدى الطويل لكنه لا يحظى بالضوء المطلوب “الضوء الطموح يزيد عن أضواء المكتب وقاعة الاجتماعات بآلاف الشمعات وهذا لا تحققه غير فلاشات المصور الصحفي”. والإنسان بطبيعته خلق عجولاً يستعجل النشوة برؤية نتائج عمله وقد تحدث عنها الناس حتى ولو كانت مجرد زيارة أو جولة أجزم أن المسؤول الذي قام بها سواء كان وزيراً أو وكيلاً أو مديراً عاماً لا يخرج منها بغير صدى عبارات “طال عمرك” التي تصله من جميع الاتجاهات.

إنهم أثناء الجولات لا يرون غير الجانب الحسن من الجهة المستهدفة ولا يسمعون غير الإيجابيات إن وجدت وهم يعلمون ذلك سلفاً بدليل أن المسؤول يصر على اصطحاب عدد من مراسلي الصحف معه أثناء الزيارة وهو ما لا يمكن أن يحدث لو علم المسؤول أنه سيرى الصورة الحقيقية أو السلبية!!.

ثم أين عنصر المفاجأة فيما يدعى تجاوزاً بالزيارات المفاجئة وهي لا محالة محددة ضمن جدول معاليه في مكتبه وفي الحاسب الآلي ومعلومة لدى عدد من موظفيه وصحبه الكرام بل ومدير العلاقات العامة الذي يفترض منه دعوة زملائه الإعلاميين (بالغ أحد الصحفيين في الاستجابة لطلب مسؤول العلاقات بتغطية زيارة أحد الوزراء فكتب: الوزير الفلاني يقوم بزيارة تفقدية “مفاجئة” غداً!!).

إن وقت ودور الوزير أو وكيل الوزارة أو المدير العام أثمن وأكبر من أن يجند لزيارات ميدانية وهي قد تعكس عدم الثقة في جهازه الرقابي، إن وجد، وأرجو أن لا يقال إن الزيارة تهدف للتأكد من فاعلية الجهاز الرقابي لأن هذه الفاعلية محكها الحقيقي استمرار القصور أو سرعة كشفه ووقفه.

والمسؤول الجاد هو من ينشىء جهازاً رقابياً ويمنحه الصلاحية ويوظف به الثقات ويحملهم المسؤولية ويطالبهم بتقارير دورية ويؤيدها بدعمه وتشجيعه ويترك لهم أمر الزيارات المفاجئة.

أما الزيارات الميدانية فقد تزيد من درجة اطمئنان المقصر لأن الفرع أو الإدارة التي تمت زيارتها تتخدر وتنام تماماً لفترة وزارية كاملة لأنها تعلم أن الوزير لا يزور مكاناً مرتين هذا إضافة لما ذكرناه من أن الزائر لا يسمع ولا يرى إلا ما يسعده فقط.

أسرار حريق مكة

قلوب أخرى يعتصرها الحزن في زاوية أخرى من مجتمعنا يبدو أن الإعلام انشغل عنها فانشغل عنها المسؤول عن حزنها وتركت تطعنها علامات الاستفهام من كل جانب.
إنهم أسر ضحايا حريق أحد الفنادق في مكة المكرمة والذي ذهب ضحيته عدد غير قليل من الأرواح منهم عدد من طلاب معهد العاصمة بالرياض كانوا في رحلة مدرسية لأداء العمرة.

انشغلنا عنهم بضحايا الغدر والارهاب ومن حقهم الآن أن نلتفت اليهم ونفتح ملف حزنهم، فأبناؤهم هم أيضاً من ضحايا غدر الضمير، صحيح أن غدرهم جاء عن طريق تخزين مجموعة مراتب اسفنجية لينة في مكان غير مناسب واحتراقها لكن النتيجة كانت قاسية جداً.

هم لا يريدون غير الحقيقة، لا يريدون غير معرفة المتسبب في ذلك القصور الذي أدى الى فقدهم ثمرة قلوبهم رغم ما بذله الضحايا من جهد لمحاولة الخروج. يريدون معرفة كل مواطن القصور واعلانها وكشفها بشفافية مطلقة ثم اجتثاث أسبابها ومعاقبة كل مقصر. هذا لأنهم يريدون معالجة مشاكل الاهمال المتعمد من أجل أهداف مالية بمقابل مادي وتعريض الأرواح للخطر مقابل خفض مصاريف المستثمر وتحقيقه لأعلى الأرباح متناسياً أن الخسارة الحقيقية هي خسارة الأرواح، وأن أعنف طرق الموت أن تموت ببطء لأن غيرك لم يتحرك بسرعة!! ان تشرف على الموت وأنت تعلم أن قاتلك هو اهمال من أمنته على حياتك ومن دفعت له النقود مقابل كل خدمة يقدمها لك ثم نما نقودك مقابل خداعك بتقليص الخدمات واهمال الاحتياطات وعدم توفير سبل رخيصة للنجاة، ثم ان الرقيب عليه الذي يتقاضى أجراً على عمله تغاضى عن الرقابة او أغمض عينه عن الخطأ.

نعم، يكفي لتأكيد تضحية صاحب الفندق بالأرواح مقابل التقتير وتوفير الصرف أن أجهزة الانذار لم تعمل رغم الدخان الكثيف، دخان أخمد الأنفاس ولم ينعش جهاز انذار الحريق، مما جعل أولئك الشهداء يجوبون أروقة الفندق لانذار السكان (!!) (انه الفرق بين من يضحي بأنفس بريئة لتوفير قيمة جهاز ومن يضحي بنفسه لتعويض غياب الجهاز).

ويكفي لتأكيد الاهمال أن طفاية الحريق لم تكن تعمل حسب ما أكده الأحياء من ضحايا الحادث وأن مخارج الطوارئ كانت عبارة عن أبواب ألمنيوم مقفلة وبدون مقبض لفتح الباب وبدون أي وسيلة عادية لفتحها عند الطوارئ، ناهيك عن الطرق الآلية التي يفترض أن تفتحها مباشرة عند حدوث الطارئ.

إننا أمام حادثة في فندق لم يذهب ضحاياها لأن النار كانت أكبر من أن يسيطر عليها فالفندق لم يحترق بالكامل، ولم تلعب الظواهر الطبيعية دورا في الحريق ونقصد الرياح الشديدة او الصواعق، لقد راح الأبرياء نتيجة دخان اسفنج، تعطل أجهزة الانذار، مخارج طوارئ صورية مغلقة غير قابلة للفتح وطرقات ضيقة جداً وطفايات حريق فارغة.

بعد جشع المالك يأتي السؤال لاهمال الدفاع المدني فإن كان لا يعلم عن جوانب القصور في الاحتياطات فتلك مصيبة وان كان يعلم فالمصيبة أعظم وأخطر وأجدر بتدخل جهاز آخر للمساءلة.

يقول الدفاع المدني انه يجري جولات تفتيشية ويطالب بتجارب وهمية او هكذا نقرأ!! فهل هذه الجهود تقتصر على فنادق الخمسة نجوم؟! أين سكن الضعوف من التأكد والاحتياط والمتابعة. أين فنادق الدرجة الثانية والثالثة من الحرص إن وجد.

إن الأرواح هي الأرواح والخسارة هي الخسارة ودرجة الحرص يجب أن تكون واحدة. وما حدث من تقصير في ذلك الفندق لا ينم عن انه كان مراقباً او سبق تفتيشه إلا إذا كان الرقيب أعمى او بالغ في اغماض عينيه.

مستوصف الاستفزاز الطبي

سبق أن كتبت عن إمهال الوزراء الجدد فترة ثلاثة أشهر دون توجيه النقد لهم لأنها فترة الاطلاع على أحوال الوزارة، وأرى أن من الضروري ان نسهم في إطلاعهم على بعض الأحوال.
أسوق إلى معالي الدكتور حمد المانع شكوى للمواطن صالح بن محمد الحواس، مما نعانيه جميعاً من استبداد المستوصفات والمستشفيات الأهلية خاصة في مباشرة الحالات الإسعافية معتمدين في ذلك على تصريحات سابقة لمعالي وزير الصحة السابق تقضي بتحديد استقبال الحالات الإسعافية بالحالات الحرجة جداً “وليس ثمة تحديد للحرجة” وكنت اعترضت على ذلك التصريح الصحفي المعلق في غرف الإسعاف عدة مرات دون استجابة ولا زال الوضع الخطير قائماً وإليكم قصة أخطر بكثير يرويها ذلك الذي ذهب ضحية هو ووالدته والناس والدورية لممارسة حرق أعصاب وإهانة من قبل طبيب “المستوصف الطبي الحديث” في حي الربوة، يقول المواطن:

في صباح يوم السبت الموافق 1424/3/23هـ كنت أقود سيارتي وبمعيتي والدتي في داخل احدى الحارات بالقرب من شارع الأمير متعب بن عبدالعزيز في الربوة وحدث التصادم المروري في أحد التقاطعات في الساعة الحادية عشرة إلا ربعاً مع سيارة جيب وقد تم اسعاف والدتي من قبل اثنين من المواطنين وكانت حالتها حرجة للغاية والذي تبين بعد ذلك انها مصابة في رأسها وانتفاخ في شق وجهها الأيمن وفك حنكها السفلي وثمانية كسور في أضلاعها اليمنى وكسر في حوضها كما هو مبين في التقرير ولأن الحادث وقع بالقرب من المستوصف تم نقلها إلى ذلك المستوصف، وكان استقبالهم سيئاً وبمنتهى البرود وحاول أحد منسوبي المستوصف وضعها في كرسي متحرك لكن أحد المسعفين رفض هذه الطريقة البدائية خوفاً من تفاقم اصابة والدتي وامتداد أثر الاصابة إلى العمود الفقري وأصر جزاه الله خيراً بضرورة أن تحمل على نقالة كما هو متبع في مثل الحالات الحرجة. وكنا ننتظر من الطبيب المناوب ان يتفاعل مع حالة والدتي لكنه حينما كشف عليها سأله أحد المسعفين عن حالتها فأجاب ببرود شديد “حالتها غير مستقرة” ثم تركها مع ممرضتين، وبدل أن ينهي معاناة والدتي ويؤدي رسالته الطبية المؤتمن عليها تجاه المرضى ذوي الحاجات الحرجة غير المستقرة رأيناه يشرع في استقبال حالة أخرى عادية جداً، على الرغم أنني كنت أعاني من ألم شديد في رأسي حتى أنه لم يكلّف نفسه أو يأمر غيره بالكشف عليّ، ألا يخشى هذا الطبيب أنني أعاني من نزيف داخلي من جرّاء الحادث وربما تطور الأمر إلى أبعد من ذلك. لماذا لم يكشف عليّ؟ بل تركنا أنا ووالدتي كل في غرفة نعاني الأوجاع والآلام وسط اندهاش واضح من الجميع لهذا التصرف غير المسئول فضلاً عن نفسيتي وأنا أشاهد والدتي أغلى وأعز إنسان عليّ في هذا الوجود وهي في حالة لا يعلمها إلا الله وكل المؤشرات تؤكد أنها إن تركت بهذا الشكل ستقضي نحبها ثم بدا على والدتي خفوت صوتها مع أنها في الأصل كانت لا تشعر بمن حولها في إغماءة متواصلة، فما كان من الحاضرين إلا أن دخلوا على الطبيب وأخبروه بأن حالتها تسوء تدريجياً وأن سيارة الاسعاف الخاصة بالمستوصف قد وصلت، وعلى الرغم من وصول السيارة متأخراً بعد مرور 25دقيقة تقريباً إلا أنها مع الأسف لم تكن مجهزة بالمعدات الطبية اللازمة، وظننا أن مجيء سيارة الإسعاف كفيل بنقل والدتي لكن الجميع فوجىء بتعنت المذكور وغطرسته واحتقاره للحاضرين وصار يزمجر ويرعد دون احترام لأحد ويعلنها صراحة بعدم نقل والدتي عبر سيارة الاسعاف وأن نظام وزارة الصحة يقضي بمراسلة أي مستشفى ولابد من أخذ الموافقة بالنقل عن طريق الفاكس وأن الوزارة هي المسئولة بهذا الشأن وبدون ذلك فانه لا يتحمل المسئولية، وحاولنا ثنيه عن قراره التعسفي لكنه أصر على موقفه، وحينما طلب منه رجل الدورية ضرورة نقلها خوفاً على حياة والدتي تشدد المذكور في موقفه طالباً من رجل الدورية إثبات هويته وكأن المسألة تحدّ بينه وبين الحاضرين بمن فيهم رجال الأمن وقد حمّله الحاضرون جميعاً مسئولية ما يجري وانه بهذا التصرف يكون سبباً مباشراً في وفاة والدتي لكن ذلك لم يزده إلا غطرسة وتكبراً، وفي نهاية المطاف وبعد توسلات وإلحاح من الجميع وافق على نقلها، ولا أدري هل وافق من تلقاء نفسه نتيجة الضغط المتزايد من الحاضرين؟ أم أنه تلقى رداً عن طريق الفاكس بقبول نقل والدتي.

ومع الأسف لم يكن طاقم المستوصف مهيئين لحملها فشاركهم الحاضرون في نقلها، ومما زاد الطين بلة أن السيارة لم تكن مهيئة وظهر الارتباك على الطبيب والممرضات حتى أن أحد المواطنين شارك في فك أنبوبة الاوكسجين الموجودة في المستوصف للاستفادة منها أثناء نقل والدتي إلى مستشفى الشميسي، وظلت والدتي فترة وهي في سيارة الاسعاف في هذا الحر الشديد، دون وجود أي طاقم اسعافي يذكر، وكانت عقارب الساعة تشير إلى الثانية عشرة ظهراً وعشر دقائق، ووصلت بحمد الله إلى المستشفى وهناك تم تشخيص حالتها ولازالت ترقد في الشميسي.

وللمعلومية فعناوين المواطنين المسعفين ورجل الدورية وصاحب الجيب رجل المرور “الطرف الثاني في الحادث” جميعهم مستعدون للشهادة بما ذكر.

انتهى ما ورد في رسالة المواطن. بالنسبة لي سيكون شرح أبعاد هذه السلوكيات لاحقاً لإنارة معالي الوزير ولو “بسراجي” المتواضع وأكتفي اليوم بالإيضاح للمواطنين والمالك الذين قد ينخدعون بما ذكره ذلك الطبيب الأهوج عن ضرورة ارسال فاكس كمتطلب من وزارة الصحة بأنه وبسبب جهله المدقع “وهذه مشكلة أخرى أخطر من ضعف المؤهلات وضعف النفس” أقول أنه بجهله خلط بين مخاطبة المستشفيات لنقل حالة مرضية مستقرة تبحث عن سرير شاغر في مستشفى وبين نقل حالة اسعافية عاجلة لا يستطيع المستوصف مباشرتها وفي وضع والدة المواطن فإن الحالة اسعافية صرفة، حرجة شديدة الخطورة تستدعي استخدام سيارة الإسعاف التابعة للمستوصف لنقلها فوراً.

جمعية “الإحتجاج” الأحمر

أشرت ومراراً الى حمى حرص بعض المسؤولين على نشر ما تنجزه إدارته من عمل روتيني عادي في الصحف وكأنه إنجاز خارق للعادة حتى تحولت الصفحات الخاصة بالأخبار المحلية إلى مقتطفات من التقارير السنوية.
وهذه الظاهرة أشتهر بها عدد من المسؤولين، إما لانسحاب الأضواء أو للنهم الشديد للأضواء الذي لا يصل حد الشبع منها مطلقاً.

وأنا أحذر من هذا السلوك توقعت أن يصل إلى حد مقزز يستفز مشاعر العقلاء ويستغفل القارىء بطريقة فجة لأن أي شخص لديه ذهنية أقل من العادية يدرك أن ما كتب على شكل خبر هو صميم عمل المؤسسة أو الإدارة ليس فيه جديد يعطيه صبغة الخبر وأن نشره مجرد أحد أعراض مرض التشبث بالكرسي أو إفلاس الإنجازات الحقيقية.

لكنني لم أتوقع مطلقاً أن يصل الأمر إلى حد المهزلة والتبجح الذي يجسد احتجاج مدير عام التدريب والتطوير والإسعاف والمشرف على الخدمات الإسعافية بجمعية الهلال الأحمر السعودي الأخ موفق عطا البيوك المنشور يوم الجمعة 1424/3/22هـ عندما نشر “توضيحا” يحتج من خلاله على مدير الدفاع المدني بمنطقة الرياض اللواء مسفر الجعيد لأن الأخير في تصريحه حول حريق فندق رمادا الشرق بالبطحاء لم يذكر أن جمعية الهلال الأحمر السعودي ساهمت بنقل أربعة مصابين إلى المستشفى وعلاج ستة في مكان الحادث. ويستغرب البيوك عدم الإشارة في تصريح الدفاع المدني لتلك المعلومات!!.

لست هنا للدفاع عن الدفاع المدني، بل سيكون لي وقفة طويلة معه خاصة في موضوع حريق أجياد بمكة، لكن إحتجاج وإستغراب البيوك يدعو للشفقة على حال جمعية الإنقاذ التي تحتاج إلى منقذ، فمدير الدفاع المدني ذكر في الخبر المنشور يوم الخميس 1424/3/21هـ في هذه الجريدة بالحرف الواحد “وتم نقل عدد أربعة أشخاص منهم إلى مستشفى الإيمان” فهل لابد أن يذكر أن من نقلهم هي سيارة الإسعاف؟! وأن يذكر لنا لونها ورقمها وأنها تحمل رسمة هلال أحمر على إجنابها وتسير على كفرات؟!!.

أجزم أن الأخ منسوب جمعية الهلال الأحمر لا يخشى على القراء أن يعتقدوا أن المصابين نقلوا للمستشفى بواسطة “ليموزين” لكنه يرى أن نقلهم بواسطة سيارة الهلال الأحمر هي “جهود جبارة” تستحق الذكر والإشادة بعملية تشغيل أضواء السيارة وإدارة محركها ووصولها للمستشفى دون عطل (ربما لأن الأعطال هي سمة سيارات الجمعية، خاصة الجديد منها!!).

أنظروا كيف أثرت سياسة الجمعية في موظفيها!!. فلأن هذه الجمعية جبلت على حب الإعلام والظهور بمناسبة وبدون مناسبة وتعودت على نشر كل حركة لسياراتها على أنها إنجاز فقد شابه الإبن أباه، بل فاقه في المبالغة في حب الذات حتى وصل درجة الاحتجاج على الغير حين لا يشيد بعمله الروتيني الطبيعي!!.

فهذا هو مدير عام التدريب والتطوير والإسعاف والمشرف على الخدمات الإسعافية بالجمعية يحتج ويستغرب عدم ذكر “جهود” الجمعية بنقل أربعة مصابين في حريق.

وبالمناسبة، ألا يلفت المسمى الطويل جداً للوظيفة أو الوظائف النظر إلى أمر هام وهو أن جمعية الهلال الأحمر لبلد بحجم قارة يتولى فيها شخص واحد مناصب التدريب والتطوير والإسعاف والإشراف على الخدمات الإسعافية، شخص واحد فقط لكل هذه المناصب الهامة لماذا؟!!. هل عدمنا الكفاءات لتصبح جمعية الرجل الواحد. ثم إن التدريب والإسعاف والخدمات الإسعافية يفترض أنها أضداد. ومن المصلحة أن يشرف على كل منها شخص مختلف، فالإسعاف يكشف عيوب التدريب والخدمات الإسعافية تكشف قصور الإسعاف والعكس صحيح. أما بهذا المسمى الطويل الشامل الذي يلغي أدوار الأخرين فلم يتبق إلا إضافة و”مشغل الونانات”!!.

مفاطيح الفيلة

في هذه الزاوية من الأسبوع الماضي تطرقت إلى ضرورة أن يفوض الوزير إلى بعض موظفيه تولي أمور الشكليات التي يشغل بعض الوزراء وقتهم الهام بحضورها أو (تشريفها) مع أنها أقل أهمية بكثير من مهام كثيرة يفترض أن يتفرغ لها الوزير ويترك تشريف الحفلات والجوائز والافتتاحات للموظف الأقل أهمية في عامل الوقت.
ثمة أمران هامان لم تتسع المساحة للتطرق لهما مع أنهما امتداد لهذا الموضوع ضمن قائمة سلبياته:

الأول أن عدم إنابة الوزير لأحد نوابه أو وكلائه أو المدراء العامين أو غيرهم ربما يعني حرصه على أن يكون النجم الوحيد في الوزارة أو في الصورة، مع أنه حصل على قمة التتويج نجماً بحصوله على الحقيبة الوزارية وتجديدها ولا ضير أن يتعرف المجتمع على نجم آخر يوفر وقت الوزير لقضايا أكثر أهمية وأحوج للوقت، خاصة أن الوزارة بمقياس الإنجازات تمثل مجموعة رجال كل منهم له دوره الهام الذي يستحق النجومية.

الثاني في قائمة السلبيات لحفلات الشكليات التشريفية هي تلك العادة التي لا تتناسب مع ما حققناه من تطور في الوعي على أصعدة كثيرة انعكس في شكل تلاش تدريجي لسلوكيات غير حضارية، إلا أن هذه الجزئية السلوكية تزداد سوءاً مع مرور الزمن، وأقصد هنا المبالغة في ولائم تلك المناسبات التي وصل فيها التسابق حداً يستوجب إعادة النظر والردع والتوقف.

أقول إننا حققنا وعياً ملموساً في سلوكيات كثيرة، ولعلي أستشهد على صعيد مشابه بولائم الزواجات والدعوات الخاصة فقد نجحنا بحكم الوعي في تحويل الكثير منها من ذبح عدد كبير من الأغنام إلى مائدة (بوفيه) مفتوح معقول التكلفة، قليل الهدر.

أما في مناسبات الافتتاح والزيارات الرسمية فإن العكس تماماً يحدث خاصة في حفلات القرى وبعض المدن فقد ازداد التنافس حدة وتحول من جعل خمسة من مفاطيح الغنم لعلية القوم وبقية الصحون لعامتهم إلى استعراض أكبر عدد ممكن من الذبائح على مسافة كبيرة من الأمتار الطولية من الموائد (هنا استخدم مقياس الطول المتري للمائدة كرقم قياسي للتنافس).

واستمر التباهي على أشده إلى أن أصبحت مفاطيح الأغنام مجرد (كبة مقلية) تستخدم لتزيين المائدة التي تتكون من قطيع من الإبل (الحواشي) يربض كل واحد منها على كيس من أرز طبخ لكي يرمى مطبوخاً!!.

وصل الرقم إلى عشرين (حاشي) وخمسين خروف في إحدى المناسبات، ولعل هذا الرقم حطم دون أن أعلم فلماذا؟!!.

لمصلحة من هذا الهدر في النعم والأنعام؟!!.

قد يقول قائل إنها تذهب للجمعيات الخيرية لأنها بطبيعة الحال لا تلمس فالمسؤول واع في أمر صحته، ويتبع حمية صحية، والواقع أن ما يذبح من الإبل والأغنام لو وزع على خمس محافظات لأشبع سكانها فأي جمعية خيرية تستوعب هذا الكم؟!!!.

هذا التنافس الجاهل شبيه بتطاول الحفاة والعراة للبنيان يوحي باقتراب الساعة وحمداً لله أن الفيل لا يؤكل وإلا لأصبحت الموائد القادمة من مفاطيح الفيلة!! لأن مقياس التنافس هنا أصبح وزن الذبيحة (كيلوجرام وزن مع الابقاء على المتر الطولي).

اللهم أدمها نعمة واحفظها من الزوال وارزقنا شكر النعمة والشكر يكون بتقديرها!!.

تفويض شكليات الوزير

إذا كان تفويض الصلاحيات في الأمور التي لا تستدعي موافقة المسئول الأعلى في الهرم الإداري أمرا بالغ الأهمية في تسيير الاجراءات وسرعتها وتوفير وقت المسئول لما هو أهم، فإن من باب أولى ان يبادر المسئول الجاد الراغب في استغلال وقته وفكره لخدمة الهدف الذي أختير من أجله إلى تفويض الشكليات وحضور التشريفات إلى من وقته أقل أهمية من وقت الوزير ومهامه أقل ثمناً من مهام الوزير وقدرته الخاصة والشخصية ومؤهلاته أقل من الوزير!!
واقع الحال ان بعض الوزراء لدينا يجند جل وقته لحضور مناسبات تشريفية لا تضيف أي جديد على موضوع اطلاعه عن كثب على سير أمور وزارته ولا علاقة لها البتة فيما يمكن ان يتخذه من قرارات أو يكتشفه من قصور أو يتنبه اليه من خطوات تطويرية، ومع ذلك فإنه يتشبث بهذه المناسبات ويعض عليها بالنواجذ ولا يفكر أو يقبل بتنويب أحد موظفيه ويفترض انه من الموظفين الأقل حساسية في عامل الوقت ليحضر هذه المناسبة ويطلعه على ما تم فيها وإن كان ما يتم في تلك الحفلات والمناسبات لا يعدو كلمات مجاملة وشيئا من الشعر وكثيرا من الكوليسترول!!

حتى المجتمع والمؤسسات والأشخاص المقربين يفترض ان يكفوا عن احراج كبار المسئولين بطلب حضورهم حفل تكريم أو جائزة أو افتتاح لأن الوقت قد حان لنصل إلى درجة من الوعي بأهمية الوقت، وقت المسئول، ووقت المسئولية فنكف عن تجاهله لمجرد تحقيق نشوة ذاتية مفادها “حفلنا حضره الوزير”!!

فللوزير وقت، وفكر، وطاقة، وجهد، ونبوغ وتميز ذهني، ورؤية واسعة “أو هكذا يفترض ان يكون” وكل هذه الخصائص يجب ان لا تهدر بتحويل الوزير إلى أداة طقوس احتفالية!!

لكننا يجب أن نعود ونؤكد ان أمر عدم الاستجابة لرغبات واحتفالية ونشوة ذاتية لشخص أو عدة أشخاص هو أمر بيد الوزير نفسه، بما في ذلك تحكمه في هوى نفسه بأن يكون موضع احتفاء فقط، تتجه نحوه الأنظار، ويطلب منه الجلوس على الكرسي الأرفع “الأوثر”!! ألا يكفي كرسي الوزارة؟!

الإنشغال بشد الرحال لكل احتفال أو افتتاح أو جائزة أسرية خارج المدينة مقر الوزارة أو حتى داخل المدينة يتنافى مع واحد من أهم أسس الإدارة وهو ادارة الوقت، فالوزير لو أستغل عشر ذلك الوقت الضائع في الاجتماع بصغار موظفيه لبانت له أمور كثيرة، كبيرة، ثمينة وسيكتشف أن تخصيص جل وقته لحضور حفل جائزة آل فلان أو آل علان لم يكن قراراً رشيداً.

إن المهم في تقدير معنى الاحتفال هو تمثيل الوزارة وليس تمثيل الوزير والوزارة حافلة بالممثلين غير النجم الوزير!!

لوحات التربية والتعليم

لا تلومونا إذا توقعنا، لأننا وبناء على التجارب والخبرات السابقة ومعرفة الأشخاص وميولهم وتوجهاتهم وأولوياتهم في اهتماماتهم نتوقع!!
وإذا كان توقعنا لأمر غير مستحب فإننا نتمنى أن نكون مخطئين وأن لا يحدث ما نتوقع.

أتوقع “والله أعلم” أن وزارة التربية والتعليم بمسماها الجديد تضع ضمن أولوياتها ومشاريعها العاجلة، مشروع تغيير جميع لوحات مدارس البنين والبنات في كافة مدن وقرى وهجر المملكة لتحمل اللوحة الجديدة مسمى “وزارة التربية والتعليم” بدلاً من “وزارة المعارف”.

هذا التوقع يأتي كما ذكرت بناءً على رصد سابق للاهتمامات والتوجهات وترتيب الأولويات، وأتمنى من كل قلبي أن أكون مخطئاً لأننا نعلم جميعاً أن ثمة احتياجات أساسية للمبنى المدرسي الحكومي لكي يكون مقراً للتربية والتعليم أهم من تعريفه بلوحة!!

المبنى المدرسي عادة له أكثر من باب وأكثر من واجهة وهذا معناه أن كل مبنى سيحتاج إلى تغيير لوحتين أو أكثر وعندما تجري عملية حسابية بسيطة فإن مشروع التغيير هذا يمكن تحويل تكلفته إلى استبدال وصيانة أجهزة التكييف التي ينتظرها صيف بوادره توحي بالغليان!!

غني عن التذكير أيضاً أن الوسائل الإيضاحية للطلاب وبعضها لوحات أهم من وسائل الإيضاح للجمهور.

أيا كان مسمى الوزارة المسئولة عن التعليم لدينا فإنه يجب عليها أن تدرك أن المسمى هو التغير الملحوظ الذي طرأ على التعليم لدينا منذ أكثر من عقد من الزمان وسبقه بطبيعة الحال الدمج وكلا التغييرين كانا محاولة جادة من الدولة لإنعاش العملية التعليمية والتربوية إلا أن مقر الدراسة والبيئة المدرسية ومناخ الفصل الدراسي ووسائل الإيضاح في المدارس الحكومية لم تتغير على الإطلاق بل ربما تقادم بها العمر وساءت الأحوال أكثر وأكثر. وإن لنا أن نتساءل “إذا لم يلمس المعلم والطالب تحسناً في البيئة التي تعين على الإلقاء والتلقي فمن غير المعلم والطالب نأمل أن يستشعر التحسن”.

مقياس التغير إلى الأفضل إذا ما حدث ستشاهده الأم في عين طفلها وهي تودعه متجهاً للمدرسة سنلمسه في حب الطالب للمدرسة وارتياحه لقضاء الوقت فيها وفرحته بحلول يوم السبت أول الأسبوع وفي تطور تحصيله العلمي وحسن سلوكه.

لقد كنا طلاباً ولانزال، لا أذكر شكل أو حجم أو نوع الخط في لوحة أي من المدارس التي تعلمت فيها لكنني أتذكر جيداً أننا نتحايل على فسيولوجية أجسامنا ونجدول أنفسنا بحيث لا نحتاج لدورة المياه وأن أي “لخبطة” طارئة لهذه الجدولة مدعاة للغياب، نتذكر أن إحدى المدارس بدون ملعب والأخرى نقصدها يومي الخميس والجمعة لنمارس لعب الكرة. نتذكر جيداً أن الكسور في جدار زاوية الفصل كان مصدر إزعاج لطلاب الصفوف الأمامية من زملائهم في الصف الخلفي نظراً لإرسالهم صواريخ جو أرض من الحصى وكسر الاسمنت في وضع يجسد عدم توازن في ميزان التسلح ويفسر كثرة غياب طلاب الصفوف الأمامية، ليس لأن لوحة المدرسة قديمة وباهتة ولكن لأن (الضربتين في الرأس توجع) فما بالك بالثلاث، لا مكيف، لا دورات مياه صحية وقصف مستمر لا يعرف الهدنة.

أنجبنا وكبر أولادنا ولم يجدوا في “سواليفنا” لهم أي جديد، نفس التكييف، نفس الحمامات ربما الاسمنت أصبح أقل صلابة لأن المقاول كان أكثر أمانة.