التصنيف: بصوت القلم

الحوارات المفتوحة

لقد آن الأوان وأصبحت الحاجة أكثر إلحاحاً لإعادة عقد الحوارات المفتوحة بين جميع من يرغب والوزير المسؤول، تلك الحوارات التي بدأتها جامعة الرياض آنذاك “جامعة الملك سعود حالياً” في مقرها المتواضع في الملز وكانت هادفة وبناءة ومفيدة وتستضيف كبار المسؤولين وتلقى فيها الأسئلة والمداخلات مباشرة عبر مكبر صوت لاسلكي.
اليوم أصبح الحوار على مستويات فكرية أكثر انتقاء وحول مواضيع أكثر عمقاً وهذا رائع لكنه لا يمنع مطلقاً ولا يغني عن فتح باب الحوار العام بين المسؤول “وزيراً أو نائباً أو وكيل وزارة” وبين المواطن المستهدف بالخدمة أو المصلحة من الوزارة.

إن المواطن سواء كان موظفاً في الوزارة أو من المحتاجين لخدماتها أو المتضررين من بعض نظمها وإجراءاتها في أمس الحاجة للتحدث للوزير وجهاً لوجه وإبداء ملاحظاته وتوجيه استفساراته وتساؤلاته والمكاشفة حولها بمنتهي الشفافية وفي حضور الملأ لأن مقابلة الوزير في ممر الوزارة أو في المصلى أو حتى في مكتبه على عجل ووجل وهمس سريع لا تحقق الفائدة.

ما تحفل به الصحافة من شكوى وما تشهده هواتف قنوات الفضاء من ازدحام وما يحدث أمام أبواب كبار المسؤولين من تدافع كلها أعراض تدل على أن لدى الناس ما يقولونه ولو فتح لهم باب حوار مباشر مع الوزير المختص بنفس حرية قنوات الفضاء لتحقق حوار أكثر انضباطاً وأعم فائدة وأجمل ستراً وحقق فكاً للازدحام على الصحافة وهواتف الفضائيات والأبواب المفتوحة.

هذه الخطوة يجب أن لا تترك في انتظار مبادرة الوزراء لأنها قد لا تأتي من بعضهم!! ويجب أن لا تترك لاجتهاد منظم شديد التحفظ لا يواكب ما نشهده من مرونة وشفافية فقد يفرض أسئلة مكتوبة تقتل الحوار وهو أسلوب يتنافى مع مبدأ التحاور ولكن لدينا وللأسف من لا زال غير قادر على تغيير طبيعته وأسلوب تفكيره وحرصه المبني على انغلاق أو تظاهر ومثل هذه الحوارات الهادفة البناءة الجريئة لا يصلح لإداراتها أو تنظيمها إلا مدرك جيد لأهدافها.

الحل الاجتماعي المنفرد

لأن طرق الحل للمشاكل الاجتماعية الجماعية مسدودة حتى اشعار آخر او أجل غير مسمى تستشعر عنده وزارة العمل والشؤون الاجتماعية دورها في ضرورة سرعة تبني مشاكل غير القادرين على مجابهة ظروف الحياة. ولأن الصحافة أصبحت القناة الوحيدة للحل السريع فإن من يعانون من أي نوع من أنواع العجز الاجتماعي يتوجهون بعد الله الى احدى الصحف لنشر معاناتهم بالاسم والصورة وكشف المستور وسفك ماء الوجه وجميعها أمور مؤلمة تصعب على النفس البشرية لكن الحاجة مع اليأس أكثر ايلاماً.
تنشر الحالة بكل تفاصيلها وتوسلاتها وصورها ليأتي في اليوم التالي او الذي يليه من يتبنى هذه الحالة الفردية ويعلن تكفله بحلها أيضاً بالاسم والصورة وكأنه لا يهمه أن تعلم جميع الأيدي الشمال لكل الناس ما أنفقت يمينه!!.

ترى هل هكذا سنتعامل مع حالات العوز الاجتماعي والحاجة الى علاج طبي والحاجة الى تفريج كرب اجتماعية لا تقتصر على واحد او مئة او ألف.

من المؤكد أن الصحف لن تستوعب أعداد المحتاجين ولن يفوز بنشر حالته فيها إلا نذر يسير جداً بل لن يقبل بنشر معاناته وكشف ستره والتوسل الى انسان مثله أي واحد ممن لا يسألون الناس الحافاً!!.

ثم ان هذا النوع من المسلك المهين ليس الحل الذي يليق بمجتمعنا وديننا وأخلاقنا وليس من اللائق ولا المقبول ان يقف منه الوزير المسؤول عن الشؤون الاجتماعية وعلاج الفقر موقف المتفرج الراضي عما يحدث لأن السكوت علامة رضى.

لا نقول امنعوا نشر هذه المطالبات في الصحف لأننا لا نقصد قفل القناة الوحيدة حالياً لتفريج الكرب ولا نجرؤ على المطالبة بحرمان محتاج مضطر من الحل الوحيد ولكن نرفع الصوت مطالبين بسرعة فتح القنوات المناسبة المستحقة التي توفر عامل الستر وتفريج الكربة دون منة على أساس من الحفاظ على الكرامة والحقوق.

نريد أن لا تعطل فرص وقنوات حل المشاكل الاجتماعية والمعاناة الاسرية بحجة انتظار الحلول الجذرية التي سيتولاها صندوق معالجة الفقر لأن من طبيعة بعضنا شئنا أم أبينا انه اذا انشغل ببرنامج مستقبلي طويل الأمد اجل كل المطالبات لحين انتهاء ذلك البرنامج ومثل هذه الحاجات الانسانية لا تقبل التأجيل وتحتاج الى من يجيد التعامل مع قناتين قناة عاجلة تعالج الوضع القائم مباشرة واخرى تتعامل مع الحلول الجذرية المستقبلية.

قنوات الشـكوى

وسائل تخفيف الضغوط النفسية على المواطنين كثيرة ومتعددة بمثل تعدد الضغوط نفسها ومسبباتها. وبالتالي فان إحدى هذه الوسائل لايمكن ان تغني عن الآخرى لان علاج عضو من الجسد من شكوى معينة لايغني عن معالجة اعضاء اخرى من آلام مختلفة لكي يصح الجسد ويستقيم.
البطالة مثلاً عامل ضغط نفسي وتخفيفه يكون بتوفير الوظائف في القطاعين العام والخاص اي التوظيف، في المقابل فإن عدم توفر فرص الالتحاق بالتعليم الجامعي او العسكري او المهني عامل ضغط نفسي آخر وعلاجه بتوسيع امكانية ودائرة الاستيعاب في مجال التعليم وهكذا فان مسببات التذمر تتعدد وتحتاج الى معالجة كل منها على حدة وبنفس الحدة!!.

في رأيي الشخصي ان عدم توفر قنوات فعالة وكافية لاستقبال الشكاوى خاصة على تقصير الجهات الحكومية وتعسف بعض الموظفين والمسؤولين وضياع بعض الحقوق في هذا الصدد في زحمة الروتين ووسط اجواء تمييع القضايا والتظلمات احد مسببات الضغط النفسي وحالة اليأس التي يشعر بها صاحب الحق الضائع وهي جديرة بالاهتمام والمعالجة بنفس الاهتمام والجدية التي نوجهها للمنغصات الاخرى المذكورة آنفاً.

صحيح ان ديوان المظالم يستقبل تظلمات المواطنين والمقيمين بما في ذلك شكواهم على الدوائر الحكومية لكن الشعور العام انه يعنى بالقضايا الكبيرة التي تحتاج الى نفس طويل وصبر قد يطول كثيراً فهو يغص بهذا النوع من القضايا المعقدة طويلة الامد.

في جانب الشكوى على القطاع الخاص تلعب حماية المستهلك دوراً لا بأس به وان كانت تعتمد اعتماداً تاماً على مستندات وشروط معدة من قبل التاجر ومهمتها البحث عن خلل او إخلال تحمي به المستهلك.

خلاف ذلك فان المواطن في حياته اليومية وطلباته ومراجعاته ومشاحناته مع الدوائر الحكومية والخاصة اذا تعرض لظلم او (غبن) اوسلب حق او إهانة او تقديم غيره عليه او تعريضه للخطراواتخاذ موقف شخصي ضده أو غيره من صور التضييق فانه لا يجد امامه سوى قناة الصحافة للشكوى وكانت الدوائر الحكومية تتفاعل مع الشكوى الصحفية بالدفاع والنفي اما الآن فانها لم تعد تعير اهتماماً حتى لما ينشر.

السؤال العريض الآن هو لمن يشتكي المراجع او المواطن مثل هذه الممارسات اليومية التي لاترقى الى كونها قضية قضائية تحتاج الى صبر وتوكيل محام وخلافه وفي الوقت ذاته هي من أهم مسببات التذمر والقلق والضغط النفسي؟

المسؤول عن الدائرة الحكومية الموجهة ضدها الشكوى يتخذ في الغالب موقفاً دفاعياً عن الموظف او الادارة وغالباً ما يخرج من مكتبه المشتكي وهو اكثر تذمراً وتظلماً!!.

هذا ينطبق على المدير او وكيل الوزارة او حتى الوزير اذا كان ممن يفتح بابه فالموقف سلبي متعب لايرد حقاً ولايمنع باطلاً فالخصم هو الحكم ولعل اكثر الادلة وضوحاً على هذا التواجه هو ان جميع الوزارات دون استثناء ليس بها ادارة استقبال شكوى بينما جميعها بها ادارة كبرى للعلاقات العامة يقوم عليها رجل من اهم شروطه ان يكون إعلامياً له علاقات تضمن الدعاية لصاحب المعالي والدفاع عن وزارته بكل السبل.

ما أراه حلاً ضرورياً هو ان يكون لديوان المظالم او لهيئة الرقابة والتحقيق مكتب مستقل في كل وزارة يستقبل شكوى المراجعين ويسعى لإنصافهم دون ان يتأثر بسلطة مسؤولي الوزارة مشابه لوضع ممثل مالي لوزارة المالية في كل قطاع.

ليس أنسب لخفض ضغط دم مواطن أثاره الاستفزاز من مكتب مستقل يرد حقه او يسعى لذلك وليس اخطر من تركه يعود لمنزله وقد استفرد به اليأس وهو يعلم جيداً انه ظُلم.

طالبات في ديوان المظالم

القرار الغريب الذي اتخذته وزارة التربية والتعليم (باكورة إنتاج الوزارة بعد المسمى الجديد) في حق الصغيرات البريئات اللاتي تم قبولهن طوعاً في مدارس الوزارة أو القطاع الخاص قبل أن يكملن ما يسمى بالسن القانونية، هذا القرار بدت آثاره السلبية المتوقعة تبرز للعيان في شكل إحباط نفسي خطير لمئات الصغيرات (أمهات ومعلمات وطبيبات ومربيات المستقبل) لا تحمد عقباه على المدى القريب والبعيد ولا يفترض وطنياً أن يترك لتعسف قرار مرتجل غير مدروس ولا مبرر، بل إن كل مبرراته ترد عليه فمن محاسن الصدف أن جل من ظلمهن القرار ناجحات بامتياز!!
الآثار لم تقتصر على نفسية الصغيرات بل طالت إدارات التعليم ومكتب الوزير والدوائر القضائية وديوان المظالم ناهيك عن مقرات الصحف وصفحاتها والبريد العادي والإلكتروني للصحافيين، والوزارة تستمتع بما يحدث، ربما لأن فيه ترديداً لاسمها الجديد الذي لم تثبت بعد أن لها منه نصيباً.

كم هائل من شكاوي التظلم لتلك الجهات لم تحرك ساكناً في وزارة التربية والتعليم التي يبدو أنها تعيش مرحلة قفل لباب الحوار وتيبس للرؤوس ربما يكون أحد أعراض غرور من نوع خاص كغرور التجديد مثلاً.

كنا جميعاً سنصفق لهذه الوزارة لو طبقت المثاليات في أمور أكثر أهمية بناء على جدول مقنع للأولويات!!، كنا سنقف احتراماً لو راجعت وعدلت بأثر رجعي قرارات التعيين التي تمت بتوسط أو استثناءات النقل للمعلمات والمعلمين التي لعبت العلاقات الخاصة والأوراق الصغيرة دوراً في إنجازها دون ميزة أخرى مستحقة، كنا سنرفع (الطواقي) إجلالا لو أن التصحيح بأثر رجعي طال ترسية مشاريع أو محاسبة مقاول أو معاقبة متعهد ربما حظي أحدهم بتجاوز كونه ابناً أو صديقاً.

أما أن يكون التطبيق بأثر رجعي في حق صغيرات لا يدركن ما حدث ويحدث بل وحتى أولياء أمورهن، عوقبوا في فلذات أكبادهم بناءً على ادعاء مخالفتهن للتعميم رقم 13/2777في 1424/3/19هـ وهو في الأصل تعميم سري لم يبلغ به ذوو المصلحة ولا تقوم به الحجة كونه غير معلوم لأولياء أمور الطالبات ولم يمنحوا فرصة التجاوب معه بعد أن شاع وطبق بأثر رجعي يسبق حتى تاريخه وهو سري!!

سيل من الشكاوى والمخاوف من التعرض لأمراض نفسية لم تعرها وزارة “التربية” أدنى اهتمام مما حدا بأصحابها إلى التحول إلى ديوان المظالم والقلوب الرحيمة لكبار المسؤولين وبذلك فإن وزارة التربية والتعليم شكلت ثقلاً على الدوائر الأخرى والأبواب المفتوحة، ليس لقلة وعي المواطن كما كانت الحجة قديماً ولكن لأن وعي الأب والأم بالتصرف الصحيح وبحقوقهما وبالمنطق وبما يترتب على القرار من تداعيات نفسية خطيرة أصبح يفوق قدرات بعض متخذي القرارات.

إن قراراً مثل هذا كان من المفترض أن يجاز من جهة تدرك أبعاد القرار كمجلس الشورى وأرى أن يعاد النظر فيه دون الرجوع لوزارة التربية والتعليم لأنها بموجب ما رفع من تظلمات كثيرة هي الخصم ولا يجوز أن تترك كحكم.

أمامي الآن دعوى مرفوعة لديوان المظالم في هذا الصدد فيها من الحجج والحيثيات ما يؤكد أنها لن تخسر في بلد العدل، هي واحدة من مئات الشكاوى المماثلة، الطريف المبكي فيها أنها لصغيرتين توأم حصلت كل واحدة منهما على أعلى درجة في سلم التقويم بما في ذلك الرياضيات والعلوم واللغة الإنجليزية والفرنسية وشهادة تقدير واتقان لجميع المعارف والمهارات (أليس التقويم هو الفيصل؟! وأيهما أخطر الصعوبات التي تتوقع الوزارة أنها ستواجه الطالبات أم العقد النفسية المؤكدة كنتيجة للقرار؟!) ولنتمعن في عبارتين مؤثرتين كتبتهما رائدة الفصل للتوأم قبل أن تعلم ما ينتظرهما من مصير مظلم، إحدى العبارات تقول: (بارك الله بك طالبتي المثالية أنت فخر لنا أتمنى لك مستقبلاًمشرقاً لأننا بك نزهو وعلى أمثالك نعقد آمالاً كباراً بعون الله تعالى) وتقول الأخرى: (جهودك المبذولة ومواظبتك الدائمة جعلتك في مقدمة الممتازات بارك الله بك طالبتي المجدة وأتمنى لك مستقبلاً مشرقاً بعون الله تعالى).

مثل تلك العبارات تحفظها الطالبة عن ظهر قلب!! ترى ماذا سيحدث عندما ترى نفس المعلمة في نفس الصف تعيد تدريسها نفس المواد التي ادعت أنها تفوقت فيها؟! هل ستصدق المعلمة مستقبلاً؟! هل ستحبها؟! هل ستصدق أي شيء في هذا الوطن؟! بل هل ستحبه؟!

الهامش الأمثل للترشيد!!

سابقاً اقترحت أن تشهد المراتب الدنيا أو مراتب الوسط “من العاشرة ودون” زيادة في الرواتب لا تشمل المراتب العليا المكلفة وتكون الزيادة أكبر في الوظائف الأصغر أي أن تتناسب الزيادة عكسياً مع الراتب الأساسي ليتمكن ذوو الدخل المحدود والوظائف الدنيا من مواجهة احتياجات الحياة الأساسية التي شهدت ارتفاعاً ملحوظاً “خاصة فيما يخص فواتير الخدمات” دون أن تشهد الرواتب أي زيادة منذ أكثر من عشرين سنة.
ومنذ عدة أيام تمنيت تطبيق الهرم المقلوب في رصد المكافآت للعاملين في المناسبات الخاصة بحيث تكون المكافأة الأكبر للموظف الأقل مرتباً وهكذا.

منطلق مثل هذه المقترحات في رأيي المتواضع أن أي نوع من أنواع التوفير أو التقشف يجب أن يبدأ بالميسور قبل المعسر وبالموظف الكبير قبل الصغير وبالغني قبل الفقير وبذلك سيكون إجراء التوفير أجدى وأقل تأثيرا على متوسطي الحال والفقراء ولن يكون بالغ الأثر على من يمسهم لأنهم وبحكم مستوى الدخل سنين عديدة قادرون على تحمل بعض سنين عجاف.

وفي الوقت ذاته فإنه من غير المقبول منطقياً ونفسياً أن نتحدث عن توفير في الصرف وزيادات في بعض الرسوم والأسعار بينما تستمر بعض البدلات والمكافآت والعطاءات في ازدياد مع أنها الأكثر والأقل استحقاقاً وظيفياً.

اتخاذ قرارات زيادة في الأساسيات وتبريرها بعدم المساس بشريحة محدودي الدخل مثلما حدث في شرائح الكهرباء سابقاً ونوعية البنزين المرفوع سعره حالياً وما يجري التلويح به من زيادة على تعرفة الماء. كل هذه الزيادات رغم أنها تراعي بشكل أو بآخر شريحة محدودي الدخل نظرياً إلا أنها ليست الإجراء ذا الأولوية ضمن سلسلة إجراءات تقشف أو توفير يفترض أن تمس المصروفات غير الأساسية التي تشهد مبالغة كبيرة لا تتناسب والوضع الاقتصادي الحالي وأن تمس بدلات ومكافآت وإعفاءات المناصب العليا وامتيازاتها الوظيفية التي لو قلصت فإن التوفير سيكون أكبر بكثير دون أدنى تأثير على الموظف في المراتب العليا مع كبير الأثر على العامل النفسي للموظف الصغير وجدية توجه الترشيد.

مجمل القول أن ثمة هامش صرف كبير في مجال الامتيازات للمراتب العليا يمكن استخدامه لبداية جادة للترشيد قبل رفع سعر البنزين أو تعرفة الماء أو أي رسوم أخرى تمس عملياً ذوي الدخل المحدود أو المتوسط حتى وإن بدت غير ذلك نظرياً.

محك السياحة الداخلية

لن تجد السياحة الداخلية فرصة سانحة لإثبات ذاتها مثلما ستجدها صيف هذا العام، لأنها وبكل تأكيد ليست في أدنى حاجة لاستجداء المواطن السعودي والخليجي لتجربتها فسوف يأتيها ويبحث عنها مجبراً لا بطلاً وإن كنا نتمنى دوماً أن يختارها بطلاً لأنها الأصلح.
كما أننا نجزم أن من سمات الكريم إذا جئته مجبراً أن يرحب ولا يستغل!!

كل الظروف هذا الصيف مهيأة للإقبال على السياحة الداخلية دون عناء جذب ولكن هي الفرصة المواتية وربما الأخيرة لكي تبدأ السياحة الداخلية مع المواطن والخليجي قصة حب تدوم تحت كل الظروف.

المواطن الخليجي هذا الصيف محاصر شرقاً بشبح “سارس” وغرباً بسوء المعاملة (وفقدان الترحيب المعتاد) بناءً على سمفونية 11سبتمبر وشمالاً باستغلال متوقع لمتنفس وحيد قد لا يستوعب الجميع إضافة إلى توتر سياسي لابد وأن ينعكس على نفسيات الشعوب خصوصاً بعد التجربة المريعة التي يعيشها العراق وتأثر بها كل ما هو عربي.

جنوباً لن يجد السائح (والمصطاف) أجمل ولا أبرد ولا آمن من جنوب المملكة العربية السعودية.

الجنوب الغربي لهذا الوطن كان ولازال له طابعه السياحي الجذاب وله تجربته العريقة في اجتذاب السائح من أي مكان في العالم، وللباحثين عن البحر والشواطىء والترفيه العائلي البريء فإن شرق وغرب المملكة يوفر هذه المتطلبات مع خاصية نادرة في تلبية عنصر الخصوصية المحافظة التي يبحث عنها رب الأسرة. ولدينا من الآثار والمعالم السياحية مالا تكفي مدة عطلة هذا العام لتغطيته.

هذه الفرصة السانحة للسياحة الداخلية المتمثلة في الاتجاه شبه الإجباري العام نحوها يجب أن يصاحبها استغلال أمثل لتوفير مزيد من الجذب في الظروف الاختيارية عن طريق تيسير أسعار السكن والتنقل واستئجار السيارات والاستفادة من خدمات الترفيه ومراعاة الله في أسعار المواد الأساسية لسياحة وطنية ناجحة وتفعيل عناصر الجذب وتجنب استغلال الموسم بجعله موسم استغلال الحاجة.

وغني عن القول أن مبادرة تجار صناعة السياحة لا تكفي وحدها ولا يمكن أن تراهن خطة التشجيع على سياحة داخلية عليها وحدها فلابد من فرض رقابة صارمة على الأسعار وتيسير الخدمات من قبل الجهات الحكومية إلى جانب تشديد الرقابة على عنصر السلامة في استخدام أدوات وعناصر الترفيه خاصة ذات العلاقة بالأطفال (حبذا لو استفدنا من التجربة الماليزية في هذا الصدد حيث مراقب اللعبة أو المسبح أو الألعاب المائية على درجة من الوعي تجعله يحمي الطفل من إهمال أكثر الناس حباً له وهم والديه!!).

يجب أن ننعتق من فكرة أن عوامل الجذب هي حفلات غناء وألعاب نارية ومسابقات سحب على سيارة ونتساءل هل يسرنا الوصول للمواقع الأثرية والوصول إلى قلب السائح محدود الدخل بتيسير سكنه وسلامة أسرته وتمكينه من إسعاد أسرته بثمن معقول وطرق ميسرة؟! وهل تعاملنا مع عناصر التذمر من الأعوام السابقة بجدية رغم مبالغة البعض في وصفها وأخذناها مأخذ الجد كونه العنصر المستهدف بتذمره وشكواه المبنية على العشم؟!.

ومادام الشيء بالشيء يذكر فإن من ضروريات العمل الوطني على جذب سياحي داخلي أن يتحرى الإعلام الدقة وعدم المبالغة في التنفير من السياحة الداخلية بطرق مبالغ فيها جداً قد ترسخ فكرة خاطئة فيها ظلم للسياحة الداخلية ونخص بالذكر هنا بعض رسامي “الكاريكاتير” حيث قد تتسبب طرفة عابرة مبالغ فيها بطريقة “كاريكاتورية” في تشويه وجه صناعة السياحة الداخلية دون قصد.

بقي أن نؤكد على أن استخدام الاستفتاء العام عن نوعية الخدمات بطريقة ميسرة للإجابة ثم الاعتماد على رأي الأغلبية أسلوب يجب تطبيقه بمنتهى الجدية إذا أردنا أن نرى صورتنا واضحة في مرآة صادقة.

الحل في الرقابة والتفتيش

جميل جداً أن يُتاح هامش أكبر للنقد الصحفي ورائع أن يتم تفعيل دور الصحافة كمرآة يرى من خلالها المسؤول ما يحدث من أخطاء وتجاوزات وإهمال وأن تُمنح قدراً مقبولاً من المساحة للركض.
لكن المرآة لا قيمة لها إذا لم يُستفد منها في الإصلاح والتعديل وتزيين الوجه وواقع الحال يُشير إلى أن بعض الوزارات والمؤسسات الحكومية تأقلمت مع موجة النقد لسلوكياتها دون أن تجري أي إصلاح للخلل بل نستطيع القول أن بعضها لا يبالي مطلقاً بما يُوجه من تعرية للعيوب وكشف مدعم بالأدلة للتجاوزات والأخطاء وصنوف الإهمال. وما يُقال عن القطاع الحكومي ينطبق تماماً على القطاع الخاص.

من المؤكد أن الدولة عندما فتحت باب الحوار على مصراعيه على كافة الأصعدة إنما كانت تهدف لمعالجة الخلل أينما وُجد وليس لمجرد التنفيس، لأن التنفيس قد يخفف عرضاً طارئاً لكنه لا يغني مطلقاً عن علاج المرض.

البعض يبدو أنه لم يدرك هذه الحقيقة خصوصاً أولئك الذين ينعمون باستقرار وظيفي وربما أشعرهم التجديد بأن النقد لا يشكل أدنى خطورة على الاستقرار.

بعض الوزارات أصبحت مادة دسمة للنقد والتضجر ليس لأنها مستهدفة بل لأنها تتحدث دون عمل تقريباً والناس بطبيعتهم يكرهون الاستغفال، وكلما كانت الوزارة ذات مساس مباشر بأساسيات الحياة اليومية كالتعليم والصحة والغذاء والعمل والأجور والشؤون الاجتماعية فإن تألم الناس من إهمالها وأخطائها وركودها يزداد حدة يوماً بعد يوم.

إن الخطوة القادمة بعد تفعيل الحوار والنقد الهادف هي تفعيل دور الرقابة والمتابعة والتفتيش من قبل هيئات مستقلة خارج الوزارة المعنية، تتابع شكاوى الناس بجدية إلى جانب تفتيش دوري جاد وعقوبات حادة ومؤثرة وإصلاح يعالج هموم الناس ويشفي غليلهم ويشكل رادعاً قوياً للتقصير والإهمال.

الصحافة تنقل نبض المواطن وكلما ارتفع النبض دون علاج، زاد الضغط ووهن القلب واحتقنت الرئتان، ومادمنا على قناعة أن المجتمع جسد واحد فإن تطبيق هذه المتزامنة الطبية وارد ومقنع.

إن مطالبات الناس وشكواهم وتضجرهم من بعض المؤسسات الحكومية والخاصة له ما يبرره وهو خليط من شكوى عامة تشمل تقصيراً واضحاً في أداء الأدوار المفترض أداؤها للمجتمع ككل وقضايا خاصة تتمثل في تضرر شخصي بسبب إهمال أو قصور، والشكوى من النوعين لا تجد أدنى تجاوب من المسؤول بل أصبحت تُعامل بردة فعل عكسية إلى درجة أن من يشتكي في الإعلام ربما عُوقب بـ “التطنيش” وضياع حقوقه.

تفعيل دور الجهات الرقابية كان ولازال مطلباً ملحاً وأساسياً وهو الآن وبسبب ما يحدث من ردة فعل سلبية نحو النقد والشكوى أصبح أكثر إلحاحاً!!.

طب وتجارة العجز الجنسي

ليس أخطر من الانغلاق التام إلا الانفتاح دون ضوابط!! وأعتقد أننا في مجال التعامل مع الجنس وأمراضه وعلله انفتحنا مؤخراً انفتاحاً غير مقنن، واستغل هذا الانفتاح أطباء من المحسوبين على المهنة ووكلاء المقويات الجنسية بل وبعض مديري شركات الأدوية.
في الثمانينات الميلادية وحتى منتصف التسعينات كنا نعاني من غلق أبواب التعاطي مع التثقيف الطبي الجنسي إلى درجة أن الكتب التي تتناول الجنس تصادر وتباع في السوق السوداء بمنتهى السرية والخفية!!

كان لذلك المسلك مساوئه التي استغلها أنصاف الأطباء في تأليف كتب بمعلومات سطحية غير موثقة كانت تمثل بضاعة مرغوبة لأنها ممنوعة، وتسببت في تشويش أذهان المراهقين بمعلومات مغلوطة عن الجنس لابد وأنه كان لها الأثر السيىء لكنه لن يكون أسوأ مما يحدث الآن.

اليوم وكعادتنا عندما نطلق العنان نطلقه دون ضوابط بل أننا نهمل حتى تطبيق الضوابط الأخلاقية المتعارف عليها للمهنة والقوانين التي يفترض أن تحكم العلاقة بين المتلقي والمعلومة!!.

لقد أصبح بعض المحسوبين على مهنة الطب يتحدثون عن العجز الجنسي في جميع وسائل الإعلام، المقروءة والمرئية وكأنه مشكلة وطنية!! ويتناولون تفاصيل الضعف الجنسي بطريقة لا تحسب أدنى حساب لفئة عمرية من القراء والمشاهدين ممن هم أقل من السن التي تستوعب مفردات ومعاني وتبعات ما يقال أو يكتب!! (في أكثر دول العالم إباحية يسبق تناول مثل هذه المواضيع تنبيه بأنها لا تناسب من هم أقل من 18سنة ويحدد وقتها بعد نوم الأطفال).

الأطباء كغيرهم من البشر، الكثيرون منهم ملتزمون بأخلاق المهنة وقلة منهم انتهازيون ماديون غايتهم الكسب المادي باستغلال المهنة وهذه الغاية تبرر عندهم أي وسيلة!!.

لقد انتهز بعض الأطباء هذا الانفتاح أو على الأصح (الانفلات) في مجال تناول الجنس طبياً للدعاية لأنفسهم ومداعبة وتر الألم النفسي المصاحب للضعف الجنسي بالحديث عن تفاصيل ما يدعون أنها طرقهم في العلاج مع أن هذه الفئة من الأطباء هم من المحنطين الذين توقف تعاطيهم للمعلومات والحديث في مجال الطب منذ أن اتخذوا من الطب وسيلة لبناء علاقات مصالح شخصية مع الموسرين من مرضاهم ومع شركات الأدوية ووكلائها لذا فإنهم يفرطون في وصف المقويات الجنسية وذكر محاسنها وأسمائها التجارية دون التطرق إلى أضرارها محققين كسباً مزدوجاً من المريض المتعطش الموسر في شكل عطاء سخي ومن الوكيل أو الشركة الصانعة في هيئة رشوة واضحة للترويج للدواء!!.

لقد بالغ هؤلاء في تناول موضوع الضعف الجنسي إعلامياً بطريقة غير مقبولة لا تربوياً ولا طبياً ولا أخلاقياً وتتعارض مع أسس أخلاقيات مهنة الطب المعروفة عالمياً.

إن من الخطورة بمكان أن تترك العلاقة بين الطب والإعلام دون ضوابط تخدم بالدرجة الأولى المصلحة العامة وحقوق المريض وحقوق الأطباء المنضبطين!! وما يحدث لدينا حالياً أحد الأمثلة الواضحة لخطورة هذه الممارسة الخاطئة وما ينجم عنها من التمادي من كافة الأطراف!!.

الدول المتقدمة رغم استباحتها لبعض القيم الاجتماعية عن طريق السلوكيات الحرة للأفراد إلا أنها لا يمكن أن تستبيح القيم المهنية أو تتركها لذمم المهنيين، بمعنى أن كثيراً مما ينشر لدينا حالياً من تفاصيل عن الجنس بحجة أنها معلومات طبية لا يمكن أن تنشر في تلك المجتمعات. كما أنها تمنع الطبيب من أن يعلن عن نفسه أو عن تميزه وقدراته ومؤهلاته في وسائل الإعلام ومن البديهي أنها تمنع منعاً باتاً الترويج لدواء جديد أو قديم في وسائل الإعلام.

لا يمكن لمدير شركة دوائية في أمريكا أو أوروبا، رغم قلة الحياء، أن يقول أن مقوياً جنسياً بيض الوجه أو رفع الرؤوس ليلاً، أولاً لأن مدير الشركة لا يقل دبلوماسية وأدباً عن أي صاحب منصب دبلوماسي لذا فإنه لا يمكن أن يربط تبييض الوجه أو رفع الرأس بالقدرة الجنسية فهو يحسب ألف حساب لمن لا يملكون هذه القدرة حتى باستخدام العلاج!!، وثانياً لأنه يدرك أنه ليس من حقه الدعاية لمنتجاته للعامة في وسائل الإعلام، وثالثاً لأنه يعلم أن الترويج هو من مهام مندوب الدعاية.

إن افتقادنا لهذه الضوابط الدقيقة والهامة أتاح الفرصة لضعاف النفوس في استغلال إعلامنا للتركيز على أمر العجز الجنسي بطريقة تصورنا وكأننا مجتمع همه الأكبر الجنس وهو أمر لا يقل خطورة عما كان الإعلام الخارجي المعادي يحاول ترسيخه عنا وهو أننا مجتمع مفرط في الفحولة غير المقننة!!

هرم وهوامير!!

نحتاج كثيراً إلى إعادة النظر في تعاملنا مع جيل الشباب، ليس الشباب العاطل عن العمل وحسب بل الشباب الموظف الذي يعمل بجد وإخلاص ويذهب التكريم والامتنان إلى رؤسائه فقط.
تحتاج إلى أن تكون أصغر من سنك كثيراً وأصغر من مركزك الوظيفي أكثر لكي تشعر عن قرب بأن كثيراً من صغار الموظفين هم بالفعل من يقفون خلف كل إنجاز حقيقي لكن التقدير الحقيقي الملموس يذهب لغيرهم.

لا أقول أن تنزل إلى مستوى صغار الموظفين، لأنني لا أعتبره نزولاً بل هو صعود إلى واقع العمل الدؤوب المخلص وعندما تنزل إلى مستوى كبار الموظفين تجد أن الراتب والبدلات والمكافآت والانتدابات تصرف مقابل المجهود الأقل، ليس المجهود البدني وحسب بل حتى المجهود الفكري في مجالات التخطيط والتطوير وصنع القرارات واقتراح الحلول ستجد أن الشباب يعمل والتقدير إلى رؤسائهم يذهب!!.

وإذا كان الشباب العاطل في حاجة إلى عمل يشغله عن أي انحراف فإن الشباب العامل في حاجة إلى تقدير يحميه من أي إحباط.

عندما أرى صغار الموظفين يعملون بمنتهى الجدية والتضحية سواء في الأعمال اليومية أو في المهمات الخاصة وأعني الحفلات والمؤتمرات والمناسبات المستعجلة التي تستدعي العمل ليل نهار وفي كل المواقع وعلى كل الأصعدة أشعر أنهم أهل للتقدير المعنوي والمادي وأتمنى تطبيق الهرم المقلوب في مجال المكافآت والبدلات والانتدابات وعندما أتذكر أنهم خلف كل إنجاز حقيقي ونجاح ملموس في جميع وزاراتنا ومؤسساتنا الحكومية والخاصة أشعر أن الهرم المقلوب يفترض أن يطلق حتى في سلم الرواتب.

الهرم المقلوب فيما يخص المكافآت هو أن تكون المكافأة الأكبر للموظف ذي المرتب الأصغر لأنه في واقع الأمر هو من عمل أكثر في المناسبة التي صرفت المكافأة من أجلها ونفس الشيء يفترض أن يسري على البدلات والانتدابات، لكن الواقع عكس ذلك تماما فكبار الموظفين الذين ربما حضروا المناسبة للتشريف وأسكنوا الفنادق الراقية “يذهبون بالأجور” فيكون لهم جزيل العطاء دون جهد وأعلى انتداب دون حاجة بينما صغار الموظفين الذين لم تكن المناسبة لتتم دون جهودهم وربما ناموا في سياراتهم أو في المواقع (إذا كتب لهم أن يناموا) لا يحصلون على ما يعوض ما صرفوه هذا إذا لم يمن عليهم بخطاب شكر.

والهرم المقلوب فيما يخص سلم الرواتب يفترض أن يعتمد على شراء المجهود والفكر معاً وهو ما يعتبر شبه مستحيل في القطاع الحكومي الذي يعتمد كلياً على الأقدمية “وربما القدم” وأرجو أن لا تعتبر المطالبة ضرباً من ضروب المبالغة في المثالية، فإن أخذنا في الاعتبار أن الرئيس أو المدير في دوائرنا الحكومية ليس بالضرورة الأكثر تأهيلا أو قدرات فإن من الطبيعي أن نطالبه بدفع ضريبة الراحة والسيادة وأن يكون الراتب لحجم الإنتاجية ودرجة التأهيل.

القطاع الخاص أدرك أهمية شراء الجهد فأصبح يستقطب الكفاءات الشابة بمرتبات عالية لأنه يعرف تأثيرها في الإنتايجة والربح، هذا مع استثناء الشركات المساهمة بطبيعة الحال، حيث تبقى السيطرة واتخاذ القرارات في أيدي قدامى الهوامير ممن لا يشكل لهم الاهتمام بالربح رقماً يذكر مقابل الاهتمام بتحقيق أرباح شخصية لمجلس الإدارة والقيادات العليا.

أضعف الإيمان أن نخرج باتفاق على أن تقدير جهود الشباب العامل وتشجيعهم يحثهم على الانشغال بالعمل ويشغلهم عن حتى مجرد التفكير في غيره وهو أمر لا يقل أهمية عن إيجاد فرص عمل للشباب العاطل.

اجترار الكفاءات

نظلم بلادنا لو قلنا إننا نعاني من شح في الكفاءات البشرية والطاقات المؤهلة، لأن هذه البلاد كانت السباقة إلى تنمية الموارد البشرية المؤهلة بالابتعاث وفتح قنوات تطوير القدرات.
إذاً ما الذي يجعلنا نجتر الكفاءات اجتراراً ونكرر الأسماء والأشخاص في نفس المواقع أو في مواقع مختلفة؟!

المشكلة تكمن في آلية الكشف عن الكفاءات وإمكانية الوصول إلى نقطة أو بؤرة أو بقعة ضوء الكشاف.

الآلية تتم عن طريق الاختيار أو التزكية من داخل بقعة الضوء لكن الوصول إلى تلك النقطة مرهون بعبور عوازل بشرية محكمة ممن وصلوا مبكراً ولا يريدون لغيرهم الوصول.

لو تخيلت مقطعاً أفقياً في مجتمعنا الوظيفي ستجد أن كل مسؤول تحيط به دائرة بشرية من المقربين لا تسمح لأي مستجد مهما بلغ من الكفاءة والإمكانات والقدرات من عبور هذه الدائرة إلى المسؤول لا عبوراً فعلياً ولا حتى بالسمعة إلاّ برغبة الدائرة ولذا فإن الكفاءات المؤهلة الجديدة تسبح في الظل وسط قناعة تامة بأنها لا يمكن أن تكتشف.

العوازل البشرية ليست كالعوازل الكهربية أو الحرارية عديمة التوصيل تماماً بل هي انتقائية في الاتجاهين تنقل ما تريد إلى المسؤول وتنقل إلى السابحين في الظل عن المسؤول ما يثبط هممهم وتصور لهم أن مواصفاتهم لا توافق توجهاته.

هذه ليست نظرة متشائم بل تصوير موجز لواقع لا تكاد دائرة أو وزارة أو مستوى من درجات المسؤولية يخلو منه، بل إن ثمة تبعات لا تقل خطورة لهذه التركيبة المزمنة فحتى الإبداعات والأفكار والمقترحات الناجحة للفئة المحجوبة قد ينسبها الناقل لنفسه دون أن تكتشف هذه الممارسة نظراً لصعوبة الاتصال وتوحيد مصدر استقاء المعلومة.

لذلك فإن من الحكمة والعدل أن يخرج المسؤول من دائرة الشلة المغلقة وينفتح على الجميع لتتسع أمامه الخيارات ويكتشف بنفسه الكفاءات ويشرح نفسه للشريحة الأكبرفليس أسوأ من أن تسمع عن من حولك من قلة منهم وأن يسمع من حولك عنك من غيرك.

إن ما يصور لنا بأنه مضيعة لوقت هام قد يغير لدينا مفاهيم كثيرة ويعرفنا على وجوه جديدة تخرجنا من عقدة أن من حولنا هم النخبة وتجعلنا نكتشف طاقات جديدة شابة كانت كنزاً أخفيت عمداً وهذا لا يتم إلاّ عبر فتح الأبواب وتكثيف اللقاءات المفتوحة واعتبار البحث والتنقيب عن الكفاءات مباشرة ودون وسيط هو الخيار الوحيد لاستغلال الكنوز البشرية لهذا الوطن المعطاء آخذين في الاعتبار أن من طبائع النفس البشرية أنها لا تزكي عليها غيرها.