التصنيف: بصوت القلم

بطاطس الحرية

يوماً بعد يوم تثبت الولايات المتحدة الأمريكية أنها من صنع هوليود والإعلام بصفة عامة وأن الإعلام الصهيوني هو الذي يمثل رأي الشعب الأمريكي رغماً عنه إلى درجة أن ذلك الإعلام يعطي انطباعاً يعاكس تماماً وجهة نظر الغالبية وينسبه إلى الشعب الذي يحيط بتمثال الحرية!!

لكن هذه الأيام وهذه الأجواء رغم توترها هي أجمل الأيام التي كشفت القناع عن كثير من ادعاءات الدولة العظمى أو الدولة التي تدعي أنها رائدة الحرية في العالم.

انظروا ما حدث عندما خالفت فرنسا توجهات الولايات المتحدة الأمريكية في أمر هو موضوع خلاف بين أفراد الشعب الأمريكي أنفسهم فأقل الإحصاءات تفاؤلاً تؤكد أن 50% من الشعب الأمريكي لا يؤيدون الحرب على العراق بدون قرار من الأمم المتحدة بينما ترى إحصاءات أخرى أن المعارضين للحرب أكثر بكثير من هذه النسبة بدليل المظاهرات المليونية.

انظروا ما حدث: المطاعم الأمريكية تزيل اسم فرنسا من قائمة الطعام، ليس هذا فحسب بل أن مطاعم الوجبات السريعة غيرت اسم شرائح البطاطس لتصبح “بطاطس الحرية” بدلاً من شرائح البطاطس الفرنسية “فرنش فرايس”.

خبر آخر يؤكد أن أحد الجنود الأمريكان الذين شاركوا في الحرب العالمية الثانية أعاد إلى السفارة الفرنسية في أمريكا شهادة شكر كان قد حصل عليها من فرنسا بعد الحرب!!

انظر كيف يدعي الإعلام الأمريكي أن ثمة موجة معارضة شعبية أمريكية لفرنسا بل موجة كره شديد إلى درجة مسح اسم فرنسا من كل شيء!!

كيف للشعب أن يكره بلداً ديموقراطياً حراً لأنه يعبر عن رأيه؟! وما هو هذا الرأي؟ هو رأي تطالب به الغالبية في أمريكا وتظاهرت للمطالبة به ملايين البشر في أوروبا وأمريكا!!

هل يعقل أن يقف الشعب ضد دولة لأنها تخالف سياسة بوش والشعب نفسه يخالف هذه السياسة؟! والشعب نفسه يؤيد حرية الرأي والقرار؟؟

الواضح جداً أن الإعلام الأمريكي يصنع الأحداث ويحدد التوجهات وكأنه ينتج أحد أفلام هوليود.

وهذا الإعام تديره نفس الأقلية التي توجه القرار في كل حكومة أمريكية خاصة في فترة الرئاسة الأولى ولذلك فإن عدوى “إن لم تكن معي فأنت ضدي” انتقلت من الرئاسة إلى الإعلام لأن الناقل واحد وهو الذبابة الصهيونية التي وقعت هذه المرة على البطاطس الفرنسية!!

النصر العالمي

انتصار جديد حققه العرب بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر يعتبر هاماً جداً بلغة الإعلام وإن لم يكن بنفس الأهمية في لغة السياسة.

كان النصر الأول عندما انكشف زيف الادعاءات الأمريكية بمراعاة الحريات الفردية وحقوق الإنسان مع أول امتحان حقيقي تمثل في أحداث 11سبتمبر عندما انتهكت الولايات المتحدة الأمريكية الحريات الفردية في الداخل بمداهمة المنازل دون مبرر واضح أو إذن بالتفتيش والتصنت على المكالمات الهاتفية في داخل أمريكا والاعتقال دون تهمة والزج بعدد كبير من الأبرياء في السجون لمدد طويلة دون محاكمة أو حتى تحقيق.

أي أن الولايات المتحدة الأمريكية مارست نفس ماكانت تنتقد ممارسته من قبل أنظمة دول العالم الثالث وتدعي أنها تحرك الأساطيل لتصحيحه وإنقاذ الشعوب منه. ليس هذا فحسب بل إن أمريكا ذهبت إلى ماهو أشد قسوة واحتقاراً للإنسان مما قد يكون حدث في أي نظام دكتاتوري وحشي عندما فعلت ماتفعله الأن في غوانتانامو وهو ما هز مشاعر أقسى القلوب في العالم، دون أن يحرك ساكناً في أمريكا.

النصر الجديد يتمثل في مناظرة أجرتها محطة بي بي سي الفضائية العالمية (BBC World) بين جمع كبير من الناس في نيويورك يمثلون رأي الشعب الأمريكي منهم الصحفيون والسياسيون ونخبة القوم وعامتهم وجمع آخر مشابه في عمان الأردن يمثل الرأي العربي وخاصة عدد من العراقيين والمثقفين العرب ممن يتحدثون الإنجليزية بطلاقة أو عاشوا في أمريكا فترة من الزمن.

بطبيعة الحال المناظرة كانت منقولة عبر الاتصال الفضائي المباشر، ولعل محطة (BBC) استوحت هذه المناظرة من طلب رئيس العراق إجراء مناظرة تلفزيونية مباشرة بينه وبين الرئيس الأمريكي بوش فبادرت إلى إجرائها بين الشعوب.

الانتصار تمثل في هدوء ومنطقية وواقعية الجانب العربي والتزام المتحدثين بأدوارهم في الحديث واحترامهم للاختلاف في وجهات النظر بينهم وإستشهادهم بالحقائق والوقائع دون اللجوء للافتراضات. بينما كان الجانب الآخر في نيويورك يتحدث بتشنج غريب ولغة حادة وحجج تعتمد على فرضيات ودب الخلاف بينهم أكثر من مرة ولم يكن ثمة احترام لوجهة نظر بعضهم البعض حيث تكرر أن يتحدث أكثر من شخص في نفس الوقت لينتهي “التناقر” بهمز أو لمز.

ركز الجانب العربي على الكشف عن سوء النوايا الحقيقية من وراء حرص أمريكا على الحرب وعن معاناة الشعب العراقي وعن الكيل بمكيالين بين ممارسات صدام وشارون وعن التحيز في تعريف الإرهاب والأسباب الحقيقية لكارثة سبتمبر ولأن الحوار أو المناظرة لاتقبل الأجوبة الدبلوماسية أو التهرب من الرد نظراً لمهنية من يتولى إدارة الحوار في المدينتين فإن الجانب الأمريكي كان موقفه دفاعياً متشنجاً مختلفاً فيما بين أعضائه إلى درجة التصادم.

شخصياً أعتبر ماحدث نصراً إعلامياً عالمياً نحن في حاجة إليه خاصة وأنه أكد على أن الفوضى والخلافات والصراخ أثناء التحاور والمشادات الكلامية ليست صفات عربية على مستوى الشعوب وأن أحداث 11سبتمبر أوضحت بجلاء أن أمريكا قيادة وإعلاماً وشعباً عندما تعرضت لمحنة واحدة من مئات المحن التي تعرض لها العرب انكشفت على حقيقتها وبدت لاتختلف عن أقل من دول العالم الثالث رزانة وعقلاً.

فسيولوجية اللسان العربي

في المؤتمر الصحفي الذي عقده الرئيس الأمريكي جورج دبليو بوش يوم الخميس الماضي تعرض الرئيس وكالعادة “من صحفيين غربيين” إلى عدة أسئلة محرجة تشكل في حقيقتها ومضمونها رسائل مباشرة وآراء السواد الأعظم الرافض للحرب أكثر منها مجرد أسئلة تبحث عن إجابة من الرئيس!!

وفي الوقت الذي تعرض فيه الرئيس لذلك السيل المحرج من الآراء في شكل أسئلة من ممثلي وسائل الإعلام الغربية، لم يكن ثمة حضور يستحق الذكر للصحافة العربية بل كان الحضور معدوماً حتى من حيث طرح الأسئلة.

حتى ترجمة الفضائيات العربية للأسئلة والأجوبة كانت تفتقد للعمق في ترجمة المعنى وممعنة في الترجمة الحرفية الصرفة لعبارات لها مدلول أعمق وأقوى في المعنى المقصود.

أحرج الرئيس الأمريكي كثيراً حينما أشعره أحد الصحفيين الغربيين “طبعا” أن الموقف الأمريكي ضعيف جداً هذه المرة وغير مقنع طالما أن عدداً من الدول الأوروبية المؤثرة لا تؤيد قرار الحرب وأن موقف الولايات المتحدة الأمريكية وحليفها الإنجليزي أصبح في معزل عن دول لها حظ وافر من الحرية والديمقراطية والتأثير في مجلس الأمن.

الرئيس اكتفى بالقول إن ثمة من خالفنا الرأي في عام 91م ثم اقتنع في النهاية بضرورة الحرب، وهو جواب غير مقنع لاختلاف الحيثيات وحجم التأييد.

صحفي غربي آخر كان محرجاً بدرجة أكبر عندما ذكَّر الرئيس الأمريكي بأن أمريكا قالت كلاماً مشابهاً في تبرير حربها في فيتنام ووقعت الحرب بكل أهوالها ومدتها الطويلة ولم يتغير النظام في فيتنام بل لم يتحقق شيء من مبررات الحرب التي ذكرت آنذاك فماذا ستقول يا سيادة الرئيس لعائلات وأحفاد الجنود الأمريكيين الذين قضوا في فيتنام لتؤكد لهم أن حربهم هذه المرة ستحقق شيئاً يستحق المجازفة؟!

الغدد العرقية للرئيس الأمريكي رغم برودة الجو كانت تتولى الإجابة على تلك الأسئلة قبل لسانه وأعتقد أن الصحافة التي لا تخاطب غدد العرق في المؤتمرات الصحفية يفترض أن لا تحضر!!.

ليس المهم ماذا تم في المؤتمر الصحفي من إحراج لرئيس الدولة العظمى ولكن المهم هو التساؤل عن سبب غياب الإحراج من الصحفيين العرب وممثلي الفضائيات العربية التي تتفنن في دس السم في الأسئلة وعلامات الاستفهام العربية العربية؟!

تلك القنوات التي تبدع في تأجيج الخلافات العربية عن طريق ترويج الشائعات بالأسئلة لم تستغل تلك الموهبة الفريدة في مؤتمر رئيس الدولة العظمى وتتحفنا بواحدة من علامات الاستفهام الكثيرة التي كان من الممكن أن تحرج الرئيس وتثير انتباه الرأي العام الأمريكي.

فيما يخص مبررات رغبة الولايات المتحدة الأمريكية في تجريد العراق من السلاح أخطأ الرئيس الأمريكي عندما اكتفى بالقول إن أسلحة العراق تهدد أصدقاءنا في إسرائيل، وكان بالإمكان استغلال تلك الهفوة بطرح سؤال ينبه الشارع الأمريكي النائم، سؤال بريء يقول “هل تعني سيادة الرئيس أن تعريض مئات الآلاف من أرواح الأمريكيين للخطر عسكرياً وتعريض مصالح الولايات المتحدة الأمريكية لخطر تفريخ مزيد من الكارهين لأمريكا في العالم والتضحية بعلاقة أمريكا مع اصدقائها في أوروبا وفقدان الأمم المتحدة لتماسكها، كل هذا يتم من أجل احتمال و جود ما يهدد أمن إسرائيل؟!

ثم أين الأسئلة التي تذكر الرئيس والشارع الأمريكي بما يتعرض له الفلسطينيون من ذبح في نفس وقت عقد المؤتمر؟! والكيل بمكيالين فيما يخص التسلح والإرهاب؟!

إن الإجابة تحتاج إلى تشريح اللسان العربي ودراسة فسيولوجيته وستجد أن أهدافه محددة فقط بما يسيء للعرب أنفسهم وأن هذه المضغة شأنها شأن القلب العربي يصعب أن تصلح ولو صلحت لصلح الجسد كله.

يا هلال عزّك عزّنا

عندما يكون أداء الفريق، أي فريق مرتبطاً بمصير غيره سواءً كان هذا الغير فرداً أو جماعة فإن أمر تدريب هذا الفريق وتطويره والرفع من مستوى أدائه موضوع لا يخص ذلك الفريق والقائمين عليه فقط بل يخصنا جميعاً ومن حقنا ان ندس أنوفنا في عمق هذا التدريب وذاك التطوير ونتساءل عن جدواه.

وموضوع توقيع عقد لتدريب المسعفين لتجهيزهم ليصبحوا أعضاء في فريق الهلال الأحمر السعودي أمر يتعلق مباشرة بحياتنا جميعاً وسلامتنا جميعاً وفرصة إنقاذ حياة أي واحد منا أو التسبب مباشرة في فقداننا لنعمة الحياة أو جزء من صحتنا.

لهذا السبب أرى أن على جمعية الهلال الأحمر السعودي أن لا تكتفي بمجرد إطلاعنا على خبر مقتضب غامض عن توقيع اتفاقية تدريب مسعفين مع قطاع خاص، دون اطلاع الناس، كل الناس على تفاصيل تلك الصفقة التي تمت على مستوى تمثيل رفيع للطرفين حسب ما ظهر في الصور حيث مثّل الجمعية رئيسها ومثّل القطاع الخاص رئيسه لكن مستوى الوضوح في الخبر المكتوب كان ضعيفاً جداً.

لم تذكر الأخبار بنود العقد أو الاتفاقية التي وقعت باحتفالية كبيرة وفلاشات و”بشوت!!”.

ولم يصرح عن التزامات كل طرف بل لم يتم التطرق ولو على أقل تقدير لما يبعث على الاطمئنان بأن الجانب الأكاديمي للتدريب ومنح الشهادة يتم تحت مظلة جهة أكاديمية محايدة مثل احدى الكليات المتخصصة في واحدة من جامعاتنا!!.

حتى مقر تلقي التدريب العملي والنظري لم يحدده الخبر، بمعنى هل يتم في الجمعية بصفتها الميدان الفعلي للممارسة في مراكزها وسياراتها وإذا كانت الجمعية تتحمل العبء الأكبر في هذا الصدد فما هو الداعي لأن يكون مانح الشهادة قطاعاً صحياً خاصاً؟!

وهل هو مجرد جهة جباية لرسوم منح الشهادة؟! وإذا كان كذلك فكم نسبة الجمعية طالما أنها تتحمل عبئاً من التدريب؟! ولعل السؤال الأهم هو لماذا لا تتولى جمعية الهلال الأحمر السعودي تدريب هؤلاء الطلاب إلى جانب تدريب منسوبيها خصوصاً وأنها جهة الممارسة الفعلية ويفترض أن تتولى مثل هذه الجمعية توفير البنية التحتية ومن أهم عناصرها إنشاء مركز للتدريب الذي لا يمكن الاعتماد فيه على التعاقد مع جهة لا تمارسه فعلياً!!.

إن الإسعاف أداة أساسية لحياة المجتمعات مثله مثل الشرطة والدفاع المدني بل لا يقل عن أهمية الماء والهواء لأن الحياة قد تفقد إذا غاب أو نقص!! لذا فإن من حقنا أن نطمئن على كفاءة أفراده وأجهزته لأن عز الهلال الأحمر عز لنا وعكس ذلك وبال علينا!!، والواقع وباعتراف القائمين على الجمعية أنفسهم فإن المسعفين يفتقرون للتدريب والمهنية وأن التجهيزات وخاصة السيارات قاصرة ومتهالكة.

وإذا كانت الجمعية تعرضت لعملية غش في دفعة كبيرة من السيارات فإن الغش في المسعفين سيكون أخطر بكثير خاصة إذا كانت مخرجات المسعفين تتخذ الطابع المادي البحت بمعنى “ادفع 25ألف ريال تتخرج مسعفاً خلال سبعة أشهر ووظيفتك مضمونة”!!

هل نتفق إذاً أنه من الضروري أن نطلع على بنود تبعث على الاطمئنان على أن مخرجات المسعفين مؤهلة ومعتمدة وأن التدريب يتم تحت مظلة أكاديمية حكومية دقيقة وأن جهة التدريب ليست مجرد مكاتب منح شهادات!! وأن الأمر برمته ليس لمجرد التنفيع.

مختل ووزراء وسلاح!!

ترى كم ذمة تتحمل وزر ما حدث للعائلة في حي السويدي جراء إطلاق مريض نفسي النار على زوجته وأخويه وقتل الزوجة وأحد الأخوين وإصابة الآخر.

كم ذمة تتحمل الصدمة النفسية التي تعرض لها أطفال تلك الأسرة.

الجيران أكدوا أن الرجل يعاني من مشاكل نفسية ويراجع العيادات النفسية لهذا الغرض!! .

لقد كتبنا كثيرا عن الوضع المزري للمرضى النفسيين في هذا البلد الذي وصل إلى أعلى درجات الرعاية الصحية لمرضى القلب والكبد والعيون والأسنان والنقرس وتوسلنا أكثر ورجونا أن ينظر إلى الإهمال العجيب للطب النفسي في مجتمعنا.

شخصياً توسلت تحت عنوان “المجانين ياأولي الألباب” و”نصف الصحة المهمل” و”مريض نفسي يخاطب مجلس الشورى” مشيرًا إلى أن المريض النفسي الذي خلع ملابسه وارتمى على إحدى السيارات الفخمة في حي المؤتمرات قرب مبنى مجلس الشورى ربما كان يريد أن يرسل رسالة ما ليستنجد بأعضاء المجلس بعد أن أصابه اليأس من القائمين على الصحة.

استشهدت عدة مرات بحادثة إطفاء هيجان مرضى مستشفى الصحة النفسية بالرياض باستخدام خراطيم الماء على مرأى من وزير الصحة آنذاك الحجيلان ووكيله السويلم.

عندما نتساءل ترى كم ذمة تتحمل وزر ما حدث لزوجة وأخوة وأبناء المريض النفسي وغيرهم من أقارب مرضى نفسيين تعرضوا لأذى غير مقصود فإنما نقصد أن ذمة وزير الصحة الحالي ووكلائه ومستشاريه ليست المسؤولة الوحيدة.

وزراء الصحة منذ بداية الطفرة وحتى الآن تتحمل ذممهم مسؤولة كبيرة.. ووكيل وزارة الصحة السابق الطبيب عبدالرحمن السويلم الوكيل المخضرم الذي عاصر ثلاثة وزراء وشهد حالة الإطفاء تلك يتحمل الجزء الأكبر من المسؤولية.

عشرات السنين مرت بما فيها سنوات الطفرة ولم يشهد المرض النفسي أدنى اهتمام أو تطوير بل على العكس، كلما زاد عدد المرضى النفسيين، كلما زادت الإجراءات البيروقراطية في موضوع رعايتهم وزادت تعقيدات الموافقة على قبولهم في المصحات وتفننت التعليمات المتسمة بالتعقيد في أمر صرف أدويتهم “مريض نفسي أعيد إلى الخرج دون صرف أدويته لأنه لم يحضر صورة الحفيظة!”

منذ سنوات الطفرة وحتى اليوم كم استحدث من مراكز زراعة الأعضاء رغم ندرة المتبرعين؟! وكم افتتح من مراكز جراحة القلب المفتوح في المدينة الواحدة؟ وكم في المقابل أضيف من سرير لمستشفيات الصحة النفسية رغم سوئها وشح أدويتها وسوء نظام توفيرها وصرفها وضحالة تأهيل الكوادر الطبية غيرالوطنية العاملة بها؟!

لو كان لدينا مفهوم صحيح للتعامل مع المريض النفسي فهل يترك في منزله دون التأكد من عدم وجود أي احتمال ولو ضئيل لانتكاسته؟! لو كان لدينا تقدير لخطورة الانتكاس، هل كان المريض النفسي لا يحصل على مدد كاف من الدواء إلا بواسطة! وبعد أن يطرق ذووه كل أبواب المستشفيات المتقدمة؟.. ولو كان لدينا أسلوب صحيح في التعامل مع المريض النفسي هل يترك دون دراسة وضعه الأسري عن طريق الاخصائي النفسي والاجتماعي بل لو كنا نقدِّر خطورة الانتكاسة النفسية هل نسمح لمريض نفسي بحيازة السلاح؟! لو أجري بحث ميداني على ذلك المريض أو غيره عن طريق الاخصائي الاجتماعي وعرف من أهله ما يحدث عند انتكاسته وعرف حوزته للسلاح لكان قد طلب سحب سلاحه أو إخفاءه وتأكد من توفر أدويته أو نبّه طبيبه إلى ضرورة احتوائه لكن كل هذه الإجراءات الأساسية لا تتم إلا بوجود اهتمام وإحساس بحاجة هذه الفئة من المرضى يبدأ من المسؤول عن الصحة ووكلائه ولعلي أكرر ما قلته سابقا من أن مشكلة المريض النفسي أنه لا يمدح وإذا مدح فمدحه كالقدح لذا فإنه لا يجد اهتمام الباحثين عن الإعلام.

بكتيريا الضمير يامعالي الوزير

تضمن شروط وأنظمة المناقصات الحكومية حق القطاعات الصحية الحكومية في الحصول على الدواء الأرخص سعراً مع ضمان الجودة، حتى إن أسعار بعض الأدوية في المناقصات تنخفض الى أقل من 50% من سعر الدواء في السوق الذي يدفعه المريض للشركة المصنعة أو الوكيل.

في الوقت ذاته فإنه ليس ثمة ما يضمن حق المريض المسكين في الحصول على الدواء الأرخص وإن وجدت بعض الأنظمة على ورق فإن تفعيلها معدوم تماماً.

خذ على سبيل المثال المضاد الحيوي “أموكساسلين” والذي يوصف بكثرة خاصة لالتهابات الجزء العلوي من قناة التنفس، هذا المضاد يباع المنتج الوطني منه بحوالي 53ريالاً في حين ان المستورد من نفس الاسم العلمي لا يتعدى سعره عشرة ريالات ومن شركة مشهود لها بالجودة العالية واتباعها لأعلى المواصفات العالمية ولا تقل مطلقا عن جودة الشركة الوطنية.

المريض المسكين لا يعلم بتواجد هذا الخيار الميسر الذي يوفر له 43ريالاً على الأقل، بل لا يعلم ان من حقه ومن حق الصيدلي إعطاءه اي اسم تجاري لنفس الاسم العلمي بل على العكس فان المعلومة الوحيدة التي يشحنها في المرضى بعض عديمي الذمة من الأطباء بمباركة من صمت وزارة الصحة هي أن الصيدلي حينما يستبدل الاسم الذي كتبه الطبيب فإنه قد يقتلك!!

إن المريض مواطناً كان أم مقيماً في هذا الوقت بالذات أحوج ما يكون لاطلاعه على السبل الأيسر لرعايته صحيا واقول في هذا الوقت لأن هذا الوقت شهد إغلاق أبواب العلاج في وجه كثير من منسوبي القطاعات التي لا توفر لمنسوبيها خدمات صحية بحجة أن المستشفى لمنسوبي القطاع!

دعونا ولو لمرة واحدة نسير على هوى بعض أو قلة من منسوبي الوزارة ومستشاريها ممن تغضبهم أسئلة وجيهة وحساسة مثل لماذا تمت الموافقة على تسعير هذا المضاد بسعر مرتفع رغم أن السعر الفعلي لنفس المضاد هو الخُمس بدليل تواجده في سوقنا بسعر زهيد من شركات كبيرة؟!

أقول دعونا نسأل أسئلة اقل وقعا ونقول لماذا لا يصاحب الفروق الشاسعة في اسعار الدواء إلزام للأطباء بكتابة الاسم العلمي للمادة الفعالة “الاسم العلمي فقط” ويلزم الصيادلة بعرض الخيارات امام المريض بدداً بالدواء الأرخص؟!

بل لماذا لا تتم توعية المريض بأن من حقه مطالبة الصيدلي باعطائه البديل الأرخص لنفس المادة العلمية؟

لماذا تصمت الوزارة أمام حملات بعض الأطباء الإعلامية على الصيادلة بحجة انهم يصرفون دواء غير ذلك الذي حدده الطبيب لشيء في نفسه؟

لا أبرئ الصيادلة فقد يعمد الصيدلي الى استبدال الاسم التجاري المكتوب بآخر أعلى سعراً لأن حملات الرشوة التي تمارسها شركات الدواء لا تقتصر على الأطباء بل يتعرض صيادلة السوق إلى إغراءات لا تقل عن تلك التي يتعرض لها الأطباء لكتابة اسم تجاري بعينه لكننا يجب أن نكون واقعيين ونؤكد على أن الطبيب، في ظل صمت الوزارة، هو الأقوى فهو كاتب الصك وهو الأقدر على التأثير النفسي على مريض يجهل خفايا اللعبة الى درجة تخويفه من أي استبدال!

يامعالي وزير الصحة الذي لا نختلف على دفء مشاعره الانسانية: ثمة خدمات انسانية كبيرة تستطيع تقديمها دون الحاجة الى مخصصات! ولا ينطبق عليها عذر الجود من الموجود، ولا تحتاج الا لقطرات من الحبر وجرة قلم لتفعيل انظمة واجراءات تعتبر أبجديات عند من سبقونا وبعض “جماعتنا” يعرفونها جيدا لكنهم يتجاهلونها!!

من أهمها في نظري إطلاع المريض على حقوقه وايضاح سبيله للحصول عليها أو شكوى من لم يلتزم بها، ومن ثم التعامل مع الشكوى بجدية وصرامة.

من هذه الحقوق: حقه في الحصول على الدواء الأرخص وحقه في الحصول على الكمية اللازمة من الدواء فقط وليس “عبوات عائلية” وحقه في المطالبة بتاريخ انتهاء طويل “تماما مثل الدولة عندما تطلب ثلثي المدة” وحقه في معرفة ما يتخذ نحوه من اجراءات طبية وجراحية ونسبة نجاحها وما يترتب عليها.

كل تلك إنجازات يسجلها كاتب اليمين قبل غيره ويقدرها الناس وتبقى للأجيال القادمة فحماية المريض من الطبيب والصيدلي والتاجر لا تقل أهمية عن حمايته من الأمراض، فالتجارب أثبتت أن بكتيريا الضمير أخطر بكثير.

صرعة معاليه

شهد وسط الأسبوع الماضي وسيشهد الأسبوع القادم فوضى عارمة على الطرق السريعة والبرية المؤدية الى الرياض، حيث شوهدت مئات السيارات وهي تعود معاكسة لاتجاه السير، عائدة من الرياض الى المدن والقرى الاخرى التي جاءت منها مسرعة.

سيارات تعود من فوق المخارج واخرى لم تنتظر بل عطف قائدها مقود سيارته وعاد أدراجه معاكساً الاتجاه النظامي للسير وآخر عاد أدراجه مستخدماً وضع القيادة الخلفية “ريوس”.

منظر العودة العاجلة من الرياض ليس سببه قرار عاجل بتمديد اجازة الموظفين الى يوم السبت (موعد بدء الدراسة) او إشاعة قوية بهذا القرار.

سبب العودة المفاجئة من الرياض كان تجاوباً مع دعوة معالي نائب وزير المعارف لتعليم البنات د. خضر القرشي التي اطلقها مدوية في تصريح صحفي يرجو فيه “جمهور” الناس الكف عن الوساطة والشفاعة حتى تتمكن العملية التعليمية من السير دون عوائق!!.

ولأن الناس يحبون وزارة المعارف ويدركون جيداً انه لا ينقص هذه الوزارة بشقيها الا تجاوب الناس بالكف عن الوساطة ويعلمون ان الوزارة تعمل بصمت!! ودون ضجة!! وبدون تأثير للواسطة والشفاعة في تعيينات الموظفين ولا الموظفات ونقل المعلمين والمعلمات وانه لايكدر صفو اعمال الوزارة بشقيها الا ازعاج المواطنين لها بطلب امر مكروه للوزارة ممقوت من القائمين عليها الا وهو الواسطة والشفاعة!!.

ولان الناس يعلمون ان القضاء على المحسوبية والواسطة يكون بالتوقف عن ممارسة التوسط والكف عن الشفاعة فقد كان التجاوب كبيراً و”مذهلاً” بل وخطيرة في صورة عودة سريعة من رحلة الواسطة المتجهة الى الرياض. فما ان طالع الراكب الصحيفة وقرأ تصريح نائب الوزير ودعوته بالكف حتى بادر السائق الى سحب “جلنط” سيارته المسرعة ليدور في وسط الخط السريع “مفحطاً” كما يفعل الطلاب الذين عجزت وزارة المعارف عن حثهم على “الكف” عن التفحيط ويعود ادراجه معاكساً “الاتجاه النظامي تماماً” كما يفعل طلاب الوزارة!! يعود الى حيث اتى دون ان يشرع مجرد شروع في محاولة التوسط. مما احدث حالة الفوضى تلك في كل الطرق السريعة والبرية وربما الجوية!!.

يا معالي النائب من أين اتيت بكل هذا الامل والطموح بل والمنطقية المفرطة؟! اليس منع مسببات الواسطة اجدى من الدعوة للكف عنها؟! هل تبدأ محاربة الظاهرة واقصد تلك التي تتسم بالانتفاع، والاستفادة، والمصلحة، هل تبدأ محاربتها بالدعوة لكف المنتفع او المستفيد او صاحب المصلحة ام تبدأ بقفل الابواب من الداخل امام كل مستفيد.

ثم دعونا نغالط المنطق ونخالف الاولويات وندعي ان الحرب على الواسطة تبدأ بدعوة المواطنين هل نسينا ان الدفاع المدني يدعو الناس الى الكف عن السباحة في المستنقعات والاقتراب من السدود بل ويدعو الى الكف عن التجمهر حول حوادث الحرائق ولم ينجح رغم ان المصلحة تقتضي الكف ونريد من نفس الناس الكف عن امر لايمكن ان تتحقق مصالحهم بدونه الا وهو الشفاعة.

مثل تلك الدعوة اسميها استفزازاً للمشاعر او صرعة جديدة من صرعات وزارة المعارف في حب الظهور!!

عقدة الرئيس المباشر

لا بد أن نحرر الموظف من التبعية التامة لرئيسه المباشر لكي نستطيع أن نكتشف جيلاً جديداً من المبدعين في المجالات الإدارية والقانونية والهندسية والسياسية وكافة المجالات الأساسية التي لا يمكن لوطن أو أمة أن تتطور ثم تحيا دون أن تضمن قاعدة صلبة من المبدعين فيها.

الربط بالرئيس المباشر يفترض أن يكون محدداً ببعض الاجراءات الإدارية والرقابية دون تقييد لحرية الموظف وحقه في الإبداع ضمن أطر النظم والاجراءات، لو كان هناك نظم واجراءات!!

الواقع الحالي يحبط كل محاولات وفرص بروز جيل جديد مبدع ووصوله إلى عين المسؤول الأعلى أو أذنه ليتبناه كصاحب أفكار أو أفعال إبداعية متميزة لأن أي موظف في أي قطاع لا يمكن أن يبرز إلى السطح لأن علاقته بالمجتمع من حوله مرتبطة بشدة برئيسه المباشر وأي اتصال بهذا المجتمع سواء كان إدارات أخرى أو أفراداً أو إعلاماً لا بد أن يتم عن طريق هذا الرئيس الذي من حقه (بحكم عادات وتقاليد وظيفية سيئة) أن يشارك موظفه في كل ما يقدمه من أفكار أو ما يحصل عليه من تقدير هذا إذا كان كريماً ولم ينسب الفكرة لنفسه ويحجب الموظف تماماً أو يطلب نقله.

لا أبالغ إذا قلت إن العادات والتقاليد الوظيفية، التي لا يعرف لها أصل أو سلطان إلا التقليد السيء المتوارث، تكاد أن تشرك الرئيس المباشر في إرث الموظف!! وهذا الربط المبالغ فيه يقتل الطموح ويغتال الإبداع وإذا وجد النبوغ رغم ذلك فإنه ينسب إلى غير صاحبه ويسرقه المدير عنوة، ولذا فإنه يستحيل أن يحدث في مجتمعنا تفريخ للمواهب في نواحي الحياة الإدارية أو الاقتصادية أو السياسية أو الهندسية والقانونية.

حتى أمانه الموظف لا يمكن أن يمارسها دون أن يكون ذلك من خلال رئيسه المباشر، فماذا لو كان هذا الرئيس لا يتمتع بنفس الدرجة من الأمانة؟!.

تقولون بالغت أقول لكم إن موظفاً صغيراً في إحدى المؤسسات الحكومية ذات الطابع الاجتماعي حاول التبليغ عن محاولة رشوة تعرض لها من أشخاص أجانب لغرض تسهيل حصولهم على تأمين يخص متوفى من جنسية أخرى يفوق المليون ريال، لكنه أي الموظف الصغير صدم بواقع أليم مفاده ضرورة أن يأتي التبليغ من رئيسه المباشر!! وهو يدرك أن رئيسه عصبي أخرق قد يفسد بتصرف أهوج غير مقصود خطة الإيقاع بالمجرمين وكاد أن يصل إلى مرحلة يأس لولا أن هداه الله إلى اللجوء لرئيسه الأعلى دون رئيسه المباشر وبالرغم من نجاح الخطة والقبض على المجرمين بجهود المباحث الإدارية وذكاء وحكمة ذلك الموظف الصغير إلا أنه عانى ولا يزال يعاني من ضغينة رئيسه المباشر الذي يعتقد أنه ارتكب جرماً بتخطيه.

هذا مجرد استشهاد، لكن الأهم منه أن عقدة الرئيس المباشر قاتلة للطموح؟ لا تخدم إلا أصحاب المناصب الحالية فماذا عن المستقدم؟!.

‘جنك عقود!!’

يتباهى بعض المسؤولين بما يسمونه إنجازاً وهو أبعد ما يكون عن الإنجاز، وذلك لخلوه من أهم مقومات الإنجاز وهو البنية التحتية وافتقاده لأهم عناصر الاستمرارية في العطاء ألا وهو تبعية الخدمة أو المشروع المنجز للقطاع وليس لمقدم الخدمة الذي هو في الغالب شركة أو مؤسسة منتفعة.

ثمة فرق كبير بين مسؤول ينشئ مشروعا من العدم ويؤسس له تأسيساً صحيحاً ويوفر له بنية تحتية صلبة ويؤمن احتياجاته من المؤسسة ذاتياً ولسنوات عديدة بتخطيط مدروس وجهد ملموس ويقدمه للوطن كمشروع متكامل له صفة الاستقلالية والبقاء والديمومة ويستفيد منه الوطن في شكل خدمة وفرص وظيفية للمواطنين، وبين مسؤول يتباهى بانجاز قلمه في توقيع اتفاقية مع شركة لتقديم خدمة أساسية مقابل ملايين الريالات لمدة محدودة دون أن يبذل ادنى جهد غير حبر التوقيع وتحمل عيناه لبريق فلاشات الاعلام عند توقيع اتفاقية لا تحقق بنية تحتية ولا جهداً ملموساً ولا إنجازاً محسوساً!! ولا توفر اهم مسببات الفخر وهو استمرارية الخدمة رغم انها أساسية وهامة.

المسؤول غير القادر على التخطيط والتنفيذ والبناء والمتابعة وفي الوقت ذاته يريد أن يبقى أطول وقت ممكن يعمد إلى المشاريع الفورية، المشاريع مسبقة الصنع المتمثلة في توقيع عقود تقديم الخدمات مع شركات ومؤسسات مشاريع الوجبات السريعة التي لا تسمن ولا تغني من جوع ولا يتحقق معها سوى تنفيع أصحابها وملاكها ومنهم الصهر والخال والولد!!

مشاريع التوقيع تلك تذكرني بوجبات المطاعم السريعة (جنك فوود)لأنها أي تلك المشاريع تحمل نفس خصائص الوجبات السريعة من حيث إنها سريعة التحضير معدومة القيمة الغذائية عديمة الفائدة، باهظة التكلفة، لا يعتمد عليها غير ربة بيت كسولة لا تجيد إعداد الطعام.

الفرق الوحيد بين الشبيهين هو فرق موجود إنما أوجده عنوة طبع التبجح لدى بعض المسؤولين، ففي الوقت الذي تكون فيه ربة المنزل واقعية ومنطقية فتعترف بأن اللجوء إلى المطاعم ينم عن عجزها وقصورها وكسلها فإن بعض المسؤولين، يتفاخر بتوقيع عقود من نوع”جنك عقود” ويملأ وسائل الإعلام بالضجة كأنه حقق إنجازاً مذهلاً لم يسبق اليه ولن يتكرر.

المشكلة أن فلاشات آلات التصوير لا تفرق بين مسؤول يبذل عرقا وآخر يبذل حبرا!!! لا تفرق بين من يبني بفكره ومن يوقع بقلمه لكن القارئ يدرك الفرق تماماً مثلما يفرق الأزواج بين مذاق طبخ البيت وسماجة الهمبرجر، حتى الأطفال يدركون الفرق الشاسع والزوجة الساذجة هي من تصدق حينما يفرغ الزوج من أكل طعام أعده المطعم ويقول لها “تسلم يديك”!!

بقي شبه واحد بين وجبات “الجنك” ومشاريع “الجنك” وهو أن الأولى تكثر في العطلات والثانية تتزايد في مواسم التشكيلات والله أعلم وله الحكمة والحمد.

‘مستر جعجعة’

يفترض أن يكون تقدير المسؤول عن وزارة أو قطاع أو خدمة أو إدارة بناء على ما بذله من جهد في تأسيس بنية تحتية صلبة للجهة التي تولى مسؤوليتها، لا أن يكون التقدير بناء على ما قاله أو ادعاه في وسائل الإعلام، من إنجازات وهمية وأحلام وردية وأمنيات عراض وخطط بعيدة الأمد يقرنها دوما بعبارة: أتمنى ألا أترك الوزارة الا وقد رأيتها، -يقصد تلك الأحلام-، وقد تحققت وأصبحت واقعا ملموسا، وهي مجرد أضغاث أحلام، لم يؤسس لها بنية تحتية ولا مقومات.

تلك العبارة ليست مثالاً مبالغاً فيه بل استشهاد بما قاله مسؤول في لقاء صحفي نشر منذ مدة، جعلني أتساءل بألم: هل نحن نخطط لتبقى خدمة أم لنبقى نحن؟!

في هذا الموضوع برمته لا أقصد مسؤولا بعينه، واحسب اني لم ألمح يوما وانا اقصد شخصا، لأنني اؤمن بانك عندما تنوي انتقاد شخص أو مسؤول بعينه فعليك ان تحدده بوضوح حتى لا يضيع القارئ في تخمينات قد تسيء الى عدد من الأبرياء، وإن كان للتلميح ميزة أن كثيراً من الأيادي تلمس الرؤوس بحثا عن ريشة! الا انني اعتقد أن عيوب التلميح أكثر من مميزاته.

لدينا أمثلة كثيرة لمسؤولين استغلوا الإعلام للرقي على أكتاف أحلام، مثلما أن لدينا أمثلة أكثر لمسؤولين أسسوا بنى تحتية صلبة وحققوا إنجازات مشرفة دون أن “يجعجعوا” بها بل جعلوا الناس يرون طِحناً دون إزعاج فنحن في عصر الالكترونيات التي تعمل بلمسة صامتة!

المهم في هذه الاشارة السريعة ليس تصنيف المسؤولين الى “مستر جعجعة” والسيد طحان فالواقع ينظر الأعمى اليه ويسمع من به صمم!! لكن الأهم هو أن لا ننجرف كمجتمع ومسؤولين الى تقدير صاحب الجعجعة وتصديق ادعاءاته البراقة والتأثر بقوة فلاشاته الى درجة عدم رؤية صاحب الطحن والانجازات التي يجسدها واقع لا زيف فيه.