التصنيف: بصوت القلم

إلى فريق المحققين 31

العضوية في فريق التحقيق في قضية المدرسة 31للبنات بمكة المكرمة، تعني المسؤولية عن إحقاق الحق في أمر وفاة أربع عشرة طالبة وإصابة خمسين منهن، وتعني أيضاً حماية الآلاف من طالبات وطلاب وموظفين من إهمال مشابه قد تظهر نتائجه في أية لحظة، فمن لا يجد في نفسه القدرة والشجاعة على نبذ المجاملة ورفض التوقيع على ما يشك في صحته فخير له أن يعتذر عن عضوية الفريق.

ثمة طرف لا شك مطلقاً في مسؤوليته عما حدث يتمثل في جهاز الرئاسة العامة لتعليم البنات الذي استأجر وجدد الإيجار لمبنى لا يوفر أبسط متطلبات السلامة، وهذا الطرف في حكم الميت الذي لا يجدي فيه الضرب وهو الآن في حكم الشاة المذبوحة التي لا يؤلمها السلخ لذا فلن نكتب عنه أكثر مما كتب قبل وبعد هذا الحادث الأليم.

وثمة طرف آخر يشارك تعليم البنات المسؤولية فيما حدث لكنه بالتأكيد لا يتقاسمها مع الرئاسة ألا وهو الدفاع المدني. وإدارة الدفاع المدني عرف عنها مؤخراً النشاط وتكثيف العمل الوقائي ولكن السؤال العريض الذي يطرح نفسه هو مدى الصلاحية الممنوحة لهذه الإدارة لفرض شروطها وعدم التنازل عن مقترحاتها؟! بل هل هي مجرد مقترحات أم مواصفات وشروط واجبة؟!

الأسئلة التي يجب أن يتفانى المحققون في بحث إجاباتها وتثبيتها في محاضر التحقيق وكشفها للأهالي وكلنا أهالي لمن رحلوا وأصيبوا يدخل من ضمنها أي الأسئلة: هل عاين الدفاع المدني تلك المدرسة وأبدى الملاحظات حولها؟! وهل أهملت رئاسة تعليم البنات ملاحظات الدفاع المدني؟! وماذا فعل بعد ذلك؟! هل تابع وألح في ضرورة توفير ولو الحد الأدنى الذي يعنيه إذا وقع الفأس في الرأس كمخارج الطوارئ مثلاً أو صيانة كيابل الكهرباء أو إزالة شبك الحديد من النوافذ ليسهل إخراج الضحايا عبر النوافذ.

“يتشبث البعض بأن نوافذ الأدوار العليا لا بد أن تغلق بالحديد منعاً للصوص والمعتدين ويمكن للدفاع المدني بسهولة أن يثبت لهم أن لصوص عام 2000يدخلون من الأبواب ولا يكلفون أنفسهم التسلق لنوافذ الأدوار العليا”.

ثم لابد للحاضر والمستقبل ايضاح جانب غامض في علاقة الدفاع المدني مع الجهات الحكومية، هل له حق رفض المبنى الذي لا يوفر متطلبات السلامة والوقوف ضد استخدامه سواءً كان مستأجراً أو مملوكاً كما هو الحال مع المصانع والورش ومحطات الوقود أم أن الجهات الحكومية تتمتع بحصانة لا يقوى الدفاع المدني على اختراقها.

إن أكثر الجهات الحكومية المقاومة لاحتياطات السلامة بحجة أنه مبالغ فيها هي الجهات المتحجرة الممعنة في البيروقراطية وعدم تقبل الأفكار النيرة المبنية على تجارب الآخرين ومثل هذه الجهات أكثر ما يخيفها “التوقيع” لذا فإنني أنصح اللواء سعد التويجري مدير عام الدفاع المدني والمعروف بنشاطه الميداني وديناميكيته التي لابد أن يصاحبها حيوية إدارية أن يطلب من مثل هؤلاء التوقيع على رفض مقترحات أو شروط إدارته وأجزم أنهم لن يفعلوا فالتوقيع “على البيروقراطي” أصعب من إهمال الأرواح.

أختلف كثيراً، مع وافر الاحترام والتقدير لكل من ذكر أنه لن يكتب عن الحادث حتى ينتهي التحقيق فالمسؤولية عن الحادث واضحة وضوح الشمس ولولا رحمة الخالق سبحانه لشهدنا يومياً حوادث من هذا النوع في ظل وجود أضعاف الأعداد المقبولة من الطلاب والطالبات في مبانٍ متهالكة كمبنى المدرسة (31)، والمسؤول الأول عن هذا الحادث هو رئاسة تعليم البنات والتحقيق هو لمجرد كشف تفاصيل المسؤولية والمشاركين فيها، وهذا “التحقيق” تشبث به المسؤول بقوة لكي يلتقط أنفاسه ويبعد مسجلات الصحافة التي طالما حرص على احتضانها!!.

عباءات الضحايا و ‘بشت’ الرئيس

عندما توجّه صاحب السمو الملكي الأمير عبدالله بن عبدالعزيز من نيس مباشرة إلى جيزان لزيارة المصابين بحمى الوادي المتصدع، تجول على المرضى دون أن يرتدي القناع الطبي الواقي بينما كان وزير الصحة والأطباء المرافقون يرتدون ذلك القناع حماية لانفسهم!!.كأن ولي العهد كان يرسل رسالة عظمية بحجم العظماء بضرورة مراعاة مشاعر المواطن المصاب إلى درجة عدم اتقاء ما اصيب به درءاً لجرح مشاعره.

رسائل العظماء لايستوعبها إلا عظيم ويحتاج البعض الكثير من الوقت لاستيعابها ناهيك عن تطبيقها.

الرئيس العام لتعليم البنات تجول على موقع دهست فيه أكثر من ستين زهرة من بناتنا انتقل منهن إلى الباري “الأعلى” سبحانه أربع عشرة زهرة بريئة، وكان معاليه بكامل أناقته يرتدي “بشتاً” وهو يتخطى عباءات الستر ملقاة على الأرض.

تلك هفوة لم تستوعب الدرس لاحظها الجميع وتناولتها بعض وسائل الإعلام بالتصريح تارة والتليمح أخرى.

ندرك أهمية “البشت” ضمن الرداء الرسمي الوطني وفي المناسبات الوطنية، ولكن في الزيارات الميدانية لتفقد مصابين أبرياء حيث يختلط الدم ببقايا الحروق وسيل الدموع ويعم الحزن يجب أن تنتفي الشكليات ويغلب طابع المشاركة الإنسانية الجادة على كمال المظهر والأناقة ويجمع الطاووس ريشة حتى يقترب ولو اقتراباً من شكل الحمامة البريئة خاصة إذا كان ضمن الملومين في كسر جناحها!!.الشيء الذي ندركه جيداً ولم يدركه الإعلام الغربي بعد أننا على النقيض من كثير من الدول بل من غالبية الدول والحكومات الأخرى.

ففي الوقت الذي تعاني فيه شعوب كثيرة من تعالي القيادات العليا على أبناء الشعب وترك شئونهم للوزراء ووكلاء الوزارات فإن العكس يحدث لدينا فالقيادات وبناء على نهج بدأه موحد الجزيرة الملك عبدالعزيز رحمه الله تفتح أبوابها مشرعة أمام المواطن والمقيم ليصل بشكواه أو طلبه للقيادة مباشرة، حتى أن الشاعر عبدالرحمن بن مساعد تساءل واصفاً ولي العهد “من مثله إلي قرّب الكرسي لمواطن يشتكي له؟!.

وفي الوقت الذي يطبق فيه ابن عبدالعزيز هذا النهج الموروث فان حجاب بعض الوزارء (مديري مكاتبهم) يقفون حجر عثرة أمام وصول المواصن للوزير “اقرأ إن شئت (بصوت القلم) في 2002/2/13م بعنوان معايير حاجب الوزير.

هذه الصور المشاهدة من قبل الجميع في الداخل والتي أوردها غير مجامل أو متزلف بإذن الله ولكن شاهداً بالحق.. أقول هذه الصور تبين أننا خلاف شعوب كثيرة نجد الاهتمام بالمشاعر وحل المشاكل من قبل القيادات وتقتصر مشاكلنا على عدم إدراك بعض الموظفين مهما علت مراتبهم إلى أهمية الحس المرهف وتأثيره.

نحن بلا أدنى شك سعداء بهذه النعمة وسر دوامها هو شكرنا الدائم لربنا الذي أنعم علينا ومن واجبنا أن ندعوه سبحانه أن يدل من فاته الإدراك في هذا الصدد إلى الرشاد وأن يتم نعمته علينا بأن يذكر كل راع بأنه مسئول عن رعيته، مسئول عن تجنيبهم الخطر ما أمكن، وإذا تعرضوا له أن يراعي مشاعرهم ويقدر مصابهم ويعمل جاهداً أن يفعل الأسباب لمنع تكراره، فإذا لم يجد في نفسه القدرة أن يريح ليستريح ضميرة ونستريح.

هذا فيما يخص إهمال المشاعر النفسية أما ما يتعلق بإهمال الأرواح البريئة وتعويضها لما حدث من هدر فنتركه لوقت لاحق.

الاصطدام بقطار سائب!!

عندما تتناقل وكالات الأنباء خبر تصادم قطارين في بلادنا فإن القارئ سيعتقد ان الضب في صحارينا لا يستطيع ممارسة حياته الزوجية بسبب تخاطف القطارات من حوله، فأنثى الضب تدفعه كل مرة صارخة “أبعد مر قطار!!”.

قال صف صفين، قال حنا قطارين واحد رايح للدمام والثاني قادم من الدمام، خط حديدي واحد تشرف عليه “مؤسسة عامة للخطوط الحديدية” ويتعرض خلال أقل من شهر لثلاثة حوادث تشترك جميعها في ان السبب يعود إلى انقلاب العربات إلا ان الأخير كان حادثين في واحد حيث انقلبت العربات وتركت لمدة ساعة ليصطدم بها قطار آخر قادم في نفس الخط!!.

يا أولي الألباب، مؤسسة عامة برئيسها وعدد من كبار المسؤولين ومئات الموظفين تدير خطاً واحداً عمره يفوق خمسين عاما ألا تستطيع قياسا بالقيمة غير المقدرة بثمن لاعداد من يركبون القطار من البشر أن تمد هذا الخط “الواحد” بقضبان من ذهب؟! نحن لا نريد ذلك، نريد فقط أن تحميه من الرمال وتصونه لتصون أرواح رواده!! هل هذا الطلب صعب مقارنة بقيمة أمن الكتل البشرية التي يحملها قطار واحد؟!.

لقد وصل العالم إلى تسيير القطارات تحت الماء بين بلد وآخر وأصبحت شبكة السكك الحديدية أشبه بخيوط “سباكيتي” من كثرة تقاطعاتها وتعدد خطوطها وأمسينا نحلم بمزيد من الخطوط الحديدية بين المدن علها تخفف من استخدام السيارات وتقلل من وفيات المعلمات على الخطوط الصحراوية وإذا بنا نصحو من حلمنا على تصادم قطارين على خطنا الوحيد!!.

الخط الوحيد ألم يستحق من مؤسسته العامة المتفرغة له أن يحظى بتقنية اتصال مباشر تمكن من معرفة انه انقلب ليتم إيقاف القطار الآخر وتلافي التصادم؟! هذا إذا كان سبب التصادم كما ورد في جريدة الاقتصادية منسوبا إلى مصادر مطلعة في المؤسسة العامة للخطوط الحديدية.

وأياً كانت الأسباب فإن حدوث تصادم في خط حديدي واحد أمر يدخل ضمن المضحك المبكي لأنه يمثل “نكتة” محزنة للغاية والأكثر حزناً ان قطارا خرج عن مساره وانقلب يبقى كل هذه المدة ولم يعلم عنه أحد، ليس لإسعاف مصابيه ولكن لتنبيه شقيقه الوحيد القادم على نفس الخط والذي كان من الممكن ان يكون محملا بكتل بشرية أكثر ويحدث خسائر في الأرواح تشكل كارثة وطنية كان من الممكن تلافيها بشيء من الحرص والاستعجال والمتابعة.

وإذا كانت تقنية الاتصال غائبة في مجال متابعة القطارات فإنه ليس من المستكثر ان تسير المؤسسة العامة للخطوط الحديدية سيارة ترافق كل قطار لتطمئن على حالة أو تبلغ عن أحواله إذا انقلب أو توقف فهذا خير من أن يترك على سكة الحديد قطار سائب فهذا سيحرجنا كثيرا مع الجمل السائب على الطرق فليس ثمة مقارنة بين حجم ووزن السائب ووعي مرجعه في الحالتين!! والله أعلم.

هذه مجموعة اسئلة فقط اكتفى بإيرادها الآن حسب ما نشر من معلومات محدودة منسوبة إلى مصدر مطلع في المؤسسة وهي أسئلة تناسب كل الظروف الواضحة من معطيات الحادث وإلى ان تنتهي نتائج التحقيق وتنشر إذا كانت ستنشر، ليكون لنا حديث إضافي.

قنبلة التمريض الموقوتة

لا أدري ما الذي ننتظره حتى نتحرك على مستوى وطني لنزع فتيل القنبلة الموقوتة التي توشك في أية لحظة على الانفجار، والمتمثلة في ندرة العنصر الوطني في مجال التمريض.

ماذا لو قرر ولو نسبة ضئيلة من الممرضين والممرضات الأجانب الذين نعتمد عليهم كليا المغادرة إلى بلادهم؟!. كيف ستكون حال مستشفياتنا وما هو المصير الخطير الذي ينتظر مرضانا في غرف العناية المركزة والعمليات والطوارئ واجنحة المستشفيات وعياداتها الخارجية.

هذا الحدث ليس مستبعد الحدوث في أي لحظة وسبق أن تعرضنا إلى صافرة إنذار من هذ النوع خلال أزمة الخليج، ولكن يبدو أن صافرات الإنذار مهما علا صوتها غير قادرة على إيقاظ أذهان تعودت الاعتماد على الحلول الوقتية، ولم تستشعر بعد أهمية التخطيط السليم للمستقبل بناء على المعطيات المتوقعة مهما بلغت نسبة إمكانية حدوثها.

لا زلنا نعتمد على تنويع المصادر من الجنسيات العربية والأجنبية متناسين أنه عند أي ظرف طارئ يقل الرغبة في بقاء العنصر الأجنبي فإن أبناء وبنات الوطن هم فقط من سيبقى للوطن في كافة المجالات وعلى جميع الأصعدة!!.

يذكر أننا اصبحنا أكبر مركز تدريب في العالم لكافة التخصصات ومنها تخصصات تمس حياة أبناء الوطن مباشرة كالتمريض ولم نبذل جهداً يذكر في مجال إعداد الكوادر الوطنية في هذا التخصص الهام.

الندوات والمؤتمرات التي تطرقت لمشكلة نقص الكوادر الصحية ومنها التمريض أكدت منذ أكثر من عشر سنوات على أنها بالوضع الحالي نحتاج إلى قرن أو يزيد للوصول إلى نسبة مقبولة في مجال السعودة في التمريض، وأهم العوامل المؤثرة لتحقيق هذه النسبة هو عامل مخرجات التعليم في هذا المجال. ومع ذلك لم نحرك ساكنا يستحق الذكر، ولا زال الزمن المطلوب للوصول إلى نسبة مقبولة ثابتاً في خانة آلاف السنين!!.

إن من الواضح أن من أجروا تلك الدراسات كانوا متفائلين جدا ولم يتوقعوا إهمال هذا العنصر الهام إلى هذه الدرجة.

العامل الاجتماعي والمتمثل في عزوف المجتمع عن تشجيع أبنائه وبناته على الانخراط في مجال التمريض وهو ما يتشبث به المتقاعسون تغير بل تحول تماما بدليل الإقبال الكبير الذي يشهده أي بصيص أمل في مجال الحصول على شهادة في هذا المجال إلى جانب عدد المتقدمات والمتقدمين للمخرجات المحدودة جدا والمتوفرة حاليا إلى درجة فاقت الاستيعاب وهذه “فضيحة” فالواضح أن أذهان أفراد المجتمع على اختلاف شرائحه ودرجة الوعي لديهم تتفتح بسرعة أكبر من تفتح أذهان المسؤولين عن حل مشكلة نقص الكوادر التمريضية!!.

إنه رغم شهادتي المجروحة وحرصي ألا يساء تفسير ما أدلي به من شهادة فإنني لا أرى أدنى داع للتحفظ من الإشارة إلى أن الشؤون الصحية بالحرس الوطني تولي هذا الجانب اهتماما ملموسا تمثل في تكثيف برامج متقدمة تخرج أعداداً كبيرة من الممرضات السعوديات كما بدأت في إجراءات القبول لكلية التمريض والعلوم الصحية المساندة بالحرس الوطني التي أنشأتها الشؤون الصحية بالحرس الوطني لتكون بدايتها في مبنى مؤقت استعجالا لبدئها ويجري الآن البدء في إنشاء مبنى خاص لهذه الكلية الهامة ولعل من الجدير التأكيد مرة أخرى على أن الأعداد الكبيرة للمتقدمات لهذه الكلية يرد على من يتشبث بالقول أن عزوف المجتمع عن إلحاق بناته بالتمريض هو سبب نقص الكوادر الوطنية التمريضية.

ولكن هل تكفي يد الشؤون الصحية بالحرس الوطني الواحدة للتصفيق في هذا المجال الحيوي والهام والذي يشكل النقص فيه خطرا يهدد مجتمعنا؟!، ومتى تتحرك بقية الأطراف الساكنة؟!. بل هل ستتحرك أم ستنتظر كالعادة إلى أن تقع الفأس في الرأس؟!.

لدينا (هوملس) فهل لدينا رعاية اجتماعية؟!

يبدو أن مفهوم الرعاية الاجتماعية لدينا قاصر جداً إلى درجة اقتصار هذا المفهوم على جمعيات خيرية في المجتمع وإدارات خدمة اجتماعية في المستشفيات ويدير هذه الجمعيات والإدارات العنصر النسائي المتحمس والمجتهد والذي يصطدم كثيراً بحاجز عدم الحماس أو البيروقراطية من قبل مرجعهم.

معاناة الجمعيات وإدارات الخدمة الاجتماعية وما تواجهه من إحباطات موضوع كبير جداً وواسع ويحتاج إلى صفحات، لذا فإنني أورده اليوم شاهداً فقط على قصور مفهوم الرعاية الاجتماعية لدينا وأترك تفاصيله لوقت لاحق.

يبدو من قصور المفهوم أيضاً أن وزارة العمل والشؤون الاجتماعية ممثلة في وكالة الوزارة للشؤون الاجتماعية تعتقد أن وجود أناس هائمين يفترشون الأرصفة، ليس لهم مكان يؤويهم أمر لا يعني الوزارة بدليل تزايد الحالات دون أن تحرك نحوها ساكنا.

جريدة “الرياض” وحدها، نشرت من التحقيقات الصحفية والحوارات مع الهائمين ومفترشي الأرصفة خلال أقل من عام عشرات الصفحات وتبنت عددا كبيرا من الحالات، وقياساً بقوة هذه الجريدة وانتشارها وسرعة التجاوب مع ما ينشر فيها من جميع الجهات والذي غالباً ما يحدث في اليوم التالي فإن من المتوقع من أي إدارة أو وكالة تعتقد أن الأمر يعنيها أن تبادر إلى قطع دابر المشكلة أصلاً ناهيك عن بحث كل حالة على حدة ومعرفة خلفياتها.

شيء من هذا لم يحدث، ولا زالت الحالات في ازدياد ونتيجة لعدم تجاوب جهات الشؤون الاجتماعية فإن الناس على اختلاف وعيهم وثقافتهم، سواءً منهم الصحفي أو غيره من المواطنين المتحمسين أو صاحب المشكلة عندما يتحدثون عن حالة من حالات الهائمين دون مأوى فإنهم يوجهون الرجاء والتوسل إلى “أهل الخير” من الموسرين وكأن لا خير في غيرهم!!. والواقع يشير إلى أن العيب ليس في المستنجدين ولكن في الشؤون الاجتماعية التي عزفت عن تحريك ساكن في هذا الصدد مما ولد شعوراً بأن الأمر لا يعني الوزارة أو قل اليأس من التجاوب ومن ثم التحول للغير.

إذا كنا نبدع في التقاط المتسولين ودراسة حالاتهم وترديد القول بأنهم نصابون وأثرياء محرومون، فهل على الهائم أن يتسول كي تدرس حالته ويجد الاهتمام؟!.

هل كلفت الشؤون الاجتماعية نفسها ومستشاريها وتعاونت مع أقسام علم الاجتماع في جامعات المملكة لدراسة حالات من يفترشون الأرصفة أو يبنون العشش أو يلجأون إلى بقايا هياكل السيارات لاستخدامها كمسكن وهل أدل على الحاجة من افتراش الرصيف “دون تسول” حتى يثبت الإنسان أنه “ممن لا يسألون الناس إلحافاً”؟!، أم أن الوزارة تعتقد أن مسؤوليتها تقتصر على من يتقدم لها بـ “معروض” وإثبات إعسار ومراجعات أما غيره فليست على استعداد لمجرد دراسة حالته حتى وإن كان يفترش الرصيف!!.

إن هذه المشكلة وفي بلد كالمملكة جديرة بأن تدرس باهتمام وعن طريق مختصين سعوديين يعرفون ظروف المجتمع، ولديهم القدرة على مقارنة الحالة بالوضع الطبيعي، ولديهم الأمانة لنقل آرائهم دون مجاملة، ففي مثل هذه المشاكل ذات الانعكاسات الخطيرة لا يجب الخلود إلى رأي غير ابن الوطن حتى لو كان مختصاً وزهيد الأجر.

في الغرب يسمونهم “هوملس” وحالاتهم تدرس أولاً بأول ويختلفون عن الهائمين لدينا بمثل الاختلاف الشاسع بين مجتمعنا ومجتمعهم فأغلبهم من مدمني الكحول والمخدرات ممن نبذتهم أسرهم، ولكن النتائج الخطيرة متشابهة وتتمثل في إمكانية إساءة استغلال بعضهم في أعمال إجرامية، مما يشير إلى الآثار الأمنية المرتبطة بالموضوع.

النار وقريص الصحة والتعليم

شئنا أم أبينا، بقصد أو بغير قصد فإن تأخير بعض الإجراءات المطلوبة بإلحاح خاصة في مجالات الصحة والتعليم لا يمكن أن يخدم غير مصالح القطاع الخاص الصحي والتعليمي وملاك المستشفيات الخاصة والمدارس الخاصة والمشاركين فيهما.

خذ على سبيل المثال توفير فرص العلاج لمنسوبي الوزارات والقطاعات الحكومية التي لا يتبع لها مستشفيات كالزراعة والمعارف والتخطيط والعدل والإعلام والشؤون الاجتماعية والعمل وغيرها ممن يشكل منسوبوها نسبة كبيرة مقارنة بمنسوبي القطاعات التي أنشأت خدمات صحية.

طالبنا كثيراً بالنظر في المشكلة التي يعاني منها منسوبو هذه القطاعات إذا احتاجوا لرعاية صحية متقدمة والمتمثلة في بحثهم عن قبول للعلاج في المستشفيات المتقدمة دون جدوى لانشغال أسِرّة هذه المستشفيات بمنسوبي القطاع الذي تتبع له وأن هؤلاء المرضى يسفكون ماء الوجه طلباً لشفاعة أو استثناء في حين أنهم مواطنون موظفون منتجون مثلهم مثل غيرهم ممن صادف انتماؤهم لقطاع يوفر رعاية صحية متقدمة ومتميزة، إلا أن تلك المطالبات لم يلتفت لها وهذه المعاناة المستمرة لم يكتب لها النهاية حتى اليوم.

تأخير وضع حد لهذه المشكلة لا يخدم غير ملاك المستشفيات الخاصة وأصحاب الأسهم فيها.

تطبيق فكرة البطاقة الذكية والتي يفترض أن تحد من حصول المريض الواحد على أكثر من ملف في مستشفيات متعددة في المدينة الواحدة، وهو الإجراء الذي سيتيح حلاً لجزء من تلك المشكلة حيث سيوفر فرصاً لعلاج عدد أكبر من المواطنين في المستشفيات الحكومية بعد زوال ازدواج الملفات.. هذه الفكرة هي الأخرى تأخر تطبيقها دون مبرر، وهو تأخير لا يخدم سوى مصلحة المستشفيات الخاصة وملاكها والمشاركين فيها سراً وعلناً.

أرجو التأكيد هنا أنني أطرح حقيقة مرّة، تتمثل في أن تضييق فرص العلاج على المواطن لا يخدم سوى مصلحة القطاع الخاص الصحي، لأنه سيتحول إليه، وهذا استنتاج لا يحتاج إلى تخمين أو كثير ذكاء، وإيراد هذا الاستنتاج لا يعني اتهام أحد بتعمد حدوثه.

إن من الواجب التحذير من التساهل في توفير الأساسيات كالصحة والتعليم والرعاية الاجتماعية فما يقال عن المستشفيات ينطبق على المدارس فعندما لا توفر المدارس الحكومية البيئة الدراسية المناسبة كالتكييف مثلاً ودورات المياه الصحية ووسائل التعليم المناسبة إلى جانب القدرة الاستيعابية المقبولة فإن في ذلك حثاً على الالتحاق بالمدارس الخاصة وهو أمر لا يخدم سوى ملاكها وشركائهم.

ويجب الأخذ في الاعتبار هنا أن البعض قادر على المستشفى الخاص والمدرسة الأهلية لكن الأغلبية لا تقدر. ونظراً لقلة أو انعدام البديل للرعاية الاجتماعية فإن الخيار أكثر ضيقاً ولا بديل هنا إلا التسول أو الموت جوعاً.

ملخص القول أن الأساسيات لا تقبل التهاون الذي يخدم مصلحة البديل التجاري أما جوانب الترفيه، كأن تمتنع قناة رسمية عن نقل مباراة كرة قدم لتنقل حصرياً على قناة تجارية فهذا أمر مقبول لأن “حوش النار على قريص الكرة” لا يقتل ولا يورث الجهل، مثلما يحدث عندما تحاش النار على قريص الصحة أو التعليم.

الجعجعة والطحن.. القول والعمل

عندما تتحدث الأفعال عن نفسها فإن الفاعل ليس في أدنى حاجة للحديث. وإذا تحدث لمجرد التذكير بما فعل “والمنة لله وحده” فإنه لن يحتاج إلى الإيضاح والتوضيح لأن أعماله واضحة والناس العالمون.

كيف ستكون حالنا لو أن كل مسئول عن قطاع تحدث بإسهاب عن أعمال لم يعلم بها العالمون ولم يشاهدها المبصرون ولم يسمع عنها من ليس به صمم؟!.

بطبيعة الحال فإن النقاد والكتبة سوف يتساءلون عن شيء لم يشاهدوه وسوف يعلقون ويبدون الملاحظات خاصة عندما يكون ما ذكر خلاف ما يعيشونه ويعانونه مع أبنائهم.

وكيف ستكون حال الصحف لو أفردت صفحة أو نصف لكل مسئول لكي يصر على أنه فعل شيئاً لم يشاهده غيره؟!.

ستكون صحفنا لوحات إعلان عن أشياء غير مرئية وهذا بالنسبة للناس أمر غير مستحب أو ربما يصل إلى درجة البغيض.

كم هو جميل أن ندع أفعالنا تتحدث عن نفسها ولا ضير أن نعرف الناس بها إذا كانت من فئة الخدمات أو الفرص التي قد لا يعلم عن توفرها نسبة بسيطة من الناس ويتيح لهم الإعلام الاطلاع عليها للاستفادة منها.

أما ما يتعلق بتغيير النهج أو السياسات لخدمات أساسية قائمة وتعتبر جزءاً من حياتنا كالتعليم أو الصحة فإن أي إضافة فيها سيلمسها الناس ويتحدثون عنها قبل أن يتحدث فاعلها وإذا لم يرها الناس فإنها غير موجودة أصلاً، أو لم تكتمل بعد، أو هي مجرد حلم لا يجب الاستعجال في تفسيره، فحتى الأحلام إذا طالت وطولت وكثر فيها الحديث فإنها لا تعدو أضغاث أحلام لا تستحق التفسير.

ثم ماهي هذه الإسطوانة الجديدة التي بدأ البعض في ترديدها عندما يوجه النقد إلى وزارة أو قطاع والمتمثلة في القول بأن العاملين في هذه الوزارة من وكلاء ومساعدين ومدراء عامين ساءهم أنهم يعملون دون كلل أو ملل ثم لا يقدر الإعلام عملهم وأنهم شعروا بالإحباط فطلبوا من رئيسهم إنصافهم من النقاد ومن الكتاب؟!.

هؤلاء إذا كانوا قد عملوا ولم تظهر نتائج عملهم في صورة إنجاز ملموس يراه الناس فإن عليهم أن يكتفوا بتقدير رئيسهم المباشر “إذا كان قد رأى عملهم” أو أن ينتظروا النتائج وتقدير الناس لما أنجزوه فعلاً وليس من حقهم لوم المجتمع ممثلاً في إعلامه الناطق بنبضه إذا طالبهم بتحسين خدمة أساسية يعيشها كل لحظة ودقيقة ويعتمد عليها في تنشئة أجياله القادمة.

إن العبرة في كل عمل بنتائجه، وكل عامل مهما رقى في درجته ومرتبته الوظيفية يعمل بمقابل يوازي أو يزيد على ما قدم من جهد، بل كلما ارتقى الموظف إلى المراتب العليا كلما زاد أجره ومميزاته عن حجم جهده والمنة لله وحده ثم لهذا الوطن الذي يمثل المواطن لبنته الأساسية ويمثل الإعلام نبض هذه اللبنة.

وعندما يحول الإعلام هذا النبض إلى صوت مسموع فإن هذا هو عين العدل.

الفساد الإداري.. العلاج بالكي

عندما ذكرت سابقاً اننا لا نعاني في تعاملاتنا اليومية من الرشوة بمثل معاناتنا من الواسطة، لم أكن أقصد بأي حال من الأحوال نفي احتمال وجود الفساد الاداري أو القليل من شأن الرشوة كمشكلة.

لقد اقتصر ماذكرت على الاسراع في انهاء الاجراءات اليومية الروتينية، فذكرت انه في الوقت الذي تعاني فيه المجتمعات في بعض الدول من ضرورة دفع الرشوة في شكل اكرامية لانهاء أي اجراء روتيني فإننا نعاني أكثر من ضرورة وجود معرفة أو واسطة لانهاء أي اجراء أو التسريع في انهائه.

الفساد الاداري لا يمكن نفيه عن أي مجتمع، شأنه في ذلك شأن أي فساد من أي نوع، لكننا وبحكم ظروف مجتمعنا ومستوى المعيشة فيه لا نعاني من الرشوة على مستوى التعاملات اليومية بقدر معاناتنا من الواسطة، وذلك مقارنة بالمجتمعات الأخرى، أي ان الأمر نسبي وليس في حكم المطلق.

وللتذكير فإنني سبق ان اقترحت أن تعامل الرشوة كالمخدرات وأن نعترف بها كمشكلة ونتناولها إعلامياً بصراحة ومكاشفة وتوعية مكثفة، بحيث نجعل المرتشي يشعر بأن نظرات التأنيب تتجه إليه ممن حوله ومن أفراد أسرته عندما تتناول حلقة تلفزيونية أو مسلسلة أو تمثيلية موضوع الرشوة والمرتشين فيحس وسوف يحس بأنه المقصود رغم انه الوحيد الذي يعرف انه ضمن المقصودين.

نحتاج إلى حملة إعلامية وتفتيشية وتشهيرية تجعل الفاسد ادارياً يعيش في قلق رادع ورعب مستمر وخوف يبعد هاجس أمن العقوبة، مهما كان وزنه وأهميته، وتأنيب ضمير يقلق مضجعه الوثير عله يراجع نفسه فيتوقف.

نريد برامج دينية يتحدث خلالها أهل العلم والذكر باستمرار مذكرين بمصير المال الحرام وما ينتظر كاسبه من عقوبة، وخطب جمعة تتطرق لموضوع الفساد الاداري والرشوة تحديداً وكيف انها تنقلب وبالا على المتعاطي فيها في الدنيا والآخرة.

تجربتنا في تكثيف الحملة على المخدرات أيقظت العديد من النيام ممن لم يكونوا يعلموا بغزو هذا الداء لبلادنا، ولم يكن الواحد منهم يتوقع أن السلوك الغريب لابنه أو أخيه أو صديقه أو والده ناجم عن تعاطي المخدرات، إلى جانب ايقاظ المتعاطي نفسه وهو الهدف الأول. كل هذا تحقق بالمصارحة والمكاشفة والتكثيف الإعلامي المركز حتى أضحى كل صغير وكبير يعي خطورة المخدرات وفي حالة تأهب لغزوها الأمر الذي ضيق على المروجين والمهربين وجعل مهمتهم أكثر صعوبة فتمت محاصرتهم من جميع الأطراف، مواطنين وسلطات أمنية، بعد أن كانت السلطات تجاهد هذا الداء بمعزل عن عون الأفراد ووسط تكتم شديد كان خلاله الحديث عن المخدرات في حكم الممنوع فكاد السوس أن ينخر في عظامنا دون أن نشعر أو نعترف.

الرشوة حالياً أو الفساد الاداري لا تختلف حاله عن حال المخدرات سابقاً ويجب أن نتعامل مع هذا الداء مثلما تعاملنا مع المخدرات بالمكاشفة والعقاب والملاحقة وتكثيف الحملة الإعلامية ضده فهذه الأمراض يستعصي علاجها دون كي.

أنقذوا المواطن من شروط الشركات

دون رقيب أو رادع أو حماية حقوق تقوم الشركات الخدمية أو التعاقدية بكتابة الاتفاقيات مع المواطنين وفرض شروط تخدم مصالح الشركة وتحمي حقوقها دون حفظ أي حق للطرف الثاني (المواطن).

جميع الاتفاقيات تعدها الشركات بطريقة متقنة وبالاستعانة بأمهر المحامين وتشترط على المواطن توقيعها للحصول على الخدمة الضرورية أو الاستفادة من أعمال الشركة أو تسهيلاتها المزعومة والتي تصب في صالح الشركة أصلاً عن طريق استثمار أموال هذا المسكين المضطر للتوقيع على ما تريده الشركة دون التزامها بأي حق شرعي أو نظامي من حقوق الطرف المغلوب على أمره.

لماذا يسمح للقطاع الخاص بإعداد اتفاقيات المصالح المشتركة بطريقة أحادية تخدم شروطُها طرفاً واحداً، وتحمي حقوق طرف واحد ولا تتيح أدنى فرصة للطرف الثاني بحفظ حق نظامي أو دفع ظلم قد يقع؟!.

شروط الاتفاقية تكرر عبارة تحتفظ الشركة بحقها في كذا، ولا تلتزم الشركة بكذا، ولا يعتبر البند الفلاني ملزماً للشركة بكذا، وتخلي الشركة مسؤوليتها عن هذا وذاك في حين لا تتيح هذه الاستمارة أية فرصة للمواطن بالمطالبة بأبسط حقوقه المنطقية.

أي استغلال هذا وأي سماح بهذا الاستغلال يمكن قبوله على كافة المستويات والمسؤوليات، ولماذا لا تكون هذه الاستمارات مسبقة الصنع من إعداد جهات حكومية محايدة ذات نفوذ وسلطة وضمن نظم منصفة للطرفين وعادلة تتمشى مع الحقوق التي يضمنها الشرع وواضحة بحيث يسهل الاحتكام بها وفضّ المنازعات بناء عليها بما يرضي الله أولاً ثم الطرفين؟!.

إن الاتفاقيات بشكلها الحالي تجسد موقف الذي يريد الاستحواذ على كل شيء، فالشركات الكبرى رغم قوتها المالية المستمدة من استثمارات المواطن الضعيف تريد تجريده من أي حق وتعريض ماله للخطر بقوة الشروط التي يوقع عليها مضطراً، فلماذا يسمح بهذا؟!.

عيب الكتابة عن مثل هذا الموضوع أنه يحتاج إلى أمثلة لإيضاح المقصود، وعيب إيراد الأمثلة أنه يوحي بالتخصيص في حين أن الوضع عام وشائع، ومع ذلك سوف أورد أمثلة دارجة وواضحة مؤكداً أنها على سبيل المثال لا الحصر فالأمثلة أكثر من أن يتسع المجال لذكرها.

خذ على سبيل المثال شروط البنوك التي يوقّع عليها المتعامل في شراء وبيع الأسهم عندما يرغب في استخدام خدمة الشراء والبيع بالهاتف فبرغم أن استمارة الاتفاقية الأصلية تحدد أنه عند حدوث اشتباه أو خلاف حول تنفيذ أمر هاتفي فإنه يرجع إلى التسجيلات الهاتفية التي يحتفظ بها البنك، وهذا جيد ومنصف، إلا أن البنك يجبر المتعامل على توقيع إقرار جانبي ينص على أن للبنك الحق في التصرف بتنفيذ عمليات بيع أو شراء دون الرجوع إليه، وهذا الإقرار يلغي بنود الاتفاق الأصلي، فما الفائدة من الرجوع للتسجيلات إذا كان البنك سيستخدم ورقة التخويل بالتصرف دون الرجوع للعميل إذا وقع النزاع فهذا الإقرار وضع لحماية طرف واحد هو البنك!!.

المثال الثاني (دون حصر) هو بنود اتفاقيات شركات التقسيط فبرغم وضوح الاتفاق الأصلي بأن يسدد العميل الأقساط بمقدار معين وخلال فترات محددة ويتحمل أعباء التأخير في شكل نسب كبيرة إلا أنه يجبر على توقيع إقرار ينص على أن لشركة التقسيط الحق في الحصول على كامل المبلغ في أي وقت تشاء!!. فما هي فائدة صفقة التقسيط غير المريح ونسب الفوائد الكبيرة التي يتحملها المشتري، وضمانات الكفالة الغارمة المتعددة طالما أن للشركة حق استقطاع كامل المبلغ في أي وقت؟!.

إن جميع اتفاقات البنوك والشركات الخدمية من كهرباء واتصالات وإنترنت وخلافها هي اتفاقات عرجاء تخدم طرفاً واحداً هو التاجر فهل حان الأوان لصياغة جديدة منصفة؟!.

الأمن قبل الترخيص

لقد حان الأوان للمطالبة بفرض الالتزام بمقاييس وشروط السلامة في جميع الأماكن التي يرتادها الناس سواء للشراء أو الترفية أو النزهة أو العلاج.

وقبل أن نطالب بفرض مقاييس وشروط السلامة، دعونا نؤكد أولاً على ضرورة تحديدها وكتابتها وصياغتها بشكل يقبل فرضها والمحاسبة عليها ثم نجعلها من أهم متطلبات الترخيص لأي منشأة سواء كانت للترفيه أو غيره.

فرض متطلبات السلامة هذه وتلافي وقوع الضرر ما أمكن إحدى دلالات رقي المجتمعات وتحضرها وفطنتها كما أنها أحد أهم متطلبات تلافي الضرر الصحي والجسدي والنفسي وفي الوقت ذاته أحد عوامل توفير الهدر الاقتصادي المتمثل في علاج أضرار جسدية ونفسية كان بالإمكان تلافيها بشيء من الحرص والحذر والدقة والمتابعة.

الواقع يشير إلى أننا نفتقر في مؤسساتنا التجارية بشكل خاص لأبسط مقومات السلامة والأمن للمرتادين، بل على العكس من ذلك فإن أسباب تعريض مستخدمي وسائل الترفيه والألعاب مثلاً لخطر الإصابات هي الأكثر توفراً بسبب محاولة المالك للتوفير والحصول على أكبر ربح مع أقل تكلفة في ظل عدم الرقابة والمتابعة الناجم عن غياب شروط السلامة أصلاً أو غياب فكرتها عن التطبيق أو غياب مجرد التفكير فيها وهذه عين المشكلة.

ولمن يريد أمثلة حية فليذهب إلى إحدى مدن الملاهي ويرى كيف أن الأطفال عرضة للموت في كثير من الألعاب دون رقيب في مستوى الحماية والإنقاذ.

بل إن الأمر يتعدى ذلك إلى توفير أسباب الخطر بإيكال أمر الإشراف لمستويات من العمالة محدودة القدرات، فأذكر أن أحد مراكز الترفيه في الثمامة حاول العامل فيه منع الأطفال من الدخول للعبة الانزلاق العالية التي ينحدر فيها الطفل بسرعة عالية، وعندما لم يستطع، مد سلسلة بعرض مساحة الانزلاق من الأسفل لمنع الدخول ونسي أن عدداً كبيراً من الأطفال يقبع في أعلى المنزلق يستعد للهبوط وعدداً آخر يدخل من تحت الحاجز ويصعد ليتزحلق وان هذه السلسلة بالمرصاد لرقبة الطفل المندفع وسوف تجز رأسه دون شك، وقد وجدت صعوبة بالغة في إقناع ذلك العامل بإزالتها وانزال الأطفال دون اللجوء لقتلهم بهذه الطريقة.

في مراكزنا التجارية رغم بهرجتها التي تحث على الدخول والشراء إلا أنها لا تحتوي مخارج لخروج الطوارئ، فلو حدث حريق في مركز تجاري مزدحم فإن الضحايا سوف يصبحون أسرى للأبواب الكهربائية الفخمة شكلاً وغير المأمونة.

إننا في حاجة إلى التركيز على بند حماية الأرواح في مشاريع قطاعنا الخاص وان نحمل هذا القطاع المدلل تكاليف المحافظة على سلامة زبائنه مثلما يحافظ على ضمان حقوقه من جيوبهم في صورة دفع مقدم وضمانات ومبالغ تأمين وخلافه.

أكرر التذكير بأن التشدد في فرض شروط السلامة هو من مؤشرات الرقي ومن عوامل التوفير الاقتصادي إلى جانب العامل الأهم وهو المحافظة على الأرواح.