التصنيف: غير مصنف

مع الفلبينية.. وثقنا وما توثقنا

لا اعتراض على قيام سفارة العاملة المنزلية بضمان حقوقها وتوثيق العقود والعمل على ما من شأنه حصولها على كامل ما ينص عليه العقد بينها وبين من استقدمها، فالسعي لضمان حقوق مواطن أي بلد أمر جميل من سفارة بلده، ونحن كتاب الرأي ندعو دوما إلى ضمان الحقوق ونشجعه، ولكن للكفيل سواء المواطن أو المقيم حقوق في العقد الموثق يجب حصوله عليها كاملة ومحاسبة العاملة إذا خالفت العقد الموثق وإلا ما فائدة التوثيق بالنسبة للطرف الثاني (صاحب العمل) أو الكفيل؟!.

الفلبين من الدول التي نستقدم منها بشكل كبير، وهي من الدول التي تحرص على ضمان حقوق عمالتها في الخارج، وأحيانا تبالغ في بعض الشروط والمتطلبات وتكثر من إيقاف إرسال العاملات لبعض دول الخليج كردة فعل لأي حادثة فردية تتعرض لها عاملة، وهذا شأنهم – وإن بالغوا فيه – ولكن يجب أن نشعرهم أيضا أن فتح دول الخليج أبوابها لعمالتهم أمر مهم لهم وخدمة كبيرة لاقتصادهم ومعيشتهم، ويستحق أن تكون لنا شروطنا وحقوقنا التي يضمنها العقد المبرم سواء مع عاملة منزلية أو سائق أو ممرضة أو طبيب أو مهندس أو فني أو ممارس صحي، فإذا بالغوا في شروطهم فيما يخص العمالة المنزلية لأنهم يرون نهمنا في طلبهم وحرصنا على الاستقدام منهم، فعلينا أن نبالغ نحن أيضا في شروطنا لاستقدام نفس العمالة المنزلية والفئات الأخرى من العاملين.

السفارة الفلبينية، وعبر مكتبها للقوى العاملة الفلبينية في الخارج المسمى اختصارا (بولو) تشترط على الكفيل السعودي لعودة العاملة المنزلية عند سفرها بتأشيرة خروج وعودة توثيق العقد بشروط جديدة واجازات أسبوعية ومواعيد عمل وبدلات.. الخ، مع دفع مبلغ 143 ريالا للتوثيق وإحضار العاملة للمكتب والانتظار ساعات طويلة (وقت الذروة) لتوثيق العقد، بل ويطلبون صور مستندات تخص الكفيل مثل صورة الهوية (مع أنه أمر منهي عنه) والعنوان الوطني وصورة تأشيرة الخروج والعودة.. الخ.

الغريب أنك تفعل هذا كله كصاحب عمل ثم حينما تغادر العاملة بتأشيرة خروج وعودة وتذكرة ذهاب وإياب لا تعود فتخسر قيمة تذكرة العودة ورسم التوثيق وجهدك في التوثيق وصور مستنداتك الشخصية وخسرت التزام عاملة بالعقد وتحتاج لاستقدام بديلة ولم تستفد إطلاقا من ذلك التوثيق! فأنت وثقت العقد لكنك لم تتوثق من أي حق من حقوقك كصاحب عمل، هذا خلاف الأمور الأخرى التي قد تبنى على الثقة مثل إعطائها راتب مقدم أو أخذها لأشياء من المنزل أو سرقتها لمقتنيات على أساس أنها بيتت النية بعدم العودة.

السؤال هنا هو: أين استفادة صاحب العمل من التوثيق في مكتب يتبع للسفارة، ولماذا لا تضمن السفارة حقه في استعادة ما خسره في هذا التوثيق من نفس العاملة وأهمها ثمن تذكرة العودة وثمن رسم تأشيرة الخروج والعودة، ورسم إصدار العقد الموثق وإعادة المسروقات إن سرقت ومعاقبة العاملة التي خالفت وعدها الموثق بمنعها من الحصول على عقد عمل آخر سواء في هذا البلد أو غيره كونها استغلت سفارتها في ارتكاب مخالفتها للعقد وحنثها بوعدها وأي جريمة أو سرقة، وبدون تحقيق ذلك من السفارة فإن التوثيق مجرد مبالغة في استغلالنا وكأننا الطرف الأضعف أو أننا في حاجتهم وليسوا في حاجتنا، وهذا غير صحيح فعقود العمل منافع متبادلة يحق لكل طرف استخدامها كوسيلة ضغط.

التأمين غير الأمين

لا أدري لماذا لا يريد البعض أن يواكب التطور المطرد الذي نعيشه في جميع المجالات فيحاول جاهدا تضييق الواسع والالتفاف على الأنظمة الواضحة بما يضر بمن ضمن لهم النظام الاستفادة والحصول على حقوقهم كاملة، وهو يعلم أن شر الناس من ظلم الناس للناس، وهو يظلم مستفيدا لصالح شركة ويظلم موظفا لصالح مؤسسة أو يظلم مستحقا لما يعتقد أنه لصالح دائرة حكومية أو خاصة.

التأمين أحد الأمثلة الصارخة التي تشهد تعقيدات لا تليق بما نشهده من تسهيلات، وهي تعقيدات يقوم بها مديرون أو موظفون جبلوا على تضييق الواسع ويحاولون إرضاء الشركة على حساب المستفيد أو العميل، وينسى الواحد منهم أنه موظف لهذه الشركة وهو في ذات الوقت عميل أو مستهلك في شركة أخرى ولا يقبل أن يهضم له حق فيها.

لا أقول إن التأمين لدينا يعاني من ضبابية؛ فالأمور واضحة جدا، لكن التسويف والتضييق يحدثان والرقيب غافل أو (وسيع صدر)، فكل أشكال التأمين تعاني أحيانا من سلوك التأمين غير الأمين أو المستغل المعطل المسوف، علما أن صناعة التأمين تجارة جد رابحة فهي تقوم على تقاضي رسوم أو اشتراكات سنوية عالية جدا في الأحوال الطبيعية ليس لها حد، وإذا حدث الحدث الطارئ -وهو الأندر- ستدفع تكاليف لها حد أعلى، أي أنها رابحة بلا حدود في الرخاء وهو الغالب، وتصرف جزءا يسيرا في الشدة وهي الاستثناء.

والسلوك التأميني غير الأمين والمستغل والمسوف برز في التأمين الصحي في صورة تضييق الواسع في أمر التغطية واستبعاد بعض الأمراض أو الحالات من الغطاء التأميني، ثم في شكل اشتراط موافقة شركة التأمين على قبول حالات إسعافية، مما تسبب في تعرض المستفيد للأذى إما جسديا أو نفسيا وتأخير علاج يفترض الإسراع فيه، وهذه سلوكيات حدثت ولعلها حلت أو في طريقها للزوال.

وفي مجال التأمين على حوادث السيارات كتبت سابقا عن الأمر الغريب في عدم تعويض الطرف المتضرر عن كامل ما تم تقديره لإصلاح سيارته، وقصر التعويض على المبلغ المقدر مخصوما منه ضريبة القيمة المضافة!، وكتبت قبله عن الأمر الأغرب وهو عدم اطلاع العميل على حقه في خصم عدم ارتكاب حوادث أو خصم الولاء المعلن عنه، وتعقيد الخصم لمشترك لديه أكثر من مركبة باشتراط غريب وهو أن يؤمن عليها جميعا في نفس البوليصة رغم اختلاف التواريخ، وفي كلٍ لم نجد تجاوبا ولا إجابة من أي طرف ذي علاقة بالتأمين.

إن صاحب المركبة المتضررة من حادث لا مسؤولية عليه في حدوثه هو طرف ثالث وخصمه دفع ثمن التأمين كاملا بضريبته المضافة وهو أيضا دفع رسم التأمين على مركبته كاملا بقيمته المضافة، فلماذا يحرم من كامل المبلغ المقدر للإصلاح؟! بل يفترض أن يعوض عن المركبة البديلة التي سيستخدمها أثناء فترة الإصلاح ويعوض عن المبلغ الذي سينقص من قيمة سيارته بعد الصدمة وعن أي مبالغ سيدفعها غالبا لتعديل الهيكل (الشاصي) أو وزن الأذرع، وهي أضرار لا يتم تقديرها ولا اكتشافها إلا لاحقا.

نشر بجريدة الرياض يوم  الأربعاء 26 رجب 1445هـ 7 فبراير 2024م

لنعامل محلات الخياطة كالحلاقة والفنادق

أحد محلات الخياطة الرجالية بدأ منذ سنوات قليلة بسعر 70 ريالا، ثم أصبح يزيد سعره سنويا حتى وصل إلى أكثر من خمسة أضعاف، هذا لسعر الخياطة فقط (شغل اليد) دون سعر القماش ولا زال مستمرا في رفع السعر مع اقتراب كل عيد فطر، والخياطة عمل يدوي لم يحدث في التكلفة ما يستدعي رفع سعره بهذا القدر، ناهيك عن أنه لم يشجع السعودة أو يلتزم بها كما ينبغي، وبناء على أسعاره المرتفعة جدا فإن بقية محلات الخياطة ترفع أسعارها وبالتالي فإن المستهلك يتضرر حتى لو أراد أن يصنع ثيابه عند محلات أرخص وأقرب لدخله المحدود، فإن التكلفة عليه ارتفعت منطلقة من ارتفاع المحل الشهير وإن كان بدرجة أقل، إلا أن تكلفة اللباس الوطني زادت عن قدرته، بل حتى الثياب الجاهزة تضاعفت أسعارها بسبب ذلك الرفع الجشع من محل أو أكثر يظنون أنهم من خياطي النخبة.

الثوب الوطني السعودي لباس وطني نفخر به وهو مطلوب بفخر في جميع مواقع العمل والمراجعات الحكومية والمناسبات الاجتماعية والوطنية، وبالتالي فإنه ليس خيارا ترفيهيا، بل أحد الاحتياجات الأساسية التي إذا طالها الجشع والاستغلال وجب حمايتها، خاصة إذا أخذنا في الاعتبار أن هذا الزي الوطني مطلب في المدارس والجامعات والدوائر الحكومية وكثير من القطاع الخاص، ولذا فإن علينا دائما أن نفكر في ذي الدخل المحدود والطالب واليتيم والموظف ميسور الحال.

لذا فكرت في هذا الأمر كثيرا، خصوصا أنني من مؤسسي جمعية حماية المستهلك ضمن 35 شخصا من الكتاب والإعلاميين والمهتمين بالمستهلك، وذلك حرصا على تيسير الأمور على ذوي الدخل المحدود، وقد خرجت بأن علينا أن نضع حدا لهذا الاستغلال بنفس الطريقة التي أوقفنا بها استغلال صالونات الحلاقة، فمثلما تم تحديد تكلفة الحلاقة ووضع لوحات بذلك مفروض على كل صالون حلاقة وضعها في مكان بارز والالتزام بها، فلماذا لا يتم تحديد تكلفة خياطة الثوب بدون قماش ووضع التكلفة في مكان بارز وفرض الالتزام بها تماما كما في الحلاقة وكليهما عمل يدوي؟!.

قد يقول قائل إن محلات الخياطة تتفاوت في الجودة والمميزات والإضافات وسرعة الإنجاز، وأنك إذا أردت ثوبا رخيصا فابحث عنه لدى الأرخص، وهنا أذكر أن الأرخص رفع سعره اقتداء بالأغلى فأصبح صاحب الدخل المحدود عاجزا عن تحمل التكلفة المرتفعة حتى للجاهز، ثم حسنا لنفترض ضرورة تمييز الأجود في المنتج والإضافات والمميزات وسرعة الإنجاز، كل ما علينا هو تصنيف محلات الخياطة حسب تقييم دقيق وعناصر محددة تماما مثل ما نفعل مع الفنادق ونضع أساس لسعر معقول لا جشع فيه يعتمد على التصنيف الدقيق، ثم نترك الخيار للمستهلك.

المهم أن يكون الثوب السعودي المفخرة في متناول الجميع وبتكلفة لا ترهق ذوي الدخل العادي والمحدود ولا تسمح بالاستغلال المبني على جشع يستغل سلعة وطنية أساسية نفخر بها وبوطن ألبسنا إياها وألبسنا معها ثوب السعادة واليسر والرفاه بفضل الله.

نشر بجريدة الرياض يوم الأربعاء 19 رجب 1445هـ 31 يناير 2024م

كرموا بنات الناصرية

في بداية الثمانينات الميلادية وقبلها بمدة كانت فرص التعليم والتوظيف متهيئة بشكل واسع وسهل وخيارات متعددة وتخصصات عديدة ومجالات توظيف ميسرة وبطبيعة عمل يسيرة، ولم تكن مهنة التمريض تلك المهنة الجاذبة لا ماديا ولا اجتماعيا ولا في طبيعة العمل ولا ساعاته، وكانت دراستها (وما زالت) ليست سهلة مقارنة بغيرها من التخصصات غير الصحية، ومع ذلك بادرت مجموعة من بنات هذا الوطن بتلبية الحاجة الوطنية الملحة ودخلن غمار هذه المهنة الشاقة بكل ما فيها من صعوبات، ومعوقات أشدها في ذلك الوقت الاجتماعية.

لم أتشرف قط بالانتساب لوزارة الصحة كموظف، لكنني عملت في مدينة الملك سعود الصحية (المعروف آنذاك بالمستشفى المركزي أو مستشفى الشميسي) في الثمانينات الميلادية بالتكليف من جامعة الملك سعود كعمل إضافي لعملي كمعيد ثم محاضر بأجر مدفوع من الجامعة عوضا عن بدل التفرغ الذي لا يحصل عليه الأكاديمي إلا بالعمل الإضافي، وكان ذلك التكليف من أجمل مراحل حياتي العملية، حيث كنا نتعامل مع مرضى في أمس الحاجة لعنصر وطني في أي مجال صحي، خاصة الصيادلة والممرضات، حيث كنا وسيلة الربط بين المريض وطبيب من الهند أو الباكستان، فقد كان الأطباء السعوديون قلة، لكنهم كانوا قمة في الإخلاص والتفاني من أجل المريض، وأذكر منهم الطبيب محمد المعجل والطبيب عبدالله الكريدة -رحمهما الله-، والطبيب محمد المفرح والطبيب صالح قمباز والطبيب فهد الشدوخي وطبيب الأسنان عبدالله الحواسي -أمد الله في عمرهم على طاعته-.

في تلك المرحلة المهمة كن بنات الناصرية يقمن بعمل جبار كممرضات سعوديات مخلصات يتولين مهام عظيمة إلى جانب التمريض منها استقبال الحالات الإسعافية والترجمة والتواصل مع الأهل وتولي المهام الإدارية ذات العلاقة بالتمريض وتحديد شواغر الأسرة ونقل المرضى وتأمين احتياجات المصابين كالجبائر والكراسي المتحركة واستلام أدوية المنومين والتنسيق أثناء أوقات الزيارة وتوجيه الزائرين، فلم تكن الخدمة الاجتماعية مفعلة تماما ولم يكن ثمة اختصاصيات اجتماعيات سعوديات كما هو الآن (وإن كنت أرى دور الاختصاصيات الاجتماعيات في المستشفيات ما زال مظلوما ولم يتح لهن أن يمارسن ما تعلمن كما يجب)، وكن بنات الناصرية يناوبن ليلا في مراكز الطوارئ وغرف العمليات ويقمن بمهام متعددة، كنا نشعر بها ونفاخر بها، وكنا نسميهن (بنات الناصرية) لأنهن تخرجن من معهد التمريض بالناصرية، وأيضا لأن بعضهن نقلن من مستشفى للعيون في حي الناصرية بعد أن شب فيه حريق استدعى توقف العمل فيه، لكنهن جميعهن تعلمن في ذلك المعهد بالناصرية، وكن مثابرات وصابرات فيحضرن دورات تعليم مستمر في التمريض في مستشفى الملك خالد الجامعي ومستشفى الملك فيصل التخصصي ومستشفى الملك فهد بالحرس الوطني مع التزامهن بالدوام اليومي والقيام بالنصاب كاملا في نفس اليوم، ومنهن من كن ينتدبن في موسم الحج حيث المهام الأشد والاستنفار الأعظم.

أعتقد أن هذا الوقت، الذي يتولى الإدارة في وزارة الصحة إداريون متخصصون في الإدارة وذوو نظرة شاملة تقدر جهود جميع أعضاء الفريق الصحي بكل حياد وإنصاف، هو الوقت الأنسب لتكريم بنات الناصرية تكريما يليق بما قدمن، وأن يشملهن وعائلاتهن ضمان صحي لائق إلى أن يطبق الضمان الصحي الشامل الموعود، وأذكر منهن مشرفة التمريض هند الجوهر ومشرفة التمريض عزيزة موسى الشيخ ومهرة موسى الشيخ ووردة مرزوق البلوشي وبركة سعيد العسيري، وقد أكون نسيت الكثير منهن، ووعدتني مشرفة التمريض هند الجوهر بأسماء من تذكر منهن، ثم خافت أن تسقط سهوا بعض الأسماء، فاقترحت علي أن تتولى وزارة الصحة العودة للسجلات لتكون القائمة شاملة، وكلي أمل في الوزير النشط الأستاذ فهد الجلاجل أن يولي هذا الأمر اهتمامه المعتاد فيحصلن على تكريم يليق بما قدمن ويتناسب مع ظروف الزمان والمكان والوضع الاجتماعي وتضحياتهن في ذلك الوقت.

نشر بجريدة الرياض يوم  الأربعاء 12 رجب 1445هـ 24 يناير 2024م

لا ساهر ولا الغرامة.. أنقذنا استقبال الدجاج

شاحنة (دينا) تعاكس الطريق، وشاحنة ضخمة (تريلة) تخرج من مسارها الأيمن إلى اليسار فجأة وتتجاوز أكثر من شاحنة وتبقى في أقصى اليسار وسائقها يستغل ضخامتها وحماية كتلة الحديد لإخافة رواد الطريق، وحافلة نقل تسير بسرعة فائقة وتتجاوز ذات اليسار وذات اليمين وتنثر بقية المركبات حولها على قارعة الطريق، هذا ينقلب وذاك يصطدم بغيره وثالث محظوظ يخرج عن الطريق.

العالم كله يشهد بأننا شهدنا تطورا عظيما في جميع المجالات، حتى أن شعوبا كثيرة أصبحت تستشهد بتطورنا ليكون أمنية يتمنون عشرها، والعشر كثير، تطورنا وبسرعة في تسخير الإلكترون والإنترنت والحكومة الإلكترونية في إجراء تعاملاتنا خلال ثوانٍ معدودة ومن داخل المنزل، بل ومن جوف السرير في حين يتكبد غيرنا، حتى في دول متقدمة، مشقة السفر أو زحام الطرق لإنجاز معاملة، بينما نحن ننهي التقاضي في المحاكم ونشتري العقار ونبيعه ونفتح السجل التجاري ونجدد الرخص والجوازات بضغطة زر، وغني عن القول إننا نقود العالم في الخدمات الإنسانية وحماية البيئة ومحاربة الفساد وجودة الحياة فأصبحنا القدوة الأولى عالميا.

كل هذا التطور لا ينكره إلا جاحد أو كاره، كما أن تدني الوعي المروري وضعف الرقابة الميدانية البشرية للمخالفات المرورية لا ينكرها إلا مكابر، وضعف الوعي المروري لدينا أسبابه عديدة منها استهتار بعض الشباب والبنات مواطنين ومقيمين بقوانين وأنظمة المرور والقيادة بتهور ومخاطرة تعرض حياة الآخرين للخطر، ومنها جهل الغالبية العظمى من السائقين المستقدمين من دول متخلفة جدا في أنظمتها المرورية وتعاني من جهل مدقع وتوظيفهم كسائقين لشاحنات و(قلابيات) و(تريلات) شركات دون تدريب كاف ولا توعية ولا تحذير بعواقب المخالفات بل معرفتهم مؤخرا أن التأمين يحميهم من تبعات الحوادث ماليا، لذا فنحن نعاني من مخالفات خطيرة جدا لا يرصدها ساهر ولا كاميرات المراقبة ولا تردعها الغرامات مهما بلغ ارتفاعها لأنها تتعلق بإزهاق أرواح، مثلما حدث مؤخرا للدكتور جاعم الشيحي وكامل أسرته – تغمدهم الله برحمته – وشفى المصابين، فقيام شاحنة بعكس الطريق لا يمكن رصده إلا برقيب بشري متواجد بكثافة وهذا ينقصنا كثيرا سواء داخل المدن أو على الطرق الطويلة.

أرتاد طريق الرياض – سدير بصفة شبه شهرية فأرى عجبا عجابا من (تريلات) يفترض التزامها بأقصى اليمين تنحرف إلى اليسار فجأة وتتجاوز وتبقى وكأنها جبل يتوسط الطريق السريع وحافلات نقل جماعي يفترض أن سرعتها لا تزيد على 100 كم / ساعة تتجاوز 130 كم / ساعة، أما شاحنات النقل الأصغر (دينا) فلا تستطيع أن تتنبأ بما يفعل سائقها، فيتجاوز من اليمين وينحرف يسارا بسرعة دون اكتراث باتزان المركبة، ولا أنسى تلك الشاحنة نوع (دينا) التي تجاوزتني ليلا من اليمين مسرعة رغم أنها تحمل أضعاف ارتفاعها من أقفاص الدجاج الحي، ثم واصلت سرعتها تتجاوز المركبات وتنحرف يمينا وشمالا ثم رحمني الله ورحم من هم خلفي من السيارات المسرعة عندما فوجئنا بجحافل من الدجاج تستقبلنا مسرعة نحو ضوء سياراتنا لتقول لنا إن الشاحنة أمامنا مقلوبة في وسط الطريق!! ولولا لطف الله ثم إنذار الدجاج لحدثت تصادمات كارثية، فالسائق رغم سلامته وخروجه من الشاحنة لم يدرب لوضع مثلث التحذير أو أي منبه لوجود شاحنة مقلوبة في الطريق السريع.

المؤكد أننا نحتاج إلى تكثيف الرقابة البشرية الميدانية على الطرق الطويلة وإيقاف المخالفين وتطبيق عقوبات رادعة (غير المالية) على المستهترين بحياة الآخرين مثل التسفير والسجن وسحب الرخصة ومعاقبة الشركة التي لا تدرب السائق وتحذره وتفرض دورات توعية بالمخالفات والعقوبات.

نشر بجريدة الرياض يوم الأربعاء 28 جمادى الآخرة 1445هـ 10 يناير 2024م

جاك الموت يا تارك المستشفى الحكومي

من أسعد الأخبار الإيجابية التي تلقيتها هذا الأسبوع من مصدر رفيع بوزارة الصحة، بعد طول انتظار لهذه الإجابة، هو أن وزارة الصحة بدأت فعليا ومنذ فترة في تطبيق الرقابة على عمل الممارسين الصحيين الحكوميين في القطاع الخاص وفق الضوابط الدقيقة الحكيمة المحكمة التي صدرت عن مجلس الوزراء، وزودني المصدر بجدول إحصائي لحصيلة فترة سابقة من الرقابة والمتابعة وسمح لي بنشره وأكد لي أن العمل يجري على قدم وساق في تطبيق قياس التزام كل من الممارسين الصحيين ومستشفيات القطاع الخاص بتلك الضوابط، وأنه تم تطبيق الغرامات الرادعة على المخالفين، وأن الوزارة تستقبل البلاغات عن المخالفين لتلك الضوابط وتتجاوب معها بسرعة.

وكان حزم وعزم سلمان بن عبدالعزيز، ورؤية ولي عهده الأمين قد شمل هذا التسيب برياح الإصلاح الشامل فوافق مجلس الوزراء على ضوابط السماح للممارسين الصحيين بالعمل في القطاع الخاص خارج وقت الدوام الرسمي، وهي ضوابط محكمة وشاملة تضمن قيام الطبيب الاستشاري بواجبه في المستشفى الحكومي على أتم وجه يستفيد منه مريض المستشفى الحكومي بما يليق بما يقدمه الوطن للأطباء من أجور عالية وبدلات مجزية وتليق بما تهدف له الرؤية من الرقي بالخدمات وجودة الحياة وتحقيق أعلى درجات الأداء الوظيفي والالتزام بالأنظمة.

ومن أبرز الضوابط في ذلك السماح، ربط رخصة السماح بمنصة إلكترونية دقيقة لا يسجل فيها إلا من أيدت جهته الحكومية قيامه بالنصاب الحكومي وتحقيقه جميع الأهداف المطلوبة منه في عمله الأساسي من حيث الانضباط والجودة والإنتاجية وتحديد مقر عمله في القطاع الخاص وساعات العمل فيه، وأنها خارج وقت الدوام الرسمي وتقنين حد أعلى لساعات العمل في الخاص، وأنها لا تتعارض بأي حال مع عمله الرسمي في الحكومي، وتطبيق نظام مراقبة إلكتروني لهذا السماح يعاقب من يخالفه سواء الممارس الصحي أو مقر عمله في القطاع الخاص، ومن المؤكد أن جهته الحكومية تشترك في المسؤولية عما يخصها في أمر الالتزام.. وغرد معالي وزير الصحة الأستاذ فهد الجلاجل في حينه عن تلك التراخيص التي تضمن الالتزام بضوابط تحقق سلامة المرضى والأداء العالي في القطاع العام والحكومي.

وليس أدل على شمولية ودقة تلك الضوابط وإحاطتها بجميع جوانب تلك القضية من أنها لم تترك عذرا لأحد ولا ثغرة تستغل، فحتى لو تعذر الاستشاري بأن المستشفى الحكومي الذي يعمل به لا يحتوي ما يمكنه من القيام بالنصاب المطلوب فإن عليه أن يكمل النصاب في مستشفى حكومي آخر ليحصل على رخصة السماح بالعمل في الخاص خارج وقت الدوام.

وحسب جدول الإحصائية التي زودني بها المسؤول لفترة وجيزة لملخص قياس مدى التزام الممارسين الصحيين الحكوميين في القطاع الخاص فإن عدد المؤسسات التي تمت زيارتها في تلك الفترة الوجيزة هو 2587، وعدد الممارسين المخالفين هو 176 مخالف، وعدد المؤسسات المخالفة هو 30 مؤسسة مخالفة، وهذه الأرقام تعتبر كبيرة إذا علمنا أن مستشفيات القطاع الخاص الكبيرة (ليس المستوصفات) التي تستخدم ممارسين حكوميين لجذب المرضى قليلة جدا وقريبة من الرقم المخالف.

قال لي أحد الزملاء الأطباء: لماذا تركز على هذا الموضوع؟ قلت إن أي إنسان يرى معاناة مريض من غياب الاستشاري خاصة من يحضر لموعده من قرى بعيدة ولا يتأثر وينتصر له ليس لديه مشاعر فما بالك إذا كان ناقدا ومتخصصا وهذا دوره، وقال لي آخر: ألا ترى أننا بالعمل في الخاص نمكن المريض من الاستفادة من تواجد الاستشاري الحكومي في الخاص؟ قلت لو بقي الاستشاري الحكومي في عيادته الحكومية وقام بالنصاب المطلوب منه لأصبحت مواعيد المستشفيات الحكومية قريبة ولم يحتاج المريض للمستشفى الخاص.

نشر بجريدة الرياض يوم  الأربعاء 14 جمادى الآخرة 1445هـ 27 ديسمبر 2023م

قرصة لأذن شركات التأمين نظامياً

في مقالي اليوم سوف أتطرق لممارسة أراها مخالفة وغير مبررة تمارسها شركات تأمين السيارات تتمثل في تعويض العميل (الغافل) بالمبلغ الإجمالي المقدر لقطع الغيار والإصلاح مخصوما منه ضريبة القيمة المضافة وهذا عجيب جدا، حيث إن الوكيل أو تاجر قطع الغيار يبيع للعميل القطع مضافا لقيمتها ضريبة القيمة المضافة!! فكيف لا يعوض عنها المؤمن؟!

وقبل أن أدخل في تفاصيل مقال اليوم دعوني أوضح أنني في مقال الأسبوع الماضي بعنوان (وكيل يصور مع قطع الغيار الغالية) ظن البعض أنني أضع عذرا لشركات تأمين السيارات في رفع سعر بوليصة التأمين عندما ذكرت، ضمن السلبيات المتعددة لرفع وكلاء السيارات لأسعار قطع الغيار بطريقة مبالغ فيها جدا، قيام شركات التأمين برفع أسعارهم، مع أنني ذكرت ذلك كعنصر أخير من عناصر سلبيات جشع وكلاء قطع الغيار التي عددتها في المقال، وجشع وكلاء قطع الغيار اقترحت وقفه فورا بفتح أبواب المنافسة أمام باعة قطع الغيار من الخارج بفتح مكاتب شراء مباشر مأمون منهم بأسعارهم المعقولة والتي ستجعل الوكيل الجشع يصور مع قطع الغيار المتكدسة في مستودعاته.

فلم أكن قط مدافعا عن شركات التأمين لا في شقها الطبي ولا في شق تأمين السيارات إلا فيما أراه حقا أو يشتمل على استغلال مسيء أو مضر ببرامج التطور التي نعيشها، ومن ذلك مبالغة المستشفيات الخاصة وأطبائها في وصف الأدوية والتحاليل والأشعة للمريض المؤمن عليه أو مبالغة تجار قطع الغيار وورش الإصلاح والوكالات في تكاليف الإصلاح بما ينعكس جميعه في النهاية على المستفيد ويعرقل خطوات التطور السريع الذي نشهده في مجال التأمين بفروعه المتعددة ويضع العوائق أمام مرونة الإجراءات.

أما ما نحن بصدده اليوم فهو أمر غريب ويستدعي رقابة صارمة على شركات تأمين السيارات وربما نحتاج لقرصة أذن لبعض هذه الشركات ومعاقبتها وتغريمها لأن ما تفعله (إذا فعلته) يعد مخالفة صريحة وجرأة على حقوق الناس وعلى الأنظمة، ويتمثل السلوك في قيام بعض شركات تأمين السيارات باعتماد تقرير موقع (تقدير) المعتمد لتقدير تكاليف اصلاح أضرار الحادث مفصلة بسعر التكلفة قبل ضريبة القيمة المضافة وبعد إضافة الضريبة سواء لتكاليف الإصلاح أو تكاليف قطع الغيار، لكن الشركة تحول لحساب المستفيد مجموع التكلفة قبل إضافة الضريبة وبذلك فإن العميل المسكين ينقص تعويضه بنسبة 15 ٪ دون مبرر يشرح السبب، علما أن المتضرر من الحادث دفع التكاليف شاملة الضريبة، وبتقصي الأمر علمت من مصدر خبير أن بعض الشركات تفعل ذلك وإذا أصر المتضرر على تعويض القيمة المضافة تطالبه بفواتير قطع الغيار وتعوضه عن ضريبة القيمة المضافة للقطع فقط (أما الغافل فلا يحصل على حقه)، وهذا لا يستقيم مع مبدأ التعويض مقابل التأمين، فالمفروض أن يعوض المتضرر بكامل المبلغ (إصلاح وقطع شامل الضريبة) المقدر من الجهة المعتمدة رسميا للتقدير وليس لشركة التأمين حق حرمانه من هللة واحدة قدرت له، إلا ما اشترط كحد أقصى وهو غالبا عشرة ملايين ريال، لذا أرجو التنبه لهذه الممارسات ووقفها لنحافظ على عقد تطورنا مضيئا لا يشوهه مصباح محروق باحتيال.

نشر بجريدة الرياض يومالأربعاء 7 جمادى الآخرة 1445هـ 20 ديسمبر 2023م

وكيل يصور مع قطع الغيار الغالية

يس جديدا القول إن قطع غيار السيارات والأجهزة والآلات هي الأغلى لدينا، وإن وكلاء السيارات والأجهزة والآلات يأتون في المرتبة الأولى في الجشع واستغلال حاجة المستهلك، لكن جديدي أن أريكم الصورة من جوانب أخرى عدة، وصورة استغلال هؤلاء الوكلاء قبيحة من كل جانب وكلما غيرت زاوية الرؤية ستراها أقبح.

غلاء قطع الغيار -في ظني- هو سبب كل علة وهو بيت الداء لكل مشكلاتنا، ولا يقتصر ما يسببه من أذى على استنزاف دخل الفرد أو الأسرة بل يتعداه إلى ما هو أبعد.

غلاء قطع الغيار يضطر مالك السيارة لشراء قطع مستعملة من (التشليح) فيتعرض هو وعائلته للخطر بسبب استخدام قطع تالفة أو مستهلكة، ولن أتطرق لاضطراره لشراء قطع أقل جودة أو مقلدة لأنني لم أجزم بعد أن كل الوكلاء يبيعون قطعا أصلية فشديد الجشع لا تأمن أن يحاول الجمع بين الربح الفاحش لسعر القطعة ومزيد من التوفير في سعرها الأساس بشراء قطع أقل جودة.

وغلاء قطع الغيار لدى الوكيل فتح مجالا للترويج لتطبيقات ومواقع إلكترونية تبيع قطعا بنحو خمس وأحيانا عشر قيمة نفس القطعة لدي الوكيل، وهذا في ظاهره جيد ويوجد حل للمضطر محدود الدخل، لكنه في الحقيقة أمر خطير فقد يتعرض المستهلك المضطر لتهكير حسابه البنكي أو بطاقته الاتمانية أو الوقوع ضحية لموقع وهمي يسلبه أمواله ولا يرسل له ما اشتراه، هذا خلاف أن الدورة المالية خاطئة كونها تشتمل على طرف خارجي سواء كان صادقا أو محتالا.

وغلاء قطع الغيار هو السبب الرئيس في رفع رسوم التأمين على المركبات فشركة التأمين حاليا ترى أن تقديرات الورش المعتمدة في حساب تكاليف الإصلاح تعتمد على تسعيرة القطع من وكيل المركبة، وتلك أسعار فلكية ترفع من قيمة التعويض وبالتالي سينعكس ذلك على سعر البوليصة فترتفع ويشتكي المستهلك لأن التأمين إلزامي وأسعاره ترتفع لأسباب عدة بعضها يتعلق بشركات التأمين وبعضها سببه غلاء قطع الغيار وتكاليف الإصلاح وبالتالي التعويضات.

إن قطع غيار السيارات والأجهزة المنزلية أصبحت سلعا أساسية تستوجب الحماية ومراقبة الأسعار وفتح قنوات المنافسة، وأقترح إتاحة الفرصة لتلك المواقع والتطبيقات التي توفر القطع بجودة عالية وسعر معقول بأن تتواجد رسميا في أسواقنا ويكون لها مكاتب يمكن التعامل معها مباشرة بطرق مأمونة وواضحة ومحمية، وعندها سيضطر الوكيل للقبول بهامش ربح معقول أو زيادة هامش أرفف مستودعاته ليقوم (الله لا يهينه) بتخزين قطعه وأدواته والتصوير معها مكدسة في المستودعات.

نشر بجريدة الرياض يوم الأربعاء 29 جمادى الأولى 1445هـ 13 ديسمبر 2023م

رجال أفذاذ.. لنكرمهم ولو بالدعاء

أولئك الرجال الذين قدموا لدينهم ووطنهم وللبشرية خدمات جليلة ثم رحلوا عن هذه الدنيا بذكر حسن، لم يضروا أحدا ولم يظلموا أحدا ولم يسيئوا لأحد، وهم كثير جدا في وطننا وفي مجتمعنا الكبير، وكثير في حدود مجتمعنا الصغير وحدود معرفتنا وتجربتنا عن قرب.

وأنا هنا سأقتصر على من عايشتهم عن قرب أو عملت معهم أو لهم أو زاملتهم في مواقع عمل، وقد أنسى منهم أحدا في ظروف كتابة مقال سريع، لكنني أدعو لهم جميعا في كل وقت، وأذكر متابعي في منصة (تويتر) سابقا و (X) حاليا بالدعاء لهم في ساعة استجابة، وهذا من حقهم علينا وخير عظيم يضاف لعلمهم النافع الذي يستفاد منه والصدقات الجارية التي يقوم عليها أبناؤهم ومحبوهم، وغني عن القول إن دعاءنا لهم يذكرنا بهم وبما قدموا ويجعلنا نعتبر أننا سائرون في ذات الطريق القصير جدا الذي ساروا عليه والمحطة المؤقتة التي توقفوا بها ثم رحلوا.

وعندما نذكر أولئك الرجال الأفذاذ فما من داع لترتيبهم لا بالعمر (فقد عادوا شبابا) ولا بالجاه (فإن أكرمهم عند الله أتقاهم، كما كانوا في حياتهم، وجميعهم برحمة ربهم في منزلة عظيمة ودرجات عالية)، ولا بمناصبهم في الدنيا، (فمكانتهم كمسلمين عند رب رحيم أرفع من كل مكانة برحمة ربهم).

حمد بن محمد الحبيش خدم وطنه منذ تخرجه محاسبا بالعمل في شركة الغاز الأهلية حتى أصبح مدير عام الشؤون المالية فيها، وطور الشركة بشهادة زملائه وعلى رأسهم معالي الشيخ عبدالله العلي النعيم رئيس مجلس الإدارة آنذاك، وعرفته كريما شهما غيورا على دينه ووطنه، وحمد بن سليمان السعيد خدم الوطن معلما في المعهد المهني بعد تخرجه من إيطاليا وكان طيب القلب حسن المعشر محبوبا من كل من عرفه أو تعامل معه، وعبدالله بن إبراهيم الجدعان بدأ حياته في البيع والتجارة بأمانة وصدق وتصدق ثم عمل في مراكز الرعاية الصحية وكان يخدم المرضى ويساعدهم ويعطف عليهم ويعين من يحتاج العون منهم، وطبيب الكبد عبدالمحسن بن عبدالله التويجري الذي أسميه (مجموعة إنسان) فقد أسس لزراعة الكبد في مستشفى الحرس الوطني وكان خلف كل تطوير طبي وإداري فيه بصمت ولا يرد محتاجا أو طالب علاج عرفه أو لم يعرفه، وحسين الفراج زاملته في صحيفة الجزيرة فكان قمة في الخلق والطيبة والكرم وصاحب ابتسامة تخلق السعادة ولطف لا يعرف الأذى لا يغتاب ولا يحقد وإن أسيء له صفح، ومنصور التركي عرفته مديرا لجامعة الملك سعود وتحسبه من لطفه طالبا فيها ومن متابعته وإخلاصه وتواجده تظنه أصغر موظفيها لا يغضبه نقد ولا يحمل حقدا ولا يظلم أحدا ولا يقبل ظلما لأحد سواء طالبا أو مستخدما ولا يقبل تقصيرا من كائن من كان، ومحمد المعجل أعظم مدير شؤون صحية مر على الوطن إخلاصا وتفانيا وعدم تعصب لمهنة، فتعصبه كان للمريض وللوطن، لا أنسى رقابته بنفسه على فواتير المستشفيات الخاصة واستعانته بخريجي الطب والصيدلة والتمريض لمراجعتها، ومحمد الشريدة الذي أدار مستشفى الحرس باقتدار بعيدا عن الصورة والإعلام همه المريض لاسيما من يحتاج لعون أو جهاز أو أمر علاج، كان زميلا لنا لم أشعر قط أنه المشرف العام، لطيف المعشر دائم الابتسامة رقيق المشاعر، وأسامة شبكشي أقوى وزير صحة، قاد الوزارة في أضعف مراحل إمكاناتها في مرحلة هبوط اقتصادي عالمي وأزمة الخليج، ولم يمنع ذلك من تحقيق النجاح لأنه رجل وباختصار يعمل بما يرضي ربه ويرضى به ضميره، لو ألفت فيه كتبا لم أوفه حقه، وتركي بن عبدالله السديري الرجل الذي رغم أنه حقق كل مجد كرئيس تحرير إلا أن الإنسان كان قضيته الأولى لا يحجب نقدا أو يتردد في نشر تحقيق صحفي طالما علم أن محتواه حقيقة ويعالج وضعا لضعيف، منه ومنه فقط عرفنا أن رئيس التحرير يبلغ من الثقة في نفسه أن يجلس على طرف طاولة مكتبك ويمازحك و(ينكت) عليك وإن قصرت (نكد) عليك، مواقفه الإنسانية والوطنية لا يحصيها مقال وإن طال، وطلعت وفا، ذلك الصحفي الرائد في مجال الإعلام بكل اللغات رجل أحبه كل من عرفه وأجزم من طيبة قلبه أنه مات مبتسما، ومحمد الوعيل ذلك الإنسان الذي تشعر من لطفه ودماثة خلقه أنه سيموت غدا، على أساس أننا نخشى على اللطيف أن تكون منيته قد حانت ووداعه اقترب، لم تسمع أذني حتى اليوم أهدأ من صوته، ولم تر عيني مثل تحكمه في انفعالاته وحفاظه على ابتسامته في كل وجه وفي كل وقت وظرف، وفهد العبدالكريم الذي زاملته محررا وعرفته رئيسا للتحرير وأنا خارج جريدة الرياض ورغم أن المرض لم يمهله كثيرا كرئيس تحرير إلا أنه استحق مني لقب رئيس الصابرين، زرته مريضا فأحرجني بلطفه وأبهرني بصبره وقوة إيمانه.. رحمهم الله جميعا وجمعنا بهم في الفردوس الأعلى من الجنة بفضله ومنته، ولا تنسوهم ولا تنسونا من دعائكم.

نشر بجريدة الرياض يوم الأربعاء 22 جمادى الأولى 1445هـ 6 ديسمبر 2023م

المراجع بين الاستحقاق والاختلاق

منذ المقولة المضللة الخطيرة التي ثبت وبسرعة عدم صدقيتها والتي قال قائلها إن كمية المياه الجوفية في المملكة تعادل جريان نهر النيل لمدة 500 عام، وأنا أتساءل: لماذا نحن لا نطالب بمراجع ودراسات تثبت صحة ما ندعي ونقول وما يزعمه أي زاعم سواء من يدعي إنجازا طبيا أو علميا أو هندسيا أو من يدعي سبقا علميا أو طبيا أو هندسيا، أو مسؤول يفاخر بمعلومة مطمئنة وهي في الواقع مخدرة ومخادعة كتلك المعلومة التي ما إن غادر قائلها حتى اكتشفنا أننا أمام أزمة مياه تستوجب التقشف وإيقاف زرع بعض المنتجات.

الأصل في أي معلومة أن تبنى على دراسة علمية محكمة ومنشورة في مجلة علمية متخصصة معتمدة من المؤسسات العلمية العالمية، لكننا ما زلنا وللأسف نستقبل سيلا من المعلومات والنصائح الصحية والنفسية والاقتصادية والاجتماعية والأسرية وفيما يخص الطفولة وجميعها غير مسنودة بدليل ولا بدراسات علمية ولا بمراجع حتى أصبح من هب ودب يفتي في الشأن الصحي والنفسي والأسري دون سند علمي، فخرجت علينا مشهورة تتحدث عن الطلاق والخلع والعلاقات الزوجية الخاصة وهي أصلا فاشلة أسريا وغير مسنودة لا بدراسة محكمة ولا بحكمة وتجربة ناجحة!!، ومن يفتي في الأمور النفسية دون مرجعية علمية فكل مؤهلاته بكالوريس في الطب وتخصص إكلينيكي فقط في مجال العلاج بالأدوية كطبيب نفسي فقط لا علاقة له بأبحاث علم النفس ودراساته وليس لديه دراسة محكمة لما يدعي، إنما يقوله بناء على ظنه هو أو حتى ليس ما يظن ويعتقد إنما ما يبحث به عن إثارة وشهرة، وقس على هؤلاء المهندس والاقتصادي والصيدلاني والطبيب وغيرهم ممن يتحدثون دون سند مرجعي موثوق ومحكم وموثق بالنشر، واللوم ليس فقط عليهم إنما علينا حيث نصدقهم ولم نطالبهم بدليل ونعاقبهم على التضليل.

وفي الجانب الآخر نقرأ أخبارا عن ادعاء إنجازات وأولويات طبية أو هندسية أو علمية وجوائز مزعومة أو من مؤسسات تجارية ربحية من فئة (ادفع نشهد)، وهؤلاء قد يقول قائل دعهم، مالك ولهم؟! والواقع أنهم يدلسون على غيرهم ويستغلونهم طبيا أو هندسيا أو اقتصاديا بالتسويق لأنفسهم، كما أنهم بهذا السيل من الادعاءات والجوائز والإنجازات المزعومة يؤثرون على الإنجازات الوطنية الحقيقية فالبعض يخلط بين الغث والسمين.

لا بد وطنيا من سن تشريعات تحفظ للمعلومة احترامها وصدقيتها وتطالب بسند ومرجع علمي محكم لكل ما ينشر وهو يمس شأنا وطنيا أو يؤثر في الناس ويتأثرون به صحيا أو اجتماعيا أو نفسيا أو أسريا أو يدلس عليهم أو يؤثر في أي شأن من شؤون حياتهم، ومن لا يلتزم يعاقب؛ فنحن نعيش مرحلة جادة حازمة تعتمد على الحقائق والاستحقاق لا الأوهام والاختلاق.

نشر بجريدة الرياض يوم الأربعاء 15 جمادى الأولى 1445هـ 29 نوفمبر 2023م