كرسي المنصب العظيم

كتبت في مقال الأربعاء الماضي عن معايشتي خلال عشرات السنين الماضية لأصحاب المناصب، وصنفتهم لأحد ثلاثة لا رابع لهم: الأول أعطى المنصب حقه من البذل والجهد والإنتاجية ولم يأخذ لنفسه غير راتبه وأجره على إخلاصه، والثاني جلس على كرسي المنصب وفرح به ولم يفرح الكرسي منه بأي إنتاجية بل لم يحرك ساكناً (هذا كنا نسميه حسب النظام) لأن هذا كل ما يكتبه ويفعله، أما الثالث فقد (حطز) على الكرسي، أي جلس بقوة واندفاع وثقل ولم يفد الكرسي بشيء بل استفاد منه، و(تمصلح) وأخذ أجره الدنيوي وزيادة، وسوف يحاسب عليه في عهد الحزم والعزم ومحاسبة المقصر، وأعانه الله على حساب عسير في الآخرة.

اليوم نستعرض أصحاب كرسي المنصب العظيم، وهو كرسي يجلس عليه صاحبه وقلّما يقوم، لكن صاحب ذلك الكرسي قام قبل الجلوس عليه بما هو أعظم، فهو إما مدافع عن وطنه فقد أحد أو كلا طرفيه السفليين أو أصابته رصاصة بشلل أطراف كانت تتحرك بشرف وقوة وشجاعة ليس لها نظير.

أو صاحب الكرسي متقاعد قدم لهذا الوطن عملاً مخلصاً طوال شبابه ثم كبر وتقاعد وأقعدته السنين، أو صاحب الكرسي هو ممن ابتلي فصبر وأصيب في حادث سير تسبب فيه متهور مستهتر لبى رغبة غبية ساذجة في نفسه تهوى فرط الحركة لتشل حركة الآخرين، و(فحط) ليتسبب في (قحط) نفسي لأسرة كاملة تحول أحد أفرادها لصاحب همة لا يهم بحراك لكنه صبر واحتسب الأجر من الله وثابر وأنتج وعمل.

أو صاحب الكرسي مريض أيضاً ابتلي وصبر وفقد القدرة على نعمة الحركة فشكر، ولا يزال يجاهد بما بقي لديه من قدرة على دفع عجلة الكرسي ليسهم في تحريك عجلة تطور وطنه وإعالة أسرته.

أو هو طفل ولد صاحب همة، وهؤلاء هم أهل أعلى همة ودوماً يعوضهم الله الرحمن الرحيم عن فقدان الحركة بعظم الحراك والإبداع والإنتاج.

كرسي المنصب العظيم هذا نشاهده الأكثر توجهاً للمسجد، والأكثر أداءً للعمرة، والأكثر وجوداً في الحج، والأكثر سعياً في مجال الخير، والأكثر إنتاجية! إذا وجد مديراً مدبراً يعلم أن الحراك ليس في الحركة بل في الفكر، إنه باختصار كرسي المنصب العظيم في الدنيا الذي يؤهل من يجلس عليه إلى المنصب الأعظم في الآخرة بعمله وبصبره واحتسابه، وبرحمة ربه الذي وعد الصابرين، ووعده الحق.

في حج هذا العام وقبله رأينا هذا البلد الأمين كيف وفر آلاف الكراسي المتحركة لأصحاب الهمم وكبار السن والمرضى والمصابين بالسمنة وبعض النساء اللاتي تشق عليهن الحركة، وهذا الكم الهائل من الكراسي المتحركة المتطورة مع رجال ونساء يدفعونها ويساعدون الحجاج في كل شأن، جهد عظيم ضمن جهود أخرى جبارة تبذل لخدمة ضيوف الرحمن، وهي أحد أسرار ما ننعم به في هذا الوطن من خير عظيم وأمن وأمان.

الأعداد المهولة من الكراسي المتحركة التي شاهدناها هذا العام تزحف بين المشاعر، لفتت انتباهي إلى عظم شعور من يجلس عليها ورغبته الصادقة وجهاده لأداء هذا الركن بشغف وسعادة، فقلت: إنه كرسي المنصب العظيم.

نشر بجريدة الرياض يوم السبت 27 ذو الحجة 1444هـ 15 يوليو 2023م

كرسي المنصب وجلاس ثلاثة

عايشت وعاشرت أصحاب كراسي مناصب عديدة، كراسي عالية جداً وكراسي وسط وكراسي دون، فوجدت فيهم من ملأ كرسيه وأعطى الكرسي ولم يأخذ منه، وسعد به الكرسي، وشقي هو من الإخلاص له، وشرف الكرسي ولم يتشرف به.

ومنهم من جلس على الكرسي ولم يشعر الكرسي به، وبقي الكرسي وكأنه فارغاً لم يملأه بل ولم يكن بمقاسه ولم يحرك في الكرسي ساكناً، اللهم إلا أنه فرح به وفاخر به وأصبح يتحسس كرسيه بكلتا ذراعيه، ويتمنى أن يقوم من فوقه قليلاً لينعم ويزهو برؤيته، لكنه لا يفعل لأنه يخاف أن يقوم عنه فلا يقعد عليه مرة أخرى فتشبث به وبقي يتحسس كرسيه المخملي.

ومنهم من قعد على الكرسي فأثقله وزناً ولم يثقله عملاً، وشعر الكرسي بثقله لأنه رمى بنفسه عليه مستعجلاً (بطريقة الحطزه)، واستفاد هو من (حطزته) ولم يستفد الكرسي ولا المنصب، فأخذ من الكرسي كثيراً ولم يعطه شيئاً، واستفاد ولم يفد.

جميعهم غادروا الكرسي ولم يبقَ إلا أثر الأول الذي عمل صالحاً وأخلص وبذل، وأعطى ولم يأخذ إلا حقه، وأثر الثالث الذي استغل الكرسي لنفسه والذي بالتأكيد سيحاسب عليه في ظل نعمة عظيمة نعيشها في وطننا تتمثل في الحرب على الفساد ومنه استغلال المنصب والنفوذ، أما الثاني الذي لم يحرك ساكناً، فالتاريخ كفيل بتدوين مرحلته على أنها مرحلة الحفاظ على الكرسي والتشبث به دون أن يفعل ما يقابل راتبه ومميزاته، أي أن دخله لا يحل له وهو في ذلك والثالث سواء وينتظرهم حساب عسير في الدنيا والآخرة.

أجمل ما في هذه الحياة إضافة إلى أن تعمل صالحاً يرضي الله عنك ويثيبك عليه في الدنيا والآخرة فتكون ممن لا خوف عليهم ولاهم يحزنون، هو أن تورث علماً نافعاً وأثراً إيجابياً، وأن يذكرك شهود الله في أرضه بخير ويدعون لك حياً وميتاً، هذا في عملك الخاص الخالص لك، فكيف بعمل كلفت به وأخذت عليه أجراً.

نشر بجريدة الرياض يوم الأربعاء 17 ذو الحجة 1444هـ 5 يوليو 2023م

ناصر السلوم وزير الرأي والرأي الآخر

تغمد الله معالي الدكتور ناصر السلوم وزير المواصلات الأسبق بواسع رحمته وأسكنه فسيح جناته، تعاملت معه كمحقق صحفي عدة مرات وفي أكثر من مناسبة وفي أكثر من موضوع، جلها كان لا يخلو من لوم لوزارة المواصلات فوجدت منه ما لم أجده في بعض وزراء جيله ورجال مرحلته من قبول للنقد بصدر رحب والتحاور بلطف وتفهم وجدية في محاولة فهم وجهة النظر المخالفة لوجهة نظره، ليس من محقق صحفي وحسب، بل من أحد موظفيه، وهذا ما حدث فعلا حينما قررت وأنا أجري في هذه الصحيفة الغراء تحقيقات صحفية تمس الأهم من قضايا المجتمع، قررت أن أسلط الضوء على وضع رأيته خاطئا جدا وخطيرا أثناء الشروع في تنفيذ طريق الرياض – سدير – القصيم السريع حيث لاحظت أن العمل يبدو منه أن استراحات الطريق وضعت في الوسط بين الطريق الرائح والراجع، وهذا أمر طبيعي، لكن الغريب أن الدخول لتلك الاستراحات الوسطية يتم بالاتجاه يسارا مباشرة من الطريق السريع وليس عبر مخارج في الجانب الأيمن (غير السريع) من الطريق، وهذا معناه أن المركبة المسرعة في المسار الأيسر ستفاجئها مركبة قرر سائقها دخول الاستراحة الوسطية وانحرف إلى اليسار فتحدث كارثة.

جمعت أوراقي وصوري للمشروع وأراء بعض المواطنين من أهالي سدير والقصيم وأخذت موعدا مع معالي د. ناصر السلوم – رحمه الله – وكان وكيلا لوزارة المواصلات والمهندس عبدالكريم اللحيدان مدير إدارة هندسة المرور وسلامة الطرق بالوزارة، والأخير شاب جريء صريح أعجبتني جرأته وهو يتحدث عن الجزر الوسطية معارضا لرأي رئيسه ومؤيدا لوجهة نظري ورأي المواطنين القلقين، وكان المهندس اللحيدان في صف وجهة نظري كمحاور بأنها خطرة جدا وعارض بشدة دفاع د. السلوم الذي كان مؤيدا للفكرة على أساس أنها مجربة في أمريكا وأنها ستكون لمسة جمالية وسط الطريق، لكن اللحيدان عارضه بشدة قائلا إن الدم فيها سيصل للركب، وأن المطبقة في أمريكا مرتفعة عن الطريق، ويحسب للدكتور السلوم – رحمه الله – سعة صدره وقبوله للرأي الآخر ومن أحد موظفيه فلم يغضب واقتنع بالمعارضة، ويحسب لهذه الجريدة أنها كانت سببا في درء الخطر وتحويل الاستراحات إلى الوضع الحالي الآمن بإذن الله، أما أنا فيكفيني الأجر والثواب من الله ثم شرف الانتماء لهذه الجريدة الفاعلة إيجابا.

ذلك كان أحد المواقف أما الموقف الثاني فكان وهو وزير وذهبت إليه أحقق في إيجاد حل لكثرة حوادث الجمال على الطرق، فقال ضمن ما قال: (لقد عملنا كل ما نستطيع من شبوك ومعابر للإبل وأثناء دراستنا للحلول حاولنا في البداية وضع المعابر كأنفاق تحت الطريق لكننا أخذنا أراء أصحاب الجمال فأفادونا بأن الجمل يخاف أن يعبر تحت ما يعلو رأسه ويخاف الأصوات التي تصدرها المركبات فوقه، فقررنا إلغاء معابر الأنفاق وعملنا معابر الجسور العلوية (أنظر كيف عمل ألف حساب لرأي رعاة الجمال ولم يصادر آراءهم.

وفي موقف ثالث أثناء جلوسي في مكتبه في انتظار بدء الحوار جاءه أربعة من إحدى الهجر يطالبون بطريق وبإلحاح شديد وبلهجة قوية قابلها بابتسامة ووعد بدراسة أمر الطريق وخريطته ومعوقاته، وفي تلك الأثناء لاحظت من موقعي أن أربعة آخرين يترددون في الممر ويتبادلون الإشارات مع الموجودين بالداخل، ولم أرغب في إخباره بما أرى، كوني أعشق مطالبات أهل القرى وإلحاحهم، ثم خرج الأربعة ودخل الأربعة الآخرون وكانت لهم نفس المطالبة بنفس الطريق وكان ثمة أربعة آخرون مختلفون يبادلونهم الإشارات واستعجال الخروج، ثم خرج الفريق الثاني ودخل الفريق الثالث وكانت لهم نفس المطالبة بنفس الطريق مدعين أنهم لا يعرفون من سبقهم، ففهمت أنها خطة قروية للضغط.

وعندما حان دوري، قال لي – رحمه الله -: (على فكرة هذولا كلهم جايين مع بعض ويمثلون أنهم دفعات لا يعرفون بعضهم لكي يوحوا لنا أن المطالبة شديدة، بس والله يعجبوني) عندها أخبرته بالإشارات بينهم فضحك وقال: (متعودين على هكذا مطالبات ومعهم كل الحق).

رحم الله الوزير السلوم فقد كان وزير الرأي والرأي الآخر.. أكثر الله من أمثاله.

نشر بجريدة الرياض يوم الأربعاء 10ذو الحجة 1444هـ 28 يونيو 2023م

وأشواك إتلاف الإطارات امنعوها

قرارات وعقوبات وغرامات رائعة وموفقة اتخذتها وزارة الشؤون البلدية والقروية والإسكان تمنع المحلات التجارية من حجز مواقف السيارات لزبائن المحل التجاري، أو وضع لوحات تشير إلى أن الموقف محجوز لزبائن المحل، كما أن إلزام محطات الوقود بتوفير خدمة تعبئة إطارات السيارات بالهواء مجانا خطوة رائعة نتمنى أن تتبعها خطوات أهم، ومنها توفير دورات مياه مجانية نظيفة وصحية ولائقة تحترم هذه الحاجة الإنسانية الضرورية سواء على الطرق الطويلة أو حتى داخل المدينة.

منع المحلات التجارية من حجز مواقف السيارات بغلقها بسلاسل أو أقماع بلاستيكية أو حتى بلوحات، ذكرني بأمر أكثر أهمية بمراحل وسبق أن طالبت به كثيرا في مقالات عديدة أو (تغريدات) معادة، وهو ما تقوم به بعض المتاجر أو المراكز التجارية أو الشركات والمؤسسات بل وحتى بعض البنوك ويتمثل في وضع أشواك حديدية في المدخل تهدف لتمزيق إطارات من تهم مركبته بالدخول حتى لو لم ينتبه للوحة صغيرة رسمت عليها الأشواك أو كان شيخا كبيرا أو كان تركيزه على موقف خالٍ وليس بالضرورة على لوحة جانبية صغيرة مما يتسبب في تلف إطارات سيارته دون سبب مقنع أو خطر يوازي تلك الخسارة.

إن وضع مصدات شوكية حق (لا جدال فيه) للجهات الأمنية أو الجهات الحكومية الحساسة التي يخشى من الدخول إليها عنوة، وبالتالي فإن إتلاف الإطارات، لو حدث لخطأ أو سهو، أمر يستحق الخسارة خصوصا وأن تحذير تلك الجهات يكون واضحا جليا وله مراحل، بينما تستخف المحلات التجارية والمؤسسات بأمر تلك الأشواك الحديدية الحادة وتضعها دون اكتراث بأمر السهو أو ضعف الملاحظة ودون وضع أدنى حساب للفرق بين سبب المنع وحجم الضرر ونتيجة الدخول الخاطئ.

قلت ذات تغريدة مزودة بفيديو كتبتها منذ ثلاث سنوات: “كثير من مجمعات تجارية ومطاعم ومقاهٍ وشركات تستخدم هذه المصدات المتلفة للإطارات، فبأي حق؟ فهذه يفترض أنها للجهات الأمنية والحكومية الحساسة لحمايتها، أما التاجر فلا يحق له منع الدخول بما يتلف الممتلكات، فالعقوبة حق للدولة فقط، وهذا ينطبق على سحب المركبات بالونش كما في المستشفيات وغيرها” (انتهى)، لأن معاقبة المواطن أو المقيم بإتلاف ممتلكاته ليس من صلاحيات المؤسسات ولا الشركات، بل لا يتم في هذا البلد العادل إلا عبر أنظمة وقوانين وبعد أحكام قضائية عادلة ولله الحمد.

حتى سحب السيارات من أمام بعض المستشفيات أمر لا يليق، فثمة بدائل بتسجيل مخالفات وتطبيق غرامات بعد معرفة الظروف، فالمريض أو قريبه يحضر للمستشفى وهو في حال يرثى لها ويستحق المساعدة لا التضييق، فإذا ارتكب مخالفة يغرم ثم تتاح له فرصة الإيضاح والاعتراض وهو ما تحققه أنظمة هذا البلد الأمين بعدل وحلم وروية، فكيف يترك أمر التضييق عليه لإدارة مستشفى ولشركة مستفيدة من السحب وهو ما كتبت عنه سابقا.

نشر بجريدة الرياض يوم  الأربعاء 3 ذو الحجة 1444هـ 21 يونيو 2023م

أبو كاميرا ومواقع التواصل.. المنع والفائدة

منذ نحو 20 سنة حاورني المذيع الرائع الذي فقدناه في عز شبابه سعود الدوسري -تغمده الله بواسع رحمته وأسكنه فسيح جناته-، حاورني في برنامج إذاعي كان يقدمه، أظن أن اسمه (فور شباب)، وكان من بين محاور الحوار سؤاله عن رأيي في جوال “أبو كاميرا”، وكان ممنوعا آنذاك بتحفظ ممن كانوا يخشون خطره، وبالرغم من أنني كنت أصنف محافظا، شأني شأن السواد الأعظم من مجتمعنا الوسطي المحافظ، إلا أنني كنت أؤيد السماح بدخول جوال “أبو كاميرا” على أساس أنه جهاز شأنه شأن كل تقنية حديثة يمكن أن توظف في الخير والشر، والخير في مجتمعنا أكثر ولله الحمد.

وبالفعل دخل جوال “أبو كاميرا” وكان أكثر المستفيدين منه هم معارضوه ولم يخلُ من سلبيات قليلة كانت وأصبحت وستظل موجودة في كل مجتمع فيه الصالح ولا يخلو من الطالح، ولن يخلو إلا برحمة شاملة من رب العباد.

نفس الشيء عاد ليحدث مع مواقع التواصل الاجتماعي أو الإعلام الحديث الذي هاجمنا ودخل أجهزتنا ومنازلنا عنوة ولم يترك لنا خيارا، حتى التلفزيونات الحديثة غزاها وكذا جوالات و(آيبادات) الأطفال والكبار والصغار بل حتى الرضع والكهول والعجائز، ونافس الإعلام الورقي والمرئي والمسموع المتحفظ الرزين وحل محله، وأصبح لكل فرد منصته الإعلامية الحرة لا يراقبها إلا ذاته ومن حوله من الناصحين أو المضللين الفاضحين.

أيضا قلقنا من هذا الغزو السريع وخشينا من نتائجه، وكان بعضها وخيما جدا وخطيرا يستحق القلق وما زال كذلك، لكن كان وما زال له فوائده لمن يحسن اختيار المتابعة ويحكم عقله شأنه شأن الكتاب إن اخترته لخير فهو خير وإن اخترته لشر فشر.

لكن ثمة ميزة عظيمة لوسائل التواصل الاجتماعي سواء منها ما غرد و(توتر) أو ما (فيس وبوك) أو ما تساءل عن الحال و(واتسب) أو ما (تك تك) أو ما (سنب) فجميعها كشفت لنا الصالح والطالح والحكيم والأحمق وذات الحياء وذات التبرج والعفيفة والفاسقة والصادق والكاذب والعاقل والمختل والرزين والخفيف.

بل إن وسائل التواصل تلك أرشدتنا وصححت مفاهيمنا، فكم من شخص ظنناه صالحا فبان فساده، وظنناه صادقا وبان كذبه، أو حسبناه عاقلا وهو صامت فنطق ليمد أبو حنيفة قدمه، لقد كشف لنا إعلام الأفراد ما كان مستورا من أحوال أناس ستر الله عليهم دهرا فنطقوا ففضحوا ما ستره الله عليهم، ووالله إننا لا نفرح بفضيحة مسلم، لكنك لا تهدي من أحببت، نسأل الله لهم الهداية، وثمة من جاهر بالمعصية وفاخر بها، سواء بإسراف في طعام أو تبذير أو رياء وسمعة أو غير ذلك مما لا يرضي الله ولا خلقه ظنا أنه سيقنع المتابع ويجذبه لذات السلوك، لكن، ولله الحمد، أحدث ردة فعل معاكسة ومحاربة وتجنبا لسلوكه المشين.

وخلاف الإعلام الغربي المأجور الموجه ضدنا، فقد فضحت وسائل التواصل وإعلام الأفراد رؤساء دول غربية سابقين ناصبونا العداء فكشفت كذبهم في أسباب الحروب وكشفت شذوذ بعضهم فذلك زوجته ذكر و ذاك أقرب لكونه امرأة وقد ظنناه رجلا.

نشر بجريدة الرياض يوم الأربعاء 25 ذو القعدة 1444هـ 14 يونيو 2023م وسقط سهوا أخر ٣ أسطر.

تطور مروري رياضي وصحي يحتاج أن نتطور

من حيث التخطيط والبناء والصرف والرؤية فإننا نعيش قفزات نوعية تحقق أحلامنا وبعضها فوق ما كنا نطمح ونحلم، خاصة فيما يتعلق بمكافحة الفساد المالي والإداري ومكافحة المخدرات ومجالات السعودة والاستثمار وخفض نسب البطالة والضمان الاجتماعي ومساعدة ذوي الدخل المحدود والإسكان وسرعة التقاضي والربط الإلكتروني للإجراءات العدلية والنمو الاقتصادي والصناعة الوطنية، وجوانب أخرى عديدة يصعب حصرها.

ومن ينكر هذا التطور السريع العازم الحازم ظالم لنا ولنفسه؛ فالنتائج تتحدث عن نفسها والشواهد واضحة، فمثلا محاربة الفساد نجم عنها جودة في تنفيذ المشاريع الحكومية وخوف من المحاسبة كانا غائبين، انعكس على مشاريع نلمسها في حياتنا اليومية، وخذ على سبيل المثال لا الحصر تنفيذ مشاريع الطرق، كنا نعاني من سوء تنفيذ المقاول لها وحدوث تشققات وحفر بعد صيف واحد من التنفيذ، لكنها اليوم أصبحت بمواصفات عالية وجودة واضحة، وقس على ذلك ما شئت.

تطورنا السريع يحتاج أن تتطور معه كل الجهات وكل الموظفين بنفس السرعة ومن لا يستطيع، أو ليس لديه النفس واللياقة لأن يجاري هذه القفزة فعليه أن يريح ويستريح، فمثلا: من أكثر ما سعدت به مؤخرا تدشين الرصد الآلي لعدد من المخالفات المرورية الميدانية والذي بدأ يوم الأحد الماضي، مثل عدم استخدام الأنوار اللازمة عند السير ليلا أو في الأحوال الجوية والقيادة على كتف الطريق وعدم التزام الشاحنات بالمسار الأيمن وقيادة المركبة دون لوحات.. إلخ، هذا الرصد الآلي رائع جدا لكنه يحتاج بالإضافة له لرصد ميداني بواسطة مرور سري مكثف، خصوصا وأن أجهزة الرصد لا يمكنها تغطية كل الطرق والمواقع، وأن كثيرا من المخالفين يعرف مواقع أجهزة الرصد وأن المتعاون مواطنا أو مقيما لا يستطيع التبليغ دون تصوير فوري بالجوال! واستخدام الجوال في حد ذاته مخالفة.

ليل الاثنين الماضي (بعد التدشين) كنت أسير على الدائري الشرقي في الرياض وفوجئت بسيارة سوداء دون أي أضواء تتجاوزني من اليمين بيني وبين شاحنة ضخمة، فلا صاحب الشاحنة يراها عن يساره ولا أنا أراها عن يميني ولولا لطف الله لقذفها أحدنا على الآخر ووقعت كارثة، عندها تساءلت: ماذا استفيد أنا من الرصد الآلي لهذه المركبة (إن حصل) قبل أو بعد أن تتسبب لي في حادث؟! ولماذا لم تتم حمايتي من خطرها بإيقافها ميدانيا منذ دخولها للطريق السريع عن طريق دورية مرور سري.

التطور الكبير بإصدار الضوابط الحكيمة المحكمة الدقيقة التي صدرت من مجلس الوزراء لعمل الأطباء الحكوميين في المستشفيات الخاصة تحتاج من وزارة الصحة إلى سرعة في التطبيق ودقة في المتابعة والمحاسبة وما لم تواكب الوزارة هذا التطور وتجاريه بنفس الحكمة والإحكام فإنها تعيق توجها طالما حلمنا به.

تخصيص الأندية الأربعة الكبار وثبة نوعية عالية في مجالنا الرياضي تحتاج إلى مسايرة وزارة الرياضة لهذا الإنجاز بحزم وعدل ونبذ لكل ما من شأنه استغلال النفوذ لخدمة الميول، واتحاد كرة قدم قوي في لجان مسابقاته وتحكيمه وتوثيقه وانضباطه تتعامل بمهنية وحياد وإبعاد لكل متعصب وفتح الميدان لتنافس رياضي شريف ممتع للجميع، لا غبن فيه ولا غضب ولا توتر.

نشر بجريدة الرياض يوم الأربعاء 18 ذو القعدة 1444هـ 7 يونيو 2023م

أطباء (تويتر) ماذا أصابهم؟ انصحوهم

صحيح أن وسائل التواصل الاجتماعي، خاصة (تويتر) و(السناب) و(الواتساب) و(تيك توك) فضحت الكثير من العقليات وأخرجتها على حقيقتها وأخرجت لنا العجب العجاب من الغثاء من مشاهير فلس ومهايطية ومبذرين وسبابين وشتامين وجميعهم، وإن اشتهروا، لا يشكلون نسبة تذكر من مجتمعنا وإن كثر متابعوهم فإن الأمر طبيعي، فالناس بطبيعتها تلاحق ذوي التصرفات الغريبة والطباع العجيبة بدليل أنهم كانوا يلاحقون المجنون ذا التصرفات الغريبة في الشوارع بينما يسير الشخص العاقل الطبيعي وحيدا.

لكننا لم نتوقع قط أن تصل حال بعض المهنيين المتعلمين كالأطباء (مثلا) إلى ما وصلت إليه بعد أن فتحت لهم نوافذ الإعلام الحديث على مصراعيها ليصبح لكل منهم نافذته التي يطل منها بحرية لا رقيب عليه إلا ذاته، بعد أن كان لا يطل على الناس إلا عبر صحيفة سيارة أو شاشة فضية أو أثير إذاعة وجميعها لديها فلاتر ومناخل تميز الغث من السمين، أو على الأقل تحد من الترويج للذات والنرجسية إلى الترويج للمعلومة، وفي بعض وسائل الإعلام التقليدي المهني الرزين يتم التأكد من صحة المعلومة من خبراء ومستشارين في كل مجال، ما أمكن ذلك، أو يأتي من يرد على المعلومة ويعلق على الخبر مصححا ومنبها للعامة، وهو ما لا يسمح به صاحب الحساب في وسائل التواصل الحديثة، حيث يلجأ لإخفاء التعليق أو حتى حظر المعارض للمعلومة الخاطئة.

ما بال طبيب قلب يفتي في أمراض المسالك البولية والعيون والجلد والأذن والأنف والحنجرة بل ويعلن سماحه بزواج مريضة ويتدخل في حياتها الشخصية ثم يدعي حرصا على حفظ سرية المريض؟! وما بال طبيبة تنصح كل حامل أن تلجأ لإبرة الظهر لتخدير الجزء السفلي مدعية أن إبرة الظهر آمنة، مع العلم أن المقولة الطبية الثابتة التي يرددها كل طبيب لمرضاه (ليس هناك إجراء آمن 100 ٪ ولكل تدخل طبي مضاعفاته) بدليل توقيع المريض على تعهد بقبوله للإجراء ومن ذلك إبرة الظهر؟! وما بال طبيب يدعي أن أمنيته أن يعالج مريضه مجانا ومرضاه يعلمون أنهم يدفعون له أضعاف ما يتقاضاه غيره ولا يرونه؟! ألا يخجل من شهود الله في أرضه؟!

صحيح أنه مر علينا في الإعلام التقليدي (قبل تويتر وأخواتها) حالات لبعض أطباء ادعوا إجراء عمليات نادرة وهي ليست نادرة وبعضهم ادعى أنه أجرى العملية المعقدة مع أن الذين قام بها فعليا شباب سعوديون غيره وعقدهم رغم نجاحهم في عمليات معقدة، ولكن ذلك زمن ولّى ونحن الآن في عهد تصحيح وإلهام وحزم وعزم، لذا أنصح بنصح المخالفين لأخلاقيات هذه المهنة النبيلة من بعض أطباء (تويتر) أو إيقاف نشاطهم في وسائل التواصل حماية للمريض ولصحة المجتمع ولقيم وأخلاقيات المهن الصحية جميعا.

نشر بجريدة الرياض يوم الأربعاء 11 ذو القعدة 1444هـ 31 مايو 2023م

الأوغندي والنصر وقطاع خاص مقصر

مصادفة وفي أحد مراكز التسوق بالرياض وجدت عاملا أوغنديا يعمل في ترتيب وتسعير البضائع بالمركز التجاري، وكعادتي مع مثل هؤلاء المغتربين أسألهم عن أحوالهم وكيف وجدوا وطني الحبيب، وأحمد الله أنني ما سألت أحدا أيا كانت جنسيته إلا أبدى سعادته بما وجد في هذا البلد الطيب أهله والمبارك رزقه والأمن من يسكنه.

كان الشاب الأوغندي صغيرا لطيفا ممتنا للحديث فأطلت الحوار معه حتى أتى على ذكر كرة القدم فقال إنه يعشق فريق النصر السعودي قبل مجيء كريستيانو رونالدو وزاد حبه للنصر بعد مجيئه وأنه يتمنى الحضور في الملعب، لكنه لا يعرف كيف يشتري التذاكر ولا كيف يصل للملعب ولا كيف يحدد أي الملاعب ستلعب عليه المباراة، عندها فتحت له موقع الأول بارك وشرحت له الطريقة والطريق وفئات التذاكر لمباراة النصر في الجولة 28 وعندما أخبرته أن سعر الواجهة 70 ريالا وقد تكون مكلفة بالنسبة له، قال: أبدا مستعد لاقتطاع 70 ريالا من راتبي لأحضر للنصر.

كتبت تغريدة أتساءل فيها إن كنا نجيد التسويق لأنشطتنا عامة والرياضية خاصة فتواصل معي عدد من الإداريين في النصر هاتفيا وأبدوا أولا استعدادهم لاستضافة المشجع الأوغندي بمنحه تذكرة فئة منصة وعندما أخبرته طار فرحا وذكر على استحياء أن أحد زملائه لديه نفس الرغبة فرحب به النادي وجعلها تذكرتين منصة، وأوضح الإداري المسؤول أن نادي النصر يسوق جيدا لأنشطته باللغة الإنجليزية عبر حساباته في مواقع التواصل.

هنا أود أن أوضح أن تساؤلي لم يكن عن ناد بعينه أو نشاط بعينه بل ذهبت لأبعد من ذلك وهو: هل نحن عموما نجيد التسويق لما نبدع فيه من أنشطة بلغات من يقيمون عندنا؟ ولماذا القطاع الخاص، ممثلا في الشركات والمؤسسات والمراكز التجارية التي تستقدم مئات الآلاف من العمالة، لا يقوم بدوره في الترويج لجميع الأنشطة السياحية والرياضية والثقافية والترفيهية التي تتم في مدننا وقرانا خدمة لموظفيه أولا ثم إسهاما في تسويق أنشطة مهمة تدر دخلا على الوطن.

يجدر بالشركات والمؤسسات أن تزود موظفيها بجميع المعلومات باستمرار وعبر عدة وسائل وبأكثر من لغة، بل يفترض أن تشجع منتسبيها على الحضور وتقدم لهم عروضا ونسبة تحمل فالصحة النفسية للعامل تنعكس إيجابا على عمله وتعامله واستمراره.

إن الملاحظ (بكل أسف) أن القطاع الخاص لدينا يشارك فقط فيما يعود عليه بالكسب كمنح نقاط ولاء للعملاء أو عروض (بخيلة جدا وشحيحة) في مجالات تنافسية على الزبون.

عندما كنت أدرس في بريطانيا أو أتدرب في أميركا كنت ألمس مشاركة لجميع المتاجر ومراكز التسوق بل وشركات الأدوية والصيدليات في الترويج لجميع الأنشطة الوطنية، لأنهم يدركون أن الإقبال على تلك الأنشطة سينعكس بطريقة مباشرة أو غير مباشرة عليهم عبر دعمه للاقتصاد الوطني.

أتمنى أن يفرض على جميع الشركات والمؤسسات التي لديها أكثر من عشرين عاملا إنشاء إدارة علاقات وترفيه موظفين، وأن يشترط أن تتولى عناصر وطنية مخلصة أمر هذه الإدارة فترتب لأنشطة ترفيهية مجدولة وزيارات تعريفية ورحلات داخل الوطن بما في ذلك رحلات حج وعمرة ويجدر بالغرف التجارية أن تفرض ذلك وتشجع عليه.

نشر بجريدة الرياض يوم الأربعاء 4 ذو القعدة 1444هـ 24 مايو 2023م

المستشفيات الخاصة تلوي رقبة الواجب الوطني

قلت في مقال سابق نشر في هذه الجريدة الغراء يوم الأربعاء 3 مايو 2023م بعنوان (لتسهم المستشفيات الخاصة في علاج الإدمان طوعا أو كرها)، وكان المقترح واضحا يؤكد على أن المستشفيات الخاصة يجب أن تسهم (مجانا) ودون مقابل في علاج الإدمان، ومساعدة من تورطوا في السقوط في وحل استعمال المخدرات على الخروج منه بطريقة علاجية معروفة عالميا، تهون عليهم أعراض الانسحاب وتكفيهم شر العودة لذلك المستنقع، ومشاركة المستشفيات الخاصة في هذه الحرب على المخدرات واجب وطني لا منة فيه، وهو رد دين للوطن على ما قدم لهذا النوع من الاستثمار على مدى عقود طويلة بل قرابة قرن من الزمان، وإضافة إلى أنه واجب وطني ورد دين للوطن فإنه أيضا تعويض للوطن عن ممارسات من هذا القطاع الصحي صبر عليها الوطن كثيرا، وسوف آتي على ذكرها لاحقا في هذا المقال.

وبالرغم من وضوح المقترح وأن الإسهام والمشاركة يجب أن تكون مجانية، إلا أن بعض الأقلام والتغريدات حاولت الالتفاف على موضوع المجانية والتحدث عن دعم المستشفيات الخاصة لفتح مراكز علاج الإدمان بمقابل مادي!! أي يريدون الدعم المعتاد من الدولة لفتح مراكز استثمار يتاجرون من خلالها في أمر علاج الإدمان، وهذا وربي ضرب من الاستغفال والاستغلال الذي تعودوا عليه ويمارسونه دون خجل لا من الوطن ولا من المواطن ولا من أنفسهم.

لقد مارست المستشفيات الأهلية صورا من استغلال صبر هذا الوطن ورحابة صدره، ومن أمثلة تلك الممارسات على سبيل المثال لا الحصر تشغيل الأطباء الحكوميين في مستشفياتهم الأهلية والخاصة أثناء الدوام الحكومي في مخالفة واضحة للأنظمة والتعليمات المتلاحقة لوقف تلك الممارسات، حتى أصدر مجلس الوزراء ضوابط ومراقبة إلكترونية صارمة تحكم عمل الطبيب الحكومي في المستشفى الخاص خارج وقت الدوام وبموافقة جهته وبعد قيامه بكامل نصاب مهامه في المستشفى الحكومي على أكمل وجه وعبر منصة الكترونية محكمة، وكم أتمنى أن تتحرك وزارة الصحة وتشعر وسائل الإعلام بما تم في هذا الخصوص خاصة وأن مهلة التنفيذ قد مر عليها عدة أشهر.

أما الصورة الأخرى من صور ممارسات المستشفيات الأهلية والخاصة المخجلة فتتجسد فيما حدث أثناء أزمة (كورونا) من اختراع تطبيقات تستغل الحاجة للمعلومة حول المرض والأعراض وطرق الوقاية وهي التطبيقات التي استغلت فيها حاجة المريض بجشع مشترك بين بعض المستشفيات وبعض الأطباء، في حين يفترض أن تكون مجانية، هذا إضافة إلى التفنن في استغلال الحاجة لفحص كورونا بوضع أسعار عالية وفئات فحص (مستعجل وعادي وسفري) وكأنك تتعامل مع مغسلة ثياب.

إن ما قلته في المقال السابق، وأؤكد عليه الآن واضح وهو فرض مشاركة المستشفيات الأهلية والخاصة في الحرب على المخدرات (مجانا) طوعا أو كرها، وهذا لا أسميه ضريبة طبيعة استثمار بل هو تعويض للوطن وتسديد ديون سابقة ولاحقة، بل هو عمل مردوده على الجميع؛ فشفاء المدمنين وخلو الوطن من المخدرات يستفيد منه كل مواطن ومقيم سواء كان مستثمرا أو مستهلكا في شكل أمن دائم بحول الله وفضله.

نشر في جريدة الرياض يوم  الأربعاء 27 شوال 1444هـ 17 مايو 2023م

ليكن تدريب الأطباء وطنياً لا شركات فيه

تعلن بعض المؤسسات والمجالس عن برامج لتدريب أطباء الرعاية الصحية الأولية على علاج بعض الأمراض مثل برنامج داء السكري التدريبي وغيره من البرامج الجيدة ذات المردود الإيجابي على الرعاية الصحية سواء الأولية أو المتقدمة، والتي نؤيدها بقوة شريطة ألا يكون التدريب عن طريق شركة لها أدنى علاقة بالمتاجرة في علاج ذلك المرض، وأعني ألا تكون ذات علاقة بالاستثمار في أي عنصر يتعلق بذلك المرض، فمثلا داء السكري يجب ألا يكون للشركة أدنى علاقة بإنتاج أدوية للسكري أو إنتاج أجهزة تحليل السكر أو أشرطة تحليل السكر، لأن في ذلك تضارب مصالح واضحا.

عندما تتولى تدريب أطباء الرعاية الصحية الأولية على علاج داء السكري شركة تنتج أدوية ذلك الداء أو أجهزة وأشرطة تحليله أو أي عنصر يتعلق بعلاجه، فإن من مصلحة الشركة أن تنحاز لمنتجاتها أو أجهزتها أو أشرطتها وكل ما يتعلق بها، وهنا فإن التدريب لن يكون خالصا للصالح العام.

ليس هذا فحسب؛ بل إن هذا الأمر سيتحول لسلوك دعائي مؤثر على استقلالية القرار الطبي، بمعنى أن تأتي شركة إنتاج حليب أطفال (مثلا) وتعرض خدماتها لتبني برنامج تدريب أطباء وطبيبات الأطفال، وربما الأمهات أيضا، على التغذية المناسبة للمولود في مراحله العمرية، وهنا لا تستطيع أن تستبعد انحياز تلك الشركة لمنتجاتها من حليب الأطفال، وقس على هذا الأمر ما تشاء مما يتعلق بالرعاية الصحية سواء الأولية أو المتقدمة.

لا مانع إطلاقا من أن تسهم (تطوعيا) شركة أو عدة شركات في الدعم المادي والرعاية المالية لأحد برامج تدريب الأطباء أو أكثر من برنامج بشرطين مهمين: الأول ألا يكون لتلك الشركة أدنى علاقة بما يختص بالمرض أو أدويته أو وسائل علاجه، والثاني أن يكون التدريب حكوميا صرفا مستقلا عن الشركة في كل ما يخص المادة العلمية وطرق وبروتوكولات العلاج والمنتجات المستخدمة.

إن ما نتحدث عنه يأتي من رصيد من التجارب الصيدلانية مع أساليب شركات ووكلاء الأدوية والمنتجات الدوائية والصحية على مدى 40 سنة، رأيت خلالها حيلا كثيرة تمارسها تلك الشركات لإيهام طبيب منشغل بتخصصه ولا يعطي معلومات الدواء حقها من البحث أو سؤال الصيدلي المتخصص، فيوهمونه بأن منتجهم سحري لا أعراض جانبية له ولا عيوب ولا تعارض مع مرض أو دواء.

لقد كنا نحن صيادلة المستشفيات الحكومية السعوديين نمنع مندوب الشركة من الانفراد بالطبيب ونفرض عليهم موعدا ولقاء بحضور الصيدلي السعودي، فنقاطعهم ونذكر ما ثبت من أعراض جانبية وموانع استخدام لمنتجهم، ونتصيدهم في ممرات المستشفى للحيلولة دون ما يمارسونه من تدليس وهدفنا الأول والأخير هو المريض المسكين الضحية لكل ما يفعلون.

نشر بجريدة الرياض يوم  الأربعاء 20 شوال 1444هـ 10 مايو 2023م