لسنا أسوأ المجتمعات من حيث شيوع العنف وممارسة الضرب وقد نكون الأقل مقارنة بحالات الحدوث وإن ارتفعت، وأمر المقارنة مع مجتمعات أخرى يحتاج إلى دراسة أكاديمية، لكن المؤكد أننا نعاني من ظاهرة العنف وحالات حدوث ضرب مبرح في المدارس والمستشفيات ودور الرعاية ومواقع العمل، وجدير بنا لو كنا جادين في موضوع الدراسات والأبحاث للوصول إلى نتيجة اجتماعية نستفيد منها وأرقام إحصائية نخطط بناء عليها أن نركز على الدراسات والإحصاءات والبحث العلمي الذي يستقصي أسباب حدوث حالات العنف بشكل عام، وشيوع ممارسة الضرب كحل في مواقع يفترض أن توجد فيها الحلول الأكثر رقيا وإنسانية ورحمة، مثل المدارس ودور الأيتام والمستشفيات ودور رعاية المعوقين ودور رعاية القصر.
ولأن العنف كممارسة خاطئة أصبحت تتكرر بل وفي ازدياد وتوسع في المناسبة والمكان والجرأة فإني أود أن أفيد من قد يتكرم ويدرس هذه الظاهرة أو يوليها الاهتمام المطلوب بمعلومة أو ملاحظة قد تبدو غريبة حتى تثبت الدراسة صحتها أو تؤكد غرابتها، فقد لاحظت أن ممارسة العنف أو الضرب له علاقة عكسية مع زيادة السعودة، بل هو ينتقل ليقل في مواقع ويزداد في أخرى حسب نسبة السعودة وجدولها الزمني، فكلما زاد العنصر الوطني قل العنف وهذا طبيعي لأن المواطن إذا تواجد في موقع فهو لا يرضى حدوث أي ممارسة خاطئة ووجوده يشكل هيبة في الموقع.
أذكر أننا كنا نشاهد الصفع أو الضرب القاسي باليد والرجل وأسلاك الكهرباء في المدارس الابتدائية عندما كنا ندرس فيها ومن جنسيات معينة أكثر من غيرها وكان ذلك مروعا ومخيفا، والآن أصبح الضرب في المدارس الحكومية نادرا قياسا بالماضي علما أنه كان ممنوعا في الزمنين ولم تتطور المتابعة كثيرا، بل إنه رغم كثرة الحديث عن المنع حاليا فإن المدارس الخاصة يحدث اليوم فيها الضرب أكثر من الحكومية (لسان حال الطلاب يقول ندفع لنضرب) وفي ظني أنه لغياب السعودة دورها في الحالتين (قلته في الحكومية واستمراره في الخاصة).
عندما التحق جيلنا بالجامعة كنا نضرب نفسيا بقوة وخصوصا من لا يخدم بعض الأساتذة أو لا ظهر له. وبعد أن دخلنا مجال العمل عايشنا وسمعنا من زملائنا عن حالات من ضرب أطباء لمرضاهم أو مرافقي المرضى خاصة في غرف الطوارئ (تشهد ندرة السعوديين وكثرة من جنسية معينة) وممرضات عربيات يصفعن المريض ووقفنا ضد ذلك بما أوتينا من قوة (قوة لك عليها)، وعندما مارسنا العمل الصحفي والكتابة أصبحنا نتلقى مئات الشكاوى من ضرب في دور رعاية المسنين والمعوقين والمستشفيات.
يبدو أن الضرب يلاحق جيلنا زمنيا ويبدو أنه من أناس لا يحبوننا أم هم يحسدوننا وفي كل الأحوال وجميع الافتراضات لابد من دراسة وبحث.
محافظ النقد والبرلمان الوسيط
السيناريو الوحيد الذي أعتقد أنه حدث في الموقف الغريب لمحافظ مؤسسة النقد العربي السعودي الدكتور محمد بن سليمان الجاسر مع زاوية (سؤال لا يهدأ) في «عكاظ»، هو أن المحافظ لم يقدر خطورة التأخر في إجابة سؤال مواطن عبر صحيفة وطنية، والموجه لمواطن آخر يتحمل مسؤولية وطنية، فتجاهل المحافظ السؤال، وبعد مضي الأيام وبقاء السؤال للشهر الأول كان من الطبيعي أن تتعالى الأصوات في الأعمدة الصحفية مستغربة هذا التجاهل ليس لدور الإعلام ولا لحق المواطن في السؤال وحسب، بل لما هو أخطر من ذلك بكثير وهو أن القائد الرائد ملك الشفافية وملك التواضع الذي قرب الكرسي لمواطن يشتكي له، ورفع كأس الماء ليسقي مسنا جاء من الصحراء ليسأله ثم أجابه، هذا الملك الحازم الحريص سبق أن وجه بالرد على ما يطرح في الإعلام خلال مدة أقصاها 15 يوما، فكيف يتجرأ مجرد محافظ مسؤول عن محفظة كل مواطن ومقيم في بنك سعودي على تجاهل سؤال مواطن طرح في صحيفة وطنية وهو سؤال يخفق به قلب كل مواطن حول إجراء اختبار لمتانة البنوك في مواجهة الأزمات فقط هل تم وما هي النتائج؟ أم لم يتم إجراؤه ولماذا؟!.
أظن أن معالي محافظ مؤسسة النقد تساهل بالأمر في البداية وبعد تعالي الأصوات أخذته العزة بالإثم فعاند حتى بقي السؤال للشهر الثاني، والمحافظ في حالة ارتباك أو عناد أو عدم رغبة في التراجع وهذا وضع لا يليق بمن يتحمل مسؤولية وطنية أكبر من مجرد التراجع عن موقف أو الاعتذار عن خطأ، إنه الرجل الذي يتحمل مسؤولية مالية واقتصادية ونقدية لدولة من أكبر دول العالم اقتصاديا وأكثرها تأثيرا ويفترض أن يتحلى بالشجاعة وعدم التردد.
عضو مجلس الشورى عبد الوهاب آل مجثل أشفق على المواطن صاحب السؤال أو أشفق على كل مواطن أو ربما أشفق على المحافظ نفسه وحب أن يوجد له مخرجا فذكر أنه يعتزم تقديم توصية لمجلس الشورى يقترح فيها تشكيل وفد لزيارة محافظ مؤسسة النقد و(التوسط) لديه للرد على سؤال المواطن، ومبديا امتعاضه الواضح من بقاء السؤال دون إجابة كل هذه المدة ومعللا ذلك بأن هناك من يتولى المسؤولية العامة ويتصرف بطريقة لا تعبر عن الحرص على تساؤلات المواطنين فيما يتعلق بالشأن العام.
ومع كل التقدير لحرص وتفاعل عضو المجلس فإن إيفاد وفد من ممثلي المواطن للمحافظ فيه الكثير من التقليل من شأن بقية المواطنين (خلاف المحافظ) وتشجيع على مزيد من التجاهل، لذا فإن التصرف السليم الذي يتسق مع دور مجلس الشورى الموقر هو استدعاء المحافظ أو دعوته (لا يهم) وسؤاله أولا عن التفسير والتبرير لمخالفة التوجيه بالتجاوب مع الإعلام خلال 15 يوما، ثم توجيه ذات السؤال الذي لم يهدأ ولن يهدأ إلا بإجابة واضحة وصريحة فالسؤال يتعلق بشأن عام هام والمواطن لم يسأل المحافظ سؤالا شخصيا أو عائليا أو خاصا جدا، ودور مجلس الشورى هو تمثيل المواطن وليس (التوسط) له لدى من هو مكلف بخدمته ويتقاضى أجرا جزلا عليها ولديه توجيه سامٍ كريم بوجوب التجاوب مع ما يطرح في الإعلام، فلا تدللوهم فيتمادون.
المستقعدون والمستضعفون في دوائرنا «السر في الطاقية»
يجب أولا أن نقر بأن مجتمعنا يعاني من استقعاد بعض المسؤولين أو بعض المديرين لبعض الموظفين بداع أو بدون داع، وبمسوغ أو بدون مسوغ، والمسوغ يفترض أن يكون نظاميا ولكن المؤكد أن الاستقعاد لا يمكن أن يكون نظاميا لأن الاستقعاد هو ترصد مستمر وتحين للفرص واستقصاد لموظف دون غيره إما لأنه ليس بقريب ويرغب المدير استبداله بقريب، أو لأنه يعرف عن المدير ما لا يحب المدير أن يعرفه عنه أحد وذلك من الإثم لأن الإثم ما حاك في نفسك وخشيت أن يعرفه الناس، وصدقوني إن أتعس الموظفين من علم سر المسؤول وأخفاه لأن المسؤول أو المدير لا يطمئن لهذا الموظف ولا يحب رؤيته، المهم أن سوء استغلال السلطة والاستبداد والاستقعاد سلوكيات تحدث في مجتمعنا وهي من مسببات إحباط أفراده وضجرهم وحدوث الظلم الذي يصعب الخلاص منه.
يذكرني هذا الاستبداد بقصة طريفة يرويها هواة الإضحاك محليا، وتبدو وكأنها مستوحاة من أسلوب ابن المقفع في (كليلة ودمنة) وإن كانت لم تنقل منه فعليا.
تقول القصة الطريفة إن النمر أراد الاستبداد وفرض عضلاته على أبي الحصين (الثعلب) فأصبح كلما مر أبو الحصين في الغابة ناداه النمر قائلا (تعال تعال) فإذا اقترب سأله (ليش ما تلبس طاقية؟) ثم صفعه صفعة يتقلب منها أبو الحصين، وهكذا يتكرر الموقف، وفي كل مرة صفعة يسبقها مبرر سخيف (ليش ما تلبس طاقية؟) وارتفاع أذان الثعلب لا يتيح لبس الطاقية فاشتكى أبو الحصين أمره للأسد قائلا إن النمر (يتنمر) علي ويضربني دون سبب مقنع ولمجرد أنني لا ألبس الطاقية، فما كان من ملك الغابة الأسد إلا أن استدعى النمر في غياب الثعلب!! ووبخه قائلا إذا أردت ضرب أبي الحصين فأوجد سببا وجيها غير لبس الطاقية، فمثلا اطلب منه أن يحضر لك تفاحة فإذا أحضر تفاحة حمراء اصفعه قائلا أريدها صفراء ولو أحضرها صفراء اصفعه مدعيا أنك كنت تريدها حمراء فأجابه النمر بالسمع والطاعة.
مر أبو الحصين من أمام النمر فناداه ولما اقترب قال له أحضر لي تفاحة، فرد أبو الحصين بذكائه المعتاد قائلا: حاضر سيدي ولكن هل تريدها حمراء أم صفراء فما كان من النمر إلا أن صفعه قائلا (الحين أنت ليش ما تلبس طاقية؟!!).
ليراجع كل مسؤول عن دائرة ومدير جامعة ومدير تعليم وغيرهم كل الحالات التي ترد إليه وتلك التي تحجب عنه من الشكاوى والتظلمات ويقارنها بادعاء مدير على موظف أو أستاذ على طالب وسيجد إذا تقصى الأمر أن الموظف أو الطالب ما هو إلا واحد من المستضعفين في الأرض وخلفه مدير أو أستاذ ظالم يريد أن يصفعه لأي سبب حتى لو كان أذكى من ثعلب وأصبر من جمل، وسد كل مسوغات الصفعة إلا لبس الطاقية التي يريدها المدير المتنمر.
حقوق إنسانية أهم من الكفيل
يحسب للجمعية الوطنية لحقوق الإنسان أنها أكثر حراكا وتحركا من هيئة حقوق الإنسان التي يبدو أنها لا ترى ما يستدعي تحركها رغم كثرة المحفزات على الحركة.
هذا التميز النسبي للجمعية الوطنية لحقوق الإنسان يظل نسبيا مقارنا بأخرى، لكنه لا يصل للطموح ولا للهدف الذي تتطلع له القيادة الحكيمة التي أوجدت الاثنتين من أجل تمثيل الإنسان وحماية حقوقه وردع كل ما يمسها، بناء على توجه حكيم من لدن ملك الإنسانية الملك عبد الله بن عبد العزيز الذي يحمل هم الفقير قبل الغني، والضعيف قبل القوي، وأراد أن يوجد الرادع لكل مساس بحقوق الإنسان.
وإذا اتفقنا أن الجمعية الوطنية لحقوق الإنسان هي الأكثر تحركا وحيوية من الأخرى، فحبذا لو أن هذه الجمعية ترتب أولوياتها بناء على الأهمية والعنصر الأكثر غيابا عن لفت الأنظار، أو الجانب الإنساني الذي لم يتم التطرق إليه والالتفات إليه بالدرجة المطلوبة، وهذا من أهم أدوار مثل هذه الجمعية أو مؤسسات المجتمع المدني التي لها شبيه حكومي.
ولكي أكون أكثر وضوحا دعوني استشهد بمثال، فموضوع نظام الكفيل لا يعد أهم وأكثر أولوية في أجندة الجمعية الوطنية لحقوق الإنسان مقارنة بحق المواطن السعودي في الحصول على الرعاية الاجتماعية والرعاية الصحية، وتلبية الاحتياجات الآدمية وعدالة توزيعها. فموضوع نظام الكفيل قتل بحثا وإثارة إعلامية في الخارج والداخل، ولفتت له الأنظار، وتجري الجهود على قدم وساق لإيجاد البديل المناسب. فمن غير اللائق أن تقتصر تصريحات رئيس الجمعية الوطنية لحقوق الإنسان على موضوع نظام الكفيل وكأنه الهم الإنساني الوحيد، خصوصا تكرار القول إن موضوع الكفيل يحرج الجمعية عالميا، فثمة أمور محرجة جدا أهم من موضوع يدور حوله خلاف، كما أن الدول التي تركز عليه أو تحرج الجمعية بالحديث عنه أصبحت تمارس ما هو أكثر إحراجا منه، وتنازلت عن كثير من المبادئ الإنسانية التي تدعيها سواء أمريكا أو دول أوروبا. ليت الجمعية الوطنية لحقوق الإنسان تترك هذه الشكليات لهيئة حقوق الإنسان وتركز على الجوانب الأهم التي تشكل هما وطنيا وهاجسا لكل من القيادة الحكيمة والمواطن، مثل سوء استغلال السلطة، وتشرد المرضى النفسيين والهائمين دون مأوى (الهوم لس)، والولادة في الممرات، وعدم عدالة التوظيف، وتسلط المدير على الموظف، والغلاء الفاحش، وعدم وصول الضمان الاجتماعي للمستحق الفعلي، وعدم توافر الأسرة والعدالة في الرعاية الصحية للجميع، والفقر والمعيشة الضنك، وتعذيب الأطفال، وإهمال المسنين، وتأخر القضاء في إنهاء القضايا الحقوقية، وكل ما يشبه هذه الحقوق الضائعة المحرجة حقا.
وقفات أسبوع متفائل جداً
** ميزانية خير قياسية جديدة أعلنت هذا الأسبوع، ومع إعلانها يتبادر للذهن أمران لا يغيبان عن الذهن، الأول شكر الله على نعمه التي لا تعد ولا تحصى التي أنعم بها على هذا البلد الأمين ومنها قوة الاقتصاد ومتانته رغم كل الظروف، وهذا من فضل الله الذي يجدر بنا أن لا نغفل عن ذكره وشكره والامتنان له باجتناب أسباب غضبه لتدوم علينا النعم، أما الأمر الثاني الذي لا يغيب عن الذهن فهو دور رجل الإصلاح الأول الملك الصالح والراعي الأمين عبد الله بن عبد العزيز الذي أحسن النية فجعله الله مباركا وبارك له وفيه وأدار المال العام بحكمة بالغة وقيادة ملهمة وشفافية ووضوح وقرارات قائد يشعر بثقل الأمانة وأمانة المسؤولية، فجاءت الميزانية القياسية الثانية على التوالي نعمة عظيمة من الخالق وثمرة مباركة من حسن الرعاية.
** من الأمور التي تبعث على التفاؤل أن عددا من المسؤولين، خصوصا حديثي العهد بالمسؤولية جاؤوا بنظرة مختلفة للنقد الصحفي، ولدور الصحافة فأصبحنا نسمع كثيرا من المسؤولين ينظر إلى النقد الصحفي على أنه عون له لمعرفة جوانب القصور التي قد لا يراها أو يعايشها وأنه يجلب انتباهه إلى ما غفل عنه، بل إن بعضهم وبحكم الوعي والرغبة في الإصلاح وأداء الواجب يرى أن نشر الصحف لنقاط الضعف وجوانب القصور سبب ودافع لحصوله على مزيد من الدعم والإمكانات لتقوية ما ضعف وسد النقص، وهذا الشعور وذاك يعكس وعيا أفضل بأهمية دور الصحافة، يبعث على التفاؤل في زمن يحاول فيه البعض الآخر التفاعل عكسيا مع الشعور بأهمية ما يطرح في الصحف بتعمد منع طرحه وسد منابع النقد.
** إذا استمرت هيئة الغذاء والدواء السعودية في أسلوبها الصارم في التشهير بالمنتجات الضارة والمخالفة دون تردد ولا مجاملات فإن النتيجة ستكون صيد عصفورين سمينين بحجر واحد، الأول تراجع المخالفات وإنتاج المواد الضارة حفاظا على السمعة، والثاني تقليد الجهات الجبانة المترددة في تطبيق عقوبة التشهير للهيئة السعودية للغذاء والدواء في جرأتها وبالتالي تطبيق التشهير في مجالات أخرى ضرورية.
خروف المياه وغزلان المسابح
لا تزال وزارة المياه والكهرباء تمارس الاستفزاز في إعلاناتها المدفوعة بسخاء للحث على الترشيد في استهلاك المياه حسب أولوياتها هي، وهي فقط، خلافا للواقع في تسلسل أولويات الترشيد، وخلافا لحقيقة أسباب الهدر المائي، والترتيب الصحيح الواقعي لطرق إهدار المياه من جهة ومردود هذا الهدر من جهة أخرى، وما نقصده بمردود الماء المهدر (في نظر الوزارة) هو أن ثمة كميات كبيرة من المياه تذهب هدرا لا طائل منه مطلقا مثل استمرار جريان ماسورة ضغط عالٍ مكسورة في أحد أحياء الرياض لعدة أشهر دون إصلاح فهذا هدر لا طائل منه مطلقا لأنها مياه تتبخر على الإسفلت وتبتلع الأرض جزءا منها لكن دون فائدة تعود على الإنسان أو الحيوان، بينما الوزارة تهمل هذا النوع من الهدر الذي لا نفع منه مطلقا تجدها تنشر إعلانات مكلفة لتوضيح استهلاك الخروف من الماء وما يكلفه إنتاج كيلو غرام لحم من المياه على شكل أعلاف، وتركيز ملح على أن استيراد الأعلاف بدلا من زراعتها أو استخدام الأعلاف المركبة يوفر خمسة بلايين متر مكعب من المياه الجوفية غير المتجددة سنويا وهو ما يعادل ضعف استهلاكنا البلدي من المياه.
حقيقة نحن أصبحنا حساسين لتصديق أرقام المياه ومضاعفاتها خصوصا أننا لدغنا من قبل عشرين سنة بذلك الرقم المخادع الذي قال إن إنتاج أحد المشاريع المائية يعادل جريان نهر النيل 500 سنة، والآن أصبح استهلاكنا البلدي من المياه يعادل نصف علف خرفاننا سنويا لو استوردنا الأعلاف ولم نزرعها، وهذا تحديدا ما يفهم من إعلانات وزارة المياه دون أدنى جهد في الحساب لطالب الصف الخامس ابتدائي فالإعلان يقول بوضوح أن استيراد الأعلاف بدلا من زراعتها يوفر خمسة بلايين متر مكعب سنويا وهو ما يعادل ضعف استهلاكنا البلدي من المياه، أي أننا لو أوقفنا الزراعة سنة وفرنا ضعف استهلاكنا البلدي من المياه (ولم يحدد المدة ولكن أظنها سنويا لأن المبالغات دائما تحدد المدد المشجعة وتترك الأخرى مفتوحة).
وزارة المياه والكهرباء لا تزال تمارس استفزازا في نظري ليس لأنها تتحدث عن طرق الترشيد التي تعني المواطن والوزارات الأخرى، ولكن لأنها تحجم عن الحديث عن طرق الترشيد التي تخصها مثل التعامل مع ماسورة ضغط عالٍ تنزف عدة أشهر، فكيف تريدني أن أركب مرشدات تنصحني بها أو أغير طاقم صناديق الطرد في منزلي (السيفونات) لأحجام أصغر وأنا أشاهدك تترك أنابيب الضغط العالي تنزف دون إصلاح، وكيف أتجاوب مع مطالباتك للمستهلك الصغير بتوفير مياه الاستحمام للنظافة أو الطهارة التي لا تزيد عن (سطل) وأنت لم تلتفت للمسابح التي تستهلك مئات الأمتار المكعبة. كل هذه تساؤلات هامة ولم نتطرق خلالها لدور مطالبة وزارة المياه والكهرباء في شأن الأمن الغذائي والاكتفاء الذاتي بالأعلاف وقد نتطرق له لاحقا بعد مزيد من المراجعة المتخصصة لأننا لا نتحدث جزافا ولا نؤيد من يفعل ذلك.
إذاعة القرآن وإعجاز التخصص الشرعي
يستهويني كثيرا التخصص الأكاديمي العميق في أي علم من العلوم، وأرى أن المتخصص في جدول من أنهار العلم أو نقطة من بحوره هو الأجدر بأن يكون المرجع فيه دون غيره من الأقل تخصصا، بل إنني أرى أنه إذا وجد المتخصص العميق فإن الأقل علما يحق له الحديث في الموضوع بصيغة الاستفهام وليس الجزم وبصيغة السؤال وليس الإفتاء، مؤيدا المقولة الشهيرة (لا يفتى ومالك في المدينة)، فمن المؤكد أن في المدينة طلاب علم أو علماء لكنهم لا يفتون إذا وجد الأكثر منهم علما وتخصصا وهو مالك. وتعصبي للتخصص الأكاديمي يشمل كل العلوم والتخصصات بل كل فروع العلوم الدقيقة، وقد يعود هذا الشعور إلى أنني أمضيت جزءا غير يسير من عمري في جامعة الملك سعود طالبا ثم معيدا ثم محاضرا وباحثا، شهدت خلالها أمثلة لاحترام التخصص في الفروع الدقيقة، فكل أستاذ تعتقد أنه المتخصص في مجال سؤالك والجدير بإجابته يحيلك إلى من هو أعلم منه، فلا أحد يتجرأ على تخصص الآخر، ليس خوفا ولا بروتوكولا جامعيا ولا (اتيكيت) أكاديميا، بل قناعة واحترام للتخصص وللنفس أولا.
حضرت محاضرات كثيرة واستمعت إلى حوارات علمية أكثر ولقاءات إذاعية ومتلفزة مع علماء في كثير من التخصصات التي تهمني كإنسان وكراغب في الاستزادة، لكنني لم أسمع في حياتي واستماعاتي وحضوري ومشاهداتي قط استشهادا بعدد من المراجع والكتب بعناوينها كاملة وأسماء مؤلفيها يفوق العشرة في كل موضوع ويفوق الـ100 خلال حديث استغرق نصف ساعة فقط؛ إلا في برنامج الدراسات القرآنية في إذاعة القرآن الكريم من المملكة العربية السعودية. وكان الحوار مع الأستاذ الدكتور بدر بن ناصر البدر أستاذ الدراسات العليا في كلية علوم الدين في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية حول التفسير التحليلي للقرآن الكريم تحت عنوان (التفسير التحليلي عناصره ومراجعه). وحقيقة فقد أبهرني أسلوب الشيخ الأستاذ الدكتور بدر بن ناصر البدر وقدرته الفائقة على سرد مراجع كل كلمة يعرج عليها، والاستشهاد بأكثر من عشرة مراجع بالعناوين والأسماء حفظا عن ظهر قلب، كما يبدو من سلاسة الإلقاء دون قراءة (ما شاء الله لا قوة إلا بالله)، وهي دلالة تمكن فائق اضطرت المقدم الدكتور يوسف العقيل للتنويه عن عدم حاجته لطرح سؤال.
الأهم من تمكن وحضور هذا المتخصص واستشهاده بالمراجع هو العمق اللا نهائي لبحر الدراسات القرآنية، والدقة المتناهية في مناهج التفسير سواء التفسير بالمأثور أو بالمعنى، وأنواع التفاسير من موضوعي وتحليلي وإجمالي وعلمي وتطبيقي وتفسير ميسر.. إلخ، وكيف أن الحديث عن نوع واحد من أنواع التفاسير استدعى خلال أقل من نصف ساعة الاستشهاد بأكثر من 100 مرجع ومؤلف، واستنباط اتجاه كل واحد منها وما يركز عليه من المعاني والدلالات والأهداف والمناسبات للوصول إلى تفسير آية أو إدراك معنى كلمة، بقصد استخراج واستنباط الأحكام الشرعية والوصول إلى مقاصد المشرع من نصوص القرآن.
الأهم من هذا وذاك أننا إذا تشددنا في اشتراط توافر التخصص العميق في كل من يحق له الحديث في علم من العلوم (كيمياء، فيزياء، طب، ذرة) وطالبناه بالتأهيل مرة، فإننا يجب أن نشترط التخصص والتأهيل 1000 مرة في من يحق له الخوض في العلم الشرعي؛ لأنه بحر عميق متلاطم لا تنفع فيه السباحة متحزما بإطار منفوخ بمقال.
لنحتفل بالعمال الباكستانيين ونكرمهم
الجنسية الباكستانية من العمالة التي وفدت إلى المملكة منذ تأسيسها على يد المغفور له الملك عبد العزيز طيب الله ثراه، فتعتبر من أقدم الجنسيات التي وفدت إلى المملكة إن لم تكن أقدمها قياسا بالاستمرارية في الوفود من أجل العمل. وهذه الأرض المعطاءة ــ المملكة العربية السعودية ــ استقبلت للعمل فيها العديد من الجنسيات بل جميعها تقريبا في أعمال ومهن مختلفة وأخذت على عاتقها التعامل مع جميع الجنسيات بما عاهدت عليه الخالق سبحانه وتعالى من عدل وإنصاف ومساواة وحفظ للحقوق وعدم تمييز بين جنسية وأخرى وعدم التعامل مع الوافد بناء على جواز السفر إنما بناء على سلوكه كفرد طبقا لتعاليم الدين الإسلامي السمحة.
والمواطن السعودي كإنسان حباه الله الفراسة والوعي والإدراك لا يتعامل مع الوافد بناء على جواز سفره أو الطباع السائدة لجنسيته ولكن حسب ما يصدر منه كإنسان فرد قائم بذاته، على أساس أن أصابع اليد الواحدة ليست سواء، بالرغم من أننا عانينا من بعض الجنسيات أكثر من غيرها وسادت سلوكيات بعض العمالة السلبية عند مقارنتها بالإيجابية أو عند مقارنتها بسلوكيات جنسيات أخرى إلا أن ذلك لم يكن قط أساسا للتعامل أو الحكم بناء على الهوية.
الجنسية الباكستانية تحديدا مثلها أبناء باكستان خير تمثيل فلم نر من هذه الجلدة إلا كل خير وكل شجاعة وكل كرم أخلاق وإيثار يستحق (في نظري) أن يحتفى به، علما أن الباكستانيين يدفعون ثمن ادعاء غيرهم من بلدان مجاورة انتسابهم لهم بطريقة أو أخرى خصوصا في جرائم تهريب المخدرات فمن يقومون بهذا العمل المشين ليسوا من أصول باكستانية حسب التقصي الذي أجريته كصحافي، وعلى أي حال فإنني أقترح أن نحتفي ونحتفل بإخواننا الوافدين من باكستان تحديدا تقديرا لسلوكياتهم الشجاعة ومواقفهم الإنسانية وإن كنا لا نحاسب غيرهم على السلوكيات السلبية للقلة منهم.
فرمان علي خان، رجل باكستاني جاء إلى هذا الوطن ليكتسب قوت أهله وزوجته وعائلته ومع ذلك ضحى بذلك كله وبنفسه بعد أن أنقذ 14 نفسا من الغرق في كارثة سيول جدة، فهذا الرجل وحده كفيل بإثارة شيمنا العربية السعودية في الوفاء والامتنان لنحتفل بكل أهل باكستان من أجله، ويوم السبت الماضي نشرت جريدة الرياض خبرا عن أسرة متوفى (دماغيا) باكستاني الجنسية تبرعت لوجه الله بأعضاء ابنها( 35 عاما) الذي توفي دماغيا إثر سقوطه من مرتفع عال في حادث عرضي، وهذا السلوك الإنساني الشهم الكريم المتمثل في التبرع بأعضاء ابنهم أدى إلى إنقاذ ثلاثة مرضى (واحد ستزرع له الكبد واثنين سيزرع لكل منهما الكلى)..
صار مجمل من نعرفهم إعلاميا فقط ممن أنقذهم باكستانيون خلال عام واحد 17 نفسا، وهذا رقم يستحق أن نشكر عن ذويهم كل باكستاني، ويستحق إخوتنا الباكستانيون قياسا بامتناننا وتقديرنا أن نرد لهم الجميل في احتفالية تكريم لأقدم جالية تقيم بيننا وتقدم لنا العمل وحسن السلوك بل والإيثار والتضحية.. (إنه مجرد اقتراح).
أرصاد الذيب ودفاع الناقة والجمل
طموحنا أعلى من مجرد اجتناب اللوم وتلافي المسؤولية وتجهيز الحجة، نحن نريد أن نصل إلى مصاف الدول التي تعمل فتجيد العمل وتقوم بالدور الصحيح على أكمل وجه وتترك الباقي للظروف ونسب الخطأ المقبولة عالميا.
منذ اللوم الشديد الذي وقع على مصلحة الأرصاد الجوية والنقد اللاذع الذي وجهه الإعلام لها وتحديدا بعد موجة الغبار التي ضربت منطقة الرياض ولم ترصدها الأرصاد وتحذر منها أو تعيرها أدنى ملاحظة، ثم الضربة القاضية والخطأ الجسيم المتمثل في كارثة سيول جدة التي لم تشر إليها الأرصاد وبالتالي لم يحذر منها الدفاع المدني، أو كما تدعي الأرصاد أنها نبهت الدفاع المدني وأن التحذير ليس من مهامها إنما هو مهمة الدفاع المدني، أيا كان تراشق المسؤولية الذي حدث بعد الحادثتين فإن الملاحظ أنه منذ ذلك اليوم وتلك الضربة القاضية فإن الملفت للنظر أن أرصادنا الجوية تتنبأ بالكوارث الطبيعية باستمرار والدفاع المدني يحذر كل يوم مع عدم وجود مبرر علمي أو مسوغ بيئي للتنبؤ أو التحذير، أي أن الأرصاد والدفاع المدني كل منهما أصبح يصدر التنبؤ والتحذير بشكل دوري مبالغ فيه تلافيا للوم ومن منطلق أداء الواجب حتى لو لم يحن وقت الواجب، وهذا وربي أسلوب لا يليق ولا يمت للمسؤولية ولا لأداء الواجب ولا للتطور والرقي بصلة بل هو أقرب إلى الأسلوب العشوائي غير المدروس الذي يعتمد على قاعدة (إن لقحت وإلا ما ضرها الجمل) وهذه العبارة تصح في تزاوج الإبل لكنها غير صحيحة وضارة عند تطبيقها في تزاوج المعلومة مع الحيطة والحذر، فمن شأن تكرار هذا الأسلوب أن يفقد هذه المؤسسات المصداقية ويفقد الناس الثقة وبالتالي تنتفي الفائدة وتحدث الكارثة مرة أخرى، لا لعدم القيام بالواجب ولكن بسبب سوء القيام به.
نهاية الأسبوع المنصرم توقعت مصلحة الأرصاد رياحا شديدة مصحوبة بعواصف رملية على منطقة الرياض وحذرت منها بعد هبوب موجة غبار وليس قبلها ولم يحدث من هذه التوقعات شيء، كما حذر الدفاع المدني من خطر السيول في جميع المناطق ولم نر السيول ولا زلنا نستسقي، وقبل هذه التحذيرات توالت التوقعات الخاطئة والتحذيرات المبالغ فيها من الأرصاد والدفاع المدني ولم يحدث شيء.
شيء من العمل العلمي الدقيق، شيء من احترام العقول وتوقع نضجها هذا ما نريده.
لا نريد أن تصبح أرصادنا مثل ذلك الراعي الذي يصيح (جاني الذيب) وهو غير صادق فإذا جاء الذيب لم يصدقه أحد ولا لدفاعنا المدني أن تعتمد قاعدة (إن لقحت وإلا ما ضرها الجمل).
رضى الله ثم رضى الصحافيين
مخطئ في حق هذا الوطن من يرضى أن تبقى الصحافة هي القناة الوحيدة الفعالة لاستقبال شكاوى الناس والإسراع في حلها بحكم سرعة وجدية التجاوب معها، لأن هذا من شأنه أن تشهد صفحات المحليات والشكاوى في الصحف اليومية هذا السيل من المواقف والقضايا الغريبة التي لا تسر ولا تشرف، وكل هذا لأننا أصبحنا نعيش أزمة أو لزمة غريبة تتمثل في أن المسؤول لا يتجاوب ولا يتحرك إلا مع ما تنشره الصحف، وخلاف ذلك فإن أي شكوى أو مراجعة أو تظلم ينتهي باليأس من أي تحرك ولا يأتي الفرج الأكبر إلا بعد نشر الشكوى أو الخبر.
هذا الشعور العام أو بلغة أكثر دقة السلوك العام أو الواقع الذي لا يقبل الإنكار، جعل الناس تجد في الصحف والنشر الطريق الوحيد للإنصاف، وأصبحت الصحف تعاني من زحمة وضغوط وإلحاح طالبي الإنصاف والمشتكين الباحثين عن الحل الوحيد والقناة الوحيدة الفاعلة وليس السريعة وحسب.
لماذا يحدث هذا ؟! يحدث لأن المسؤول لا يعمل لإرضاء الناس ولا يقوم بواجبه نحوهم ولا يحلل راتبه الذي يتقاضاه من الدولة من أجل خدمة المنصب الذي وضع فيه ليخدم الناس، ويهمل في هذا الصدد أيما إهمال، فلا يتفاعل مع شكوى ولا يلقي بالا لتظلم ولا يخاف من دعوة مستجابة، ولا يتابع مسؤولياته ويراقب موظفيه والأقسام التي تتبع له، ولا يقف بنفسه على احتياجات الناس ويطلع على أحوال الجهات التي تتبع منصبه وتقع تحت مسؤوليته أمام الله وأمام القيادة والوطن، إلا عندما تنشر الصحف جانبا من قصوره، أو يتعرض ناقد صحافي لمؤسسته عندها تنقلب المؤسسة رأسا على عقب ويحدث التجاوب السريع وتصل سيارات الخدمة للمشتكي ويستقبل أيما استقبال وتستنفر جهة العلاقات العامة لإرضاء المشتكي والتنسيق لحصوله على حق مستحق دون نشر أو خدمة هيئتها الدولة دون منه !!..
مشكلة هذا الوضع الذي ساد وانتشر أنه يجعل غسيل الوطن ينشر أكثر مما يجب، والوطن لا يستحق منا هذا الجحود، فعدم توفر قنوات بديلة مشابهة في الفاعلية والسرعة يجعل النشر هو الحل الوحيد ويجعل ما ينشر من السلبيات يعكس صورة سيئة كان يمكن تلافيها لو اخلص كل منا في عمله وحرص على رضى الله قبل رضى الصحافيين وخشي يوم نشر الصحف أكثر من خشيته مما تنشر الصحف وحرص على تلافي تشويه الصورة المشرقة لوطنه، كما أن الوطن يجب أن ينتصر لنفسه ممن لا يسعى لنصرته وهذا هو الأهم جدا.
