**تمنيت لو أن رجل الأعمال صالح كامل ليس عكاظيا حتى (آخذ راحتي) في إبداء الإعجاب بإجاباته على أسئلة الزميل تركي الدخيل في (إضاءات) دون أن أتهم بالمجاملة وأتيح الفرصة لهواة الظنون، لذا فإنني أكتفي بالقول إن الحوار كان في مجمله مفيدا جدا وأن صراحة وشفافية الرجل أتاحت للزميل تركي الدخيل أن يبدع في طرح الأسئلة التلقائية غير المعدة مسبقا فشدنا الحوار، وشخصيا خرجت منه بأن التاجر إذا تسلح بثقافة دينية ورصيد لا بأس به من الاطلاع الشرعي ومعرفة بأحوال البسطاء من الناس وأسرار الأغنياء منهم ووعي تام بكيف تؤكل الكتف ووظف كل ذلك في الرد على الإجابات بصراحة وشجاعة، فإنه يكتسب ثقة غير محدودة.
** ست جهات وأربعين عنصر أمن لمواجهة شغب فتيات يقمن في دار الفتيات التابعة لقرية الأيتام بعد أن احتجزن المديرة والأخصائيات العاملات في قرية الأيتام في المدينة المنورة، وهذا الإشغال للجهات الست والأربعين عنصرا كان يمكن تلافيه لو قامت الشؤون الاجتماعية بدورها الذي كنا نطالب به دائما وهو تكثيف عدد الأخصائيات الاجتماعيات والأخصائيات النفسيات وحل مشاكل النزيلات أولا بأول، لكن ذلك لم يتم حسب تقرير حقوق الإنسان والأغرب من هذا كله أن مدير فرع وزارة الشؤون الاجتماعية في منطقة المدينة المنورة حاتم أمين بري يعتبر حادثة قرية الأيتام وضعا غير قابل للنشر، مع أن اليتيمات الهائجات انتشرن في الشارع وغطي الحدث صحفيا ولم يبق إلا تعليق مسؤول الشؤون الاجتماعية الذي أعلن تحفظه وهذا التحفظ وذلك الصمت والإهمال والشحن النفسي والممارسات الخاطئة بغياب المتخصصين والمتخصصات هو الجزء الأهم في المشكلة، بل سببها الرئيس.
** ارتفعت أسعار الفواكه والخضروات وتجاوز ارتفاعها 150 % ووكيل وزارة التجارة والصناعة لشؤون المستهلك صالح الخليل يؤكد لـ«عكاظ» أن مراقبة أسعار الخضار والفواكه ليست من اختصاص وزارة التجارة وإنما هي من عمل الأمانات والبلديات، وفي ظل توزيع دماء المسؤولية بين قبائل المؤسسات الحكومية نحن نتساءل، ما هي الأسعار التي تتولى وزارة التجارة مراقبتها؟! فإذا كانت نفت مسؤوليتها عن أسعار الفواكه والخضروات فهل تستطيع نفي مسؤوليتها عن السلع الأخرى التي زادت بنسب أكبر، مثل زيوت السيارات وقطع الغيار والمواد الغذائية الأخرى والتي لم تتدخل في أسعارها وزارة التجارة، أم أن التجاوب يكون بنفي المسؤولية فقط؟!!.
أما آن لهذا المحافظ أن يتجمل
والتجمل هنا أن يحسن صورته لدى الناس لا أن يمتن علينا، فسؤال الصحافة حق من حقوقها بل هو من أبسط حقوقها على المسؤول وإجابة السؤال حق من حقوق المواطن الباحث عن الإجابة وحق من حقوق الوطن المتجه إلى الشفافية والوضوح.
مر اليوم السادس والخمسون وسؤال نايف آل عقيل الموجه عبر (عكاظ) لمعالي محافظ مؤسسة النقد العربي السعودية الدكتور محمد بن سليمان الجاسر لم يهدأ، بل استمر نشر السؤال مع علامة الاستفهام الكبيرة يوماً بعد يوم في نفاد الهدوء من قلوب كثير من الناس ما بين مستغرب للتجاهل الواضح طويل الأمد وبين متخوف من عدم توفر الإجابة ومتوجس من عدم إيجابية النتائج وقلق من أن الوضع مخيف. خصوصاً وأن السؤال واضح ومباشر ويتعلق باختبار لمتانة المصارف السعودية وقدرتها على احتواء الأزمات المالية وهل أجري الاختبار أم لا وإذا كان تم فما هي النتائج وإذا لم يتم إجراء الاختبار فلماذا؟!.
العتب من عدم الإجابة يكمن في وضوح السؤال ومباشرته وعدم تركه الفرصة لأية إجابات أو احتمالات أخرى، أما القلق من عدم الإجابة رغم مرور 56 يوماً حتى الآن فيأتي من أن السؤال يتعلق بآخر معقل لما بقي من أموال الناس بعد كارثة الأسهم وهو البنوك.
أما استغرابي شخصياً لامتناع معالي المحافظ عن إجابة السؤال وتركه معلقاً مقلقاً قرابة شهرين فهو لمعرفتي بعلاقة معاليه مع الإعلام عندما كان نائباً فقد كان الأكثر تجاوباً والأكثر ظهوراً في إحدى القنوات الفضائية بعد كل غداء عمل فما الذي تغير؟! هل عمل النائب أقل إشغالا وأهمية إلى هذا الحد؟! أم أن عمل المحافظ أقل اكتراثاً وشفافية إلى هذه الدرجة؟! أم أن التواصل مع الإعلام من متطلبات مرحلة سبقت إلى مرحلة لاحقة.
لا أعتقد أن محافظ مؤسسة النقد العربي السعودي ولا وزير التجارة ولا أي مسؤول آخر يقدر الناس ويجل توجه قيادة هذا الوطن لمزيد من الشفافية والوضوح يفضل نشر صورته يومياً على أن يجيب على سؤال مهم لا يهدأ ويطمئن من ينتظرون الإجابة.
هيئة ثانية يا وزير العمل
ليس أخطر من ضياع الحقوق إلا حماية طرف دون آخر، وعندما نتكلم عن الحق أو الحقوق فإننا إنما نتحدث عن شأن ذي طرفين لا طرف واحد واتجاهين لا اتجاه واحد وفي الغالب فإن كلا من الطرفين يعتقد أنه صاحب الحق أو أن «الحق معه»، ويصل الأمر في معظم الحالات أن كل طرف يعتقد أنه مظلوم.
المؤكد أن الخلافات الحقوقية لا تعتمد على قاعدة فقد يكون من الفئة المظلومة اليوم ظالماً غداً والعكس صحيح، بل يصل الأمر إلى أن المظلوم اليوم قد يكون ظالماً غداً أو كان ظالماً بالأمس وهذا المفهوم لا يحتاج إلى مزيد من الفلسفة ولا إلى عمليات حسابية أو معادلات (لوغارتمية)، الموضوع يحتاج إلى عمل متكامل غير مرتجل يضمن حقوق كل الأطراف وليس مجرد حلول آنية أنانية مرتجلة لمواجهة طارئ حدث للتو ونسيان حوادث سابقة ويتوقع أن يكون لها لاحقة.
معالي وزير العمل المهندس عادل فقيه ذكر في حديثه لـ «عكاظ» أول أمس الأحد أنهم في وزارة العمل يسعون لتكوين هيئة لحماية العمالة المنزلية تتولى حمايتهم في حال انتهكت حقوقهم وتتولى الوزارة توفير المحامين والمترجمين الذين يبينون حجة هذه العمالة لكي تحصل على حقوقها كاملة، وهذا جيد ولا اعتراض عليه، ولكن نحن أرباب العمل من يحمينا في حال انتهكت حقوقنا وهي تنتهك بدرجات تتراوح بين رفض العمل وتعذيب الأطفال، وبين هذا وذاك تحدث انتهاكات متعددة منها الهرب واللجوء للسفارة واستخراج جواز والسفر دون إذن، وإيذاء أهل المنزل ووضع القاذورات في الأطعمة وإتلاف الممتلكات والسرقة وإدخال شخص غريب وممارسة الرذيلة وانتهاك حرمة المنزل ..إلخ.
من سيوفر لنا نحن المواطنين والمقيمين المحامين الذين يبينون حجتنا لكي نحصل على حقوقنا كاملة ولا يقال لنا (ما لك إلا تسفرها)؟! الكفيف الذي أحضر سائقاً بعد عناء ليعينه على قضاء حاجاته ويدله الطريق من سيبين له حجته وما هي الهيئة التي ستحمي حقوقه، والمعوق الذي دفع كل مدخراته وإعاناته لجلب سائق وعاملة منزلية من سيرد له حقوقه إذا رفضوا العمل أو زادوه إرهاقاً أو أوسعوه ضرباً؟!
بل الرجل القوي مفتول الشارب الذي (يمشي على زنده التيس) إذا لجأت عاملته المنزلية إلى مكتب الخادمات على أطرف ليموزين بعد مرور مهلة التجربة من سيرد له ما صرف عليها؟!.
العمالة المنزلية يا معالي وزير العمل ليست حياة فطرية تحتاج إلى حماية من طرف واحد، هم بشر مثلنا يحتاجون للحماية ونحتاج الحماية منهم فعليكم بإنشاء هيئة ثانية لحماية حقوقنا ولا تنسوا المحامين الذين يبينون لنا الحجة.
الحذاء إللي ما يصيب يدوش
قلت سابقا أن أمريكا وبعض دول أوروبا لا تختلف عن دول العالم الثالث (تحت النامية) في موضوع الحريات الشخصية والديمقراطية، والفرق يكمن في الظروف التي تحتم اختراق الخصوصية وكبت الحريات، ليس إلا، بدليل أن دولا كانت تدعي الالتزام بمبادئ حقوق الإنسان والحرية وحماية الخصوصية تخلت عنها مع أول اختبار وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية التي سجنت دون محاكمات في أشرس معتقل عرفه التاريخ (جوانتانامو) ومارست أبشع صور التعذيب في سجن أبو غريب، وأباحت التصنت على الشعب الأمريكي، واخترقت الخصوصيات، ثم جاءت فرنسا ودول أوروبية أخرى لتمنع الحجاب في الجامعات وتنزع النقاب في الشوارع رغم أنهما من الحريات الشخصية.
جاء موقع ويكيليكس لينشر فضائح تمس دولا تدعي الديمقراطية وحرية التعبير فكان نصيب مؤسس الموقع جوليان أسانج الاعتقال بتهمة تبدو ملفقة (الاغتصاب)، تماما مثلما يحدث في دول متخلفة مع خصوم السلطة والمعارضين، فأين كانت هذه التهمة قبل نشره للأسرار؟!، ويبدو أن العالم أجمع شهد ويشهد وسيشهد أنواعا من ردود الأفعال لسياسات الغطرسة والتهور التي مثلها أبشع تمثيل بوش الابن فكان حذاء منتصر الزيدي ردة فعل تحذيرية للتعبير عن الاستياء الناجم من كبت أي تعبير آخر يفترض أن يكون مباحا والولايات المتحدة الأمريكية تدفع اليوم ثمن ذلك الكبت والتحايل في شكل فضائح ويكيليكس التي لا تعدو كونها حذاء آخر ولكنه عالي الكعب.
يبدو أن السيد بوش لم يكن يتلقى النصائح الحكيمة ممن حوله بدليل التبرير المرتبك لأسباب استقباله بإطلاق زوج أحذية بدلا من إطلاق المدفعية 21 طلقة كما هو البروتوكول في البلدان التي تكتسب صداقتها بغير القوة!!، فقد برره ما حدث بأنه يدل على ممارسة الحرية وهو اعتراف صريح بأن السيد منتظر الزيدي كان يمارس حقاً من حقوقه التي تكفلها الحرية التي جلبتها أمريكا للعراق وبالتالي فإن أي محام عادي الذكاء قد يستخدم هذه الشهادة الصادرة من المجني عليه، كدليل دامغ بأن موكله لم يرتكب عملا يدعو للاعتقال وهو ما أكده نشر ويكيليكس للحقيقة التي استدعت إطلاق الحذاء آنذاك، وهل ما نشره جوليان أسانج إلا صورة من صور حرية التعبير التي تدعي أمريكا أنها رسالتها للعالم.
يجب أن تدرك الولايات المتحدة الأمريكية وكل رئيس لها أن سياسة الدولة العظمى المتحيزة لإسرائيل وممارساتها المهينة للأبرياء وغطرستها المتمثلة في احتلال العراق وتأييد ممارسات الاحتلال في فلسطين هي التي جعلت مواطناً عربياً يضحي بحذائه، رغم الأزمة الاقتصادية، ليبعث برسالة صادقة للرئيس الذي دمر العراق.
والحذاء أو «الجزمة» العراقية المنطلقة من منصة إطلاق أدمية تحمل رسالة أخرى لأمريكا والعالم، مفادها أن سلاح الدمار الشامل الذي تذرعتم به للاعتداء على العراق تمخض عن جزمة تفتقد للدقة في إصابة الهدف وهو ما أثبته موقع ويكيليكس.
العراق الذي تم ضربه بصواريخ عالية الدقة يتم توجيهها آلياً عن بعد لتصيب هدفا ثابتا غير متحرك يتمثل في منزل يعج بالمسنين والنساء والأطفال أو مستشفى أو ملجأ بحجة أنه يمتلك أسلحة دمار شامل، جاء رده بقذيفتين من طراز (جزمة مقاس 44) موجهة يدوياً نحو هدف متحرك استطاع أن يتلافاها لأن قدرتها في الإصابة لا تقارن بقدرته في المراوغة!! لكن أمريكا فشلت في تلافي تبعاتها فالعرب يقولون في الأمثال (العيار إلي ما يصيب يدوش).
زوج الحذاء تم التحفظ عليه رغم إطلاق سراح صاحبه وأخشى أن تفسر رائحة (شراب) الصحافي العراقي على أنها أثار لأسلحة دمار شامل لحفظ ماء وجه أمريكا ولو على جوز حذاء عراقي، وهو ما قد يكشفه موقع إلكتروني آخر أو موقع ويكيليكس ذاته والأهم هنا هو أن الدولة العظمى التي تحاول فرض مبادئ حقوق الإنسان والحريات الشخصية والديمقراطية باتت مصداقيتها على مرمى رجل واحد سواء بالحذاء أو المعلومة الإلكترونية.
قلوب بأقفال .. درج بلا سياج
بعد أن كاد أن يكلف طالبا حياته ويكلف أما وأبا فقد فلذة كبدهما ويكلف أسرة فقدان أحد أفرادها وبعد أن كلف المجتمع السعودي شعورا دائما بعدم أمن أبنائهم في مدارسهم قرر مدير التربية والتعليم في الأحساء أحمد بالغنيم أنه (سوف) يكلف فرق الصيانة لوضع حواجز أمنية أمام سلم الدرج الذي يشكل خطرا على طلاب مدرسة ابن قدامة في مدينة المبرز في المنطقة الشرقية كون الدرج بدون سياج مما أدى إلى سقوط طفل في المرحلة الابتدائية من الدور الثاني، حسب خبر «عكاظ» المجاور لهذه الزاوية ص6 يوم الخميس الماضي وهي مجاورة مؤذية للجار فمثل هذا الخبر يوحي بأشياء كثيرة وخطيرة تتراوح بين الإهمال والفساد مرورا بعدم إعطاء المسؤولية حقها.
أما الإهمال فيتمثل في سكوت مدير المدرسة الابتدائية (أطفال) على وجود درج (سلم) دون حاجز واق مع أن الصعود والتدافع سمة لطلاب هذه المرحلة، وقبول المدير (حتى لو قام بالتبليغ) بأن يستقبل الطلاب في هذا المبنى دون حل لأنهم أمانة في عنق مدير المدرسة بعد مدير التربية والتعليم في المنطقة وبعد نائب الوزير والوزير، لكن بالنسبة لأولياء أمور الطلاب فإن المدير هو المسؤول الأول والمؤتمن المباشر على سلامة أبنائهم.
أما عدم إعطاء المسؤولية حقها فيبدو جليا في عدم قيام مدير التربية والتعليم في المنطقة بواجبه الرقابي في المرور على المدارس والتأكد من سلامتها سواء بمروره شخصيا أو (تكليف) إدارة المتابعة، لكن سعادته انتظر حتى سقوط طالب من الدور الثاني لكي يقرر (تكليف) الصيانة بوضع حاجز (بالله عليكم هل حياة إنسان، طفل، بريء، وحزن أم وأسرة ومجتمع لو توفي أرخص من حاجز سلم درج؟!) بل هل يتردد أي ممن ذكرناهم في موقع المسؤولية في وضع السياج لو كان الخطر يهدد أحد أبنائه؟!.
أما جانب الفساد الذي فضحته هذه الحادثة فيتمثل في اللجان التي كشفت على المبنى قبل قبوله والموافقة عليه، هل فات عليهم رؤية الدرج دون سياج؟! هل غم عليهم فضنوا أن ثمة سياجا أم على قلوب أقفالها فغفلت عن الشعور بأهمية قفل الحماية والإحساس بخطورة غياب السياج؟! أم أن قلوبهم غلف فلم يهمهم أن يسقط طفل؟!.
السؤال الأهم، كم مدرسة سلم درجها بدون سياج حماية؟ وماهي أشكال الخطر الأخرى التي لم نكتشفها بضحية ولماذا ونحن لدينا المال ولدينا قائد مخلص حريص يردد لا عذر لكم؟!.
نبض المواطن والساعات الثلاث
ليسمح لي صاحب السمو الملكي الأمير خالد الفيصل رئيس مؤسسة الفكر العربي أن أستعير عبارته المعبرة التي قالها لدى إطلاقه النسخة الثالثة من التقرير العربي السنوي للتنمية الثقافية يوم الثلاثاء الماضي في بيروت حين قال «لو أعطى كل مسؤول عربي للقراءة ثلاث ساعات لتغير الوضع جذريا».
أود أن أستعير هذه العبارة وأطبقها ليس على الفكر والثقافة والتقرير بل على الشأن المحلي وخاصة قراءة ما يكتبه كل مخلص لتوجيه النظر إلى مشكلة مواطن أو معاناته أو قصور خدمي أو تقصير مسؤول والتفاعل معه، فلو أعطى كل مسؤول سعودي عن وزارة خدمية أو مؤسسة أو إدارة أو أي مصلحة تعنى بهموم المواطن ومشاكله ثلاث ساعات أسبوعيا بمعدل نصف ساعة كل يوم عمل ومثلها نهاية الأسبوع وتفاعل إيجابيا مع ما يكتب لتغير وضع الخدمات جذريا، ولو لم يقرأ أو لم يتفاعل ولكن حوسب على ما كتب عن وزارته أو مؤسسته وتمت مساءلته عنه لتغير الوضع جذريا أيضا.
إننا فعلا في أمس الحاجة إلى قراءة ما يكتب والتفاعل معه في كل شأن من شؤون حياتنا ومشكلتنا الكبرى في عدم قراءة ما يكتب أو قراءته وعدم التفاعل معه، رغم أن القيادة حفظها الله لم تقصر في التأكيد على هذا الأمر فثمة أمر سام كريم بالتجاوب مع ما يكتب خلال 15 يوما من نشره، وهو دليل على اقتناع القيادة العليا بدور الصحافة ودور النقد وأن الصحافة الصادقة المخلصة هي مرآة المجتمع، والعين الثالثة للدولة، وصحافتنا ولله الحمد تمثل هذا الدور ومشهود لها بذلك خاصة فيما يتعلق بنشر معاناة الناس ومشاكل الخدمات وقصور الوزارات والمؤسسات، لكن احدا لا يقرأ أو يقرأ ولا يتجاوب ويتلذذ بقراءة ما يعجبه فقط، والتجاوب مع ما يحقق إعلانه عن ذاته وبروزه الشخصي.
إننا حقا في حاجة إلى من يقرأ ثلاث ساعات دفعة واحدة لقراءة تقرير أو مقسطة على أيام لمتابعة ما يكتب في الصحف ويشكل نبض المواطن، أفلا يستحق نبض المواطن الذي تقيسه الصحف وتعكس صوته على صفحاتها نصف ساعة يوميا لسماعه؟!.
أشغلونا الله يهديهم
أحب أن أستشهد بأمثلة أو مواقف عند طرح ما قد يساء فهمه لكي يفهم، وهنا سوف أستشهد بالانشغال بالتافه من الأمور عن الهام بموقف طريف غريب (سخيف) فعندما كنت معيدا في كلية الصيدلة في جامعة الملك سعود كنا نستعد لإجراء اختبار عملي هام لطلبة أحد مقررات علم الأدوية وهو امتحان يستغرق أربع ساعات ويتطلب تحضير محاليل فيسيولوجية بكميات كبيرة يستخدمها الطلاب لإجراء تجاربهم، ويجب البدء في تحضيرها مبكرا وأذكر أنني كلما دخلت معمل التحضير حيث يقبع زميلان عزيزان فنيان من السودان الشقيق مهمتهما تحضير هذه المحاليل، وجدتهما منهمكين في نقاش حاد، كل منهما يورد حجته ودليله ومرجعه ولكن حول ماذا؟ حول العقرب إذا سقطت في وعاء ماء فهل يصلح للوضوء أم لا.
قارب وقت الامتحان والمحاليل لم تحضر وفاتتهما صلاة الظهر مع الجماعة ودخلت عليهما بعد الصلاة وأحدهما يردد: الترمذي قال .. ينطقها بلهجة أحبتنا في السودان بالزاي بدل الذال (الترمزي قال)، فنفد صبري وقررت حسم الموضوع وصرخت بهما قائلا: والله لو علم الترمزي بأنكما تركتما صلاة الجماعة وأداء واجبكما نحو الطلاب من أجل هذا الحوار لألقم فم كل منكما عقربا، ثم إن العقرب لا يستطيع تسلق الإناء ولو سقط فيه من علو فمتى تأتي الصدفة التي يسقط فيها عقرب في وعاء ماء ولا يوجد غير هذا الماء، إنه افتراض شاذ غريب لكن المؤكد أن أكثر من 30 طالبا لن يجدوا ماء لإجراء اختبارهم بعد دقائق.
تذكرت هذا الموقف وأنا أتحسر على عام انشغلنا خلاله بفتوى رضاعة الكبير عن فتوى إهمال الشيخ الكبير أبا أو جدا أو عما أو خالا في دور الرعاية دون رعاية، وانشغلنا إعلاميا بموضوع توظيف الكاشيرة عن بطالة الآلاف من المعلمات والممرضات والصيدلانيات والطبيبات والمحاسبات وفنيات الحاسب الآلي ومثلهم من الشباب في كافة التخصصات بسبب تعنت القطاع الخاص ومقاومته للسعودة، وانشغلنا بجني كاتب العدل عن آلاف (الإنس) ممن ينشدون الإنصاف والعدل والنظر في قضاياهم وإنهاء معاملاتهم، وانشغلنا بقيادة المرأة للسيارة عن حق المرأة المعلمة في الوصول الآمن إلى مقر عملها وتعيينها قريبا من مكان إقامتها أو تأمين المواصلات الآمنة المجدولة لها وحماية أرواح المئات ممن قضين بسبب حوادث المعلمات، وعن حق المرأة في ممارسة تجارة لا يسيطر عليها الولي أو الزوج ودخل مستقل، وحق المرأة المعلقة في ورقة طلاق تمنحها عيش السعداء، والمطلقة في رؤية أبنائها وتسجيلهم في المدارس والمستشفيات، انشغلنا بسكين رجل الهيئة عن آلاف حوادث الطعن والنهب والسرقة والمخدرات.
وحقيقة لم أجد أدنى فرق بين من يركز على حالة نادرة لعقرب سقط في وعاء فهل ينجس أم يعتبر طاهرا وينشغل بها عن صلاة الجماعة وأداء واجب العمل، وبين من يركز على حالات نادرة سطحية ويشغلنا بها عن قضايا أساسية.
لنجعل 1432هـ سنة الأفعال
خلال العام المنصرم أكمل القائد الرائد خادم الحرمين الشريفين كل الأسس اللازمة لكل وزارة ومؤسسة لكي تعمل وتنجز وتبدع، ومن أهم هذه الأسس التمويل اللازم لتحقيق الإنجازات والمتمثل في ميزانية هي الأضخم في تاريخ هذه البلاد، ثم قال كلمته الخالدة (لا عذر لكم)، ثم كرر ذات التوجيهات المخلصة الجادة التي تعكس شعورا صادقا بضرورة العمل على رقي هذا الوطن، وطموحا عاليا للوصول به إلى أعلى درجات التطور وحزما واضحا وجادا في أنه لا مكان لغير العمل، فنبه يحفظه الله إلى المشاريع البطيئة ووجه السفارات بضرورة الاهتمام بالمواطن واحترامه لكي يحترمه الآخرون وكان دائما كعادته شفافا صريحا حازما ومباشرا في تناوله لمشاكل الوطن والأمة أجمع، فكانت كلمته الوافية في مجلس الشورى تشخيصا شفافا للواقع وتحديدا واضح المعالم لسبل العلاج.
وكردة فعل طبيعية ومتوقعة، ورد على لسان الكثير من الوزراء وعود وخطط واستراتيجيات مبشرة ومتفائلة وعازمة على حسن استغلال ما تم توفيره من إمكانات لا تدع عذرا لوزير ولا محافظ ولا وكيل وزارة ولا مدير عام ولا تسمح بغير العمل الذي يتناسب مع اكتمال المعطيات وحزم التوجيهات.
نحن كمجتمع طموح ومواطن دائم التفاؤل متطلع للإنجازات ربما استعجلنا بعضها واستكثرنا عدم اكتمال ما وعد به الوزراء خلال عام 1431هـ، وهذا من العشم والثقة والاستبشار بالخير، مع أننا نعي وندرك أن الإنجاز يحتاج إلى وقته وربما كان لبعض المبالغات في الوعود أو الاستعجال في التصاريح أو سوء فهمها دور فيما حدث من استكثار لتأخر بعض الوعود أو تذمر من عدم تحقيقها، لكن دعونا نودع العام المنصرم 1431هـ على أنه عام الإعداد أو عام الوعد أو عام الأقوال (سمه ما شئت) المهم أن نعاهد أنفسنا وقائدنا الطموح بأن يكون عام 1432هـ هو عام الأفعال فكل المعطيات تشير إلى أنه لا عذر لكم.
وزير الشؤون والحال المستورة
يرى وزير الشؤون الاجتماعية الدكتور يوسف العثيمين أنك لو سألت أي شخص، هل دخلك يكفيك لقال لا .. هذه نزعة إنسانية (انتهى)، ومع كامل احترامنا لرأي ورؤية معاليه إلا أنها تمثل رؤية وزارة معنية بالرعاية الاجتماعية والضمان الاجتماعي وعون الأسرة السعودية على الكفاف وعدم السؤال ومساعدة الفقير، وهي واجبات من صميم عمل الوزارة لا تسقط بالتبرير لمجرد ظن.
لذا فإن من حقنا أن نناقش الوزير والوزارة في هذا الرأي وتلك الرؤية فنقول وبالله التوفيق إن هذه النزعة الإنسانية ليست هي السائدة، وليست حكرا على الفقراء والمحتاجين للضمان الاجتماعي، وهي شعور ابتلي به البعض ولا يمكن تطبيقه على الكل وخاصة الفقراء والمحتاجين ممن لا يسألون الناس إلحافا وهؤلاء تقع على وزارة الشؤون الاجتماعية مسؤولية البحث عنهم وتقصي أحوالهم بعيدا عن هذا الافتراض والتعميم الذي يفترض ظنا لا جزما أن أي شخص لو سألته هل دخلك يكفيك لقال لا وأن هذه نزعة إنسانية (أي عامة في البشر) وهذا افتراض غير صحيح بدليل أن فقراء هذا البلد إذا سألتهم عن أحوالهم قالوا (مستورة ولله الحمد) وقد تصح المقولة عن من زادهم الله من فضله فأنكروه أو طمعوا في المزيد.
فإذا كان الوزير اعتمد على الظن فكيف نتوقع من الموظفين بل من الوزارة الاعتماد على الدراسات الميدانية والبحث الاجتماعي؟! وهل ستعتمد وزارة الشؤون الاجتماعية على افتراض كفاية الدخل لكل أسرة محتاجة وأن النزعة الإنسانية لكل أسرة هي من تجعلها لا تشعر بكفاية الدخل ونستبعد كلفة المعيشة وارتفاع الأسعار والفواتير والمصروفات والأجارات التي أصبح يئن منها الغني قبل الفقير؟!.
هل تحول دور الوزارة المعنية بالضمان الاجتماعي ومساعدة الأسر الفقيرة من دورها هذا إلى دور المحلل النفسي ومفسر المقاصد والأهواء والمتخصص في النزعات الإنسانية؟! أم أنها مبررات وحسب؟!.
مالك وما يقول الفقير عليك أن تدرس وضعه وتبحثه اجتماعيا عن طريق الأخصائية الاجتماعية والأخصائي الاجتماعي وأن تمنحه حقه الذي كفلته له الدولة أعزها الله حتى لو قال إن «الحال مستورة».
إن كل من تصرف لهم الرواتب الفلكية والبدلات السخية والجوالات (الآي فونية) والانتدابات الشهرية، دخلهم يكفيهم إلى درجة عدم التفكير في غيرهم.
اليمن أولى
انشغل الناس والإعلام عن معجزة اليمن بإعجاز قطر، مع أن معجزة اليمن بتنظيم دورة خليج من أنجح الدورات في ظل أخطر التحديات أمر لا يقل أهمية عن إعجاز الأشقاء في قطر بجلبهم كأس العالم إلى الشرق الأوسط؛ المنطقة المشتعلة في نظر %90 من جماهير الكرة في أوروبا وأمريكا والدول المشابهة ممن يسمعون عن الشرق الأوسط ولا يرونه إلا في الصورة البشعة لاغتيال محمد الدرة أو جرف منازل الفلسطينيين يوميا أو الانفجار والتفجير.
النجاح القطري في استضافة كأس العالم 2022م (منفردة) كما فعلت جنوب أفريقيا وليس كما فعلت اليابان وكوريا، درس نجاح يستحق الدراسة المستفيضة تحت عنوان كيف نجحت قطر؟! ويجب أن يكون حضور الدرس كبيرا من كل الدول العربية وحاشدا على كافة مستويات المسؤولية، وهذا ما سوف آتي عليه في مقال مستقل بعد أن أجمع معلومات مؤكدة عن سر النجاح، أرجو أن تعينني سفارة قطر في المملكة أو وزارة الإعلام القطرية على الحصول عليه كصحافي أو كاتب لأنه درس مهم لا يحتمل الاجتهادات أو التخمين أو المقارنات السطحية بين قطر وأية دولة أخرى في الشرق الأوسط عامة.
معجزة اليمن أعتقد أنها أولى بالتحليل والدراسة والإبراز الإعلامي من الإعجاز القطري لاعتبارات عدة؛ أهمها عنصر التوقيت واكتمال النجاح وتحقق ما اختلف الناس حوله من إمكانية إقامة الدورة في اليمن في ظل ظروف تكالبت على اليمن بسرعة وتنوع فيها الأعداء والخصوم وتصاعدت تهديداتهم بل وتحركاتهم، فكان التوقيت سيئا ومصدر قلق لكن اليمن بإصرار أبنائه على استضافة الدورة بنجاح أمني كبير وهزم أعدائه، أما اكتمال النجاح فلأن الدورة تختتم اليوم دون منغصات ولا مشاكل كأجمل دورة خليج عايشها جيلنا وأكثرها متعة وأكثرها حماسا وأكرمها استضافة، خاصة من قبل روح الجماهير وعدد الحضور، رغم خروج المستضيف من الأدوار الأولية وهو ما يحدث لأول مرة.
نعم اليمن حقق معجزة ليس من السهل تحقيقها؛ وهي أن يواجه التحديات ويقيم الدورة في وقتها ويمنع المنغصات ويهزم التهديدات ويحقق أجمل وأسعد استضافة بأقل الإمكانات المالية وأوفر التكاليف، وهو اكتمال يصعب تحقيقه في دورة الخليج ومن عايشها يعرف ذلك، فهي دورة قلما تخلو من المشاكل والمنغصات والتبذير في المال والتفريط في العلاقات.
يجب أيضا ألا نغفل المعجزة الأكبر التي حققتها دورة الخليج في اليمن، وهي اجتماع جميع الدول المشاركة في مواجهة التحدي والخطر المتوقع والإصرار على إقامة الدورة في الموعد والمكان دون تأجيل أو نقل، وهي خطوة مهمة وإصرار يستحق الاحترام والتقدير، خصوصا أنه إصرار وثقة كانت في محلها، فاليمن السعيد أثبت أنه قادر على جعل كل شيء يتم على أرضه سعيدا.
أبناء اليمن وبناته أنتم فخر لنا.
