غدا أو بعد غد سيكون يوم العيد ولا جديد في عيدنا، ستجد أن في صحفنا أكثر من خمسين مقالا كلها بعنوان واحد هو (عيد بأية حال عدت يا عيد)، أنا أحب هذه القصيدة لكن مللت قراءة هذا العنوان مكررا لأكثر من كاتب في أكثر من جريدة في أكثر من عيد، نريد عناوين جديدة، (بس الله لا يغير علينا).
غدا أو بعد غد سيكون يوم العيد ولا جديد في عيدنا ستجد أن القارئ يدفع ريالين ليشتري جريدة كلها صفحات إعلانات تهنئة لا حاجة له في دفع قيمة قراءتها، (بس الله لا يغير علينا).
غدا أو بعد غد سيكون يوم العيد وسوف تحقق شركات الاتصالات الملايين من الريالات أرباحا من قيمة عشرات الملايين من رسائل التهنئة التي (يتميلح) فيها كل مرسل بإرسال (رسالة للكل) بطريقة جديدة ومميزة تلغي تدريجيا التواصل المباشر بالزيارات وتجعل مقدم الخدمة يفصل الخدمة في ثاني العيد لبلوغ الحد الائتماني، (بس الله لا يغير علينا).
غدا أو بعد غد سيكون يوم العيد وسوف تعمل المطابخ بطاقتها القصوى في الذبح والطبخ صباحا ومساء لتحقق أعلى دخل للمستثمر الأجنبي الذي أحضرته هيئة الاستثمار الموقرة ليستثمر في عيدنا بالذبح والسلخ والطبخ وبتوظيف خبرات أجنبية وتحويل الملايين للخارج وحرمان المستثمر المحلي حتى من الاستثمار في جمع الجلود وبذلك فإن هيئة الاستثمار (جابت العيد) وستقيم حفل معايدة توزع فيه العيديات على لاعبي الدفاع عنها ونصب مصيدة التسلل لكل من هاجمها (بس الله لا يغير علينا).
غدا أو بعد غد سيكون يوم العيد وسترى الناس سكارى وليسوا بسكارى من مواصلة السهر لأكل وجبة رز في الصباح ثم القيادة على الخطوط الطويلة إلى المدن والقرى بأقصى سرعة وستجد (ساهر) في انتظار (العيدية) من سائق ساهر (بس ولو الله لا يغير علينا).
غدا أو بعد غد سيكون يوم العيد وسنحتفل بألعاب نارية ربع ساعة بعدها يعم الهدوء وتتعطل كل النشاطات وتقفل حتى محطات البنزين (بس الله لا يغير علينا).
جرح الإعلام بجروح طفيفة
يبدو أن بعضا ممن يشعرون بتهديد الصحافة لمكانتهم وتزايد قدرتها على كشف قصورهم قد بدأوا في مشروع التشكيك في مصداقية النقد الصحافي بعد أن كانوا يشككون في الخبر الصحافيa بتكرار القول عن الأخبار الصحافية بأنها كلام جرايد.
إذا كانت آفة الأخبار رواتها وعدم التثبت من مصدر الخبر قد يؤدي لشيء من المبالغة أو الخطأ فإن الناقد الصحافي لا يمكن أن يستأنس ناراً دون أن يشم الدخان ولا دخان بلا نار، كما أن الناقد يتحرى الدقة حفاظاً على مصداقية قلمه وهو أحرص في هذا الصدد من المخبر الصحافي، كما أن الناقد يورد حججاً واضحة ودلائل من الواقع ويركز على صورة من صور القصور المرئية للجميع فيوضح غموضها ويشرح أبعادها أو يتناول شكوى من خلل فيتأكد منها وينقلها موضحاً خطورة نتائجها وتأثيرها في الأفراد والمجتمع حسب ما يراه كمحايد لا مصلحة له في المبالغة مثلما أنه لا يعنيه تأثير ما يكتب على المسؤول وكشف قصوره في أداء عمله طالما أن النقد موجه للعمل وليس شخص العامل.
لا يمكن لكاتب صحافي أن يكتب عن تعثر مشروع أو سوء تنفيذه لو كان هذا المشروع نفذ بالطريقة الصحيحة ودشن في الوقت المناسب، ولا يعقل أن يكتب ناقد عن تكرار انقطاع التيار الكهربائي وأبعاده وخطورته على مصالح الناس وحياة المرضى وتعطل الخدمات ويصور تلك الصور المأساوية للشرائح المتضررة بينما الواقع أنهم جميعاً ينعمون بنعمة الكهرباء، ولا أن يتحدث عن تعيين آلاف المعلمات في مناطق نائية ويرصد إحصائيات من توفي منهن بينما المعلمات يتجولن في سوق الفيصلية أو المملكة، ولا أن يكتب عن عدم توفر أسرة لمئات المرضى والمصابين بينما الواحد منهم يحظى بالرعاية الصحية التي ضمنها له الوطن، ولا أن يتناول ناقد خطورة بطالة آلاف الشباب وهو يعلم أن العروض المتعددة تنهال على كل واحد منهم.
نفس الشيء ينطبق على النقد المكثف على هيئة الاستثمار هذه الأيام فهو ما كان ليحدث لولا حدوث أخطاء فادحة وتكشف صور خطيرة ونتائج أخطر توحي بتهديد مستقبلي لا تحمد عقباه إذا استمرت الأخطاء الواضحة من نتائجها وليس من مجرد تخمين الكاتب أو الناقد والمحلل فكثافة النقد من فداحة الخطأ.
التشكيك في مصداقية النقد امتداد للتشكيك في مصداقية الخبر، وإذا كان بعض المخبرين أو المراسلين الصحافيين أسهم في ترسيخ مفهوم (كلام جرايد) فإنه ما من سبيل للتشكيك في النقد لحقائق يجسدها الواقع وتثبتها النتائج وتتواجد دلائلها وقرائنها على مسرح الأحداث، حتى لو انبرى بعض الكتاب للدفاع عنها، فالدفاع هنا هو الجدير بالتشكيك في المصداقية وليس الادعاء، وهذه ليست مصادرة للرأي الآخر لأنه لم يكن رأياً مسنوداً بغير العاطفة واللف والدوران الذي لم يدخل في صلب الموضوع ويقارع الحجة بالحجة.
هذا الدفاع قد يريح من يشعرون بتهديد الصحافة لأنه يدخل ضمن ما أسميته سابقاً بضرب الإعلام بنيران صديقة، لكن المؤكد أنه لن ينجح في التشكيك بمصداقية النقد الصحافي ولن تصيبه هذه النيران ولا بجراح طفيفة.
سخف ذوي القربى
دعونا نبدأ من الآخر، لعبة نمساوية مسيئة للإسلام، ملهى ليلي إسباني يغير اسمه إلى مكة وديكوراته لتحاكيها، إعادة جمع ونشر الرسوم المسيئة للرسول في كتاب، وقبل ذلك رسم تلك الرسوم في الدانمرك ونشرها في الصحف الدانمركية وإعادة نشرها بقصد الإمعان في الإهانة في صحف أوروبية أخرى، منع ارتداء النقاب في فرنسا وملاحقة من يرتدينه دون غيرهن ممن يرتدين لباسا لمعتقدات أخرى، قبل ذلك منع وضع منديل الحجاب الإسلامي في الجامعات الفرنسية دون منع غيره مما يشير لمعتقدات دينية أخرى، حملة على موقع الفيس بوك تقودها ألمانية تدعو لاستخدام القرآن الكريم (كرمه الله) كورق مناديل لدورات المياه، تصنيع أحذية تحمل اسم الجلالة وأحذية أخرى عليها آيات قرآنية وتصنيع مراحيض رسم على غطائها كلمة التوحيد.
صور عديدة لا يتسع المجال لسردها كلها تستهدف الإسلام بحقد وتستفز المسلمين بكل وسائل الاستفزاز التي تنم عن كراهية بشعة وعميقة وراسخة ومتنوعة المصادر على خريطة العالم، ومع ذلك يأتي من المسلمين من يصور معتنقي هذه الديانات والمعتقدات الأخرى على أنهم رمز للتسامح والطيبة والصدق والأمانة بطريقة فيها الكثير من السذاجة والسطحية مثل ما حدث في حلقة (خالي بطرس) في مسلسل (طاش ما طاش) أو بأسلوب مقصود عدائي متمرد وغير منصف في حوارات ومقالات تنشر للأسف في العالم العربي وتبث منه.
نحن ندرك ونقدر أن البشر ليسوا سواء في سلوكياتهم ومواقفهم وأن فيهم على اختلاف أديانهم المنصف والظالم والطبيعي والشاذ، والمعتدل والمتطرف والعدائي والمتسامح، وليس لدينا رقم مؤكد ولا إحصائية دقيقة عن توجه الغالبية من معتنقي الأديان الأخرى، لكن المؤكد لدينا أن الدين الإسلامي الحنيف اشترط في المسلم أن يؤمن بالله وملائكته و(كتبه) و(رسله) واليوم الأخر وتؤمن بالقدر خيره وشره؛ وبذلك فإن المسلم يحترم الأديان السماوية الأخرى والأنبياء والرسل وما أنزل عليهم من الكتب ولا يقبل الإساءة لأي منهم ناهيك عن أن يمارس ذلك بنفسه ولو فعل (لا سمح الله) فقد انتفى عنه الإيمان كما عرفه خاتم النبيين صلى الله عليه وسلم (أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره) رواه البخاري ومسلم، وهذا أوضح دليل على سماحة الإسلام والمسلم وأنه الأحق بإبراز سماحته وصفاء سريرته وصحة معتقده بدلا من أن يوصف بها غيره في إشارة لتجريده من هذه الصفات نتيجة سخف ذوي القربى وظلمهم الذي هو أشد على المرء من وقع الحسام المهند، فما بالك عندما يقع الظلم من ذوي القربى على الدين ومعتنقيه!.
مثل أمريكا
أكثر ما يشعرني بالغبن أن يقوم مسؤول عن أخطاء قطاع ما بالدفاع عن أخطائه بالقول إن هذا يحدث في أمريكا، أو أن يورد نسبا وإحصاءات لأخطاء مشابهة تحدث في الولايات المتحدة الأمريكية، ويعتقد أنه بذلك استغفلنا أو نجح في إقناعنا، وكأنه الوحيد الذي يعرف أمريكا أو دول أوروبا أو أية دولة متقدمة اتخذ إحصاءاتها درعا أو ذريعة لتبرير قصوره وأخطائه.
أبسط قواعد المقارنة تؤكد على ضرورة تشابه بل تطابق الأطراف التي تريد مقارنة أحدها بالآخر لكي تبرز عناصر الاختلاف، لذا فإن القاعدة الإنجليزية تقول: قارن برتقالة ببرتقالة وتفاحة بتفاحة وليس برتقالة بتفاحة.
فمثلا، يحلو للبعض مقارنتنا بالولايات المتحدة الأمريكية في شأن الحماية الأسرية، أي الحماية من العنف الأسري، سواء حماية الأطفال أو النساء أو حتى الرجال وكبار السن من الجنسين، بينما لا يمكن على الإطلاق وضع أدنى مقارنة بيننا وبين أمريكا في هذا الصدد لا من حيث الإحصاءات ولا النسب ولا طريقة التعامل ولا نوعية القائمين على المشروع ولا آلية التسجيل ولا ردة الفعل، فكيف نقارن أنفسنا في هذا الصدد بأمريكا.
في الولايات المتحدة الأمريكية أوكل أمر العنف الأسري برمته لأصحاب أو (صاحبات) الاختصاص وهم الاختصاصيات والاختصاصيون الاجتماعيون (Social Workers)، حتى أن تعديل القوانين في هذا الصدد لا يتم إلا بعد مراجعة عدد من الاختصاصيات الاجتماعيات كونهن من يقمن على هذا المشروع، بينما لدينا أوكل الأمر لطبيبة!!.
في الولايات المتحدة الأمريكية تتراوح نسبة الاختصاصيات الاجتماعيات في المجتمع ما معدله خمس اختصاصيات مرخصات لكل ألف نسمة أي 500 اختصاصي أو اختصاصية لكل مائة ألف من السكان، بينما لا يتوافر لدينا نفس هذا الرقم لكامل عدد السكان.
في أمريكا تتوافر آلية دقيقة للتبليغ عن حالات العنف الأسري وتسجيل الحالات والتعاطي معها بنظام واضح، بينما لدينا رقم هاتف لم تتذكره المسؤولة في لقاء تلفزيوني، وعانت الأمرين للتفريق بين الرقمين. إذا أردنا أن نقارن أنفسنا بأية دولة متقدمة في أمر ما، فيجب أن يكون لدينا نفس الدقة ونفس المرونة ونفس الكفاءات ونفس الأنظمة الصارمة، وإلا فلا داعي للتحجج بمقارنات غير منطقية.
ثوب الوزير
لم يمر على الفقراء والمحتاجين للضمان الاجتماعي (لم أقل المستفيدين) سنوات سمان بلغت فيها السيولة المخصصة لدعمهم مثلما بلغته هذا العام خاصة بعد أن أمر خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز ــ حفظه الله ــ بصرف مليار و 110 ملايين ريال لتوزيعها فوريا وإضافيا على مستحقي الضمان الاجتماعي.
هذا المبلغ لا شك أنه رفع قيمة ما رصد للصرف على المستحقين إلى رقم غير مسبوق وغير مستكثر على وطن يسخر ما حباه الله من نعمة لإسعاد أبنائه وإعانتهم على مواجهة الفقر والحاجة فيخلق توازنا يحفظ للفقير كرامته وللغني استقراره.
المال والمخصصات لم تعد مشكلة ولله الفضل والمنة المشكلة الكبرى تكمن في التعرف على المحتاج الحقيقي وتعريفه والوصول إليه وضمه لقائمة المستفيدين من الضمان الاجتماعي؛ لأن هذه القائمة إذا بقيت على حالها وعددها الثابت بحكم عدم سعي وزارة الشؤون الاجتماعية للبحث عن المحتاجين الذين لا يسألون الناس إلحافا فإن المبالغ والمخصصات للضمان الاجتماعي تزداد في ظل ثبات الرقم المقسوم عليه وبالتالي اقتصار التغطية على مساحة صغيرة لا تشكل رقعة الفقر الحقيقية ولا أعداد المحتاجين الفعليين، وكل هذا بسبب قصور وزارة الشؤون الاجتماعية في جزئية البحث عن المحتاج الحقيقي الذي لا يسأل ولا يطالب أو يسأل ويطالب ولكن لا يملك الإثبات الورقي الذي تصر عليه الوزارة وأوضح مثال على هؤلاء هي المهجورة والمعلقة التي لم تجد من يمنحها الورقة والمتقاعد الذي شاءت الأقدار أن يفوق عدد من يعولهم وظروفهم وإمكاناتهم قدرة راتبه التقاعدي على إعالتهم والموظف الذي لا يكفي راتبه قوت يومه وعياله.
ما ينقص وزارة الشؤون الاجتماعية هو القناعة بدور الدراسات الاجتماعية ودور الأخصائي والأخصائية الاجتماعية وبالتالي السعي مع كل الجهات المعنية لزيادة أعداد هؤلاء الأخصائيين والأخصائيات وزيادة الوظائف المعتمدة لهم في هيكل الوزارة ولو كنت في ثوب وزير الشؤون الاجتماعية لسعيت لإنشاء أكثر من كلية علم اجتماع تتبع للوزارة إداريا وتحت مظلة أكاديمية شامخة مثل جامعة الملك سعود بالرياض وجامعة أم القرى بمكة ومثلها في الشرقية والجنوبية لتتولى تخريج أجيال من الأخصائيين والأخصائيات إلى جانب إجراء الدراسات الاجتماعية في منطقتها علما أن حاجة هذه الوزارة للأخصائي الاجتماعي لا تقتصر على الضمان الاجتماعي بل كم هائل من دور الرعاية التي تفتقر لمن يفهم ويتفهم أحوال نزلائها.
نحن في أمس الحاجة لتفعيل دور الأخصائية الاجتماعية في كل شأن في حياتنا بدليل أنها لا تتواجد لا في الحوادث ولا مصائب الأسرة ولا الفقر ولا الدور الاجتماعية بالعدد المطلوب ولا لمساندة من لا سند له اجتماعيا في الفواجع والوزارة نائمة عن هذه الأدوار المهمة لاستقرار المجتمع.
وقفات أسبوع .. قالوا وقلنا
** حال المتقاعدين لا تسر العدو ولا الصديق ولا تليق بما قدموه لهذا الوطن من عطاء، ولا تليق بمقامهم كمواطنين وصلوا إلى مرحلة عمرية وظيفيا لكنهم لا يزالون مواطنين، تصوروا أن آخر الإساءات لهذه الفئة من المواطنين أن شركات تأجير السيارات لا تقبل تأجيرهم، بينما تقبل تأجير سائقهم الأجنبي (إن وجد)، وهذا يدل على أنه لا مظلة لهم تكفلهم وتتكفل بهم في مجتمع (بيروقراطي) يعتمد على التعريف من العمل.
** العكاظي الجميل الزميل خالد السليمان كتب مؤكدا أن لا أحد فوق النقد، وطالب المسؤول الذي يضيق بالنقد بأن يجلس في بيته ويرى إن كنا سننتقده أم لا، وأن انتقاد أدائه في وظيفته والمسؤولية التي أوكلت إليه حق مشروع يجب أن يمارس على الجميع، وللزميل خالد السليمان أقول إننا في هذا العهد الزاهر الشفاف منحنا قائد الشفافية والحوار الملك عبد الله بن عبد العزيز هامشا واسعا وسقفا عاليا للإسهام في الإصلاح بالنقد الهادف، وهذا أخاف من في قلبه مرض وعلى رأسه بطحاء، فأصبح يوهم الناس أنه فوق النقد أو أن له حصانة، وفي ظني أن ما نعاني منه هو إشاعة وهم الحصانة، وليس توفر الحصانة أو القناعة بأن أحدا فوق النقد.
** يقول مدير الشؤون المالية بوزارة التربية والتعليم إن الوزارة ليست ضمانا اجتماعيا، وأن إلغاء عقود معلمات محو الأمية هو تطبيق للنظام، وأنا أقول أن الأمر يتعلق بـ (توهيقا) اجتماعيا وليس ضمانا، ولا أحد يطالب الوزارة بأن تكون ضمانا اجتماعيا، ولكن يفترض أن لا تكون (تغريرا) اجتماعيا، فالأمر برمته وبأعداده من آلاف المغرر بهن لم يكن نظاميا، كما نذكره بأن الوزارة ليست دارا لرعاية المسنين أيضا.
الدفع هل يجيز الكذب؟!
منيت الصحافة السعودية منذ عشر سنوات تقريبا وحتى اليوم بسابقة خطيرة تتمثل في المادة التحريرية المرافقة للإعلان المدفوع، حيث تقدم بعض الصحف إغراء للمعلن يتمثل في منحه مساحة تحريرية لا تحمل ما يشير إلى أنها إعلان مع كل إعلان تقدمه الوزارة أو المؤسسة أو الشركة للصحيفة، وهذه المساحة التحريرية إضافة إلى أنها تنشر دون الإشارة إلى أنها مادة إعلانية، فإنها مساحة تحريرية حرة يمارس عن طريقها المعلن (الجهة الحكومية أو الخاصة) كتابة ما يريد في شكل رأي أو خبر أو تحقيق صحفي يشعر القارئ أنه جزء من مادة الصحيفة وضمن مسؤوليتها عن المصداقية وتحري الدقة، وهو في الحقيقة مادة إعلانية بحته تحتمل كل ما يحتمله الإعلان من وهم ومبالغة وتدليس يصل حد الكذب البواح والتلميع لشخص بعينه أو جهة أو الإغراء بمميزات سلعة دون غيرها أو إطراء ومديح وإدعاءات كاذبة، وكل هذا يصاغ بطريقة لا تشير إلى أنه إعلان بل تغلف تماما بغلاف المادة الصحفية، فلا يعلم القارئ أنها من إعداد الشخص نفسه وإعلان مسبق الدفع لخداع القارئ.
عدم وضع إشارة واضحة إلى كون المادة التحريرية هي في الواقع مادة إعلانية من إعداد المعلن إجراء غير مهني وغير مسبوق في صحافة العالم التي تحترم قراءها وتحترم ما ينسب إليها، فيكفي أنه نوع من تضليل القارئ وإرباكه وجعله يشعر بأن ما يقرأه هو شهادة محايدة من صحيفة منحها ثقته.
وإلى جانب عدم المهنية، فإن هذا الأسلوب يتنافى مع الأنظمة والقوانين التي تحمي المستهلك والقارئ والإنسان إجمالا من التضليل، وتركز على ضرورة تنبيه المتلقي للمادة الإعلانية، سواء أكانت بالصوت أو الصورة أو الحرف، وأنها ليست معلومة موثقة من طرف محايد، وهذا ينطبق على الخبر وتزكية النفس وادعاء الإنجازات ورصد التاريخ بهدف حماية المتلقي من جهة وإنصاف الآخرين من جهة أخرى، فالمعلن عن ذاته أو سلعته أو إدعاءاته لا بد أن ينبه القارئ إلى أنها تزكية للنفس ويترك له الحكم على هذا الأساس، لأن ثمة منافسا أو صاحب حق حقيقي أو صاحب حق تاريخي من حقه أن لا يشعر المتلقي أن الشهادة من الصحيفة ضمن موادها المحايدة، وإنما ينبه أنها إعلان عن الذات وحكم القارئ عندئذ سيكون مختلفا. إن الدفع لا يبرر الكذب والتضليل، وإلا فإنها ستكون سابقة خطيرة تفوق سابقة رقابة المعلن، وتضع مصداقية الإعلام السعودي بأكمله على المحك.
بناتنا والديك الأعرج
التطور الذي واكبنا فيه العالم المتطور فيما يخص تقنية المعلومات يستوجب أن نفي بأهم متطلباته وهو ضمان الحفاظ على السرية الشخصية للإنسان، وحماية معلوماته من التسريب عن طريق سن تشريعات واضحة وصريحة ومعلنة تحدد عقوبات صارمة على الموظف الذي يستغل توفر المعلومة المفصلة في غير شؤون العمل الذي أتاح له الإطلاع عليها وتحديد محاكم عاجلة ومرنة للبت في شكاوى الاعتداء على السرية الشخصية وتسريب المعلومات.
نحن نضع أنظمة ومتطلبات لتوفير المعلومات عن كل فرد لكننا لم نضع قوانين واضحة لحمايتها وقنوات لشكوى سوء استغلالها، فمثلا مؤسسة النقد فرضت على البنوك الحصول على معلومات تفصيلية محدثة لكل عميل، إضافة ــ بطبيعة الحال ــ إلى المعلومة الأهم وهي رصيد حسابه وبالتالي فإن أي موظف في أي بنك يستطيع (إذا أراد) أن يطلع زيدا على معلومات عبيد، وليس أمام عبيد إلا أن يشتكي لمدير الفرع ولن يتمكن من معرفة خصمه لأنه اشتكى على خصم ولن يحصل على إنصاف بعقوبة رادعة أو تعويض.
لا بد أن نفخر بأننا تطورنا كثيرا في مجال قاعدة المعلومات وسهولة الرجوع لمعلومات تفصيلية فمن مجرد رقم لوحة سيارة يمكن معرفة الكثير عن مالكها بما في ذلك عنوان منزله ورقم هاتفه ورقم هويته الوطنية، وهذه الأخرى يمكنها أن تطلعك على مزيد من المعلومات التفصيلية عن كافة الأسرة، ومن الإنصاف أن نقول أننا أيضا وفرنا ما يضمن صعوبة الدخول إلى هذه المعلومات لكننا في الوقت نفسه لم نوفر أساليب الردع والخوف من تسريب هذه المعلومة، وهذا جد خطير، وهو ما أسميه التطور الأعرج المتمثل في طول ساق التقنية المعلوماتية وقصر ساق حماية السرية.
من السهل على أي موظف تسجيل في المستشفى تسريب كم هائل من المعلومات الصحية والشخصية عن المريض بمجرد معرفة اسمه أو رقمه الطبي، وموظف البنك كذلك والموظف في الأحوال المدنية والجوازات والمرور كلهم مؤتمنون على معلومات غاية في السرية ولكن دون مقاضاة سريعة وعقوبات معلنة.
في السابق كان الشبان (الصيع) يضطرون لملاحقة سيارة صالون تحمل فتيات لفتن الأنظار، وذلك لمعرفة المنزل أو الحصول على قطعة منديل تحمل قذارة ورقما، أما اليوم فقد قلت المطاردات ليس لأن الشبان ارتقوا بفكرهم وعقلوا ولكن لأن رقم اللوحة يوفر كل المعلومات المهمة فهو رجل الديك التي تجلب الدجاجة قبل الديك، لأن ديك تقنية المعلومات أعرج .
طاش إسلامي
لا بد أن نعترف أن مسلسل (طاش ما طاش) في بداياته كان ضالة المواطن السعودي؛ ففي ذلك الزمن لم يكن هامش حرية انتقاد الخدمات ولا سقف الحرية الصحافية كافياً فكان هذا المسلسل الرمضاني متنفساً ينتقد القصور بطابع كوميدي محبوب جعل الغالبية تعقد معه موعداً، وأذكر أنني كتبت آنذاك أن طاش ما طاش بجرأة طرحه (النسبية آنذاك) سحب البساط عن صفحات الشكوى في الصحف فأصبح الواحد يقول للمسؤول (نشتكيك على طاش) بدلاً من أن يقول الصحف.
لا أظن أنني تغيرت عن ذي قبل فأنا كما أنا لم ألتح ولم أقصر ثوبي ولكنني أعتقد أن (طاش) قد تغير كثيراً وتحول من عمومية طرح هم المواطن السعودي إلى شخصنة الطرح بين شخصي طاش القصبي والسدحان والتيار الذي انتقدهما بسبب زلة في حلقة أو حلقتين تم خلالهما آنذاك السخرية من شخصية المتدين.
تطور الأمر وأصبح هم المسلسل هو تصفية الحسابات مع التيار الآخر الذي لا أسمح لنفسي بتصنيفه أو وصفه بالمتشدد لكنني أستطيع القول إنه أقل غضاً للطرف عن الزلل وأكثر دخولاً في النوايا فسمح لنفسه باستعداء فريق طاش وربما تهديدهم لأنه تيار لا يملك فرصة في الإعلام فلجأ إلى (النت) ومواقع الإنترنت مثل الوشاية شأنها في إثارة الفتنة خطير لأنها تتم بالنقل وبعيداً عن المواجهة والحوار.
رد طاش ما طاش في ربيعه الرابع عشر والخامس عشر والسادس عشر كان عدائياً جداً واستفزازياً جداً فافتقر للرزانة وركز تركيزاً واضحاً على تصفية الحسابات ففقد غالبية جمهوره لسببين الأول أن الوسطية استفزت هي الأخرى وهي غالبية ساحقة والثاني أن هم المواطن لم يعد هو هم طاش فأصبح ثمة إجماع أن طاش قد أفلس، ولم يكن هذا هو شعور الجمهور فقط بل حتى السدحان والقصبي ساورهما ذات الشعور فأعلنا أكثر من مرة عن توقف المسلسل أو طرحه بقالب مختلف، ولكن الفريق سرعان ما عاد لهم المواطن في طاش 17 وتحديداً في حلقة الاستثمار الأجنبي حتى وصلت به الجرأة أن شكك في عبارة (ارفع رأسك أنت سعودي غيرك ينقص وأنت تزودي) فظن الناس أن (طاش) زمان قد عاد لكن يبدو أن للسدحان والقصبي قلب جمل فقد جاءت حلقة (خالي بطرس) لتكون صاروخ كروز موجها آلياً وبالرموت للإسلام وليس لذلك التيار وحسب، لقد قلت بعد مشاهدتها أن طاش قد نقل الحرب من السخرية بالملتزمين بالدين الإسلامي إلى التبشير بخصال المسيحيين وأعتقد في تلك الحلقة أن قلب البعير أنساهم مبادئ كانوا يكررونها وهي أن السلوك شأن شخصي لا علاقة له بالهوية أو الدين (لا يحافظ الشخص على مجوهرات أبناء أخته لأنه مسيحي ولا يسرقها آخر لأنه مسلم) فتلك الحلقة بالغت كثيراً وتمادت في الإساءة لنا جميعاً كمسلمين وعادت بنا إلى طاش 15 و 16.
في حلقة الاختلاط كان ثمة شخصنة واضحة وبطريقة مؤذية وظالمة واستفزازية والرد عليها لو وجدت ذات الإمكانات الفنية والمهارات التمثيلية لدى الطرف الآخر لا يمكن أن تكون إلا بتصوير منزل فريق طاش من الداخل وسلوكياتهم الأسرية في مسلسل (طاش إسلامي) وهذا ما لا يملكه ولا يريده الطرف المستفز، اللهم استر على مجتمعنا وأطفئ الفتنة التي هي أشد من القتل.
مواطن عاري
أرجو أن لا أفهم خطأ فكلمة (عاري) هنا لا تعني أننا والعياذ بالله (من غير هدوم)، فعندما تقول عن شيء إنه (عاري) بالعامية فأنت تقصد أنه لا غطاء له أو حماية فيكون معرضا أو مجردا من غطائه، مع اختلاف الأثر والتأثير، فسلك الكهرباء العاري يكهرب ويلذع وقد يقتل من يلمسه، أما المواطن العاري فهو من يتكهرب وهو من يلدغ وهو من تقتل حقوقه.
رغم ما حققناه من تطور على عدة أصعدة، إلا أننا لا نزال غير قادرين على فرض احترام العميل والمشترك والزبون على الشركات الخدمية، التي ينعم بخدماتها المدفوعة مسبقا كل من تعامل معها في كل أنحاء العالم إلا عندنا، حيث لا حماية للعميل ولا احترام لحقوقه، وسوف أسرد بعض الأمثلة التي توضح ما أقول وإن كانت لا تبشر بخير؛ لأنها تسعد شركات تجد لدينا أكبر سوق وأضعف عميل.
في وقفات الخميس الماضي، تطرقت إلى أن شركة تقوم بالتوصيل البريدي السريع اتصلوا بي لتسليم خطاب هام ومن شخصية هامة سلم لهم قبل خمسة أيام من الاتصال، وعندما اتصلوا بي ووصفت لهم المنزل (الواضح جدا) قيل لي بالحرف الواحد (تكرم عينك بعد بكرة بالليل). وفي مقال الخميس، استغربت كيف أن التوصيل السريع لا يسلم إلا بعد يومين من الاتصال وبعد سبعة أيام من استلام الإرسالية من المرسل!!. هل تصدقون إذا قلت لكم إنه وحتى كتابة هذا المقال (السبت) لم يصل الخطاب السريع الهام المرسل من شخصية هامة ومؤثرة؟! وأنني تلقيت اتصالات من أربعة أشخاص من جنسيات مختلفة (طبعا ليس من بينهم موظف سعودي)، وكل منهم يطلب الوصف ويذكر أنه سهل جدا، ويطلب مني أن أبقى في المنزل للاستلام خلال دقائق ولم يحضر أحد؟!، وهل تصدقون إذا قلت إن ذات الشركة في دول مجاورة لا يعدو سكانها ربع سكان الرياض لا تجرؤ على مثل هذا الاستهتار.
لماذا لا ننعم بسرعة وسهولة ومصداقية الخدمات التي ينعم بها عملاء هذه الشركات، رغم أننا أكبر الأسواق في المنطقة؟! السبب واضح لأن العميل عارٍ من الحماية.
شركات تأمين السيارات أكلوا أموال الناس ولم ينفذوا التزامات التأمين، وتنقلنا من بين التأمين على الرخصة إلى التأمين على المركبة، وربما نصل للتأمين على (الدركسون فقط) دون تحقق الحقوق. التأمين الطبي هو الآخر مليء بالاستثناءات والحرمان إلى حد قد يصل إلى اشتراط عدم المرض مع أنه الأعلى رقما في العالم ولا يوجد التزام، وشركات تأجير السيارات التي أصبحت الأسهل والأكثر مرونة عالميا تمارس كل أشكال الاستقطاع والاستغلال لدينا، وموضوع الضمان (ضمان الأجهزة والسيارات وخلافه) أصبح بالنسبة لنا مجرد إغراء على الشراء وتنافس على الزبون بزيادة عدد السنوات لأن الالتزام (صفر)، وإذا كان الالتزام غير مضمون فإن الضمان مدى الحياة هو الوعد.
ألا يعني هذا أن المستهلك عندنا عارٍ من كل أشكال الحماية ومكهرب ومذبوح بكيد الشركات.
