هذه طرفة واقعية لا يهم القارئ شخوصها ولكن يهمه العبرة منها وهي أن المواطنة السعودية قنوعة و «حبوبة» ومسالمة.
بطل هذه «النكتة» هو القطار، والقطار لدينا كان ولازال أرضا خصبة للتندر، خاصة كونه قطارا وحيدا لم يجد ما يصطدم به، فأصبح يبحث عما يصدمه، فتارة يصطدم بسيارة عابرة لسكة الحديد وهي تحسبها مطبا صناعيا وضع في الصحراء، فمن كثرة المطبات الصناعية، خاصة في الأماكن غير المحتاجة فعليا، فإنك لا تستغرب تواجدها في الصحراء وعدم تواجدها في شارع تفحيط شهد عددا هائلا من الحوادث وذلك لأن البلديات تزيل ما يضعه المرور من مطبات، رغم أن المرور أدرى بالحوادث، ولكن لدى مؤسساتنا سرعة فائقة في الإزالة إذا تعلق الأمر بالمساس بالصلاحيات، حتى وإن كان من أجل الصالح العام فالصلاحيات أهم من الصالح!!.
وتارة يصطدم القطار بقاطرة خرجت بمفردها في نزهة على سكة الحديد، وهذا التصادم فيه ريبة، فقد يكون القطار (اختلى) بالقاطرة وتحرش بها خاصة أنها «قاطرة مناورة»، ونحن مشاكلنا مع التحرش لا تخلو من وجود أنثى (تناور) وتغري ثم تتذمر، فلو أن القاطرة سارت في سبيلها لما صدمها القطار، إلا إذا كان القطار هاج و(نط) على القاطرة وهنا أيضا اللوم يقع عليها، فيفترض أن لا تسير بمفردها دون حماية في مجتمع كثر فيه التحرش، ومع ذلك يعترض على وجود مرافق أمني لمجرد أن اسمه الشرعي محرم!!.
أما أغرب قصص الخلوة غير الشرعية فقد عرفها قطارنا أيضا، حينما وجد كثيب رملي أن سكة القطار بعيدة عن عيون الصيانة، فاختلى بها واعتلاها وربض بين قضبانها، ليأتي القطار ويرى ما رأى ويستشيط غضبا، لكنه كظم غيضه ولم يصطدم بهما، بل راغ عنهما وخرج من سكته وانقلب، كل ذلك من أجل أن يتم ضبط الكثيب الرملي والسكة الحديدية في وضع تلبس!!.
ألا تلاحظون أنني شطحت عن الموضوع الأساسي وهو «النكتة» التي تدل على أن المواطنة السعودية قنوعة وحبوبة، فهذه النكتة لم أقلها بعد وهي أساس الموضوع لكن ما ذكرته أهم منها.
القصة كما أعرفها جيدا أنه في قديم الزمان، وبعد إنشاء سكة القطار بين الرياض والدمام وبداية رحلاته، قرر رجل أن يأخذ أمه (العجوز) من الرياض إلى رأس تنورة لزيارة ابنها الذي يعمل هناك، وما أن دخلت العجوز المحطة وشاهدت القطار وضعت كفيها على رأسها وقالت بخجل(يا وليدي واخزياه كل هالطويل يبي يعني لرأس تنورة علشاني) ظنا منها أن كل هذا الشيء الطويل سوف يضرب مشوارا للشرقية حاملا إياها هي فقط.
ألم أقل لكم إن المواطن قنوع ممتن؟!.
اقعد يا نايم
أما وقد كثر الإدعاء، وكثر التحايل، وتفنن الناس في التخلي عن المسؤولية بالحجج، والهروب من الحرج بالكذب، والصعود على أكتاف الغير بسرقة انجازاتهم وادعائها لأنفسهم، وإدعاء أنهم يعملون ببهرجة في القول وتوظيف لخبراء الإعلام وأدواته، فإن الاحتكام للعقل والمنطق قبل التصديق زادت أهميته وقد كان وما زال مهماً يجدر التعامل به من البداية لكن الناس تغفل أحياناً، وتغفو إلى أن تفيقها عبارة ذات حجة قوية تحتكم إلى العقل والمنطق فتؤدي إلى إفاقة العقل من غفوته.
عندما كسر إبراهيم عليه السلام الأصنام، تعمد ترك كبيرهم لكي يقيم الحجة على قومه، (قالوا أأنت فعلت هذا بآلهتنا يا إبراهيم قال بل فعله كبيرهم هذا فاسألوهم إن كانوا ينطقون) هذه العبارة القصيرة القائمة على الحجة بالمنطق هي التي ذكرتهم بأمر مهم وهو أن آلهتهم لا تنطق ولا تعبر ولا تدافع، وكأني بأحدهم قال (اقعد يا نايم) أي أين كنا من هذه الحقيقة الواضحة أمامنا.
نحن اليوم وبشيء من القياس في أمس الحاجة إلى التفكير والاحتكام للحقائق والمنطق وواقع الأمر وعدم التسليم بصدق طرف دون الآخر ما لم نتأكد بتحكيم المنطق.
مثلا هل يمكن لمسؤول أن يستنجد بأعتى مؤسسات الإعلام وأكثرها إمكانيات وقدرة ويدفع من مال مؤسسته مبالغ طائلة لتظهره على أنه عمل شيئاً يذكر لو كان أنجز فعلا عملا ملموساً يراه الناس؟! ولماذا لم يدع الإنجازات تتحدث عن نفسها.
أيضاً الأصل في الكتابة والعمل الصحافي هو النقد لتعديل الإعوجاج، فإذا مدح القلم فابحث عن أحد أمرين، الأول مستحق مميز مشهود له بالتميز ونافع لوطنه وكاتب أراد أن يفيه حقه من حبر قلمه لكنه استعار مساحة من الورق هي حق لغيره وهذا شأنه وشأن المطبوعة التي يكتب فيها، والثاني غير مستحق ولا مميز ومشهود له بالقصور ولم ينتفع منه وطنه، وأراد كاتب أن يكون المنتفع الوحيد منه فباع عليه «جالون» من حبر قلمه بثمن بخس «مصالح معدودة».
أما إذا انتقد القلم وأدعى المسؤول أن من انتقده إنما يصفي حسابات شخصية فكل ما عليك هو أن تحتكم للمنطق والعقل، فإن كان ما كتب واقعاً وحقيقة موجودة على أرض الواقع فلا ترهق نفسك بتصديق إدعاء «الشخصنة» والبحث عن أسبابها وأصولها فالمهم هو الحقيقة، ولو كان ما كتب مجافياً للحقيقة ومحض إفتراء فإنه ليس أنسب لمن يصفي الحسابات بقلمه من قلم يرد عليه ويفضحه ويقيم عليه الحجة، فعندما تسنح هذه الفرصة ولا يرد المتهم ويستمر في إدعاء أن ثمة تصفية حسابات و«شخصنة» فإن ما عليك إلا الرجوع للمربع الأول فتدرك أسباب الصمت وتقول «اقعد يا نايم».
جمعية قهر المستهلك
تمخضت جمعية حماية المستهلك فولدت رسالة جوال تدعو لحضور لقاء عام مفتوح لعموم المستهلكين للرجال والنساء، والخطوة التي ولدتها الجمعية الفتية، (حملت) بها من السيد (يوم المستهلك الخليجي)، أي أنها لم تأت بدون مناسبة أو بمبادرة واهتمام ذاتي من الجمعية، إنما خجلا من مرور يوم المستهلك الخليجي دون أن تعمل الجمعية شيئا كما هي حالها منذ نشأتها!! وليتها لم تعمل أو حين حملت أجهضت حملها وصمتت!!.
هذا اللقاء المفتوح، الذي أرسلت دعواته بالجوال لكل من أهل الرياض وأهل الدمام، يجبرك على الخجل والتعجب ثم الضحك حتى الاستلقاء وسوف أبرر كل واحدة.
أما الخجل، فلأن موعد اللقاء المفتوح حدد بعد صلاة المغرب، وطبيعي أن ينتهي مع أذان العشاء يعني لقاء (بين عشوين)، وهو أقصر وقت بين صلاتين وكأنهم يقولون لا تشتكوا ولا تناقشوا كثيرا، اسمعونا وقوموا لصلاتكم يرحمكم الله.
أما التعجب، فلأن لقاء الدمام يقام في مبنى الغرفة التجارية!! وأذكر أننا حينما أسسنا هذه الجمعية (أكثر من 35 عضوا فاعلا أغلبهم كتاب صحفيون)، أسسناها على التقوى واشترطنا أن تبتعد عن التجار وتأثيرهم ودعمهم الذي غالبا يكون من مال ذئب لا يهرول عبثا!!، فكيف تعقد لقاءاتها المفتوحة في معقل التجار، في كهف الذئاب ويدعى لها الحمل الوديع المستهلك ليتعرف على حقوقه قبل الذبح في مسلخ التجار؟!!.
أما الضحك، فمن شعار اللقاء أو عنوانه (اعرف حقك كمستهلك)، وكأن مشكلتنا أن المستهلك لا يعرف حقه!!، يا حبيبنا المجتهد رئيس الجمعية أقسم لك أننا كمستهلكين نعرف حقوقنا ونعرف من يسلبها ولا ينقصنا إلا معرفة من سيرد حقوقنا إذا سلبت ومتى؟!، ومن سيحمينا من استمرار سلب الحقوق ومتى؟!.
حتى أنت أخانا الرئيس عندما كنا نجتمع دوريا لتحقيق هذا الأمل الكبير وتأسيس الجمعية، كنت تعرف حقوقك كمستهلك، وكنت تعرف أننا نعرف هذه الحقوق، وكنت تعرف أن الهدف من التأسيس هو حماية المستهلك من ضياع الحقوق المعروفة لك وله ولنا!!، فلماذا تكون باكورة إنتاجكم بعد طول عقم، وإسهامكم في يوم المستهلك الخليجي تلميحا إلى أن المستهلك يجهل حقوقه؟! بل لماذا نعرفه بحقوقه إذا كنا غير قادرين على توفير هذه الحقوق؟!.
هل نفهم أن الجمعية تثقيفية فقط أو تعريفية وحسب؟!، وهل تفهم الجمعية ورئيسها أن التعريف بالحقوق الضائعة مع عدم ردها هو محض قهر للمستهلك الذي يسمع بالحماية ولا يراها؟!.
وقفات أسبوع
• إذا ثبت أن مراقب مركز التأهيل الشامل قد جلد المعوق حامد الجهني، فإن المحامين الذين تطوعوا للدفاع عن المتهمين في كارثة جدة مطالبون بالتطوع للمطالبة بتطبيق أقصى وأغلظ عقوبة بحق الجاني، وإذا اشتملت على الجلد، وهذا متوقع، فليكن في نفس المركز وعلنيا وبحضور المجني عليه، فمشاعره لم تشل لكنها جرحت بشدة.
• قارئة كريمة أم معاذ، علقت في موقع «عكاظ» على المقال الذي كتبته بعنوان (فينا واحد يلعب .. فينا «واجد» يعاني)، حول ادعاءات منتجي العصائر بأنها طبيعية 100 في المائة وادعاءات منتجي الألبان أنها مهضمة ومنتجي زيوت القلي أن بها فيتامين ..آلخ ، أم معاذ أشارت إلى ضرر آخر وأمر خطير لم انتبه له، تقول أم معاذ إن بعض العصائر المكتوب أنها طبيعية 100 في المائة عندما يتذوقها الأطفال أنفسهم يعرفون بأنها غير طبيعية، وأن ما كتب هو من الكذب الذي ننهاهم عنه!! كما أن على المصنعين احترام عقولنا أولا ثم صحتنا. (انتهى)، وحقيقة أن اكتشاف الطفل أن الكذب رائج وما سيصاحبه من تساؤلات عن التناقض بين ما ننهاه عنه وما يتذوقه يوميا أمر خطير للغاية، ثم سبق أن كررت أن المواطن أكثر وعيا فاحترموا عقله وأم معاذ مثال.
• الشيخ صالح اللحيدان المستشار القضائي والعضو في اللجنة العالمية للصحة النفسية تحدث عن بحث طويل أجراه على مدى سنوات خرج منه بأن بعض الممثلين أو الفنانين قد يعانون من مشاكل نفسية، والشيخ اللحيدان وهو يدافع عن نتائج بحثه كان مرنا ومرحا للغاية، ويجادل بطريقة الأكاديمي الباحث ولا غيرها. في المقابل كان أغلب من اعترضوا عليه يتهكمون والمقدم وإن كان اعتذر في النهاية وهذه يشكر عليها إلا أن نبرته كان من الممكن أن تكون أكثر حيادية.
السؤال الذي يطرح نفسه، هو لو أن من أجرى الدراسة المستفيضة، متخصص آخر يحمل نفس المؤهلات في المجال النفسي لكنه ليس عالم شرع ولا مستشارا قضائيا هل ستختلف النظرة للدراسة ونبرة الحوار وطريقة تحاور الفنانين معه؟! أظن أنها سوف تختلف، علما أنهم ربما لا يجدون نفس الأريحية والإبتسامة. المفاجأة أنه في نفس اليوم نقلت لنا قناة «العربية» ضمن نشرة الأخبار تقريرا عن فنانين من أشهر ممثلي هوليود اعترفوا بأنهم مرضى نفسيون والغريب أن من بينهم أحد أشهر أبطال الكوميديا!!.
الفشل حتى تصبح جمجمة مشاري حفرية
قاتل الله الاستعجال، ولعن الله التكنولوجيا، أقولها من كل قلبي جازما إنهما السبب الرئيس في ما تتعرض له خطواتنا وبرامجنا التطويرية من فشل، وعندما تقول فشل فلابد من طرح مثل.
إذا كان طفل مثل مشاري، الذي نشرت «عكاظ» حالته أمس على صفحتها الأخيرة، عمره (ستة أعوام) يصاب بكسر في الجمجمة ونزيف خارجي نتيجة عنف من والده، لاستخراج اعتراف بأن زوج أمه وأبناءه يتحرشون به جنسيا، أقول إذا كان مثل هذا الطفل، الذي يمثل حالة إنسانية مركبة (عنف مؤكد واحتمال تحرش جنسي)، لا يجد تجاوبا سريعا من الشؤون الاجتماعية ولجنة الحماية الاجتماعية، ويخرج من المستشفى بعد (14يوما)، لم تكن كافية لتحرك الشؤون الاجتماعية ولجنة الحماية لمساعدته واحتوائه وإعادة تأهيله نفسيا بعد الكسر والنزيف، فكيف يمكن لنا الادعاء أن لدينا شؤونا اجتماعية وحماية وبرنامج مكافحة العنف الأسري؟!.
بهذه المعطيات العجيبة الغريبة أجزم، غير مبالغ ولا شامت، أن جمجمة مشاري سوف تجبر (إذا لم تكسر مرة أخرى لعدم الحماية) وتصبح جمجمة رجل بالغ ثم يتزوج مشاري وينجب، (وأخشى أن يتأثر بعدم التأهيل النفسي ويكسر جمجمة ابنه)، ويشيب مشاري وينتقل إلى رحمة ربه (يرتاح من دنيا الإنجاز بالكلام)، وتصبح جمجمته حفرية أثرية يختلف علماء الآثار في أسباب كسرها، كل ذلك ونحن لم نحقق في مجال الرعاية الاجتماعية وبرامج الحماية حلا للتحرك الروتيني (البيروقراطي) المتمثل في (ننتظر تقرير) أو (ندرس الحالة)، حالة طارئة سينجم عنها حسب العمة شجار وعداوات وحدث من نتائجها كسر جمجمة طفل وتهمة تحرش، ولا زالت تدرس بعد أسبوعين !!.
أتدرون لماذا تعاني خطواتنا وبرامجنا من الفشل ؟! لأننا نستعجل إعلانها قبل أن نؤسس لها لا المكان ولا النظم والإجراءات ولا طريقة التعامل مع المهام ولا الموظفين، يريد بعض من يقومون على هذه البرامج أن يعلنوا عنها ويتولوا أمرها ويحصلوا على (عسيلة الإعلام منها)، وهم لم يؤسسوا لها سوى بأخبار صحفية، وهذا ما قصدته بقاتل الله الاستعجال، لأننا نستعجل إعلان الإنجاز ثم نصدقه ونتوقف بعده عن العمل الجاد.
أما لماذا ألعن التكنولوجيا، فلأن كل الأجهزة العامة والخاصة التي تستخدم تكنولوجيا الرد الآلي برسالة مسجلة لا تستجيب، وبعضها يتعلق بحالات طوارئ، واسألوا عمة مشاري عن الرقم (1919)، بل اسألوها لو أن الذي يرد (سنطران)، هكذا كنا نسميه، أليس أجدى وأريح نفسيا.
الإرضاع من حقوق المرأة
لا تقل لي بأن تعيين المعلمة في مناطق تبعد عن مقر سكن أسرتها أو زوجها وأبنائها ما مقداره ثلاث ساعات بالسيارة أمر طبيعي يحدث في أوروبا وأمريكا، فهو طبيعي عندما توفر لها كل سبل المواصلات السهلة، الجماعية المريحة والمأمونة والمجدولة بجداول ثابتة محسوبة بالدقيقة كما في ذلك البلد.
معلمتنا امرأة ليس أمامها إلا الاتفاق مع سيارة نقل مهترئة، وطالما أنها سيارة فإن احتمال حدوث حادث أو عطل وارد وحصل بطرق مفجعة وموت جماعي، لكن دعونا من هذا كله، كيف تقارنها بموظفة تستطيع أن تركب القطار في الوقت الذي يناسبها (القطار يتحرك كل نصف ساعة) ومزود بالمطاعم والمشارب ودورات المياه والمقاعد المريحة ونسبة سلامة تفوق 95%؟!.
معلمتنا تركب سيارة في وقت لا خيار لها فيه، بحكم وجود غيرها وإذا أرادت أن تأكل فيجب أن تحمل زادها معها وتدرك أنها طوال مدة السفر لن تتمكن من دخول دورة مياه، لأنها في سيارة وعلى طريق لا تتوفر فيه دورات مياه عامة إلا في محطة بنزين وبدون باب! وغالبا بدون ماء والرحلة أصلا بدون توقف!.
عندما طالبت في مقال الأحد بأن ندع لغالبية النساء ترتيب أولويات احتياجاتهن، لأنهن الأعلم بالأهم، وثمة حقوق أهم من تلك التي يركب بها الرجال موجة المطالبات، اعترضت بعض التعليقات ورددت عليها في موقع «عكاظ» في حينه، وطالما أن الحديث جرنا الآن إلى التفصيل في معاناة المعلمة مع الرحلة الطويلة، وما دمنا دخلنا في عمق الفسيولوجيا وظروف المرأة الخاصة، بل إذا كانت حاملا أو مصابة بالسكر وستحتاج إلى دورة المياه عدة مرات!.
نفس الشيء يقال عن الطبيبة والصيدلانية والممرضة وموظفة الحاسب الآلي والمحاسبة والسكرتيرة والعاملة، اللاتي يعملن في مستشفى لا يمكن، في ظل أزمة السير المخيفة، الوصول إليه أو منه بالسيارة في أقل من ساعة، كيف أفرض عليهن تسع ساعات عمل وأمنحهن ساعة غداء محسوبة من إجمالي الساعات التسع، وذلك مقارنة بما يحدث في مجتمعات تتوفر فيها قطارات تحت الأرض، يمكن للموظفة وخلال دقائق أن تذهب إلى منزلها وتتناول الغداء مع زوجها وأطفالها وترضع الرضيع ثم تعود.
ولمن يعتقد أن في موضوع الرضاعة مبالغة ليعلم أن ظاهرة شفط الحليب وإرساله مع السائق لتتولى الخادمة إعطاءه للرضيع شائعة ورائجة، وللأسف فإن حليب الأم ليس طويل الأجل ويخشى عليه من الفساد، لولا تقنية ثلاجة السيارة كما أن شركات توصيل البريد السريع لم تلتفت لهذا الأمر وإلا لوجدنا (دي اتش ال) لإيصال حليب الأم.
الهائمون بين «تفحيط» مسؤول و«تنطيل» آخر
أحسنت صحيفة «عكاظ» صنعا حينما أفردت يوم الجمعة الماضي 26/2/2010م صفحتين لقضية للنقاش تحت عنوان (مجلس أعلى لمراقبة الصحة النفسية، هائمون في الطرقات) وهي القضية الأهم في مجتمعنا دون منازع، وقد أجاد الزملاء عبدالرحمن الختارش وإبراهيم القربي وعبدالعزيز الربيعي وعبدالعزيز معافى في جمع أطراف القضية وعرضها بطريقة شاملة وصور مؤثرة، وبقي أن تجد هذه القضية التجاوب السريع الذي تستحقه.
مشكلة الهائمين في الشوارع والأزقة والطرقات بدأت قديما، لكنها للأسف لم تجد الاهتمام ولم تتخذ لمعالجتها الإجراءات الواضحة والخطوات الفعالة، بل لم يكن ثمة إجراء يتكفل بهؤلاء ويتبناهم ويحل مشاكلهم ويؤويهم، ويبحث عن أصل السبب في هيامهم وضياعهم وسلوكياتهم الغريبة، أما أصل سبب عدم التحرك لمساعدتهم فيمثل أصل الكثير من مشاكلنا، وهو أننا لا نتحرك تلقائيا ووفق نظم وإجراءات معدة سلفا لمساعدة من لا يتقدم بطلب المساعدة، أي أنه ليس لدينا آلية واضحة وذات مسؤولية للتعامل مع إنسان لم يتقدم بطلب خطي لمساعدته باستثناء حالات الطوارئ التي تحتاج الإنقاذ.
سبق أن ذكرت في مقال قديم بعنوان (المجانين يا أولي الألباب)، أن مشكلة هؤلاء أنهم لا يمدحون، وإذا مدحوا فمدحهم كالقدح ولا ينتقدون وإذا فعلوا فمن سينظر لسب مجنون؟!، ونحن مجتمع يحرص فيه المسؤول وزيرا أو وكيلا أو مديرا عاما على توفير الخدمات لمن يجيدون التحدث عنها في المجالس ويكيلون المديح، وهو ما لا يجيده المريض النفسي وإن فعل فهو مديح كالقدح.
ثمة أمر آخر نتميز به، وليتنا لا نتميز، وهو تمتع المسؤول بقدرة فائقة على (اللف والدوران والمراوغة)، (مخطئ من يعتقد أن الدوران والمراوغة والتجديع والتنطيل هي من سمات المفحط ومهاراته)، فلدينا من ينافس المفحط في إجادة التفحيط بالمسؤولية والمراوغة في شأنها فتجد من يقول (هذا موجود حتى في أمريكا ودول أوروبا)، والصحيح أن الهائمين (هوملس) الموجودين في تلك الدول معظمهم من مدمني الكحول إلى حد التسمم (الكحوليك)، ومع ذلك لهم حق إيواء آلي مباشر ولهم مصروف، لكنهم يستغلونه بالخروج وشراء الكحول والاعتماد في الأكل على بقايا ما يتركه الآخرون، أما عندنا فهم مرضى نفسيون لا (سكيرة)، (لله الحمد والمنة ليس لديهم ما يسكرهم)، وليس لديهم ما يعينهم على شرائه لو وجد، وليس لديهم مأوى غير بقايا سيارة خردة أو عشة، والعبقري منهم تجده في حجرة صراف البنك المكيفة، (وهذه بالمناسبة الحسنة الوحيدة لبنوكنا في إسهاماتهم نحو المواطن والتنمية وقد ذهبت لمواطن ليس له رصيد فحاله مكشوفة قبل أرصدته).
أما شبه المسؤول بالمفحط في شأن (التنطيل) فيتمثل في أن كل مسؤول (ينطل) المسؤولية عن الهائمين والنفسيين على زميله.
سبق أن اقترحت إنشاء المركز الوطني للصحة النفسية ليرتبط بالمقام السامي، هذا المقام الذي يعيش هم المواطن ويحس به، وأحمد الله أن بثت لنا «عكاظ»خبر المجلس الأعلى للصحة النفسية.
رجال يستمتعون بحقوق المرأة
رغم أن المطالبة بما يسمى بحقوق المرأة في المجتمع السعودي تبدو هذه الأيام وقد بلغت أوج مجدها أو قمة سقفها، إذا افترضنا أن للمطالبات بالحقوق سقفا إلى درجة أن من يقرأ أو يسمع أو يشاهد الإعلام السعودي وغير السعودي (الأخير أكثر بكثير) يعتقد أننا قد نشفق على حقوق الرجل.
ورغم أن تناول شأن المرأة هذه الأيام يوحي بحدوث تحول كبير في صالح الأم والبنت والأخت والجدة والخالة والحماة، إلا أن واقع الحال لا يوحي بتحركنا قيد أنملة في الاتجاه الصحيح الذي يعبر عن حاجة المرأة الفعلية وعن أماني السواد الأعظم من النساء السعوديات.
أول المظاهر الخاطئة أو المخادعة أن أكثر من يكتب ويتحدث عن شؤون المرأة هم رجال، إحسبها كيف تشاء وبالإحصاءات التي تريد، وستجد أن الرجل يمارس الوصاية الإعلامية على المرأة حتى في المطالبة بحقوقها، رغم أنه إذا ادعى الإلمام باحتياجاتها الحقيقية فهو يمارس قمة (الذكورية) الاجتماعية التي ينهى عنها.
رغم قلة شواطئنا المتاحة للاستمتاع إلا أننا أكثر مجتمع يجيد ركوب الموج والاستمتاع به، وما يحدث اليوم هو ركوب كم هائل من الرجال لموجة حقوق المرأة، ليس لتحقيق تقدم في تلبية احتياجاتها الفعلية، ولكن للاستمتاع بالتعبير عن الرغبة في تغيير واقع لا يمكنه أن يدعي معرفته، لأنه ببساطة ليس أنثى، بمعنى أنه ليس طبيبة تعاني من عدم التوفيق بين دوام طويل أو ليلي والاهتمام بأبنائها، وليس معلمة تعاني من طول مسافة الطريق وزمن الرحلة إلى موقع العمل واحتياجاتها الخاصة، على الأقل أثناء ذلك السفر اليومي، إذا كانت في ظروف فسيولوجية خاصة لا يعرفها إلا هي (ولن أسترسل لأنني لست امرأة)، وليس معلقة يشعر بحرقة التعليق ولا مطلقة يحس بصدمة إلغاء عقد الزوجية، ولا زوجة استولى زوجها على ماتملك وتزوج به (الأمثلة أكبر من مجرد قيادة سيارة أو طائرة أو غوص أو وجود محرم هو بمثابة مساعد أو مرافق أمني (سيكيوريتي) لشخصية هامة هي المرأة، لذا لا يفيد الاسترسال).
الرجل في إعلامنا يستمتع باستغلال موجة بحر حقوق المرأة الهائج في مجتمعنا هذه الأيام لتحقيق مآرب أخرى وكأن أنانيته جعلته يعتبر علاقته بالمرأة هي علاقة استغلال.
الرجل غير قادر على تقييم أفضال ومميزات المرأة الحقيقية العظيمة إلا بمنظار استفادته منها، لا بمنظور مميزاتها الأخرى المتعددة، ألا ترى الرجل يصف أمه بأنها (حلوة اللبن) مع أنها كأم تمتلك أشياء عظيمة أخرى أهم من مجرد الحليب، لكنه لم يدرك إلا ما شعر بحلاوته.
حتى عندما تتحدث عن المرأة، امرأة أخرى، فإن من يصلن إلى منبر التعبير عدد قليل جدا وفي الغالب لم يعانِ مما عانينه الغالبية الساحقة من غياب احتياجات أساسية تمس الحياة اليومية وليست مجرد رغبات سطحية، الموضوع يمس نصف مجتمع، ويحتاج في كل شأن إلى استفتاء الغالبية.
فينا واحد يلعب.. فينا «واجد» يعاني
ماء مع سكر وكم هائل من المواد الملونة ويحمل مواصفة عصير طبيعي 100في المائة مكتوبة بالخط العريض على العلبة، مشروب ثبت لكل اللجان وجميع الدراسات أنه ضار بالصحة ويسبب تلف خلايا المخ وفشلا كلويا وأمراضا عضوية أخرى، أي أنه مشروب الوهن ويحمل صفة ودعاية شراب القوة والطاقة!! لبن يدعي صاحبه أنه مهضم (تخيل دهن يهضم!! هذي كيف تجي؟! بس عندنا تمشي!!)، زيت قلي يدعي منتجه أنه يحتوي على فيتامين!!، أي فيتامين هذا الذي سيتحمل درجة حرارة القلي فوق 300 درجة مئوية؟!، عصائر أخرى تحتوي كل أنواع الفيتامينات ومع ذلك تحمل عبارة طبيعية 100 في المائة وبدون إضافات مع أن الفاكهة الأصلية لم يعرف عنها أنها تشرفت بتواجد كل الفيتامينات، زيت زيتون أول عصرة والزيت يحلف إنه ماشاف الزيتونة في عمره!!، وعسل أصلي تبرأت منه النحلة.
يا جماعة هل يجوز أن يحدث هذا في بلد فيه هيئة غذاء ودواء؟! وفيه مختبرات عالية التقنية وفيه وزارة تجارة وصناعة، وإذا حدث كيف يستمر في الحدوث حتى بعد ولادة عسيرة لهيئة حماية مستهلك وجمعية حماية أهلية؟!.
المطلوب الآن هو الحد الأدنى للعمل، وهو بالتأكيد ليس حماية صحتنا فهذا شبه مستحيل في ظل الصمت على ادعاء مواصفات ومميزات خيالية متناقضة مع المنطق العلمي ومع ما يقبل العقل تصديقه، مثل أن يهضم اللبن أو (يفتمن) زيت القلي، أو أن تكون المواد الملونة عصيرا طبيعيا والسكر والماء عسلا جبليا، فكل هذه ادعاءات يمكن لأي ربة منزل ذكية أن تثبت كذبها باختبارات بدائية، كما أنه يمكن استغفال عدد كبير من البسطاء وتصديقها وهذا ما يؤكده ارتفاع نسب الإصابات بمرض السكري والضغط وارتفاع نسب الدهون في الدم والموت المفاجئ والجلطات والسمنة المفرطة لدى الأطفال وفقر الدم والأمراض السرطانية، لأن الإنسان العادي البسيط لا يعاني من نقص في الذكاء (حاشى ذلك) ولكنه يعاني من ثقة مفرطة إلى درجة الثقة العمياء بأن الأجهزة الرقابية التي يقرأ ادعاءاتها في الصحف ويسمعها في الإذاعة ويشاهدها في التلفاز لا يمكن أن تسمح بما يضره أو أن يكذب عليه التجار.
المطلوب ليس المستحيل في ظل غياب الهمة وهو حماية الصحة، المطلوب وما أسميته بالحد الأدنى هو حماية العقول من الاستغفال وحماية المجتمع ومؤسساته من تهمة غياب العقل بتصديق ما لا يعقل (حدث العاقل بما لا يليق فإن صدق فلا عقل له).
ما نطالب به الآن هو حماية سمعة مجتمع، لا صحة مجتمع فأمر حماية الصحة أصبح وللأسف كالعنقاء والخل الوفي، ولكننا لا نريد أن نوصم بتوأمة المرض مع الجهل لأننا ولله الحمد، كمجتمع بأكمله، من الجهل براء لكن فينا من الثقة الشيء الكثير، لذلك فإن (فينا واحد يلعب وفينا واحد بل «واجد» يعاني) مع الاعتذار للشاعر والمغني.
وقفات أسبوع
•• رغم التحذيرات التي تصدرها وزارة التربية والتعليم لملاك (المقاصف) المدرسية بعدم بيع مواد ضارة وغير ذات قيمة غذائية للطلاب والطالبات، والتي كان آخرها تحذيرا على لسان الوزير، إلا أن تلك المقاصف لا تزال (تقصف) صحة أبنائنا بمواد ملونة خطيرة وأصباغ صينية لا يعرف أصلها وبين يدي الآن وحال كتابة هذا العامود طفل انتابته حالة استفراغ مستمر (أكثر من ست مرات) منذ عودته من المدرسة الابتدائية الأهلية بعد تناول مادة جيلاتينية ملونة بعدة أصباغ اشتراها من (مقصف) المدرسة، ليتنا نكثف الرقابة بدلا من تكثيف التحذير الذي تعودوا عليه.
•• الإدارية المصابة بالذهان التي هددت طالبة معاقة في مدرسة ابتدائية بخنقها ونعتتها بالمشلولة (حسب الصفحة الأخيرة في «عكاظ» 22 صفر 1431هـ)، يكفيها ثلاث دقائق لتحويل الصغيرة المشلولة جسديا إلى مشلولة دماغيا بخنقها، وثلاثين ثانية أخرى للقضاء عليها تماما، لكن ثلاثة أسابيع لم تكن كافية لورود تجاوب أو حل جذري لمشكلة تواجد مرضى نفسيين في أماكن عامة أو مدارس أو مكاتب أو في الشوارع مع أنهم أناس يشكلون خطرا كبيرا على غيرهم وهم غير مدركين لتصرفاتهم ولا مسؤولين عنها، فهل ننتظر حدوث حادثة قتل في مدرسة بنات ابتدائية ليتحرك الإعلام، ثلاثة أسابيع يلوم ويستنكر ثم يسكت الجميع دون حل؟!.
•• التحجج بوجود تصفية حسابات أو أسباب شخصية أو (شخصنة) نقد، عندما يأتي من الشخص الذي تم انتقاده أو المؤسسة التي انتقدت فهو أمر طبيعي في ظل الاستغفال المتوقع أو أمر متوقع في ظل الغفلة عن الأسباب الواقعية، أما عندما تأتي الحجة من كاتب آخر دفاعا عن المسؤول فلا يمكن أن تفسر بغير النظرة بعين الطبع.
•• أستغرب خبرا طريفا نشرته جريدة (الرياض) في صفحتها الأخيرة، أن يشترط سبعيني النظرة الشرعية للزواج من سيدة تصغره بأربعين عاما، حيث لم تنجح محاولات أبناء (الشايب) في إقناعه بالتنازل عن شرط النظر إلى خطيبته، والاكتفاء بأنها تصغره بأربعين سنة، وأنا أعتقد أن السبعين سنة أسعفت ذلك الشيخ في أن يكون أذكى من الجميع، فموافقة الفتاة وأهلها على القبول رغم الفارق مدعاة للريبة وعليه أن يحتاط ويتأكد بنفسه من عدم وجود مقلب (دع ما يريبك إلا ما لا يريبك)، ليت كل مجتمعنا بمثل حذر هذا الشايب.
