أسمر عبر

عبور المرشح الديموقراطي الأسمر باراك أوباما إلى سدة السلطة في الولايات المتحدة الأمريكية يؤكد بما لا يدع مجالاً للشك أن الانتخابات في أمريكا (الانتخابات فقط) تعد نموذجاً عالمياً يجب أن يحتذى فقد ثبت أنها لا تتأثر ولا يمكن أن تتأثر بغير رغبة غالبية الشعب، ولو كانت كذلك، أو لو وجد فيها ثغرة واحدة ولو صغيرة تستطيع أي قوة غير رغبة الشعب الدخول منها لما فاز رجل أسود برئاسة الولايات المتحدة الأمريكية، لأنها سابقة لها معارضوها من ذوي النفوذ لو وجدوا منفذاً.
فوز أوباما نجاح للاحتكام للغة الأرقام وفرز الأصوات وسلامة النتائج من العبث، لكن لغة النوايا والمخططات والمؤامرات لا تعترف برأي الغالبية الساحقة وهي لغة موجودة في الولايات المتحدة كغيرها بل ربما أشد حبكاً فعملية إسقاط رئيس انتخبه الشعب ليس بالأمر الصعب على قوى خفية تجيد إاستغلال نقاط الضعف وتسخر وسائل الإعلام ووسائل التجسس ويسهل عليها الوصول للملفات القديمة والجديدة، فقد تستغل النظم والإجراءات والبروتوكولات في التسريع بوصول النائب الأبيض جوزيف بايدن، نائب أوباما عبر إسقاط الرئيس المنتخب حياً أو ميتاً، حياً باختلاق فضيحة أو ميتاً باختراق رصاصة !!.

وعلى أي حال فإن استمرار سلامة مسار الانتخابات الأمريكية لا يجب أن ينسينا أن هذه الدولة العظمى التي تتقمص الشخصية الديمقراطية وتدّعي ضمان الحريات الشخصية وحقوق الإنسان وتطالب الغير بها تحولت وبسبب حادث واحد وفي يوم واحد هو 11سبتمبر إلى انتهاكات غير مسبوقة لحقوق الإنسان والحريات الشخصية لعل أبرزها وأكثرها استفزازاً لمشاعر سكان الكرة الأرضية، معتقل غوانتانامو، الذي دخله المئات دون محاكمة ومات بسبب قسوته من مات وبرئ أبرياء ما كان لهم أن يعذبوا لو تمت محاكمتهم، وفضائح سجن أبوغريب، والسماح بالتنصت على خصوصية فئات من الشعب الأمريكي.

بقي أن نتساءل عن جدوى سلامة مسار الانتخابات إذا كان اللاعب الحقيقي في مواقف الدولة العظمى لن يكون ذلك الأسمر الذي عبر برغبة الشعب.

مظاهر غش احذروها

بعض الملاحظات التي سوف أذكرها يفترض أن تصدر في كتيب توعوي لإحدى أو كلتا لجنتي حماية المستهلك، أو في نشرة دورية لإدارة مكافحة الغش التجاري وكون هذا لم يحدث، فإن علينا كمستهلكين أن نتقاسم المعلومات والنصائح حول أشكال الغش التجاري لنحمي أنفسنا منه قدر الإمكان وإليكم نصائحي وأنتظر نصائحكم :-
أنتبه جيداً إلى محتوى العلبة التي تحتوي على وحدات صغيرة، فبعض الشركات تكتب على العلبة الخارجية أنها تحتوي على مائة وحدة صغيرة، وهي في الواقع لا تحتوي إلا على أقل من ذلك بكثير، فمثلاً إحدى شركات الشاي أنتجت نوعاً جديداً يحتوي على بودرة الشاي مع الحليب وقد وجدت أنها تكتب على العلبة الخارجية “يوجد تسعة أكياس بالداخل” والحقيقة أنه لا يوجد إلا سبعة أكياس، وهذا معناه أنك دفعت 30% زيادة في سعر ما اشتريت. بعض الأسواق الكبرى تضع لوحات تخفيض على بعض المنتجات تشير إلى أن السعر السابق كان كذا وأصبح بعد التخفيض كذا مثلاً كان 150ريالاً وأصبح 100ريال إلا أنك عند المحاسبة وباستخدام قارئ الأسعار لدى المحاسب تدفع السعر الأصلي قبل التخفيض ( 150ريالاً ). والمحاسب لا حول له ولا قوة. في بعض البقالات والمتاجر الصغيرة والكبيرة ثبت أكثر من مرة أن المحاسب يستغل طيبة الزبون ويضيف مبلغاً على مجموع ما تحسبه الآلة الحاسبة مستغلاً ثقة الطرف الآخر وما يشجعه على ذلك ملاحظته أن نسبة كبيرة من الزبائن، تترك ورقة الآلة الحاسبة ولا تستلمها ونسبة أكبر تستلمها ثم لا تقرأها وترميها أمام البائع. أما في البقالات الصغيرة فإن البائع ينطق المجموع شفهياً والزبون لا يراجع. عند الكشف لدى العيادات والمستشفيات الخاصة اطلب من الطبيب أن يكتب الاسم العلمي للدواء وليس الاسم التجاري، وعند صرف الدواء من الصيدلية الخاصة اطلب من الصيدلي صرف الاسم التجاري الأرخص سعراً، فهذا من حقك وارتفاع سعر الدواء لا يعني أنه الأفضل، لأن الأمر يتعلق بصرف العملة وعوامل أخرى لا علاقة لها بمستوى الجودة، كما أن بعض الأطباء يتفق مع شركات الأدوية على نسبة مقابل كتابة صنف تجاري بعينه، وبعض الصيادلة يتقاضى نسبة على ما يصرف، فمارس حقك النظامي في تحديد الصنف التجاري الأرخص ولا تلتفت لعبارة هذا أفضل لأنها لا تعتمد على أي مقاييس غير ربحية. عندما يطلب منك طبيب العظام شراء أداة طبية أو جهاز تثبيت أو خلافه من متجر محدد، صور اسم ووصف الجهاز على ورقة بيضاء بدون اسم المستشفى والطبيب، واسأل عن سعر الجهاز في متاجر أخرى وستجد غالباً أن السعر يقل كثيراً عن السعر في المتجر الذي حدده الطبيب. لا تصدق طبيب الأسنان الذي يخرج في قناة فضائية لينصح بمعجون أسنان محدد، فهو إما انه ليس طبيباً أو انه طبيب باع ضميره ضمن عقد دعاية، وهذا النوع إذا رأى الفلوس فإنه لا يتردد في بيع أسنانه هو.

بل نرمي قشر الموز

أن تطلب منه أن يبادر لعمل شيء ولا توفر له السبيل لعمله !!، وأن تمنعه من أن يفعل شيئاً ضرورياً ولا توجد له البديل عنه .

الأمر الأول لا أجد مثالاً له أفضل من المطالبة المتكررة للمواطن والمواطنة بضرورة إجراء فحوصات طبية كل ستة أشهر للتأكد من خلوه من الأمراض أو لتمكينه من اكتشاف ما لديه من علل خفية قبل أن تستفحل ويصعب علاجها، وتلك نصيحة طبية لا يكاد يمر يوم إلا ونسمعها دون أن يسأل أحد نفسه عن مدى توفر الآلية التي يمكن من خلالها للمواطن والمواطنة المبادرة لإجراء هذا الفحص في مستشفياتنا الحكومية أو المصداقية لنتائج فحص روتيني مثل هذا في المستشفيات الخاصة .

والحقيقة المرة أن ما نطالب به المواطن في هذا الصدد ونتهمه بعدم الوعي عندما لا يفعله هو أشبه بالمستحيل فجميع خدماتنا الصحية ليس من ضمن إجراءاتها ما يسمح لمواطن واعٍ أن يذهب بنفسه ليطلب إجراء فحوص احترازية لا كل ستة أشهر ولا كل ست سنوات (باستثناء فحص ما قبل الزواج)، بل ليس في قاموس الجهات المقدمة للخدمات الصحية في كافة القطاعات كلمة تدل على أن من حق شخص غير مريض أن يطمئن على نفسه، لا بد من أن تكون مريضاً جداً حتى يتم تحويلك من مستوصف رعاية أولية إلى المستشفى حيث الأجهزة والفحوص المتكاملة، بل حتى مركز الرعاية الأولية قد يستغرب منسوبوه أو يضحكون لو دخلت إليه تسير بنشاط وتريد أن تتأكد أن نشاطك هذا لا يخفي مرضاً صامتاً أو بداية مرض .

أما المستشفيات الخاصة فهي ستقبل من وجهة نظر تجارية إجراء فحص يسمونه شاملاً، لكن نتيجته هي الأخرى تجارية لا يعول عليها والدليل شهادات السلامة التي أعطيت لخادمات يعانين من الإيدز أو التهاب الكبد المعدي فميزة الفحص التجاري انه يعطيك النتيجة التي تفضلها، وكلنا يريد نتائج سليمة .

الأمر الثاني، أعترف أو أفتخر أنني استوحيته من تعليقات القراء في موقع جريدة الرياض الإلكتروني على مقالي السابق بعنوان “سائح محشور” حول عدم توفير دورات مياه لائقة في كل مراكزنا التجارية ودوائرنا الحكومية، فقد وصلت التعليقات إلى 53تعليقاً أكثرها يشكو من عدم توفر دورات مياه على الطرق الطويلة والحالة السيئة جداً لدورات المياه في محطات الوقود (الحل الوحيد للمحتاج)، وفي الوقت ذاته نجد أن من المكرر في برامج التوعية النهي عن قضاء الحاجة في الخلاء لكونه مشهداً غير حضاري يعكس صورة مشوهة عنا ويشير إلى تخلف !! لكن البديل الذي يقضي على هذا السلوك المتخلف غير موجود .

عندما تريد مواطناً يعكس صورة حضارية فعليك أولاً أن توجد له الأدوات الحضارية البديلة، فالخلاء موجود وما لم تستبدله بمكان أجمل وأنظف وأكثر راحة فعليك أن تتوقع أن يختار الحل الوحيد .

أصعب شيء على الإنسان أن تطلب منه أن يقلد غيره في سلوك حضاري وأنت لم توجد له المسلك المتوفر للغير، حتى عبارة “لا ترمِ قشر الموز” التي كنا نقرأها في كتب “المطالعة” في المرحلة الابتدائية كانت متعبة لنا كأطفال في ظل عدم توفر الحاويات فإما أن تضع قشر الموز في جيبك أو أن ترميه وأنت تردد “الله يعيننا على الزلقة” .

الحرب الدعائية بين الأطباء

مع تحول الطب من مهنة إنسانية إلى تجارة حرة لا تخلو من الغش والخداع، فقد راج كثير من السلوكيات التي تتعارض مع أخلاقيات المهن الصحية، وأعراف مهنة الطب وقبل هذا وذاك تتعارض مع تعاليم ديننا الحنيف فمنها ما يدخل ضمن الغيبة والنميمة وآخر يدخل ضمن التدليس والغش.
وإذا دخلت التجارة وتغليب الربحية على الالتزام بالدين والأخلاق فلك أن تتوقع حدوث الفعل والفعل المضاد وتعدد صور المخالفات وسوء السلوكيات.

من واقع القرب من كلية الطب التي درسنا بعض مقررات الصيدلة فيها عندما كنا طلابا، ومن واقع القرب من كلية الطب أكاديميا كمحاضر في كلية الصيدلة فقد علمت علم اليقين أن من ضمن أسس الأخلاقيات التي تدرس لطالب الطب في كل مكان أنه لا يجوز للطبيب أن يحاول كسب ود المريض كزبون بأن يشكك في طبيب آخر ويدعي أن طريقته في العلاج خاطئة أو يستغل ثقة المريض في الادعاء أن طبيبا آخر سبب له ضررا أو أعطاه علاجا خاطئا ويستثنى من ذلك طبعا ما يطلب من الطبيب في اللجان الطبية وغيرها لإحقاق حق وتقرير حالة لمشتكي.

الآن شاع بما يصل حد الظاهرة انتقاص الأطباء، من نفس التخصص، لبعضهم البعض، وكثرت شكاوى المرضى من أنه ذهب إلى الطبيب الفلاني يبحث عن رأي ثان يؤكد تشخيص علته (هذا أحد حقوق المريض بل وواجباته تجاه صحته الحصول على رأي ثان second opinion) ففوجئ بالطبيب ينتقص من قدرات زميله ويسخر من تشخيصه ويطالب المريض برمي كيس الأدوية في سلة النفايات ويصف له قائمة أخرى من الأدوية.

بل الأمر تعدى مجرد غيبة طبيب لزميله الطبيب، فقد أصبح طبيب المستشفى الحكومي ينتقص قدرات مستشفاه وزملائه ويحيل المريض إلى المستشفى الخاص الذي يعمل به ضد النظام والقانون، وأصبحت مستشفيات القطاعات المختلفة تتبادل التهم والإساءات لبعضها البعض أمام المريض وأقاربه (لم تمر علي شكوى مريض انتقل من مستشفى لآخر الا كان فيها ادعاء المستشفى الثاني أن المستشفى الأول عبث في المريض أو بالعامية الواضحة لعبوا فيه).

أما أكل أموال الناس فيمثلها شر تمثيل ما يمارسه طبيب العظام عندما يحيل مريضا كسر حادثا عظامه، وكسرت الأسهم وارتفاع الأسعار قدراته، يحيله لشراء جهاز تثبيت أو جبيرة إلى متجر معين يخصه أو يخصص له نسبة فيدفع المريض لهم أضعاف القيمة الحقيقية في السوق.

هذا ما رأيناه يناقض ما شاهدناه يدرس في كلية طب جامعة الملك سعود من أخلاقيات الممارسة الطبية، أما ما شاهدناه في كليات الطب الحديثة فهو تنافس تختصر فيه مدة الدراسة، وينخفض فيه الحد الأدنى لقبول المتقدم، وتسلق فيه المناهج سلقا، ويدرس فيه من لا يمت للأكاديمية بصلة أو خبرة أو مؤهل، كل ذلك لكي يحقق أحدهم حلمه بمنصب عميد كلية بعد أن لم ينجح في كلية طب حقيقية للوصول إلى وكيل كلية.

فإذا كان خريجو الكليات العريقة حصل منهم تلك المخالفات فما عسى خريج الكلية الوهمية يفعل؟!

إنها ردة الفعل المضاد التي أخشاها فمهنة الطب إذا شابها التسابق على الكسب المبالغ فيه والبحث عن شهرة إعلامية على حساب المريض وحقوقه فقل على المهنة السلام من كلياتها إلى بروفيسوراتها.

سائح (محشور)

أكثر ما يثير الاستغراب والاستنكار أن مراكزنا التجارية مهما بلغت من الطراز العمراني الرائع والأبراج شاهقة الارتفاع، والسلالم الكهربائية المتعددة والمصاعد الشفافة الأنيقة، ومهما ارتفعت أسعار إيجاراتها وتضاعفت تبعا لذلك أسعار بضائعها ووصلت أرباحها أرقاما فلكية، وبالرغم من أن هذه المراكز التجارية تشهد اقبالا شديدا وحركة دائبة وتنوعا في مرتاديها، بين مواطن ومقيم وزائر وسائح..
أقول بالرغم من هذا كله إلا أن مراكزنا التجارية لا تعتني مطلقا بأهم النواحي الإنسانية والاحتياجات الآدمية الحضارية وفي مقدمتها توفير دورات مياه تتناسب مع روعة الطراز العمراني وأناقة المصاعد وحجم الأرباح وقبل هذا وذاك عدد الزوار.

نحن، وبكل أسف، نهمل هذا العنصر المهم حضاريا، وأعني توفر دورات مياه لائقة قابلة للاستخدام، في كل المرافق سواء البلدية منها أو التجارية أو المطاعم أو المنشآت الرياضية أو حتى المستشفيات.

نتعمد أن نضع لدورات المياه أسوأ المواصفات وأقل الأدوات وأصغر المساحات وأقبح الأثاث ولا نعتني بالنواحي البيئية التي تجعلها قابلة للدخول فيها أو استخدامها إلا في الحالات الضرورية جدا، ونتناسى أهميتها البالغة في التأثير على نفسية المرتاد والأهم من هذا أننا نتجاهل أو نجهل دورها في التأثير على سلوكيات الناس والارتقاء بشعورهم نحو الممتلكات العامة فأنت حين تحترم الحاجة الآدمية للإنسان وتوفر له أفضل الظروف وأرقاها فإنك تجبره على احترامك واحترام ممتلكاتك وعلى العكس فإنه حين لا يجد أحداً يعير احتياجاته أدنى اهتمام فإنه لا يعير اهتماماً لأحد.

حقيقة أستغرب كثيرا عدم تناسب دورات المياه لدينا مع درجة السوق أو المطعم أو المنشأة البلدية أو الدائرة الحكومية أو الرياضية فتجد المنشأة فئة خمس نجوم بينما دورات المياه في الإهمال تعوم .

ليس لدي عقدة الأجنبي ولا أرى أننا يجب أن نوفر الرفاهية من أجل السائح فقط، فالمواطن والمقيم عندي أحق وأجدر، ولكن الشيء بالشيء يذكر فأنا وبحكم عملي في المجال الصحي والأبحاث تحديدا كثيراً ما أضطر للخروج برفقة ضيف على الوطن سواء متحدثاً في مؤتمر أو باحثاً أو خبيراً جاء يعقد اجتماعا وأحرص أن أجوب به أرض وطني بما فيها من منشآت وأسواق مزهوا فخورا وأنا أطلعه على منجزاتنا المشرفة حقاً، لكنني أحرج كثيراً وارتبك أكثر عندما يحتاج الى دورة المياه، إلى أين آخذه ؟!!، هل أعيده الى الفندق أم أجعله يستخدمها فيعود إلى انطباعه القديم عنا؟!!.

أقترح أن تتدخل أمانات المدن وهيئة السياحة وتفرض على كل مركز تجاري وسوق ومطعم ومنشأة حكومية أو أهلية مواصفات ومعايير عالية لدورات المياه، وتتضمن صيانة ونظافة على مدار الساعة، شريطة أن تبدأ أمانة المدينة بحدائقها ومرافقها العامة، وأكرر ليس من أجل السائح الأجنبي فقط ولكن من أجل المواطن والمقيم والسائح من الداخل.

(دال) من لا (دال) له

جميل أن مجتمعنا بكل دوائره، وأصحاب القرار فيه وكتابه وأفراده عامة تنبهوا مؤخرا إلى أن نسبة من أصحاب (الدال) ألصقوا بأنفسهم دالا مزيفة اشتروها من ورش الشهادات المغشوشة، ولأن حفظ الحقوق الأدبية وحق السبق مطلب حضاري وحقوقي فإن من واجبنا التدوين والتأريخ بأن وزارة التربية والتعليم تحت قيادة معالي الدكتور عبد الله بن صالح العبيد كانت صاحبة المبادرة في إثارة هذا الموضوع، وهي مبادرة أو سابقة محمودة كان المتوقع أن تأتي من وزارة التعليم العالي المعنية أكثر بأهمية اللقب الأكاديمي وضرورة تمحيصه.
الأهم من هذا الاكتشاف هي مدلولاته والعبر التي يجب أن نستوحيها منه ونطبقها عمليا في تقييمنا للكفاءات وفي اختيارنا لأصحاب المهمات والمناصب وأهمها على الإطلاق أن تقييم الشخص أو الخيار يجب أن لا يعتمد على لقب أو حتى شهادة بعينها لأن الشهادة وما يتبعها من ألقاب لا تعدو كونها ترميزاً اجتماعياً أو حتى أكاديمياً لتحديد الانتماء إلى درجة تحصيل دراسي أو بلوغ سن دراسية، ولا يؤكد بأي حال من الأحوال القدرة على القيام بمهام منصب أو النجاح في أداء مهمة لأن تقييم قدرة الرجال والنساء على أداء مهمة معينة يحدده امتلاك كم هائل من القدرات والتي تميزهم عن غيرهم في أداء تلك المهمة المحددة، أما الشهادة العلمية فتدل فقط على القدرة على مواصلة الدراسة أو القدرة على تزييف الشهادة والأولى، مؤشر محدد على الاستيعاب والنفَس الطويل وهذه نقطة في بحر الايجابيات أما الثانية (القدرة على التزييف) فهي ذروة سنام السلبيات لأنها تبشر بشخص قابل للغش، قابل للبيع، قابل للشراء، قابل للكسر في ضميره وقراراته.

الشهادة أو الوثيقة التي يستحيل تزييفها أو شراء مشابه لها هي مجموعة المبادئ والقدرات والإمكانات المتميزة والنجاحات المتراكمة التي تشهد لصاحبها ويشهد بها الناس، وحملة مثل هذا المؤهل لا يعنيهم مطلقا أن تضاف الدال التي حققوها إلى أسمائهم لأنهم يدركون أنها مجرد حرف في جملة طويلة من الإمكانات التي لا يغيرها حرف.

الأهم في قضية أو ظاهرة تزييف (الدال) هو سبب نشوئها، وهو بالتأكيد نحن اللذين جعلناها سلم من لا سلم له ومتطلباً أساسياً لتركيبة مجتمعنا من وظائفه ومناصبه ومجالسه ولجانه ومكانته الاجتماعية وأنت عندما تجعل المتطلب عنصرا واحدا تحدده ورقة أو ختم يسهل تزييفه، فإن عليك أن تتحمل نتائج التزييف ليس في (الدال) فقط بل في كل ما يوكل إلى (الدال).

الزميل خالد السليمان وصف الظاهرة في زاويته الرائعة في عكاظ تحت عنوان (مزور فخري) بأنها فقاعة أكاديمية شبيهة بفقاعات الأسهم والمساهمات والعقارات .. ( انتهى)، وحقيقة إنه أجمل وصف من أجمل واصف، فإذا كانت فقاقيع الأسهم والمساهمات والعقارات أدت إلى نتائج اقتصادية واجتماعية ونفسية وأمنية غير محمودة العواقب، فإن الفقاعة الأكاديمية ستؤدي أو ربما أدت إلى ممارسة خاطئة في كل تخصص طاله التزييف سواء كان أكاديميا أو طبيا أو إداريا أو صيدلانيا أو هندسيا أو في السياسة أو القانون والمحاسبة، أي أننا سنكون امام نتائج متعددة السلبيات، متعددة الصور، متعددة المجالات.

الضرب بعد إفطار الوزير

سعدت كثيرا بخبر إفطار معالي وزير الشئون الاجتماعية د.يوسف العثيمين مع عدد من الأيتام في دور الرعاية الاجتماعية، فمن المؤكد أن إفطار معالي الوزير مع الأيتام، إذا ما استغله الوزير في الجلوس منفرداً مع أحدهم أو مجموعة منهم في غير حضور القائمين على رعايتهم فقد يتجرأ أحدهم ويفضفض لمعاليه ببعض همومه أو معاناة زملائه، وإن لم يتجرأ أحد فإن معالي الوزير بما أوتي من فطنة وحرص وألمعية قادر على قراءة مشاعر الأيتام من ملامح وجوههم، المهم أن الزيارة بكل المقاييس إيجابية، خاصة لو تمت دون إعلان.
و ما أن سعدنا بإفطار الوزير حتى حزنا أشد الحزن على حالة اليتيم في دار الرعاية بالمدينة المنورة، الذي نشرت جريدة الرياض خبره يوم الاثنين 29رمضان1429ه حيث تعرض للضرب المبرح من (أخصائي اجتماعي!!!) استخدم لضربه (توصيلة غاز) مما أدى إلى نزف دموي حاد من فمه وأنفه ورضوض وخدوش طالت أماكن متعددة من جسده، جدير بالذكر أن توصيلة الغاز وحسب ما نعرفه من مواصفات شركة الغاز والدفاع المدني أنها صممت على أعلى المواصفات التي تضمن صلابتها ومقاومتها وعدم تأثرها بالعوامل الخارجية ولم يدر في خلد مَنء وضَع مواصفاتها أنها سوف تستخدم من قبل الأخصائيين الاجتماعيين ولا غير الاجتماعيين لضرب الأيتام ولا غير الأيتام لا من البشر ولا الحيوانات !! فما بالك بيتيم حاز على جائزة من معالي الوزير خلال معسكر كشفي؟!!.

الأمر الذي لا يقل إيلاما من الضرب بتوصيلة الغاز هو مسارعة مدير عام الشئون الاجتماعية بالمدينة المنورة للتقليل من أهمية الحادثة رغم إجادة مراسل (الرياض) الزميل خالد الزايدي في وصف تفاصيل القصة.

أعزائي سبق أن طالبت وبشدة بحماية كل من يعيشون داخل الأسوار سواء في دور الأيتام أو دور العجزة أو دور الرعاية الاجتماعية، أو دور رعاية القصر أو حتى المستشفيات النفسية وذلك بمراقبة ما يقدم لهم من رعاية عن طريق جهة مستقلة، وكم أتمنى على وزير الشئون الاجتماعية الذي ظاهره النشاط والحرص والهمة أن يكلف جهة ترتبط به مباشرة بمراقبة ما يحدث ممن يرعون كل تلك الفئات المذكورة أعلاه داخل الأسوار، فلا بد من تجاوزات خطيرة لا نعلمها لأنها تحدث داخل الأسوار ولا يمكن أن نكتشفها حتى لو أفطرنا مع النزلاء لأن الخوف يخفيها وقد يكون حاميها حراميها.

بين رمضانين

هي صور تتكرر في كل صلاة، ولكن كوءن رمضان حافلاً بالكثير من الصلوات والمزيد من الروحانية والخشوع، دعونا نستشهد برمضان وبصلاة التراويح والتهجد تحديدا.
عشرات الصفوف من المصلين الخاشعين على اختلاف ظروفهم وأحوالهم ومشاربهم وشكواهم، منهم الغني والفقير، التاجر والمستهلك، الرئيس والمرؤوس، الوزير والموظف الصغير، المدير والعامل الأجير.

أكف ترتفع جميعا إلى السماء في وقت واحد تؤمن خلف الإمام (آمين) ..أكف ناعمة وأخرى متشققة من كدح العمل، أصبع تزينها الخواتم والدبل وأصبع يلفها لاصق الجروح.

أكتاف متلاصقة، كتف يعلوه (بشت) ناعم مطرز بإطار من ذهب وكتف يعلوه قميص قد من حمل الخشب وبقايا بودرة الاسمنت كلهم سواء، وكلهم في حالة خشوع وربما بكاء يرجون ما عند ربهم تضرعاً وخشية من يوم لا ينفع فيه مال ولا بنون.

السؤال الذي يطرح نفسه كل عام، هو ماذا بعد رمضان؟!

هل يعطف الغني على الفقير فيتصدق طوال العام؟ هل يرفق التاجر بالمستهلك فلا يغشه ولا يخدعه ولا يستغل ضعفه ويوفي له الكيل والميزان ولا يبالغ في رفع الأسعار ولا يحجز البضائع لترتفع أسعارها ولا يبيعه الرديء بسعر الجيد والتالف بسعر الصالح؟!، وهل يصدق المستهلك مع التاجر فيوفي بالدين ولا يستبدل بضاعة أتلفها أو يتلف صالحاً ليستبدله؟!.

هل ينصف الرئيس المرؤوس ويعدل بين المرؤوسين فلا يفضل صهرا أو قريبا، ولا يظلم موظفا أو موظفة مستغلا نفوذه وعلاقاته وضعف مرؤوسيه؟

وهل يخلص المرؤوس العمل ويعطيه حقه ولا يدعي على رئيسه كذبا وبهتانا، أو يطلب ما ليس له بحق؟!.

هل يخلص الوزير عمله لله ويستجيب لأمر ولي الأمر بسرعة إنجاز مصالح الناس وحل مشاكل وزارته، واستغلال وقته وقدراته لمنفعة الناس والإخلاص لوطنه بدلا من السعي لذاته، وهل يتبع القول بالعمل بل ويسبق عمله قوله كما أوصاه قادته؟

هل يتعظ المدير ويتذكر أن فوق كل ذي علم عليم، وأن إهماله لشؤون المراجعين والمرضى والموظفين والضعفاء والمأجورين قد تمنع استجابة دعائه، بل قد تعجل باستجابة دعاء الناس عليه.. وهل يخلص الأجير في أداء عمله فلا يغش في بناء ولا تكلفة ولا أداء عمل صغر أم كبر؟

هل يؤثر فينا رمضان حتى يأتي رمضان بعده وقد أخلصنا العمل لوجه الله بين رمضانين حتى ندعوه فيستجيب لنا، أو نلقاه وقد رضي عنا.. هذا ما نرجوه من كل مسلم، اللهم لا تجعل حظنا من صيامنا الجوع والعطش ولا من قيامنا السهر والتعب.

الجهات الخيرية

المتابع يجد أننا في هذا الوطن نبذل جهوداً كبيرة ومستمرة ومضنية على أعلى المستويات، وكل القنوات وعلى مدى سنوات طويلة نحاول من خلالها حل مشاكل المواطنين مع جهات خدمية أنشئت من أجل خدمتهم لكنها لم تفعل أو قصرت في خدماتها أو لم تنصف موظفيها أو لم تتعامل معهم بعدل.
مشكلة تلك الجهود أنها تمثل ردة فعل وقتية، إما لخبر صحفي أو برنامج تلفزيوني أو مقال لكاتب أو شكوى حزينة مؤثرة لمسؤول كبير، وجميع تلك المنبهات أو أحدها تؤدي إلى حالة استنفار في الجهة المعنية أو لدى المسؤول الأعلى عن الجهة أو حتى الجهات الرقابية، لكن الاستنفار يعنى فقط بذات الشكوى أو فحوى التقرير وغالبا ما تنتهي حالة الاستنفار إلى وضع دفاعي لا يخلو من إرضاء المشتكي وإبقاء المشكلة قائمة على من لم يرفع صوته بالشكوى.

الخلاص من صداع هذه المشاكل المستمر لا يمكن أن يتحقق طالما أن مسببات ودواعي القصور موجودة ولم نتطرق لإزالتها رغم معالجتنا الوقتية لبعض نتائجها لكن الأرضية لممارسة التقصير موجودة والمناخ المناسب لحدوث القصور، بدءاً بسوء تقديم الخدمة، ومروراً بالمجاملات وانتهاء بالخلل الإداري، لا يزال متوفراً في بعض من الدوائر.

في ظني المبني على معايشة للدوائر الحكومية على مدى 30سنة، فإن الجهات المهتمة بإنهاء المعاناة مع أداء القطاعات الحكومية إذا ما أرادت قطع دابر هذا الصداع المزمن فإن عليها ان تفرض على كل جهة حكومية كتابة نظمها وإجراءاتها وسياساتها في كل صغيرة وكبيرة خلال مدة لا تتعدى عاماً واحداً، على أن تشمل النظم والإجراءات كل معاملة وكل تعيين وكل ترقية لموظف وبشفافية عالية تمكن الرقيب من اكتشاف الإجراء المخالف، وتمكن كل صاحب حق من التساؤل عن سبب حرمانه منه أو عرقلة إجرائه مقارنة بشخص آخر يشابهه في المعطيات المعلنة.

لقد قصدت بالأرضية المناسبة لممارسة التقصير ضبابية بعض النظم والإجراءات الواضحة الشفافة في بعض دوائرنا الحكومية وإذا غابت النظم سهلت مخالفتها لأنها غير موجودة أصلا (كيف لك أن تعاقب سائقاً على تجاوز إشارة مرور حمراء إذا كانت إشارة المرور معطلة أصلا لا يتضح فيها الضوء الأخضر من الأحمر أو الأصفر؟!!).

لقد قطعنا شوطاً لا بأس به في مجال الشفافية على مستويات أكثر حساسية من مجرد دائرة حكومية خدمية فلماذا نتنازل عن فرض الشفافية على دائرة صحية أو تعليمية أو بلدية، فقط دعونا نجرب توفير الجهود الوقتية (الهينة) والتركيز على فرض نشر النظم والإجراءات في المعاملات والمؤهلات والتعيين والترقيات وسنجد أننا سنأسف على تأخرنا .

الحاج لوغان

التون لوغان الذي نشرت جريدة “الرياض” خبره في محطاتها المتحركة يوم الاثنين 8رمضان 1429ه لو كان بطلا لمسلسل تركي أو مصري أو فيلم أمريكي لأبكى الملايين، لكن مشكلته أنه أحد الضحايا الحقيقيين لغياب العدالة في القوانين الوضعية وتغليب الاجتهادات البشرية على التعاليم السماوية، ولأن مأساته حقيقية تصور هشاشة القضاء الأمريكي، واعتماده على النظرة المادية للمحامي، وازدواجية الالتزام بالأخلاقيات فإن مأساته لم تجد الصدى الإعلامي المستحق ولم تصور في فيلم وثائقي أو تمثيلي .
التون لوغان تم إدانته خطأ في جريمة قتل عام 1982م. وكان في منتصف العشرينيات من العمر فصدر عليه حكم بالسجن مدى الحياة بناء على أقوال الشهود مع عدم وجود أي دليل مادي على تواجده في مكان الحادث (عملية نهب تعرض لها أحد مطاعم ماكدونالدز بشيكاغو وقتل خلالها حارسان) .

أثناء الحكم على لوغان كان اثنان من محامي المجرم الحقيقي ويدعى اندريو ويلسون يعلمان علم اليقين أن ويلسون هو القاتل باعترافه لهما وباعتراف شريك له آخر كان قد أودع السجن لاشتراكه في السطو لكنهما كتما الشهادة.

ولأن المجرم الحقيقي ويلسون بقي طليقا فقد قام بقتل شرطيين في شيكاغو في حادثة لاحقة، واستمر المحاميان في الدفاع عنه، وعدم الشهادة ضده لتبرئة لوغان الذي ادخل السجن ظلما وبهتانا بسبب كتمان الشهادة واكتفى المحاميان بالتوقيع على شهادة خطية باعتراف ويلسون واتفقا معه على عدم إعلانها إلا في حالة وفاته .

طبعا حجة المحاميين هنا هي التزامهما نحو موكلهما أو (عميلهما الدائم ويلسون) بعدم الشهادة ضده، والوفاء بحقوق مجرم متعدد الجرائم حتى لو كان على حساب بريء أدخل السجن، وهذا ما قصدته بازدواجية الالتزام بالأخلاقيات في حدود الإدراك القاصر للبشر. لأن هذا الوفاء للمجرم وكتم شهادة البراءة للبريء كان ثمنها أن قتل ويلسون الطليق شرطيين آخرين ودخل السجن مدى الحياة، وعاش في السجن 26سنة ذهبت من عمر البريء لوغان خلف قضبان الحديد، ليموت بعد ذلك ويلسون ويفرج المحاميان عن الشهادة المكتومة ويخرج لوغان من ظلم 26سنة مرضت خلالها والدته وماتت (قهراً بالتأكيد) دون أن يحضر جنازتها، كل ذلك بسبب كتمان الشهادة، وهشاشة القضاء الأمريكي وغباء المبادئ الحقوقية التي يطالبون بها ويحاولون نشرها .

لو كنت داعية متمكناً، لذهبت إلى لوغان هذا وأطلعته على المواقع التي تكرر فيها التحذير من كتمان الشهادة في القرآن الكريم (ولا تكتموا الشهادة، ومن يكتمها فإنه آثم قلبه)”البقرة 283″( ولا تلبسوا الحق بالباطل وتكتموا الحق وانتم تعلمون) “البقرة42” (يا أيها الذين أمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين أو الأقربين إن يكن غنياً أو فقيرا فالله أولى بهما) “النساء135”. ودعوته وكل من تعاطف معه وهم كثر إلى مبادئ دين حنيف لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.

مثل هذه المواقف والثغرات الواضحة في حياة غير المسلمين هي الجديرة بأن تستغل من قبل الدعاة للتعريف بشمولية الدين الإسلامي وعدالته وعدالة الدولة التي تطبق تعاليمه وتعتمدها دستورا، وشرعا تحكم به على الناس، لأنه يمثل العدالة السماوية الكاملة المتكاملة، ففي ديننا وفاء بالعهد والتزام في التعامل، ولكن ليس على حساب الأبرياء من الناس.

لو تحقق هذا من قبل الدعاة في الخارج، فإنني أجزم أن المظلوم لوغان وجميع عائلته وأصدقائه ومن شعروا بألمه وتعاطفوا معه سوف، يحجون هذا العام مسلمين .