النظرة القاصرة

ومن أمثلة النظرة القاصرة أن يدافع شخص عن مغالاة شركات الأدوية العالمية ورفعها لأسعار الأدوية على وطننا، وبالتالي ارتفاع درجة نبرة الشكوى من فرق سعر الدواء لدينا مقارنة بدول أخرى، يدافع بقوله: إن نسبة من يدفع قيمة الدواء من المواطنين لا تزيد على 10 ٪، لأن العلاج مجاني!! إما لأن القطاعات الصحية توفر الدواء مجاناً لأكثر من 50 ٪ من المرضى، والبقية وهم 40 ٪ مؤمن عليهم وتدفع عنهم شركات التأمين!

كلام عجيب غريب، ونظرة قاصرة تدل على ضحالة في التفكير، فنحن يجب أن ننظر لتأثير رفع السعر هذا على اقتصادنا الوطني، فما تدفعه الدولة -أعزها الله وأدام خيرها على المواطن والمقيم- يبقى صرفاً وطنياً مرهقاً، ويجب أن ندافع عنه كما ندافع عن ما نصرف من مالنا الخاص، وهذه النظرة القاصرة تذكرني بمن يجور بعدم وعي بل بغباء على سيارة حكومية قائلاً “حلال حكومة”، وحتى ما تصرفه شركات التأمين هو إنفاق وطني، وله مردود سيئ ليس على الاقتصاد فقط بل حتى على تكلفة الخدمات، فشركات التأمين بذلك سترفع تكلفة التأمين على المواطن وعلى المؤسسات والشركات الوطنية التي تؤمن على موظفيها، وأيضاً ستقلل من التزاماتها وتتشدد في طيف التغطية كنتيجة لارتفاع سعر الدواء سواء المستورد أو المحلي.

وبالمناسبة فإن من الممارسات الخاطئة الخطيرة تعمد بعض الأطباء في بعض المستشفيات الخاصة كتابة مزيد من الأدوية المسكنة والفيتامينات والمكملات الغذائية للمريض المؤمن عليه صحياً، بحجة ونظرة قاصرة مفادها أن شركة التأمين هي من ستدفع تكلفة الدواء، وهنا إضرار بصحة المريض أولاً بتناوله لأدوية وعقارات لها أضرار جانبية من دون حاجة، وثانياً رفع غير مبرر لتكلفة العلاج، وإفشال لمشروع التأمين الصحي بسلوكيات غير أخلاقية.

ومن النظرة القاصرة، القول بالعرض والطلب في مجال الدواء، فالدواء سلعة أساسية يجب أن يحمى أمنها بما يحقق أمناً دوائياً للوطن ولا تترك لا للعرض والطلب، ولا لجشع المصنع، ولا لتأثير شركات الأدوية التسويقي سواء على بعض الأطباء في الوصف أو بعض الصيدليات التجارية في فرض تعرفة رفض أو قبول زيادة تسويقية “بونص”.

لذا اقترحت وأقترح دوماً أن نعمل وطنياً وخليجياً على مشروع متكامل للشراء الموحد للأدوية، ليس فقط للقطاعات الحكومية بل لكل الدواء الداخل إلى البلد سواء لصيدليات حكومية أو أهلية أو خاصة، وبذلك نضغط على الشركات العالمية التي تستغلنا وتصنفنا حسب قدرتنا الشرائية ومستوى الدخل، وتضغط علينا بأسعار خيالية جشعة.

نشر في صحيفة الرياض يوم الأحد 19 صفر 1443هـ 26 سبتمبر 2021م

من عجائب قيادة السيارة في الرياض

شئنا أم أبينا فإن سلوكيات قيادة السيارة في أي بلد أصبحت سمة تعكس صورة البلد وأهله، لم يعد التعامل في المطار أو تعامل سائق الأجرة فقط من يعطيك الانطباع الأول عن البلد، أصبح نظام المرور في البلد وسلوكيات قادة وقائدات المركبات هو من يكوّن الصورة عن البلد ويخلق الانطباع الأول والأخير عنه وعن أهله، حتى إنك أصبحت تعرف أن المشهد التلفزيوني صور في القاهرة من أصوات المنبهات، وتعرف أنه في نيودلهي من تخاطف السيارات في التقاطعات، بل إن دول أوروبا وأميركا أصبحت في أفلامها ترمز لإيطاليا بفوضى القيادة من دون أن تكتب اسم البلد في المشهد.

وبما أننا نتوجه برؤية طموحة لجعل وطننا وجهة مثالية في المجالات كافة، فإن على إدارة المرور أن تقتنع أن تطبيق الغرامات على المسببات الرئيسة للحوادث، مثل السرعة وقطع الإشارة واستخدام الجوال، لا تكفي لفرض سلوكيات قيادة تليق ببلد متقدم، ولا تكفي أيضاً للحد من الحوادث والحد من حالة القلق والتوتر أثناء القيادة، لا بد من التأكد من تطبيق عبارة “القيادة فن وذوق” في الميدان، وفرضها بقوة النظام والعقوبات، إذا أردنا أن نحد من الحوادث والقلق والتوتر والفوضى المعيبة في سلوكيات قيادة المركبات في كل مدننا.

قدت السيارة العائلية الكبيرة -9 ركاب- في أغلب دول العالم، وضحك علي أفراد أسرتي كثيراً لأنني كنت أتوتر من شدة ودقة النظام المروري الذي لم نتعود عليه، فبمجرد أن أسمع صوت منبه خلفي أشعر أنني أخطأت فأعمد لأقرب موقف وأتوقف لاستجمع قواي وأتذكر ما الخطأ الذي ارتكبته؟! وتتعالى ضحكات الركاب، ثم أواصل قيادة شديدة الانضباط وسط تهامس الجميع “يا رب أحد يدق له بوري”.

في الرياض كنت وما زلت أتوتر في كل مشوار ولو قصير، ليس من شدة ودقة النظام، بل من الفوضى حولك، ولم أرَ في حياتي أعجب مما رأيت في الرياض، فبمجرد أن تعطي إشارة برغبتك في الانحراف من وسط الطريق لليمين استعداداً للخروج إلى الطريق الفرعي حتى تجد أنهم يسرعون أكثر لتجاوزك من اليمين!! وكأنه يقول: “أقول ابتل وأنت ساكت”، حتى إنني ذات مرة حاولت الخروج من المسار الرئيس إلى الفرعي بعد إعطاء إشارة قبل مسافة كافية جداً، لكن صاحبنا يزاحمني من اليمين حتى تجاوزت المخرج المطلوب فتوقفنا جانباً وفتحت الزجاج الجانبي وعاتبته قائلاً: “حبيبي عطيتك إشارة تتوسل إليك تخليني ألف يمين، ويبدو أنك لم تفهمها!! يعني كان لازم أوقف وأنزل أبوس راسك تخليني ألف يمين؟!” ضحكت زوجته بقوة، ويبدو أنني تسببت في مشكلة عائلية!.

الأعجب ذلك الذي يلصق صدامه الأمامي في صدامك الخلفي يريد أن تفسح له المجال لتجاوزك على الرغم من أنه يرى أن على يمينك مركبات فلا ينتظر ورغم أنك تسير بالسرعة النظامية القصوى! فلو توقفت فجأة لحدث حادث جماعي كارثي، وهذا يحدث.

أما الأعجب منه فذلك الذي تنبهه بالنور -فقط- أنك ترغب في تجاوزه من اليسار نظامياً فيخفض سرعته عناداً أو يتوقف! “هذا ناوي مضاربة، فخير لك أن تشكو أمرك لله وتتوقف عند أقرب بقالة وتشرب ماء”، لا تشرب عصيراً فغير صحيح أنه خالٍ من السكر وأنت “مش ناقص”. الأعجب من كل هؤلاء ذلك الذي يتجاوز منطقة رؤية الإشارة الحمراء على أساس أنه مستعجل ثم لا يراها إذا تحولت للأخضر، فإذا نبهته بلطف و”بتكبيس النور فقط” عاند وتوقف.

تلك مشاهداتي في الرياض، وقد تحدث في مدننا الأخرى، والمرور “أبخص”.

نشر في صحيفة الرياض يوم الأحد 12 صفر 1443هـ 19 سبتمبر 2021م

صيانة الوكلاء لا تواكب تطورنا.. حاسبوهم

كتبت في مقال الأسبوع الماضي مقترحاً بضرورة توثيق نجاحنا في التعاطي مع كورونا والذي لا مثيل له عالمياً وأن نوصله لشعوب العالم ونفاخر به وبشباب وشابات سعوديين قاموا عليه بدعم حكومي بحت، يعكس تطوراً سريعاً يشهده القطاع الحكومي في كافة المجالات والإجراءات.

اليوم أكتب لكم عما توصلت إليه من عدم مواكبة القطاع الخاص لهذا التطور الذي نعيشه وضرورة أن تواكب شركات القطاع الخاص ووكالاته ما نشهده من قفزات نوعية حكومية في مجال التعاملات أو أن يتم استبعاد من لا يستطيع المواكبة وتنحيته حتى لا يكون حجر عثرة في طريق وطن همته عالية ويسعى لتحقيق طموحات عالية لا تقبل أن تكون فيها مستويات منخفضة فتحدث المطبات.

دعوني أستشهد بمثال يوضح ما أريد الوصول إليه وهو التخلف الشديد في تعاطي وكلاء الأجهزة الضرورية مع أمر الصيانة لأجهزة دفع المستهلك ثمنها باهظاً ويشتمل الثمن الباهظ على قيمة الضمان وتكاليف الصيانة المشمولة بالضمان أو التكلفة الأعلى للصيانة بعد انتهاء فترة الضمان، ومن دلائل هذا التخلف الشديد تأخر مواعيد الحضور للصيانة وعدم رد أرقام هواتف الصيانة وعدم رد أرقام خدمات العملاء في حين ترد أرقام المبيعات والتسويق فورياً ودون تأخير.

تخيل أن موعد حضور فني صيانة إحدى أكبر وكالات أجهزة التكييف لفحص الخلل يزيد على عشرة أيام في مدينة الرياض (العاصمة) التي تصل درجة الحرارة فيها لما فوق الخمسين درجة، وتخيل تأثير ذلك على المرضى وكبار السن والأطفال وربات البيوت وكافة الأسرة، بل تخيل تأثير عدم حضور الفني في الموعد المحدد على عطاء وإنتاجية رب الأسرة الموظف الذي استأذن من عمله أو حصل على إجازة للتفرغ لاستقبال الفني والإسراع في حل مشكلة الأسرة.

التكييف مجرد مثال، لكنه ينسحب على كثير من الأجهزة المنزلية الضرورية ومنها أجهزة طبية ضرورية لاستمرار حياة مريض ووكالات السيارات وغيرها من أساسيات الحياة.

أجريت دراسة سريعة (وللحق أقول غير مكتملة علمياً) حول الموضوع بسؤال عدد من المديرين التنفيذيين السابقين لشركات تكييف ووكلاء سيارات ووكلاء أجهزة منزلية عن سبب سوء خدمات الصيانة في تلك الشركات، فكان ثمة شبه إجماع على أن السبب هو عدم اهتمام الوكلاء بأمر الصيانة وخدمات ما بعد البيع و إيكالها لموظفين غير سعوديين همهم مصالحهم الشخصية وعلاقاتهم مع العملاء الذين يمكن أن يستفيدوا منهم.

هذه الملاحظة أحيلها لوزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية، مكرراً القول إن مستوى وسرعة وتطور خدمات القطاع الخاص إذا ما قورنت بتطور خدمات وزارة العدل إلكترونياً في كافة الإجراءات، وخدمات وزارة الصحة التي وصلت حد صرف الوصفة عبر الهاتف وإعطاء اللقاح في المنزل وخدمات وزارة الداخلية في (أبشر) وأخواتها، وخدمات وزارة التجارة في تسهيل الاستثمار وفتح السجل التجاري خلال دقائق، وخدمات وزارة الموارد البشرية عبر ساند ومساند وغيرها، فإن خدمات القطاع الخاص تعتبر من العصور الوسطى وتحتاج لمحاسبة الوكلاء وتغريمهم بما يحقق خدمة للمستهلك توازي خدمات الجهات الحكومية.

نشر في صحيفة الرياض يوم الأحد 5 صفر 1443هـ 12 سبتمبر 2021م

وثّق نجاحك للشعوب وفاخر بأبنائك يا وطني

دعك من السياسيين ورؤساء الدول، فهؤلاء يدركون جيداً نجاحاتنا، ويعرفونها كما يعرفون أسماءهم، وبعضهم قد يصعب على نفسه الاعتراف بها، ولا يسره التصريح بها، فلا يقدم ولا يؤخر وصول المعلومة حول ذلك النجاح الفريد للسياسيين، لكن من المهم جداً أن يصل للشعوب في مكان وجودهم، في بيوتهم وفي مزارعهم وفي الأماكن التي يرتادونها عبر وسائل الإعلام التقليدي والحديث ووسائل التواصل الاجتماعي بكل قنواته، لسببين، الأول: أن لدينا ما نفاخر به، من وطن وقيادة ومواطن، يشكلون قوة ناعمة مؤثرة، والثاني: أن من حق شعوب العالم أن تعرف حقيقتنا وتفاخر بنا وتتخذنا قدوة، وشهادة الشعوب أصدق وأنقى وأكثر تأثيراً، فالناس شهود الله في أرضه.

نجاحنا في التعاطي مع جائحة كورونا العالمية مجرد مثال لنجاحات عدة، لكنه الأكثر تأثيراً في الناس والأكثر استيعاباً للمتلقي في أنحاء المعمورة، لأنك تتحدث عن أمر عانى منه كل سكان العالم وواجهته دولهم بدرجات مختلفة وبجهود متباينة، وكنا نحن المثال المثالي والرقم الأصعب والتعامل الإنساني الأرقى بين كل دول العالم على اختلاف درجة تقدمها العلمي والصحي والتنظيمي وخبراتها وادعاءاتها الإنسانية.

منذ بداية ظهور السلالة الجديدة للفيروس وهجومه على أعداد محدودة من البشر اتضح أن لدينا كوادر علمية وبحثية وصحية عالية التأهيل والخبرة في مجالات علم الفيروسات والمختبرات وعلم الأمراض والأمراض المعدية والصيدلة والطب الوقائي ووسائل التشخيص، يجمع شملها هذه المرة وزير مؤهل إدارياً، يجيد توظيف كل متخصص وممارس صحي في مجال علمه وتخصصه بحياد تام ووعي مهني، ووكلاء ومساعدين متخصصين أيضاً في مجال الإدارة الذي هو بحد ذاته علم واسع، وكل هؤلاء نعمة من الله سبحانه وتعالى، قبل كل شيء، ثم أعدتهم قيادة عرفت كيف تعد لهذا الوطن كوادر وطنية مؤهلة في كل مجال ثم اختارتها بحكمة وسخرتها، كل في مجال تخصصه، قيادة تقوم على رؤية ثاقبة سديدة وطموحة.

عندما بدأ الوباء في الانتشار والفتك، وفي وقت ترددت فيه قيادات دول متقدمة، تعتقد أنها سبقتنا، ترددت في إنقاذ مواطنيها والصرف عليهم لإخراجهم من المناطق الموبوءة وإعادتهم لأوطانهم بعد حجرهم وقائياً، كان موقف قيادة المملكة العربية السعودية كريماً وسخياً وحازماً وسريعاً بلا أدنى تردد، فقامت بحجر مواطنيها في أماكن وجودهم في فنادق فخمة وإعاشتهم لعدة أشهر، ومن ثم إعادتهم بطائرات خاصة لفنادق فخمة داخل مدن إقامتهم في الوطن مع إعاشتهم لمدة أسبوعين، وكل ذلك على حساب الدولة وبصرف سخي غير مسبوق عالمياً، خصوصاً عند القياس بعدد السكان، وهذا مهم جداً، فأنت تتحدث عن وطن عدد سكانه يفوق الـ20 مليوناً، وليس بضعة آلاف.

العمل بعد تفشي الجائحة عالمياً كان عملاً خارقاً، من جميع الجهات والوزارات، الصحة والداخلية والتعليم والعدل والتجارة والبلديات وأمانات المدن وهيئة مكافحة الفساد وجميع الجهات الرقابية ونقاط التفتيش خاصة المراكز الحدودية والمعابر، فعند فرض الحجر وإجراء الفحص كان التطبيق حازماً والرقابة على توفر المواد الغذائية والتموينية صارمة وتسخير الإجراءات الإلكترونية في تعاملات وزارة العدل فائقة التميز، فلا حاجة لمراجعة، وتطبيق التعليم عن بعد، والإجراءات الصحية الإلكترونية بما فيها صرف الأدوية كان متقدماً جداً.

ما حققناه من نجاح يصعب رصده في مقال محدود الكلمات، إلا بالإشارة له بكلمات لها دلالاتها “توفير أسلم اللقاحات، التطعيم المجاني، التنظيم الرائع لمواقع الفحص والتطعيم بترحيب غير مسبوق وبكوادر سعودية، الصرامة في الحجر وفرض التباعد مع تسهيل كل الإجراءات إلكترونياً، التزام المصلين في المساجد بالكمامة والسجادة والتباعد ما يمثل وعي مجتمع صالح، تنظيم حشود الحجاج والمعتمرين بشكل ينم عن جهد عظيم لشؤون الحرمين وصورة مشرفة لوعي الإنسان المسلم يجسدها الطواف بالتباعد وسلامة ضيوف الحرمين، انخفاض الإصابات والوفيات بفضل الله رغم الارتفاع عالمياً… إلخ”، كلها صور تدعو للفخر ولكن لا بد من توثيقها سريعاً ونشرها إلى شعوب العالم في أفلام ووثائقيات عبر فضائيات العالم وكتب ومطويات، فلدينا ما نفخر به، خصوصاً أن من قام على هذه الإنجازات هم رجال ونساء سعوديون، ومن استفاد منها هو “كل إنسان” مواطن ومقيم ومخالف لنظام الإقامة، وضعْ ألف خط تحت “السعودية مملكة الإنسانية”.

نشر في صحيفة الرياض يوم الأحد 28 محرم 1443هـ 5 سبتمبر 2021م

مؤتمرات صحفية بلا كتاب رأي!!

لم يعد لائقا أن تذهب دعوات المؤتمرات الصحفية والمناسبات الإعلامية لمشاهير مواقع التواصل الاجتماعي لمجرد كثرة متابعيهم، ولا لغير المختص من المراسلين والإعلاميين ممن يمثلون مواقع تواصل اجتماعي غير متخصصة وربما سطحية، ذلك أننا في عصر مختلف متجدد ومتطور، ويحترم التأهيل والتخصص، ويقدر السؤال الوجيه والتغطية الشفافة، فما بال جهات حكومية ذات قيمة وأهمية تتجاهل كتاب الرأي وأهل الاختصاص في الاقتصاد والسياسة والصحة والمال والأعمال والعقار والشأن الاجتماعي، وتدعو لمؤتمراتها الصحفية ومناسباتها الإعلامية ثلة من مشاهير مواقع التواصل ممن يفتقدون للمعلومة والثقافة والإحاطة بموضوع النقاش، وربما يفتقد أغلبهم للهدف السليم، فهم طلاب مال وباعة شهرة ليس إلا؟!.

الأمر يعتمد على ماذا تريد الجهة صاحبة الشأن والمسؤول عنها؟ هل تريد سؤالا وجيها يمثل استفسارات السواد الأعظم وإجاباته تطمئنهم وتشبع فضولهم وتجيب تساؤلاتهم؟! أم تريد ترويجا لما قال ذلك المسؤول من طرف واحد، وما تصرح به تلك الجهة في اتجاه واحد لا يقبل النقاش الثري؟!، هل تريد حوارا بناء تخرج به الجهة بأفكار وانطباعات وتسمع عن معاناة قد تغيب أو تُغَيب عن المسؤول؟! أم أنها تريد أن تُسْمِع ولا تسمع.

مررنا في حياتنا العملية الحكومية وحياتنا الصحفية بنماذج تمثل الشطر الثاني من الأسئلة -وأعني وزراء ومديري العموم ومديرين تنفيذيين- لا تريد أن تسمع سؤالا وجيها لأنها لا تملك إجابة، ولا تريد أن تدخل في حوار بناء لأنها تخشى الحوار وتتحاشى المواجهة!!، وهذا النوع يريد جمع أقل الناس علما وتأهيلا وإلماما ليسمعهم ما يقول ولا يسمع منهم، ويريهم ما يرى ولا يهمه ما يرون، لكن الوقت تغير، ووطننا تحول إيجابا نحو سماع الرأي السديد واحترام الرأي والرأي الآخر، وبلغت الشفافية حدا زجاجيا صافيا (ومكافحة الفساد مثال ناصع)، لذا أستغرب أن تستمر بعض الجهات في تجاهل دعوة أهل الرأي والتخصص وتحديدا كتاب الرأي والنقد الهادف والمتخصصين في شأن المؤتمر الصحفي، ممن يثري الحوار بسؤال وجيه أو رأي سديد أو نقل معاناة ثم ينقل للناس نقلا موثوقا رزينا، وتكتفي بدعوة مشاهير التواصل الاجتماعي ممن لا يملكون علما ولا تأهيلا ولا هما إلا هم المال، وهؤلاء أسئلتهم مخجلة وسطحية ونقلهم سيكون خاطئا وقاصرا، هذا إذا نقلوا لأنهم لا يتفاعلون من دون ضمان الدفع، فهم مجرد معلن.

نشر في صحيفة الرياض يوم الأحد 18 شوال 1442هـ 30 مايو 2021م

شيء في الرؤية 2030 لم تروه

إيجابيات كثيرة مميزة وفريدة وإصلاحات مؤثرة شهدناها في السنوات الخمس الأخيرة، وتحديدا منذ بداية تنفيذ عناصر التحول 2020، لا ينكرها إلا جاحد ولا تخفى على مبصر ذي بصيرة، لعل أقوى أمثلتها مكافحة الفساد، وتعزيز النزاهة بجدية وشفافية عالية وعدل وعدم مجاملة، وبقية أمثلة التحول كثيرة في شأن الصحة والإسكان وإجراءات وزارة العدل والحكومة الإلكترونية، وأمور كثيرة ليس المجال هنا لتعدادها كلها، ويكفي ماذكر من استشهاد.

الأمر الذي لاحظته، ولا أدعي أنني لاحظته دون غيري لتميز في نباهة أو دقة ملاحظة، ولكن ربما لأنني أكثر من لاحظ غيابه سابقا، وعانى من تكرار حدوث عكسه أو حدوث السلوك الذي يفترض أن لا يحدث، ولاحظت اختفاءه بكل فخر في الأربع سنوات الأخيرة، ومنذ أن جمعنا سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان لاطلاعنا ككتّاب رأي على خطته في التحول ورؤيته المستقبلية حتى 2030م، وتفاصيل ذلك اللقاء ذكرته في قناتي على “اليوتيوب” دون مجاملة ولا إخفاء.

الظاهرة السلبية التي لاحظت أنها اختفت سبق أن تحدثت عن وجودها، وكتب عن المعاناة من حدوثها آنذاك كثر لأنها مضرة، لكن أحدا لم يتطرق -حسب متابعتي- إلى أنها اختفت بكل فخر.

الظاهرة باختصار شديد كانت تكمن في هدم كل وزير أو مدير سابق لما بناه سلفه، والبداية من الصفر سواء في مشروعات جبارة أو منشآت مهمة أو نظم وإجراءات، وهو أمر كان شائع الحدوث، فما أن يعين جديد حتى يصل لمقر عمله يحمل مساحة وإصبع طباشير فيمسح ما كتب سلفه ويبدأ في كتابة ما يراه، وهذا -وربي- وبكل إحقاق للحق وبكل فخر اختفى اليوم تماما، فقد أصبح لدينا استراتيجيات وخطط ثابتة وموحدة؛ لأنه رسم لها أهداف واضحة ومتفق عليها في مجالس عليا، وبرؤية مستقبلية مرسومة بدقة لا اجتهادات فيها ولا ارتجالية.

أما ادعائي أنني عايشت وعانيت حدوث تلك السلوكيات السابقة من أن كل جديد يهدم ما بناه سلفه، فاستشهدت بأمثلته في حينها، ولا مانع من التذكير ببعضها ممن مازلنا نعاني من هدمه وسوف نستعيد بناءه بحول الله، ومن الأمثلة أنني عايشت وبسعادة وفرحة افتتاح مركز لمرضى الإقامة الطويلة بسعة 88 سريرا وخطة زيادتها لـ200 سرير، وذلك لاحتواء المرضى ممن يحتاجون عناية طبية وتمريضية متوسطة لا يستطيع ذويهم القيام بها لأنها تبقى رعاية طبية متخصصة وبعضهم على أنابيب تغذية عبر فتحة في الحلق، ولم تستمر الفرحة بضعة أعوام حتى جاءت سنة ألغي فيها المركز، وعادت المستشفيات لمقولة (أخرج أمك وأخرج أباك) ممن يحتاجون رعاية طبية طويلة.

وشهدت أيضا وتألمت لإلغاء كلية الطب بمدينة الملك فهد الطبية، وتجميد (بلسم) للتأمين الصحي، وهو فكرة جبارة كانت ستحل مشكلة القبول في المستشفيات، وتجميد ربط الملف الطبي بالهوية الوطنية لمنع تكرار زيارة البعض لأكثر من مستشفى متقدم وحرمان غيرهم من مستشفى واحد، (وهذه ستعود الآن وبقوة ولله الحمد)، وشهدت أيضا إلغاء خطوات لضمان حماية المستهلك من جور التجار. ونحمد الله أن ظاهرة هدم ما بناه الوزير السالف اختفت في عهد الحزم والعزم والخطط المدروسة فعليا.

نشر في صحيفة الرياض يوم الأحد 11 شوال 1442هـ 23 مايو 2021م

استشاري ينصح واستشاري يفضح

أصبح وجود الأطباء الاستشاريين في (تويتر) أكثر من وجودهم في عياداتهم وفي غرف العمليات في المستشفيات الحكومية، بينما كنا نتمنى وجودهم في المستشفيات، وهو ما يحتمه الواجب المهني لهذه المهنة الإنسانية.

تكررت في أخبار (تويتر) وفي عناوين الصحف الإلكترونية عبارة (استشاري ينصح) والنصح طيب، ولكن عندما يكون في مجال التخصص الدقيق وليس في تخصصات دقيقة آخري.

الأصل في الطبيب الاستشاري أنها درجة مهنية تعني تعمق الطبيب في مجال طبي دقيق وحصوله على شهادات وخبرات في هذا التخصص، وبالتالي فإن استشارته يجب أن تذهب أولا للطبيب المتدرب والطبيب الأقل درجة وخبرة فيكون مرجعية مهنية وربما علمية في هذا المجال تحديدا، ويقوم بالتدخلات الطبية والإجراءات أمامهم، لذا فهو طبيب استشاري في مجال تخصصه الدقيق فقط، لكن ذلك للأسف لم يعد يحدث، فضاع الخريج والمتدرب وافتقدوا لكل من المدرب والمعلم والقدوة الحسنة، إلا من رحم ربي وهداه وأخلص لعمله.

لقد خطفت المستشفيات الخاصة والأهلية وقت الاستشاري الحكومي من المستشفى الحكومي بطريقة غير مشروعة ولا نظامية ولا مدفوعة المقابل لمؤسسات الدولة، وهذا تحدثت عنه وكتبته كثيرا وسوف أستمر.

لكن الجديد الآن، المرتبط بظاهرة الفساد تلك، هو أن بعض الاستشاريين يريد أن يكسب مزيدا من الأضواء الإعلامية، ومزيدا من المتابعين في وسائل التواصل الاجتماعي، بهدف الحصول علي شهرة تجذب الزبائن وبالتالي تحث المستشفى الخاص على الاتفاق (غير المشروع) معه لفتح عيادات في الخاص على حساب وقت المستشفى الحكومي وأثناء دوامه الرسمي فحرم منه المريض الحكومي والطبيب الجديد والمتدرب، وهذا الاستشاري يفضح ولا ينصح.

أصبح الاستشاري ينصح في غير مجال تخصصه وفي مجال لا يخصه وقد لا يلم به، فتجد الاستشاري النفسي ينصح في قضايا اجتماعية صرفة وربما شرعية، وتجد استشاري القلب يتنمر على أخصائي التغذية ويحذر من غذاء أو ينصح بآخر رغم أن للتغذية خبيرها المتخصص وهو يعلم ذلك ويعلم أنه يحيل المرضى له ليرسم لهم خطة الغذاء ومحاذيره، لكنه في (تويتر) يتنمر على التخصص وأهله، وتجد استشاري الجلدية ينصح في أمور الجراحة والسمنة، واستشاري العيون ينصح أمراض الدم، ورغم شح المعلومات المتوفرة عن سلوك فيروس كورونا وسلالاته وتحولاته إلا أن استشاري الأمراض المعدية يتحدث عن سلوك الفيروس وكأنه من درسه واكتشفه، ويتحدث عن اللقاح ولمن يصلح ومن لا يحتمله وكأنه من اخترعه، علما أن لعلم الفيروسات أهله من الباحثين، وأن شركات إنتاج اللقاح لم تكشف بعد عن كل تفاصيله وأسراره وفي كل يوم تضيف معلومة وما زالت الجهود حثيثة لجعل تفاصيله متاحة والتنازل عن براءة اختراعة.

مختصر القول، إن الطبيب الواحد العارف بكل شيء أصبح من الماضي القديم، حينما كان طبيبا في حي غميته (المرقب) في الرياض مثلا، هو طبيب الباطنة والجراحة والعيون والأسنان والختان والتطعيم، وأصبح اليوم لكل مجال تخصص دقيق وفروع أدق واستشاري يحق له النصح.

نشر في صحيفة الرياض يوم الثلاثاء 6 شوال 1442هـ 18 مايو 2021م

شكراً لوزير الصحة ورئاسة الحرمين

أولا، نحمد الله أن بلغنا رمضان، ونحمده أن مكننا من أداء الصلاة والتراويح في المساجد فأعادت لنا روحانية رمضان التي افتقدناها العام الماضي، ونسأل الله أن يزيل الغمة عن كل هذا العالم فيتمكن من يمد الله في عمره ويدرك رمضان القادم من أداء الصلاة والتراويح وقيام آخر الليل دون تحديد وقت وتباعد واشتراطات.

ثم الشكر لخادم الحرمين الشريفين وولي عهده الأمين اللذين حرصا كل الحرص على إقامة الصلاة في المساجد وتمكين من يريد العمرة والصلاة في الحرمين الشريفين، وبذلا الغالي والنفيس لإتمام ذلك بيسر وسهولة وأمان، وحرص قيادة هذا البلد الأمين على ارتياد المساجد والعناية بها ليس بغريب ولا مستغرب ولا ينكره أو يتنكر له أو يقصر فيه إلا جاحد أو ضال، وليس أدل على ذلك من المشاريع الجبارة لتوسعة الحرمين في كل الظروف ورغم كل المعوقات ومهما شح الاقتصاد أو زادت الصعوبات.

كما أن مشروع ولي العهد لتطوير وترميم وإعادة بناء المساجد التاريخية دلالة راسخة على أن بيوت الله وارتيادها وعمارتها، بل وإحياء ذكريات ارتياد القديم منها لم تغب لحظة عن فكر وتفكير سموه، وهذا درس لمن يتهاون في تقدير مشاعر رواد بيوت الله، وليت عمري لو تم عمل برنامج متلفز يسجل مشاعر أهل القرى والمدن والهجر التي أعيد تطوير مساجدها التاريخية ليعلم من يجهل أهمية مشاعر من اعتادوا ارتياد المساجد إذا عادوا إليها فلا يستهين بأمر حرمانهم منها، جزى الله ولي العهد الأمير محمد بن سلمان خير الجزاء على هذه الخطوة والفكرة المؤثرة والدرس العظيم.

شكرا لمعالي وزير الصحة الدكتور توفيق الربيعة رئيس لجنة متابعة جائحة كورونا على ما بذل من جهود وحرص على عدم قفل المساجد وتمكين المصلين من أداء التراويح وفق شروط اتباع الاحتياطات والتباعد ولبس الكمامات واحضار السجادات والتي التزم بها المصلون أجمل التزام لم يشبههم فيه غيرهم من رواد المقاهي والمطاعم والأسواق والتجمعات، وإن كنا تمنينا مد الوقت أكثر تلافيا لاستعجال الأئمة والتمكين من صلاة التهجد أسوة بالحرمين الشريفين، ظنا منا أنه لا فرق بين 30 دقيقة بعد العشاء و30 دقيقة بعد منتصف الليل، ولكن يشكر معالي وزير الصحة ومن دعمه في اللجنة فقد تمكن المصلون من التراويح ورفعوا أكف الدعاء لهذا البلد الأمين وسائر بلاد المسلمين وهو دعاء له دور عظيم فيما ننعم به من نعيم.

الشكر الجزيل لرئاسة شؤون الحرمين الشريفين برئاسة الرجل المخلص لدينه وقيادته ووطنه معالي الرئيس العام لشؤون المسجد الحرام والمسجد النبوي الشيخ الدكتور عبدالرحمن بن عبدالعزيز السديس، فقد بذلت الرئاسة العامة جهودا عظيمة في ضمان الالتزام بالاحترازات والإجراءات الوقائية وفي ذات الوقت تمكين ضيوف الحرمين من أداء العمرة وصلاة التراويح والتهجد وختم القرآن الكريم في يسر باحتراز، وهذا ديدن المسؤول الحريص الراغب في تكثيف الجهد والإخلاص في العمل وتقليل القول واختصار التوجيه وبذلك حقق أماني وتطلعات ضيوف الحرمين وبفضل الله ثم دعم وتوجيه قيادة هذا الوطن ضمن سلامتهم، فله ولكافة أعضاء رئاسة شؤون الحرمين الدعاء بخير الجزاء.

نشر في صحيفة الرياض يوم الأحد 27 رمضان 1442هـ 9 مايو 2021م

الفاكهة الفِجة

منذ أكثر من خمسين سنة كان من أبرز فصول كتاب المطالعة في المرحلة الابتدائية فصل بعنوان: (الفاكهة الفِجة) إلى جانب عناوين أخرى مثل (طه والطبلة) وغيرها من موضوعات تربوية وتثقيفية ميسرة تستهدف تعليم وتحذير الصغار في المرحلة الابتدائية في سن مبكرة.

والفاكهة الفِجة “بكسر الفاء” تعني الفاكهة غير الناضجة، وفي الموضوع تحذير من أكل الفاكهة قبل نضوجها وما ينطوي على ذلك من خطر، لكن لم يدر بخلدنا آنذاك أن عدم النضج قد يكون سياسيا أيضا، حتى تحول لبنان إلى بلد يدير دفته كائن مختبئ في جحر، فيحوله إلى بلد غير آمن ولا مأمون، قد ينفجر فيه مستودع أسلحة وذخيرة فيدمر حيا كاملا بسكانه ويصيب من حولهم، ويغتال فيه من أراد ذلك الكائن أن يتخلص منه، وتغتال فيه السياحة وموارد البلاد وحريات أهله ويدمر اقتصاده، حتى أصبحت ليرته تقول لليرة التركية (لا تشكي لي أبكي لك).

كنا نظن ذلك الكائن جرذاً في جحر حتى اتضح من استهدافه للمملكة بفاكهة ملغمة بالمخدرات أنه (سرو) فاكهة أي دودة فاكهة (لأن أهل نجد يسمون الدودة (سرو)، وما حدث من تصدير فاكهة لبنانية محشوة بحبوب الكبتاجون، تمكن أبطال الجمارك من كشفها واضطر بلد الحزم والعزم إلى منع دخول الفاكهة والخضروات من لبنان، مؤشر خطير جدا يدل على أن لبنان تنخر في سلوكياته دودة رأسها في إيران وذيلها يلوث لبنان.

الوضع خطير جدا وأخطر مما نتصور فقد خرج تجار المخدرات علنا في برامج متلفزة لبنانية يهددون بتبجح وقلة حياء من يحارب تجارتهم حتى لو كان إعلاميا أو مقدم برنامج، مما يدل على أن الوضع منفلت وضبطه يحتاج لمواطن لبناني مخلص ابتلع كمية من الحبوب الطاردة للديدان وليس حبوب الكبتاجون.

يا عقلاء لبنان: إيران نفسها لم تصدر المخدرات لأعدائها مباشرة خوفا على سمعتها والثقة بصادراتها، لكنها تستخدم لبنان عبر تحريك دودة تنخر في الجسد اللبناني فما أنتم فاعلون؟! ويا أهل الخليج (وكلكم عقلاء) احذروا، فإيران تعتبركم أسرة واحدة ودودتها في لبنان يستهدفكم مثل ما استهدف المملكة فتعاملوا مثلها بحزم، والفاكهة الخالية من المخدرات لا تخلو من المبيدات بدليل أنها لا تصدر لدول أوروبا!!.

السؤال الأهم: كيف نثق ببقية البضائع الواردة من لبنان؟! ما دام حزب الشيطان يسيطر على مفاصل التصدير والحبوب يمكن حشوها في أي بضاعة!.

نشر في صحيفة الرياض يوم الأحد 20 رمضان 1442هـ 2 مايو 2021م

تهنئة الأعداء ومجاملة الأغنياء

لي مع التهاني بالأعياد والشهر الكريم مواقف ووجهة نظر نابعة من تجربتي الخاصة، أحب أن أشاركها معكم، دون أن أفرضها على أحد، فهي تبقى وجهة نظر وتجربة خاصة قد لا تنطبق على الجميع وقد يمر بها البعض مثلما مررت بها فيوافقني الرأي أو يكون له رأي آخر.

شخصياً لم أقتنع قط بالتهاني عبر رسائل الجوال بواسطة (تحديد الكل) سواء النصية أو عبر (الواتساب)، وكنت ولازلت أسميها التهاني المعلبة لأنها تذهب لكل من خزن رقمه في جوالك دون قصد ودون أن تحمل مشاعر خاصة بالمرسل إليه، ولا عبارة خاصة به تشعره بأنه هو المقصود بالتهنئة وأن المرسل تذكره فعلاً فبادر لتهنئته، بل حتى أن اسمه غير مذكور في الإرسال، وأي رسالة لا تحمل اسم المرسل إليه لا معنى لها، تماماً مثل رسالة لا تحمل اسم المرسل!، فهي في حكم المجهول، وما ذكر طبعاً لا ينطبق على رسالة التهنئة الموجهة لشخص بالاسم، سواء كانت رسالة نصية أو عبر (الواتساب).

ولي مع رسائل (الواتساب المعلبة) مواقف كثيرة أذكر منها ما يؤكد ما ذكرت أعلاه (أنها لا تحمل مشاعر حقيقية خاصة) فحينما كنت مديراً عاماً لمركز إنتاج الأمصال لسموم الثعابين والعقارب بالحرس الوطني كنت مضطراً لاتخاذ مواقف صلبة مع بعض المقاولين والموردين غير الملتزمين بالعقود وتصل حد خصومات كبيرة أو إيقاف مستحقات وبالتالي تنتهي العلاقة بخصومة تصل حد العداوة وربما إرسال بعض العبارات الغاضبة لجوالي، وما أن يحل الشهر الكريم أو أحد العيدين تردني من ذات الأرقام رسائل تهنئة (تحديد الكل) والتي بالتأكيد ضلت الطريق وجاءت دون قصد المرسل ولا تحمل مشاعره الحقيقية بدليل أن الرسائل الغاضبة تستمر!

شخصياً أعتمد التهنئة بالاتصال الهاتفي المباشر أو حضورياً للبعض (قبل كورونا) فأقوم بالاتصال بأشخاص وضعت قائمة بأسمائهم وهم خليط من أصحاب المعروف والأقارب والقريبات وزملاء العمل الأكبر سناً (لا مركزاً) وعدد ممن خدموا الوطن بإخلاص ثم ترجلوا، فاتصل بهم واحداً تلو الآخر بالترتيب اتصالاً مباشراً وإذا لم يرد أرسلت رسالة بالاسم ووعدته بمعاودة المحاولة ثم فعلت.

التنويه لهذا الأمر لا يعني فرضه أو التباهي به، ولكن للتذكير بأن لا نكتفي بالتقنية المجانية (واتساب وغيره) عن التواصل مع أقربائنا ومن نحب تواصلاً صادقاً فعالاً والاتصال المباشر والتحدث هاتفياً أضعف الإيمان للاطمئنان على كل من عرفنا ونعرف خاصة قريباتنا من النساء، فلا يغرنك أن نساء اليوم أصبحن في غنى عن العون والمساندة ولو نفسياً، وكذلك كبار السن ومن له عليك فضل سابق، فقد يكون في حاجتك اليوم، وأصدقاء وصديقات والديك ففي برهم بر بوالديك، ومن تعرفه مريضاً أو ضعيفاً أو محتاجاً، فلا نقصر المجاملة على (من نحتاج) بل الأهم (من يحتاج!)، وليس أفضل من مناسبة الشهر الكريم والعيدين لمثل هذا التواصل، والله أعلم وأحكم.