الولاء بالصحة

أكرر القول بأن شؤون المرضى تحتاج إلى رقابة صارمة على مستوى رفيع وعن طريق هيئة عليا ترجع مباشرة إلى (من قرب الكرسي لمواطن يشتكي له) ومن قال للمسؤولين (لا عذر لكم بعد الآن).
أما لماذا هيئة عليا فلأن الرعاية الصحية لدينا كثيرة التشعب ومختلفة المراجع وغير واضحة المسؤوليات، فلدينا خمسة قطاعات إضافة إلى القطاع الخاص، لكل منها مرجعيته المنفصلة وطريقته في التعامل مع المواطن وأسلوبه في التعامل مع وزارة الصحة (المسؤول الأول فرضيا عن الرعاية الصحية)، ولكل قطاع درجة محدودة من الحماس نحو المواطن المريض، تحددها نفسية القائم على الإدارة الصحية ورغبته وأهواؤه ومصالحه ودرجة استعداده للبذل واحترام المسؤولية.

أقول هذا القول ليس جزافا ولا حماسا ولا نقدا متسرعا ولكن بناء على مشاهدة عن قرب ومعايشة لمشاكل الناس تحتم على كاتب عايش الخدمات الصحية أكثر من ربع قرن، ويتلقى يوميا عشرات رسائل المعاناة ومكالمات الألم أن ينقلها بصدق وأمانة ودون مجاملة.

قلتها ذات مرة وأكرر القول : أن ولاء المواطن وحبه لوطنه تلعب فيه رعاية صحته وصحة أبنائه ووالديه دورا كبيرا يجب أن لا يستهان به.

خذ على سبيل المثال (الذي يستدعي رقابة صارمة على مستوى رفيع مؤثر) موضوع عدم الرد على فاكسات الحالات الحرجة من كثير من المستشفيات المتقدمة ، حتى لو كان المريض المصاب في حادث أو عارض صحي يتبع لنفس القطاع التابع له المستشفى، رغم وجود الشواغر والإمكانيات لإنقاذ المريض لكن العنصر الوحيد الغائب هو واسطة نافذة يكسب عليها المسؤول الصحي جميلا ومعروفا ينفعه في قادم الأيام!!.

إذا تعرض مواطن لحادث في إحدى القرى أو الهجر وأصبح في حاجة ملحة لعناية مركزة أو رعاية متقدمة أو تدخل طبي أو جراحي متخصص، وبعث مستشفى القرية أو مستوصف الهجرة بتقرير طبي عاجل وملح إلى جميع المستشفيات المتقدمة فإن الاستجابة شبه مستحيلة بل مستحيلة دون واسطة نافذة، ودون موافقة سيادة المدير الصحي للقطاع شخصيا، في حين يفترض أنها من صلاحيات الطبيب الاستشاري المناوب (إن وجد ولم يكن مشغولا هو الآخر بجمع الأموال في مستشفى خاص).

أتمنى ممن يعتقد أن ثمة مبالغة في هذا التصوير لواقع مآسي المريض وأقاربه أن يجري دراسة إحصائية لعدد (الفاكسات) التي تم الاستجابة لها خلال ستة أشهر وسيجد أنها نذر يسير، ثم ليتقصى من أهل المريض الذي حظي بتلك الاستجابة وسيجد أنها لم تتم دون واسطة و (تقبيل رؤوس).

هذا فيما يخص التقارير الطبية العاجلة جدا التي تتعلق بضحايا حوادث وجلطات قلبية وعوارض صحية عاجلة، أما غيرها من الأمراض المزمنة ومن الأمراض السبعة التي أكدت الدولة حفظها الله على ضرورة قبولها فوريا في أي مستشفى حكومي، فإن الوضع أكثر مأساوية وقهرا.

لماذا تتحطم جهود الوطن في رعاية مواطنيه على صخرة عدم تقدير مدير إداري لحجم مسؤولياته وعدم إدراكه لخطورة آثار استهتاره على ولاء المواطن ورضاه ؟! بل لماذا نترك لكل من تولى مسؤولية أن يتعامل معها وكأنها جزء من أثاث بيته، يتحكم فيه كما يشاء، دون رقيب ولا حسيب ولا مرجعية عليا تحكمه، علما أن وزارة الصحة لا حول لها ولا قوة على ثلثي مقدمي الرعاية الصحية.

السياحة بروح خط البلدة

في كل شأن يتعلق بالانطباع الأول والسمعة فإنه خير لك أن لا تستعجل البداية من أن تبدأ بداية ناقصة متواضعة تترك أثرا سلبيا وانطباعا سيئا تصعب إزالته، بل قد لا يزول مطلقا .
هذه القاعدة تنطبق (في ظني) على أشياء كثيرة مثل إقامة المعارض الدعائية، والوطنية، التي تهدف إلى ترك انطباع لدى الزائر وكذا المشاركات المختلفة على مستوى وطني في كافة المجالات .

وبطبيعة الحال فإن السياحة من أهم تلك المجالات لأنها تشتمل على كل أنواع الانطباعات: الانطباع عن البلد، الانطباع عن السكان، الانطباع عن الحكومة والانطباع عن الخدمات.

صناعة السياحة في المملكة لا يكفيها حماس هيئة أو فرد أو مجموعة أشخاص فهي تحتاج إلى منظومة وطنية متكاملة تعمل جميعا كوحدة واحدة، بنفس الحماس وبنفس الحيوية وأهم من ذلك، نفس الإحساس الوطني الذي يستهدف السائح المواطن والسائح الأجنبي سواء بسواء ليخرجا معا ولدى كل منهما الرغبة في إعادة التجربة مجددا في الموسم القادم .

لا يمكن أن تقوم للسياحة لدينا قائمة وخطوطنا الجوية تتعامل مع الرحلات الداخلية بنفس أسلوب تعامل سائق أتوبيس (خط البلدة)، الذي يركز على تجميع الركاب على حساب المواعيد، وتجميع النقود دون اكتراث بالنفسيات واحترام الزبون .

نفس الشيء ينطبق على الفنادق ووكلاء السياحة والطيران والمكاتب السياحية (إن صحت التسمية)، وسيارات الأجرة، والشقق الفندقية وخدمات الهاتف والإنترنت وشرائح الجوال …الخ

نجاح السياحة في المملكة يتطلب أمرين هامين:

الأول توفر درجة عالية من الاستعداد للتضحية والمجازفة لدى الجهات التجارية والخدمية آنفة الذكر بحيث تترك هامشا كافيا لاحتمالات فقدان حفنة من الريالات كثمن للثقة بالسائح والتسهيل عليه وهو في الواقع ثمن مستحق للوطن للإسهام في النجاح، فأكثر الدول فشلا في السياحة هي تلك التي تقيد السائح بيروقراطيا لضمان حق مقدم الخدمة.

الأمر الثاني هو أن تفرض الدولة على الجهات المذكورة تطبيق قاعدة (الزبون دائما على حق) وأن تقف مع السائح المواطن والزائر ضد من تسول له نفسه تشويه سمعة الوطن واستغلال السائح لتحقيق مصالح تتعارض مع سمعة السياحة في الوطن .

بدون بداية قوية كهذه أعتقد أنه من الخير لنا أن لا نبدأ، ولعل أقوى دليل على صحة ما ذكر أننا، مثل غيرنا من الشعوب، لا نسافر إلا بعد أن نسأل من ذهبوا قبلنا ونتحرى حول الانطباع عن البلد المقصود، واليوم أصبح الإنترنت هو مجلس تبادل الآراء والتشجيع أو الترهيب من بلد دون آخر سياحيا.

ولايقل أهمية عن ماذكر، بل يزيد، أن نجاح السياحة مرهون أولاً باحترام البلد للسائح الداخلي (المواطن) وتحقيق رضاه فبلد لا يرضي السائح من الداخل غير مؤهل لجذب السائح من الخارج.

الهيئة ورقيقة البلوتوث

نجاح رجال هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في إعتاق عشرات النساء المتزوجات من رق ملك البلوتوث الذي دأب على تهديدهن بنشر صور التقطها لهن معه بحجة الزواج وقبض رجال فرع هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بحي الملك فهد بشمال الرياض على ذلك المجرم التسلسلي كما ورد في خبر الزميل خالد زيدان في الرياض السبت 1428/4/11ه نجاح يحمل ماركة مسجلة مشرفة لا يقدر عليها غير رجال الهيئة، وجميل جدا ان تكرر مثل هذا الانجاز مع عدد ممن دأبوا على استغلال رغبة المرأة في الستر وندمها وعودتها الى الحق مستغلين مقاطع بلوتوث سجلت لها في وقت ضعف او نزوة، وهذا من اخطر انواع الابتزاز .
لو أن كل من ينتسب لجهة رقابية عمل بنفس روح وإخلاص وتقوى وتفاني ومنعة رجال هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لما خشينا على أنفسنا من الغش في الغذاء ولا الدواء ولا رفع الأسعار ولا الغش التجاري ولا تقليد الماركات ولا فساد الأطعمة ولا قذارة المطاعم ولا ترويج اللحوم الفاسدة .

إن رجالاً تمكنوا رغم الحملات المعادية من أن يمنعوا فساد اللحوم البشرية سواءً منها الراغب أو المرغم، قادرون على منع كل أنواع الفساد .

ليس ثمة سر في قدرة رجال الهيئة على تحقيق النجاح تلو الاخر في حماية المجتمع من الرذيلة بل الأمر علن لا سر، إنهم فتية آمنوا بربهم وزادهم هدى واخلصوا عملهم لوجهه سبحانه وطمعوا في أجره قبل أي أجر دنيوي اخر، ولذا فإن إغراءهم مستحيل والواسطة لديهم عسيرة وتركهم متابعة قضية المجتمع التي يعتبرونها قضيتهم أمر ميؤوس منه .

وسبق أن ذكرت بكل فخر أن ألّد أعداء الهيئة عندما تضعه الظروف في موقف يحتاج فيه إلى عون فعال وموقف حازم فإنه لا محالة سيلجأ لرجال الهيئة .

نعم، لبعض المنتسبين إلى الهيئة أو من ينسبون أنفسهم لها شيء من اندفاع وحماس يؤدي إلى خطأ ولكن ثمة فرق شاسع بين خطأ المجتهد وقعود المتقاعس، ومن يعمل لا بد أن يخطئ مرة عندما يصيب ألف مرة ومرحباً ب 999نجاحا مقابل غلطة .

إن من أقبح الأعمال وأخطرها جر امرأة متزوجة لممارسة الرذيلة باستغلال رغبتها في الستر، والتهديد بسلاح الفضيحة لا يقل عن التهديد بأي سلاح، وإنقاذ مدينة واحدة من واحد من هؤلاء إنجاز لا يستهان به فما بالك إذا كان يتم بصفة شبه يومية وبجهود قوامها الصبر والمتابعة والتأكد والتثبت بالقبض بالجرم المشهود لتقوم الحجة بل ما بالك حين لا يكون الصنف الوحيد بين أشكال وأعداد من الإنجازات .

لقد أسعدني كثيراً انفتاح هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على الإعلام في عدة مناسبات كان اخرها ما تم برعاية هذه الجريدة الرائدة ضمن مشروع “شفاؤك أملنا” من زيارة رئيس هيئات الرياض ومعه 60طالباً حافظاً لكتاب الله وعدد من أبناء شهداء الواجب لجميع المرضى المنومين بمجمع الرياض الطبي كنوع من أعظم المعروف وأتمنى أن تستمر الهيئة في نشر أخبار إنجازاتها وترد على ما يوجه لرجالها من نقد، إن هادفاً بالاعتراف والإيضاح، وإن مستهدفاً بالتفنيد والدحض .

صورتان

المراجع في قطاع خدمي هو في الغالب موظف في قطاع آخر له علاقة بالناس ، وما يشتكي منه الشخص كمراجع يمارسه نفس الشخص وهو موظف، فتجد موظف المطار يشتكي من فضاضة وقسوة العاملين في المستشفيات وموظفي المستشفيات يستغربون من أسلوب تعامل موظف الخطوط ، وأساتذة الجامعات يمارسون التنظير في فن التعامل مع المراجعين ويتقززون من الواسطة وسوء المعاملة وتسرب الموظفين في الدوائر الحكومية وطلاب الجامعة يشتكون بحسرة من سوء تعامل أستاذ الجامعة وأن لا شيء يتم لدى الأستاذ بدون واسطة ، وأقرباء المرضى يشتكون من تسرب الأطباء نهاراً جهاراً في مستشفيات الجامعات (أساتذة طب) وفي المستشفيات (المتقدمة) الأخرى (علامة تخلف) ، والطبيب يشتكي من أن الصيدلي يصرف الأدوية بدون وصفة ويسبب العمى لمرضى العيون والمريض يؤكد أن الطبيب لا يكشف على مرضاه ويصف الدواء بدون فحص ولذا فهو يذهب للصيدلي ، والصيدلي يشتكي بحسرة من تحيز الأطباء مع شركات أدوية محددة يصفون أدويتها لأنها تتكفل بحضورهم المؤتمرات على حساب الشركة ، والصيدلي يبيع المريض الدواء الأكثر سعراً ويتعامل مع الوكلاء بسياسة (البونص) المجاني .
نائب المدير العام ينتقد تصرفات وسلوكيات المدير العام ، فإذا أصبح النائب مديراً عاماً مارس نفس ما كان ينتقد وربما بدرجة أكثر بجاحة وخطورة .

الموظف العادي ينتقد أصحاب المناصب ويتهمهم بالغطرسة والتملق والأنانية وربما الفساد ، فإذا نال منصباً أصبح شيخ المتغطرسين وشهبندر المتملقين ومحطم الأرقام القياسية في الأنانية والفساد .

لماذا هذا التناقض الواضح في شخصية نفس الشخص عندما يوضع في موضعين ، موضع المراجع وموضع الموظف ، موضع النائب وموضع المدير ، موضع الصغير وموضع المنصب الكبير؟!.

يجب أن لا نقول إنها طبيعة البشر ، لأن ثمة دولاً متقدمة بها الكثير من البشر ولا تعاني من هذه الازدواجية ، إنها خليط من قصور في التربية التي لا تقوم على أساس (أن تعامل الناس كما تريدهم أن يعاملوك) ، كما أن ثمة جانباً مهماً جداً ، وربما الأهم وهو غياب نظام دقيق يحكم التعاملات ، ويراقب السلوكيات الوظيفية ويطبق العقوبات ، الأمر الذي خلق وسطاً مناسباً لتكاثر نسخ عديدة من صور ما نفعل مع بقاء صورة ما نريد .

الأمر يحتاج إلى وقفة وطنية صادقة لأنه مرض اجتماعي يسبب العديد من الأمراض الاجتماعية الأخرى وأهمها الاكتئاب والعدوانية .

الإخفاق الشخصي

التناقض مهما كان في شأن صغير أو كبير فهو يشير إلى خلل في الشخصية وعدم انسجام بين ما نشعر وما نفعل .
أبسط الأمثلة تراها في كل لحظة عند إشارة المرور الحمراء، دقق وستجد أن معظم العربات في الصف الأول تتقدم تدريجياً عن الإشارة حتى تتعدى مستوى القدرة على مشاهدة الإشارة لأنها أصبحت خلف السائق وهذا يوحي بأن السائق في عجلة من أمره، لكن الواقع أن الإشارة تتحول إلى خضراء وهو لم يتحرك ولن يتحرك إلا بمنبه ممن يقف خلفه فهو هنا تأخر ولم يتقدم، ويفترض للمستعجل فعلاً أن يقف في مكان يجعله أول من يشاهد تحول الإشارة إلى الخضراء .

ذلك السلوك بالإضافة إلى القيادة بسرعة كبيرة وتخط مخيف للعربات عبر كل مسار وبطرق متهورة، يدل على أننا قوم مستعجلون على الدوام وفي واقع أعمالنا نحن لا نكترث بالوقت .

التناقض الآخر تجده في حرصنا على السعودة وانتمائنا الوطني وتعاطفنا مع أبنائه، الكل دون استثناء يطالب بالسعودة في المجالات والأعمال التي لا تتعلق بممتلكاته ومنافعه لكنه في الواقع يحارب السعودة عندما يتعارض الأمر مع مصالحه وربحيته، ليس هذا فقط بل حتى مع راحته الشخصية ورغباته العابرة أي أن التضحية في هذا الصدد معدومة تماماً فليس أصحاب الشركات والمصالح التجارية هم فقط من يطالبون بالسعودة في وظائف أبنائهم الحكومية ويحاربونها في توظيف أبناء الناس في شركاتهم بل إنني علمت من كثرة ركوبي مع السائق السعودي في سيارات الأجرة أو “الليموزين” أن المواطن محارب بشكل كبير في هذا المصدر الزهيد للرزق فهم جميعاً يشتكون بأن المرأة السعودية ترفض الركوب إذا عرفت أن سائق “الليموزين” سعودي وتفضل الأجنبي حتى لو بقيت في الشمس تنتظر (ثمة علامة استفهام وتعجب)، بل إن مجموعة النساء والعائلات يمتنعن عن الركوب مع السعودي، ربما لأنه يعرف ما سيدور من حديث !! أفلا تستحق السعودة التضحية “بالسواليف” مسافة الطريق ؟!.

الأخطر من هذا شكوى متكررة سمعتها من سائقي الليموزين السعوديين في المطار ومفادها أن رجال المرور يطبقون على السعودي أقصى عقوبة وأدق ترصد للأخطاء، بينما يغضون الطرف عن الآسيوي وقد وعدت أكثر من أربعة منهم بحوار صحفي وأعطيتهم رقم جوالي للتواصل لكنني لم أجد صعوبة في قراءة الخوف في العيون (ليس عدم صدق بل خوف !!).

على أي حال فإن إعاقة تنفيذ كل خطوات وأنظمة ومبادرات الدولة في مجال سعودة الليموزين واضحة للعيان ولا تحتاج إلى تحقيق صحفي .التناقض الأعجب هو فيما يخص نظرة المسؤول للإعلام، فالإعلام في نظره مهم جداً ومرجع موثوق إذا مدحه في مقال تمجيد أو خبر لإنجاز شخصي ونفس الإعلام مجرد “كلام جرايد” إذا انتقده في مقال صريح أو خبر لإخفاق شخصي !!.

طلع أمك

تلك قضية خطيرة، مضنية رغم سهولة العلاج لو وجد في كل قطاع مسؤول صحي يحمل هم الناس بدلا من حمل همومه الخاصة.
يبلغ عدد المرضى المزمنين، الذين يحتاجون إلى عناية طبية وتمريضية متوسطة طويلة الأمد حوالي 620مريضاً سنويا في مدينة الرياض فقط ومثل هذا العدد في المدن الرئيسة وأقل منه بالتأكيد في مدن أخرى وقرى وهجر.

الرعاية الطبية المتوسطة للمرضى المزمنين جزء لا يتجزأ من الرعاية الصحية لا تقل أهمية عن الرعاية الأولية والرعاية المتقدمة، وإن كانت تختلف عنهما في أنها أسهل وأيسر وأقل تكلفة.

في القطاعات الخمسة التي تقدم خدمات صحية حكومية هناك بعض المديرين من الأطباء الذين ينقصهم التأهيل الإداري، والحنكة الإدارية، ويعانون من ارتفاع أنزيمات حب الذات في القلب، وانخفاض شديد في كريات الدم (البيضاء) التي تحمل هم المريض وأقاربه وهم الوطن أجمع، فما الذي حدث؟!.

أصبح كل من لديه مريض مزمن يعاني الأمرّين في إيجاد سرير في مستشفى حكومي، سواء كان المريض شابا ضحية لحادث أصابه بغيبوبة أو شيخ أصابته جلطة مفاجئة جعلته أسيرا لجهاز التنفس وأنبوب التغذية عن طريق الأنف، بل أصبح يطلب من أهالي المرضى المنومين إخراجهم على وجه السرعة وإحضار ممرضة للعناية بهم في المنزل، وإذا كان استقدام الممرضة سوف يستغرق أشهرا فلا بأس بخادمة تتلقى التدريب في المستشفى، المهم أن يخرج المريض فهم يعتبرون المريض المزمن خارج نطاق التغطية الطبية، فلا يهمهم إلا المرضى الذين هم في كامل وعيهم فيمدحون في المجالس ووسائل الإعلام، أما مريض الجلطات والغيبوبة فصامت والصامت لا حق له عند هؤلاء (إما أن تمدح في المجالس فترغب أو تنتقد في الإعلام فترهب!!).

قد لا تكفي هذه المساحة لتغطية جوانب هذه الإشكالية الوطنية الكبرى المتمثلة في رفض دخول المريض المزمن للمستشفى أو إخراجه منه رغم حاجته لرعاية طبية وتمريضية متخصصة، وعدم توفير مراكز رعاية طويلة الأمد، لكنني اختصرها بالأسئلة التالية التي اجزم أنها تنزف نزفا حارا ومؤلما من قلوب مئات الأقارب ممن قيل لهم (أخرج مريضك):

كيف يتجرأ مدير صحي محدود الصلاحيات ويمنح نفسه صلاحية حرمان شريحة كبيرة من المرضى من حق الرعاية الصحية التي كفلتها لهم الدولة بل ووردت في النظام الأساسي للحكم؟!.

أي عقلية إدارية تلك التي تريد من كل قريب لمريض أن يستقدم ممرضة فإن لم يجد فخادمة؟ وما أثر ذلك على المجتمع؟!، بل أين ادعاءاتهم بدعم مهنة التمريض وهم يغرسون مفهوم أن الخادمة بقليل من التدريب تغني عن الممرضة، وهل سيأتي يوم يطلب فيه من قريب المريض استقدام طبيب وإن لم يجد فسائق يدرب على الطب؟!.

الحب من أول بيعة

بالرغم من الاحتياجات المشتركة بين كافة المواطنين إلا أن ثمة احتياجات خاصة تحظى بقدر أكبر من الاهتمام لدى فئة من الناس أو طيف من الأطياف الشعبية بناء على اهتمامات تلك الفئة ومجال عملها أو مجال تجارتها أو النشاط الذي تركز عليه، فتجدهم أكثر اهتماما من غيرهم بالإصلاح في هذا المجال والجديد حوله والتطوير فيه وملامح مستقبله، وبالتالي فإن ترسيخ عرى العلاقة والحب يزداد عندما يتعلق الإصلاح بهذا الشأن الهام لهم أكثر من غيرهم.
التاجر والمستثمر ينجذبان أكثر لما يتعلق بثبات الاقتصاد وتوسيع مجالات الاستثمار وتشجيعه، والفقير (وهو الأكثر عاطفة والأكثر امتنانا والأقوى تعلقا وحبا) ينجذب أكثر لما يتعلق بتحسين مستوى المعيشة وتيسير العيش وزيادة الرواتب والدخل، والمزارع يستهويه أكثر من يركز على المشاريع الزراعية وتيسير قروض الزراعة وشراء المحاصيل وتسديد ديون المزارعين، والصحفي، مثل غيره ممن ذكرناهم يمتن لهذا كله، لكنه يتعلق حبا وشغفا بمن يمنحه الهامش الأكبر من الحرية ويرسخ مفهوم الحوار والشفافية، والمريض بمن يسعى لرعايته ووقايته، ولا يتسع المجال لذكر كل الأطياف والفئات.

حسنا، إن إعجاز عبد الله بن عبد العزيز (الإنسان) يكمن في قدرته الفائقة (وبتمكين وهداية وإرشاد من رب رحيم حكيم) على الاستحواذ على حب وإعجاب وامتنان جميع الفئات والاهتمامات والأطياف في الداخل والخارج في زمن قياسي مقداره بيعتان بمقياس الولاء، وعامان بمقياس الزمن، ووحدته في مقياس الحب هي (اللانهاية) (حب لا يقدر بقياس).

لكل قلب مجاله الكهرومغناطيسي الذي ينجذب لهذا وينفر من ذاك، ولكل قلب نبضه الحسي (غير نبض التدفق) والنبض الحسي له موجة خاصة وتردد فريد، أما قلب عبد الله بن عبد العزيز (الملك) فقد اتضح جليا في أول خطاب له بعد البيعة وهو يردد (أشعر بأن الحمل ثقيل وأن الأمانة عظيمة)، وهو يعاهد الله ثم يعاهد شعبه أن يتخذ القرآن دستورا والإسلام منهجا وأن يكون شغله الشاغل إحقاق الحق وإرساء العدل وخدمة المواطنين كافة بلا تفرقة، اتضح جليا أن قلبه إنما يخفق بحاجة كل الفئات واهتمامات كل المهتمين لأنهم جميعا مواطنون وهو نذر نفسه لمعايشة همومهم وحل مشاكلهم وتفريج كربهم فالله سبحانه وتعالى انعم على هذا البلد الأمين بأن جعل لولي أمر شعبه قلبا له مجال مغناطيسي ينجذب لكل رعيته، ونبضا حسيا له موجة موحدة شاملة نبضت بالحب للجميع من أول بيعة!

كشف النقصان

لعل أكثر ما عانت منه الوظائف الفنية لدينا من هندسة وطب وصيدلة هو استعجال الإدارة، وكان ذلك أكثر ما كان في سنوات الطفرة حيث أُخذ على كل موظف سعودي استعجاله الحصول على مكتب وكرسي إداري حتى لو كان تأهيله وتخصصه أهم من أن يهجر وتترك معلوماته تتبخر بسبب الرغبة في وظيفة إدارية مكتبية رتيبة .
بلغ الأمر ذروته عندما أصبح معظم أصحاب التخصصات المهنية والفنية التي تعتمد على تدرب اليد وخفتها يعملون جاهدين على التحول إلى وظيفة مكتبية .

حمى “المكتبية” تلك لم تدم طويلاً فما هي إلا سنوات وشحت الوظائف وأصبح العرض أكثر من الطلب وأدرك من لديه معدل ذكاء طبيعي أن البقاء للصنعة والمهنة ومهارة اليد واقتنع الشباب والشابات بالانخراط في الأعمال المهنية اليدوية والإبداع فيها، لكن القطاع الخاص لا يريد أن يقتنع ولا يزال يصر على أن الشاب السعودي لا يريد غير وظيفة مكتبية رغم وجود أمثلة مشرفة في الشركات الكبرى والمنشآت الحكومية وشبه الحكومية، لكن من لا يريد أن يقتنع من العبث أن تحاول إقناعه ويفترض أن يتم التعامل معه بطرق أخرى تجيدها وزارة العمل إذا أرادت!!.

حسناً، مشكلة الشباب مع رغبة العمل المكتبي انتهت دون رجعة، لكننا ابتلينا بما هو أخطر ومن موظفين يفترض أنهم أكثر نضجاً وعقلانية، أناس تحولوا من التخصص الفني إلى العمل الإداري، وحصلوا على مميزات لا يحلمون بها وقد لا يتخيلها زملاؤهم ومن هم أقدم منهم وأكثر حكمة وعقلانية .

نعموا بمميزات الوظيفة الإدارية وبدلاتها وحظوتها و”برستيجها” لكنهم لم يقدموا للوظيفة عملا يذكر ولا طيب ذكر ولا خيرا يؤجر بل على العكس ربما جنوا منها من الآثام والدعاء أكثر مما حصدوه من حطام الدنيا!!، وكل ذلك لأن طموحهم أصلاً كان خاطئاً.

فقد كان هدفهم استعجال الرئاسة دون أن يكونوا أهلاً لها، اعتقاداً منهم أن المنصب ليس له ثمن مع أن الأمانة لمن يحملها ولا يتحملها ثمنها في الآخرة باهض جداً وثمنها في الدنيا فقدان حب الناس والتعرض لمغبة ظلمهم وإهمال حقوقهم .

في هذا الصدد قال الدكتور مصطفى السباعي رحمه الله في كتابه “هكذا علمتني الحياة”: لا تستعجل الرئاسة، فإنك إن كنت أهلاً لها قدمك زمانك، وإن كنت غير أهل لها كان من الخير لك أن لا ينكشف نقصانك..

إن كان صغار الموظفين جعلهم الزمان يعتبرون بأن البقاء لصنعة اليد فهل ينتظر كبار الموظفين درس الزمن ليعتبروا.

الضمان الصحي ومنتخبنا

إعلان توعوي تلفزيوني رائع ذلك الذي أعدته الكوادر الشابة في مجلس الضمان الصحي وبث ويبث حالياً خلال بعض القنوات الفضائية.
الفيديو كليب يصور باختصار كل ما يهيج الأعصاب من مواقف يومية تؤدي إلى “النرفزة” ثم يذكر الشخص بأن “صحتك أهم”.

أعجبني الأسلوب التوعوي كثيراً وأعجبني أكثر انه ركز على أن المدير في العمل هو أحد أهم أسباب حالات الإحباط ورفع الضغط وإثارة الأعصاب لدى الموظفين وبالتالي هدم صحتهم، فكان المقطع الأخير من لقطة الفيديو يوضح موظفاً بلغ به الهيجان أن رمى بالأوراق والمعاملات في الهواء وأصبح أشبه بمن أصابه مس من جان لتخرج العبارة التوعية “صحتك أهم”.

ويتضح أن مجلس الضمان الصحي سعى بحكمة إلى خيار الوقاية ووفق في هذا الاختيار الوقائي رغم أن المستفيدين من الوقاية إذا طبق التأمين هم شركات التأمين مالياً والمؤمن عليه صحياً بطبيعة الحال، والمجلس مصلحته السعادة بتحسن الوضع الصحي وهذا هدف نبيل أرجو أن يكون الأساس لكل مقترحات وتشريعات المجلس فيما يخص ما يشمله وما لا يشمله التأمين وتفاصيل شروط التأمين الصحي بما يخدم كل مواطن ومقيم سواءٌ في المدن أو الهجر، الصحيح والمريض المزمن، الحامل والعقيم، الشاب والشيخ الهرم، الفاتنة والعجوز المنهكة .

في المقابل ساءني جداً مقطع فيديو توعوي آخر، أجزم أن من اقترحه كان كئيباً جداً ولم يحالفه التوفيق .

المقطع يبث حالياً على القناة الرياضية بهدف التعبير عن حبنا لمنتخب كرة القدم ومساندته في بطولة آسيا، لكن المقطع يصور شاباً مريضاً توقف قلبه ودخل في غيبوبة.

ولم ينفع لإنعاش قلبه التنبيه الكهربائي بأجهزة الإنعاش لكن المريض تحرك قليلاً ونظر باكتئاب بعد أن سمع المعلق يصرخ بأن اللاعب قد سجل هدفاً حقق كأس آسيا.

الفيديو كئيب حتى في نهايته، وطبيعي جداً أن مريضاً في سريره أو في العناية المركزة لا يمكن أن يكون مشهداً يدخل البهجة، ناهيك عن عدم واقعية الدعاية مطلقاً فالأقرب أن يتوقف قلب مشجع بسبب إخفاق المنتخب مثلاً كما حدث في ثمانية ألمانيا، أما البهجة بفوز المنتخب فتدخل الضمائر والقلوب الحية وليس مكانها العناية المركزة .

حقيبة الخطوط السعودية

أكثر من 22سنة تفصلني عن آخر زيارة إلى مصر، وقد أقنعني صديق عزيز أن أزور القاهرة مجددا، خصوصا وأنني لا بد أن أنجز مهمة عمل إن عاجلا أو أجلا، وبينما نحن نهم بالعودة إلى الرياض، سألني صاحبي: كم استغرقت رحلة الذهاب من الرياض إلى القاهرة؟!، فأجبته متعجبا بأنها استغرقت قرابة ساعتين، وقد كنت معي وتعلم ذلك!!، فرد بسؤال أكثر غرابة، قال: هل تعلم كم تستغرق رحلة العودة من القاهرة إلى الرياض، فرفضت الإجابة احتجاجا على غرابة السؤال، وكانت الدهشة أكبر حينما قال لي تستغرق العودة أربع ساعات!!.
في البداية ظننته يسخر مني خصوصا وأنه غير راض عن غيابي عن مصر كل هذه المدة، لكنه أكد لي جديته وجزمه خصوصا وأنه ممن تحتم ظروف عمله التردد على القاهرة، فأعاد التأكيد جادا بأن الرحلة من الرياض إلى القاهرة لا تستغرق أكثر من ساعتين وربع بينما رحلة العودة من القاهرة إلى الرياض تستغرق أربع ساعات وقال سترى ذلك بأم عينك.

بدأت أشعر أن الأمر أقرب إلى الجد منه إلى الهزل فطلبت من صاحبي أن يكون أكثر وضوحا فقال: يعلم كل من يتردد على القاهرة أن رحلة العودة إلى الرياض تستغرق ساعتين في الجو وساعتين في انتظار الحقائب يمضي معظمها دون أن يتحرك السير ثم تبدأ (الشنط) في الخروج على دفعات بطيئة جدا تصيب المسافرين بالضجر والملل، ويتمنون لو أن الأربع ساعات مضت في الجو بدلا من حر المطار ودخان السجائر والانتظار.

وفعلا شاهدت ما ذكر بأم عيني، وعايشت مشاعر الضجر والملل بوجداني، وسمعت شكوى الناس وتأففهم بطبلة أذني وخرجت بعد ساعة ونصف من وصول الطائرة وكان أكثر من 80% من ركاب الدرجة السياحية ينتظرون حقائبهم.

المؤكد عندي أن تأخر الحقائب لا يمكن أن يكون حكرا على رحلات القاهرة، ولابد أن الرحلات الأخرى يطالها نفس التقصير إلا أن ركاب القاهرة يلاحظونه أكثر من غيرهم بحكم التردد على نفس الخط.

عجباً لماذا يصر بعض المسئولين على أن يحمل معه (حقيبة) إهمال العميل العادي أينما ذهب؟!!، ولا يلتفت لمشاعر العميل إلا بعد أن يدخل السوق طرف منافس.