نايف والهيئة وسمو العقل

عندما تهيمن العاطفة على العقل وتسيطر المواقف الشخصية وتصدر الأحكام المسبقة، وعندما يعتقد البعض أن الجمل قد وقع وتكثر السكاكين، يأبى نايف بن عبد العزيز بكل ما يحمله اسمه وفعله من معاني السمو إلا أن يعطي درسه المعتاد في الحكمة والروية والتحقق ويصدح بصوت العقل، الذي يعد من نعم الله على هذا الوطن ممثلا في حكمة قيادته.
موقف صاحب السمو الملكي الأمير نايف بن عبد العزيز مما كثر اللغط حوله عن هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لم يكن الموقف الأول ولن يكون الأخير، ولم يقتصر إنصافه على رجال الهيئة فقط بل نعم بعدله كل مواطن صالح بمثل ما ضرب حزمه بيد من حديد على هامة كل مرجف.

لا أنسى موقف سموه المنصف للصحفيين ولحرية الرأي والنقد الهادف أثناء مؤتمر صحفي منذ عدة سنوات عندما تذمر وزير الهاتف آنذاك من مواقف الصحافة.

تتجلى الحكمة وبعد النظر في هذه العبارة التي ذكرها سموه في حواره مع الزميل خالد الزيدان المنشور بهذه الجريدة يوم السبت 1428/5/23ه حيث قال (الهيئة جهاز حكومي والدولة تتابع أجهزتها وفيها رجال يقدرون المسؤولية ومؤمنون بالله ويعرفون واجبهم فلا يمكن أن يقبلوا هذا الأمر، وإن حدث شيء فيجب أن نحصره على خطأ أفراد، وليس على جهاز بأكمله، وفي إجابة لسؤال آخر ذكر يحفظه الله أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر جهاز قائم منذ أسست الدولة وركن من أركان الإسلام يجب أن يبقى ويجب أن يعزز ويطور) انتهى.

نعم الهيئة جهاز حكومي تتابعه الدولة وترعاه وينطبق عليه ما ينطبق على كل جهاز يعمل به آلاف الأفراد ولا يمكن أن يحكم عليه بناء على خطأ فرد أو أكثر، فعندما ضرب معلم طالبا بسلك كهرباء على عينيه لم تؤخذ وزارة التربية والتعليم بجريرته، ولا جريرة عشرات المعلمين ومنهم من ضرب ومنهم من درّس أفكارا إباحية وآخر أفكارا تضليلية بل وتكفيرية، ونفس الشيء يقال عن كافة القطاعات التي تقدم خدمات صحية فعندما قتل عشرات المرضى بأخطاء طبية سببها الإهمال وليس المضاعفات المعروفة تم التعامل مع الأطباء ولم تحاكم الجهات التي يعملون بها!!.

نفس المبدأ يطبق مع الأخطاء الفردية إذا حدثت من رجال الهيئة فأين المشكلة؟!، بل إن ثمة فارقاً كبيراً يصب في صف هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إذا أردنا أن نقتدي بحكمة وعدل قيادتنا فالمعلم يتعامل مع مجال وحيد هو التعليم لأطفال وشباب أسوياء، والطبيب يتعاطى مع شأن واحد هو الصحة ومع مرضى أبرياء، أما رجل الحسبة فيتعامل مع خارجين عن الشرع والنظام، مع مصنعي خمور أو مروجي مخدرات أو لاعبي قمار أو سكارى ومنحرفين يؤذون الناس في أعراضهم ومخالفين لشرع الله الذي هو دستور هذا البلد الأمين.

رحم الله المؤسس عبد العزيز بن عبد الرحمن فقد أسس على التقوى وورث أتقياء.

تنافس يدعو للتدخين !!

تصريح الطبيب قاسم القصبي المشرف العام التنفيذي على مستشفى الملك فيصل التخصصي ومركز الأبحاث والذي نقله لنا الزميل محمد الحيدر في عدد الخميس 1428/5/14ه ونسب له قوله أنه لا علم له برفع المستشفى التخصصي دعوى ضد شركات التبغ ولم يجد مستندات تثبت ذلك ثم رأيه بأن رفع مثل هذه الدعوى يفترض أن لا تكون أولوية وتساؤله الغريب بأن السكريات تسبب السمنة فهل ستقاضى محلات بيع السكريات؟! (انتهى).
رغم إعجابي بهدوئه ورزانته في تعامله مع الإعلام ليسمح لي الطبيب القصبي أن استنكر أن يغيب عنه البعد السلبي لمثل هذه المقارنة على المدخنين، بل على كل متلق وعلى وطن يحارب التدخين حتى ولو إعلاميا!!.، فهل فات على طبيب مثل القصبي أن مجرد إثارة موضوع مقاضاة شركات التبغ، حتى لو لم يتم أو لم ينجح، يؤكد للمدخن ارتباط التدخين بالسرطان وأمراض القلب والشرايين، وهو أمر يتجاهله المدخن ويبحث عن أية قشة تؤيد إنكاره النفسي له، وتصريح القصبي ليس قشة بل غابة تأييد خصوصا أنها تقارن التبغ بالسكريات والسرطان بالسمنة!!.

كيف؟!ولماذا؟! فات على طبيب في حكمة وعقلانية قاسم القصبي أن السكريات لا تسبب تعودا ولا إدمانا، بل ولا تسبب سمنة مؤكدة ولا ضررا مؤكدا لو تمت الموازنة بين تعاطيها واستهلاك طاقتها بالرياضة أو الحركة فهي مادة الأصل فيها الفائدة !!.

وكيف؟! ولماذا؟! فات عليه أن السكر مادة غذائية أحادية التركيب لا يتعمد صانعها غشا ولا إضافات تجذب الأحداث والكهول وتسبب إدمانهم، بينما تحتوي السيجارة على أكثر من 5000مادة كيميائية معروفة الخطورة وغيرها من المواد المجهولة ومسببات الإدمان، وان دخان السيجارة وضررها يطال غير المدخن، بينما لا دخان للسكريات.

كيف؟! ولماذا؟! فات عليه أن شركات صناعة السجائر تبث الدعاية، وتصرف الأموال، وتمارس الضغوط بهدف إسقاط الآلاف من شباب العالم الثالث في براثن السيجارة، بينما يعرض بائع الحلويات والسكر بضاعته لمن يحتاجها ولا حتى يصوت مناديا للجذب لها.

كيف؟!ولماذا؟! بدا لناقل الخبر وللقارئ أن القصبي كان يدافع عن شركات السجائر وينتقد خطوة وزارة الصحة في مقاضاة الشركات والتي ستبدأ مداولاتها في سبتمبر؟!

أما الإجابة لكيف فواضح أن الكيفية كانت بأن هوى النفس أغمض العين عن النفيس وبصر بالتنافس، أما إجابة لماذا فهي نفس الإجابة لأسئلة وجهتها في هذه الزاوية تحت عنوان (يا سعد خبر مريض الكبد) هذا الشهر.

إنها الغيرة المهنية (professional jealousy) وشيوع روح التنافس بين الأطباء على منصب واحد مما أنسى كل منهم مسئولياته وإدارته، أقول ذلك مع أنني أؤكد أن إبعاد الأطباء عن الإدارة وإيكالها للإداري بالتخصص سيجعل كل منهم يتفرغ لعلمه بمهنية وبدون نسيان لمعلوماته الأساسية.

البكباشي بروفسور

تحولنا السريع إلى مجتمع ألقاب وإسرافنا في استخدامها تطرق له الزميل خالد السليمان في جريدة عكاظ يوم الخميس الماضي 1428/5/7ه، وخالد السليمان لديه جهة خامسة غاية في الإبداع يتسلل من خلالها إلى الظاهرة الاجتماعية أو حتى الحادثة الطارئة فينتقدها ويعريها ثم يربطها في عامود الماضي ويذهب، وكل ذلك في أقل عدد ممكن من الكلمات الكفيلة بإيصال الرسالة .
وقد عنّ لي أن أدلي بدلوي وأقول بأن الأمر قد تعدى مجرد التباهي والتكلف ودخل في منطقة الاستغلال والاستغفال والدعاية غير المشروعة، بل وتشويه سمعة الوطن والإيهام بسطحية أهله، وجعله مثاراً للسخرية، تماماً مثلما كنا وإلى وقت قريب نسخر من مجتمع عربي يلقب الطالب ب”دكتور” لمجرد أنه سجل في كلية الطب أو الصيدلة !!.

لقب دكتور، في المجتمعات التي تحترم الشهادة العلمية ولا تسمح بتفاعلات مركبات النقص لا يطلق إلاّ على من يحمل شهادة الدكتوراه في الفلسفة (PHD) في أي علم كان، أما الطبيب فله لقب طبيب (Physician) وللصيدلي صيدلي (Pharmacist) ولهما أن يتدرجا إلى استشاري ولكن بنفس اللقب طبيب وصيدلي .

نحن بدلاً من أن نحد من سوء استخدام لقب “دكتور” ونحصره بمن يحمل الدكتوراه ونسمي الطبيب طبيباً والصيدلي صيدلانياً ونؤكد على هذا في المخاطبات والإعلام لتصحيح نطق العامة، وجدنا أنفسنا نتحول إلى ما هو أكثر خطورة واستغلالاً للعامة فقد لجأ المصابون بداء النقص وانفلونزا الديناصور من الأطباء الذين سبق أن عملوا في الجامعات إلى تمييز أنفسهم عن غيرهم من “الدكاترة بالتطبب” باستخدام لقب “بروفسور” في مراسلاتهم ولقاءاتهم الصحفية وهو لقب أكاديمي علمي بحت يفترض أن لا يخرج من أروقة البحث والنشر العلمي .

هذا اللقب الرنان راق للأطباء، حتى الطبيب الذي كان آخر عهده بالجامعة عندما تخرج بتقدير مقبول أصبح يدعي أنه بروفسور، ثم استغلت المستشفيات اللقب في دعاية واضحة لأطباء العقم وأمراض النساء والولادة ثم التجميل ولن أستغرب لو قيل “الحلاق البروفسور فرحات” !!.

ولا أعتبر نفسي متشائماً إذا قلت أنه وخلال أقل من ثلاث سنوات ستجد أن كل أطبائنا و(أكاديميينا) ينادون بلقب بروفسور ولأن اختصاره (بروف) فسوف تكون مستشفياتنا وجامعاتنا ووسائل إعلامنا أشبه بمستنقع ضفادع تتعالى أصواتها بالنقيق مرددة (بروف بروف).

وسوف يستمر المسلسل ويأتي من يريد أن يميز نفسه عنهم جميعاً فيسمي نفسه شيخ بروفسورات عصره أو (البروفسور باشا) وربما (البكباشي بروفسور) .

خادمات القطاع الخاص

دعني اعترف لك عزيزي القارئ أنني خدعتك بالعنوان، فأنا أريد أن أتحدث عن المعلمات السعوديات في مدارس القطاع الخاص والمدارس الأهلية وما يتعرضن له من ظلم وهضم حقوق يتعارض مع سياسة وتوجهات وقوانين وإنسانية وزارة العمل، لكنني علمت يقين العلم ومن تجارب سابقة أن وزارة العمل حالياً لا تنجذب لما يتعلق بالمعلمة، ولا يلفت نظرها إلا ما يخص “الخادمات” (أو العاملات المنزليات حتى لا نخدش لوحة الإنسانية التي تسير بها وزارة العمل بعرج واضح يحفظ للعاملة المنزلية ما لا يقرّه للمعلمة الوطنية!!) مع علمنا أن العمل (خدمة)، وخادم القوم سيدهم، وكان للموظفين ديوان (خدمة) مدنية وأصبح وزارة (خدمة).
أي أن المشكلة ليست في المسميات فكم من معلمة تتمنى أن تسمى “خادمة مدارس أهلية” لكي تنظر وزارة العمل في وضعها غير الإنساني، حيث تعمل بلا عقد وبلا حقوق وبلا بدلات وبدون تحديد ساعات عمل وبدون أمن وظيفي وبراتب خادمة منزلية هاربة أو مقيمة بطريقة غير مشروعة أو متخلفة بعد حج، راتب قدره عداً وليس نقداً 1200ريال، متحدياً المحاولات الخجولة لتحديد الأجر بمبلغ 2500ريال يدفع الصندوق جزءاً كبيراً منه حتى لا “يتضايق الملاك”.

في برنامج “إضاءات” في قناة العربية، وأيضاً في حوار تلفزيوني مع الزميلة الرائعة شفاها الله وأعادها وهجاً إعلامياً ريما الشامخ رد الدكتور غازي القصيبي، على المطالبين بتحديد حد أدنى للأجور للسعوديين لا يقل عن ثلاثة آلاف ريال وأنا أحد المطالبين بذلك منذ مدة، رد بأنه ليس من “الإنسانية” أن احدد أجراً للسعودي ولا أحدد مثله للأجنبي ولا يمكن أن أجعل الأجنبي بثلاثة آلاف ريال (انتهى) وأنا الآن أتساءل أين الإنسانية في أن يحدد أجر المعلمة الحكومية بما يزيد عن سبعة آلاف ريال بينما نفس المعلمة السعودية (نفس الوصف الوظيفي، نفس العمل، بل ساعات أطول وبدلات أقل ونفس المؤهل) وبراتب لا يصل إلى 2500ريال إلا بعد مقاضاة.. لماذا؟؟.

أين الإنسانية هنا؟! وأين فرض العقد المحكم المليء بالحقوق والحريات الشخصية والاستقرار الوظيفي والإجازات وتحديد ساعات العمل؟! بل أين العقد أصلاً.

أرجو أن لا يكون تدليل القطاع الخاص التعليمي خوفاً من تهديدهم هم أيضاً بأن ينقلوا نشاطهم إلى دبي لأن مدرسة حي واحد في الرياض تكفي طالبات القطاع الخاص في دبي كلها وأرجو أن لا يكون السبب أكثر وجاهة.

الرأس والفأس

لا شك أن التجاوب مع الإعلام يسعد كل إعلامي ويشعره بأن ما يكتبه أو يقوله أحدث تغييرا أو سبب فعلا.
ولكن عندما تصبح إثارة الموضوع في الإعلام مطلبا لإنجاز كل عمل، وحل كل مشكلة، وتحريك كل راكد فإن ثمة خللاً لا يسعد أحدا على الإطلاق.

الخلل ليس في الوطن، هذا أمر مؤكد لأن خلل الوطن إذا حدث، لا سمح الله، لا ينفع معه لا الإعلام ولا التعليم، ونحن نرى نماذج لأوطان لا يكترث فيها أحد لما يطرح إعلاميا حتى لو تعالى الصراخ.

مشكلتنا تكمن في كثرة وتكاثر من لا يريد أن يقوم بمسؤولياته تجاه المواطن ولا يكترث بشكواه ومطالباته ولا بدعائه عليه في أناء الليل وأطراف النهار، ويحتجب عنه خلف كم كبير من الحواجز البشرية المبرمجة على الصد، سكرتير ومدير مكتب ومدير عام مكتب، وجميعهم يجيدون التصريف وأحيانا الطرد والنهر، وعلى أقل تقدير تحويل المشتكي إلى موظف أصغر، وصدقوني ومن واقع تجربة ومعايشة فإن طبع المدير ينتقل إلى غالبية الموظفين أسرع من انتشار فيروس أنفلونزا الطيور ، فإن أغلق أبوابه أغلق موظفوه أبوابهم (وهذا طبيعي لأنهم يدركون أن أحدا لن يصل إليه ليشتكيهم) ، وعندما يضطر المراجع إلى عرض شكواه في الإعلام المرئي أو المسموع أو المكتوب تتحول المياه الراكدة إلى أمواج والأبواب المغلقة إلى مراوح لا تكاد تستقر، هذا يستنجد به ليرد وذاك (يفزع) باقتراح للخروج من الأزمة وثالث يبحث عن وسيط ليسكت الأصوات، ورابع يستغل الموقف للإيهام بأن في الأمر مؤامرة.

وعندما يحدث هذا الاستنفار وتلك الحركة الدفاعية فإن صاحبنا المدير يستقبل في الساعة الواحدة عشرات المنتفعين ويضيع في اليوم الواحد تسع ساعات!!.

أما كان الأجدى والأجدر والأوفر وقتا وجهدا لو تم فتح الباب أمام المشتكي عندما طرقه أول مرة ، وحيدا ، وبمنتهى الستر وحفظ الكرامة وقبل أن يقع الفأس في الرأس؟!.

متى يشعر كل من المسؤول وموظفيه أنهم إنما يتقاضون أجورهم مقابل خدمة المراجعين وليس خدمة ذواتهم وأقاربهم وأصهارهم ومن يتمصلحون منه؟!. هذا السؤال له إجابة واحدة : أما المسؤول فيشعر عندما تلاحقه الرقابة والمحاسبة التي تتبعها عقوبة أما الموظف فعندما تصلح حال مديره ، والله أعلم

المشرط الإداري

مثلما أن الإداري الفذ يسقط مغشياً عليه عندما يشاهد الدم، فإن الطبيب الماهر يغمى عليه عندما يواجه موقفاً إدارياً صعباً.
كم أتمنى يا وطني الغالي أن نقتنع بأن جل مشاكلنا الطبية، وشكوى الناس من المستشفيات، وتحطم ما يبذل من مال وجهد وأجهزة ومشاريع جبارة على صخرة الإدارة، إنما تعود جميعها إلى كوننا نعطي قوس الإدارة إلى غير باريها .

حتى في التفاصيل الإدارية ذات العلاقة بالطب نفسه فإن الطبيب يخفق فيها لأنه يحتاج إلى الفكر الإداري الذي لا ذنب له في غيابه .

خذ على سبيل المثال، لا الحصر، التعميم الذي صدر من وزارة الصحة منذ وزارة الدكتور أسامة شبكشي وحتى يومنا هذا والذي ينص على أن المستشفيات الخاصة لا تستقبل إلا الحالات الإسعافية الحرجة (دون تعريف لماهية الحالة الحرجة) واعترضت عليه كثيراً وعبر هذه الزاوية وفي الاجتماعات الخاصة وحتى يومنا هذا دون أن يعدل بطريقة تحدد على أقل تقدير تعريفاً للحالة الحرجة !!. أليس هو السبب والمشجب في رفض حالات إسعافية ليست فقط حرجة بل مميتة أشهرها وليس آخرها ولا أخطرها حالة الأديب والكاتب عابد خزندار ؟! وهل أكثر حرجاً من كسر الحوض الذي يقوم عليه ثقل كل الجسد؟! ألا يعرف الطبيب الإداري هذا ؟!.

هنا ندخل في جانب آخر هو التحيز للمهنة وحرص بعض وليس كل الأطباء في الوزارة وكل جهة صحية أخرى على أن تزدهر تجارة مستقبلهم وربما حاضرهم “تجارة الطب الخاص”.

إذاً فإن ما يعمي البصيرة الإدارية حتى في التفاصيل الطبية هي الرغبات !! وهذا يؤيد الحيطة بتولية الإدارة للمختص الإداري وما أكثرهم .

المشاكل الأخرى أكثر وأخطر ومنها التستر على طبيب مخالف أو ظلم الموظفين او إهمال شكاوى المرضى أو هدم بناء إداري قائم بحسن نية وجهل لفنون الإدارة وافتقاد لحكمتها .

هذا ما أدى إلى ازدياد وتنامي الشكوى من مآسي المستشفيات والجهات الصحية رغم أن وطننا يوفر كل أدوات النجاح لو وجدت من يديرها، ومثلما أن الإداري لا يتحمل رؤية الدم فإن الطبيب لا يتحمل التعامل مع المشاكل الإدارية وكم من طبيب له مشرط جراحي لا يعلى عليه ومشرط إداري لا يعول عليه .

يا سعد خبر مريض الكبد

الحوار مع الدكتور محمد السبيل الذي أجراه الزميل محمد الحيدر ونشر في صفحة كاملة بهذه الجريدة من الطبيعي جداً أن يحظى باهتمام عشرات الكتّاب في معظم صحف المملكة، فهو حوار حول مشروع وطني طبي كان علامة فارقة في تاريخ وطننا وكان يفترض أن يستمر ما ناله من وهج إعلامي وفخر وطني لو كنا نتعامل مع الإنجازات فعلاً على أنها من الوطن وللوطن. ثم أنه حوار مع جراح زراعة الكبد، أهم الأعضاء وأكثرها ضرورية للحياة، وهو الطبيب الذي لا يتحدث عن نفسه، بل يترك إنجازاته تتحدث عن الوطن!! وقد زاملته وبذلك أشهد أن الأضواء كانت تبحث عنه ويحولها للمريض ولقيادات هذا الوطن التي ساعدته على الإبداع. فطبيعي أن يكون الحوار معه بعد غياب طويل ملفتاً للنظر ومتابعاً ومقروءاً.
كل من عقب على الحوار نبض بقلب الوطن وتساءل عن زراعة الكبد، هذا المشروع الوطني الجبار الذي استمر بدون ذرة إعلام، لكنني وجهت عنواني وتساؤلاتي إلى الزميل سعد الدوسري بعد أن نكأت زاويته “وحش الصين” جرحا وطنيا في نفسي لطالما ناصحت أطرافه ولكن موضة (شخصنة الإنجازات الطبية) صمّت الآذان !!.

يا سعد اسأل جراح الكبد لماذا نحتاج للصين أصلاً ؟! اسأله لماذا كاد هذا الإنجاز الطبي أن يتوقف؟!، وهو الذي أنقذ في بداياته، بعون الله، أكثر من 188مواطناً ومواطنة من موت محقق، أولهم، أمد الله في عمره، لا يزال حياً يرزق يحمد الله ويدعو لخادم الحرمين عبد الله بن عبد العزيز الذي تبنى برنامج زراعة الكبد ودعمه.

يا سعد هل أصبح الطب لدينا يضيق بأكثر من إنجاز واحد؟! لماذا كان على ضوء زراعة الكبد أن يخبو حتى كدنا أن ننساه لولا حوار (الرياض) مع السبيل؟! لماذا يصر صاحب التسع وتسعين نعجة إعلامية أن يأخذ نعجة أخيه؟!، بل لماذا كان على مشروع منقذ لحياة المئات أن يصارع من اجل البقاء؟!.

يا سعد اسأل أطباءك فلعل لأسئلتك قبولاً خلاف أسئلتي، قل لهم لماذا نتعامل مع الإنجازات الطبية وكأنها “دلوي” سقاء لا بد أن يهبط هذا ليصعد ذاك ؟! بل اسأل زارع الكبد لماذا اختار مزاملتك على مزاملتي وقد كنا في قمة السعادة والوئام؟!

يا سعد لا تسأل أطباء زراعة الكبد العرب اللذين حضروا المؤتمر الثاني للجمعية العربية لزراعة الكبد في تخصصي الرياض، لا تسألهم لماذا غابت بعض المستشفيات في الرياض عن الحضور ناهيك عن التكريم؟! أقسم بأني أخجل أن يتذكروا هذا الموقف، فهم لا يعلمون بل لا يتخيلون أن السبب يعود لتلك الشخصنة المقيتة، سيعتقدون أن العيب في وطني وهو من العيب براء.

أتذكر يا سعد؟!، عندما كنا أطفالا نلعب في شوارع ثليم والريل والدركتر؟! لم تكن الأزقة ضيقة لكنني كنت أحاول منع (سيكلك) من تجاوز (سيكلي)، كنت أحدك وتسقط مع أن الطريق واسع و”سيكلك” أصلي و”سيكلي” صيني لكنني كنت أثقل منك وزناً وطفلا افتقد للحكمة!!.

هذا ما يحدث الآن يا سعد وطن واسع ونفوس ضيقة لا تتسع إلا لشخصها !!.

لوحة حماية الأسرة

موقف وزارة الشؤون الاجتماعية من مفهوم الحماية الأسرية لا يبشر بالحماس المطلوب ولا حتى القناعة بضرورة تطبيق هذا المفهوم، أما موقف الوزارة من التطبيق نفسه فإن أبلغ وصف له يتجسد في المثل الشعبي “مغصوب ولا قليل عرقه” وهو يصف من يؤدي العمل بالحد الأدنى من الجهد والاخلاص لأنه وببساطة إما أنه مدفوع لهذا العمل مرغما او أن الأجر زهيد.
أمثلة العنف الأسري تجاه الأطفال والزوجات والمراهقات والمراهقين، بدأت تتحدث عن نفسها، ليس في المستشفيات والشوارع ودور الإيواء وحسب بل حتى في وسائل الإعلام من صحافة مقروءة وتلفاز واذاعة، ووزارة الشؤون الاجتماعية لا تزال تتعامل مع الموضوع دون منهجية ولا نظم وسياسات ولا حتى تفعيل لإدارة الحماية التي أنشئت منذ عامين ولا تزال مجرد لوحة في شارع الشأن الاجتماعي وكأن الأسرة ليست هي لبنة المجتمع وكأن الشؤون الاجتماعية لا تعدو كونها مرتب الضمان الاجتماعي الذي لا يمثل الوزارة الا هو..!

ماذا تريد وزارة الشؤون الاجتماعية أكثر من أن عبء العمل تم فصله عنها في وزارة مستقلة عملت وأنتجت وحركت المجتمع، ووزارة الشؤون الاجتماعية لا تزال تعتبر نفسها وزارة الضمان الاجتماعي وبشهادة حق وانصاف فانها طورت آليات صرف الضمان، لكنها لم تطور بعد آليات تحديد الاحتياج اليه وتصنيف المستفيدين بطريقة علمية، لماذا لأنها تعاني من قصور العمل الميداني المتمثل في اعطاء المتخصص “الاخصائي الاجتماعي” فرصته في الإبداع وتطبيق مجال عمله والتقرير فيه.

إدارة حماية الأسرة أنشئت منذ سنتين ولا تزال مجرد لوحة، دون نظم ولا إجراءات ولا تحديد أدوار، ولا تدريب موظفين واخصائيين اجتماعيين، بل دون تحديد تصنيف لما يدخل ضمن مجال عمل الإدارة من عدمه، وماهي الحالات التي تحتاج ايواء وتلك التي يكتفى فيها بالمتابعة.

الطامة الكبرى في هذا الخصوص ايضا ان بوابات استقبال حالات العنف وهي المستشفيات متروكة وكل فيها يغني على ليلاه فمنهم من يوكل شأناً اجتماعياً بحتاً الى طبيبة أو طبيب لأنه لا يثق الا في ستر الطبيب، ومنهم من يعطي القوس لباريها (قسم الخدمة الاجتماعية) ولكن دون دعم أو صلاحيات.

ويبقى أمر العنف الأسري مجرد اجتهادات فردية ولعل هذا يفسر ما نشرته الصحف في خبر ارتفاع عدد المنتحرين إلى أكثر من مائة شخص خلال سنة ويبرئ ساحة الأسهم التي جعلناها شماعة كل تدهور نفسي ومالي.

تبييض اللحوم!!

الجانب الأخطر في جرائم ترويج مئات الأطنان من اللحوم الفاسدة، والذي لم يُثر على مستوى وطني بكل أسف، هو أننا نواجه عمليات غسيل لحوم أو “تبييض لحوم” وهذه لا تختلف عن عمليات غسيل الأموال، بل هي أخطر قياساً بأنها تتفوق إجراماً على تبييض الأموال كونها تهدد الصحة!!
953طناً لحوماً فاسدة تم ضبطها في الرياض خلال أقل من ثلاثة أيام و 100طن كبدة فاسدة ضبطت في جدة في ثلاجة واحدة، إضافة إلى عشرات الأطنان من اللحوم الفاسدة الأخرى التي تكتشف يومياً على الطرقات وفي المستودعات سواء من لحوم الأضاحي والهدي أو “فطيس البعارين” أو الأسماك الفاسدة..

مئات الأطنان تلك لو لم تضبط إلى أين ستذهب؟!، بل ما لم يكتشف منها إلى أين ذهب؟!..

الأمر لا يحتاج إلى ذكاء ولا حتى تفكير فهي بلا أدنى شك يتم “تبييضها” في شكل وجبات نتناولها إما معلبة في سوبرماركت أو هايبرماركت أو بقالات صغيرة أو مطبوخة في مطاعم نجمة أو خمس نجوم لا فرق مطلقاً إذا تساوت الذمم!!

ولأن جرائم غسيل الأموال عالمية فإن عقوباتها رادعة، أما جرائم غسيل اللحوم كونها محلية فإن عقوباتها مشجعة جداً فقد نشرت الصحف “وما لم يصحح فهو صحيح” أن غرامة ثلاجة كبدة جدة الشهيرة كانت 32ألف ريال مع إعادة فتح الثلاجة ولم يذكر شيء عن محاولة رشوة المراقبين الأمينين!! وقد قمت بحسبة سريعة ذكرتها في برنامج “دوائر” في “الإخبارية” خرجت منها بأن المائة ألف كيلوغرام من الكبدة الفاسدة المذكورة لو باعها بالكيلو فستحقق مليونين ونصف المليون من الريالات، ولو بيعت على هيئة (سندويش كبدة) فسوف تعمل 2مليون سندويشة قيمتها ستة ملايين ريال (سندويش الكبدة الغنم بثلاثة ريالات).

الربح في كل الأحوال يزيد عن مائة ضعف العقوبة، أي أن العقوبة التافهة مشجعة جداً على المجازفة وهذا خطير في قاموس الاقتصاد وقاموس تبييض الأموال.

أما في قاموس الصحة فإن تلك الكبدة كان من المتوقع لو بيعت أن تسمم 2مليون شخص يشكل من يموت منهم خسارة وطنية واجتماعية وإنسانية مؤلمة، أما من يعالج فسيكلف الوطن رقماً فلكياً يصعب حسابه!!.

عصابات تبييض اللحوم يجب أن تعامل بطريقة أقسى وعقوبات أغلظ من عصابات غسيل الأموال فالجريمة هنا مضاعفة والخطورة أكبر من قدرة وزارة التجارة على تخيلها ناهيك عن تحديد عقوبتها!!.

من الفقير؟!

أحسنت قناة الإخبارية عندما وضعت ضمن برامجها فقرة (سؤال اليوم) لتتيح للجمهور وللشارع أن يقول رأيه دون وصاية وبكل تلقائية ويبين وجهة نظره وإجابته عن سؤال مهم، ثم إنها بذلك تزيد بشكل كبير من عدد المتابعين خصوصا أن كل سؤال يجيب عنه عشرات الناس من مواقع مختلفة ذكورا وإناثا .
أحد الأسئلة كان (من هو الفقير في نظرك؟) ولعل الإخبارية تعمدت أن لا تحدد (فقير في ماذا؟!) هل في فكره أم ماله أم دينه….الخ، فجاءت الإجابات واقعية معبرة تدل على أننا نخطئ كثيرا في تقييم درجة وعي الشارع السعودي، ولعلي ذكرت مرارا اعتقادي بأن درجة الوعي لدى كثير من الناس العاديين أعلى من بعض المسؤولين فالمعاناة أقوى أداة لاستحثاث الشعور والمشاعر !!.

جاءت الإجابات حسب شعور كل شخص ومعاناته فقيل الفقير هو فقير الفكر، وقيل فقير الدين، وقيل من لا يصلي على النبي وقال آخر إنه من يشتم هذا ويسب هذا، وذكر أكثر من شخص أن الفقير من كان غنيا قبل الأسهم وخسر في الأسهم واستشهد آخر أن راتبه كان عشرة آلاف وكان ينوي أن يبني منزلا لكن خسارته في الأسهم جعلته لا يدخر أكثر من أربعة آلاف ويعيش دون بيت يملكه!!.

وقال أكثر من شخص أن الفقير بخصوصية المجتمع السعودي هو من لا يجد أساسيات الحياة وهي الوظيفة والمسكن الملك والرعاية الصحية بمعناها الحقيقي وليس كما يحدث الآن مجرد مضادات حيوية !!.

وقالت فتاة مرحة إن الفقير هو من لم يجد قبولا في الجامعات مثل حالتي أو من لم يجد وظيفة وجلس في بيته (طفران) مثلي، أما أبو صالح، وهو مسن شمالي اللهجة (وأهل الشمال يتحدثون بصراحة وبراءة) فقال الفقير هو (اللي ما عنده لا وظيفة ولا شين وما عنده حلال إلا الشونه) ويقصد من ليس لديه وظيفة ولا شيء ومعتمد على إعانة الشؤون الاجتماعية .

أما أنا فأرى أن الفقر يعتمد على نوع ما يفتقر له الشخص، وإذا ما حددناه بالمفهوم المباشر الشائع وهو الحاجة المادية فإن الفقير ماليا في مجتمعنا هو من لا يسأل الناس إلحافا وعندما يتقدم للشؤون الاجتماعية بعد طول خجل وتردد وحياء فإنه يصطدم بطلبات غريبة، موغلة في البيروقراطية وصعوبة التحقيق بالطرق التي تحفظ الكرامة، وإذا أردتم أتعس أمثلة الفقراء فهي امرأة إما أرملة أو معلقة أو مطلقة لديها عدد ممن تعول، ليس فيهم ذكر بالغ يستطيع المراجعة ولا تحب أن تشتكي حالها لغير ربها (وفي هذا قمة الغنى) فلا يعرفها موظفو الضمان الاجتماعي ولا موظفات الجمعيات الخيرية.

أما أخلاقياً فإن أشد الناس فقرا هو من أوكل إليه أمر الفقراء ومعاملاتهم والبحث عن المستحق منهم ولم ينجح في ذلك ثم لم يعتذر عن هذه الوظيفة.

شكرا للإخبارية وشكرا ل أبي صالح فقد أثار شجونكم وشجوني وعسى أن يثار مزيد من الشجون في وزارة الشؤون !!.