الجديد في غش شرائط السكر

منذ أن تشرفت بنشر خبر ضحايا شرائط تحليل السكر المغشوشة يوم الاربعاء الماضي وهاتفي المحمول لم يهدأ وكذلك الهاتف الثابت، وجميعها مكالمات لمواطنين ومقيمين يحترقون ألماً لما يتعرضون له من غش دون تحرك جهة لتحميهم ويزيدهم حرقة أنهم حتى على مرض السكر لم يخلوا من الحسد!!.
غني عن القول إن أكثر من 10٪ من مرضى السكر هم من الأطفال الذين لا يقدرون على التعبير عن حرقتهم بل لا يمكنهم الاستفادة من التوعية التي صاحبت نشر الخبر ولا يمكن لوالديهم إدراك تعرضهم لجرعة زائدة من الأنسولين أثناء نومهم وبالتالي فقد تموت أكبادنا التي تمشي على الأرض وهي نائمة.

في موقع جريدة (الرياض) الالكتروني وصل عدد التعليقات حتى ساعة كتابة هذه الزاوية صباح الجمعة إلى أربعين تعليقاً بعضها يتساءل عن تقاعس إدارة مكافحة الغش التجاري في حماية المستهلك من الغش واقتصار اهتمامها على حماية العلامة التجارية، والبعض الآخر يبكي بحرقة ما آلت إليه حال وزارة الصحة من ضعف في الرقابة وليونة في التعامل مع المتاجرة في الطب سواء كانت المتاجرة نظامية أو مخالفة وقد تساءل أحدهم بحرقة ما إذا كانت وزارة الصحة تجتهد في حماية المريض مثلما تفعل لحماية الطبيب وأنا أقول والتاجر.

هذا الكم الهائل من التفاعل مع المشكلة من الناس ليس مستغرباً ولا يعد اكتشافاً فالاكتشاف المذهل الذي نقلته تفاعلات القراء مع الخبر هو أن عدداً من مسؤولي المكاتب العلمية للشركات المصنعة للشرائط الأصلية تطوعوا أصالة عن أنفسهم ونيابة عن شركاتهم وخاطبوا إدارة مكافحة الغش التجاري رسمياً حول وجود شرائط مقلدة لمنتجاتهم تعطي قراءات خاطئة وتهدد أرواح المستخدمين.. فما الذي حدث؟!

مكافحة الغش التجاري أشعرتهم شفهياً أن عليكم أولاً تسجيل منتجكم كعلامة تجارية لتتم حمايته وعندها فإننا سنحمي العلامة التجارية إذا نما إلى علمنا أن أحداً يقلدها!!

يقول أحد المواطنين المخلصين في إحدى تلك الشركات إن إدارة المكافحة أصبحت تتوسل إليه بخطابات رسمية بعد نشر الخبر أن يزودها بتفاصيل شكواه مع العينات!!.

مواطن آخر أيضاً مخلص ويعمل في شركة مصنعة للأصلي طلب مقابلة وزير الصحة لابلاغه بأمر التقليد الخطير منذ عدة أشهر، وتركه مدير المكتب ينتظر لعدة ساعات وعندما ألح عليه بأنه متطوع لإبلاغ الوزير عن موضوع مهم (وشرح الموضوع) أبلغه مدير المكتب أن كل من في صالة الانتظار «يعتقدون» مثلك أن مواضيعهم مهمة، فحمل حقيبته وغادر!!

لابد أن مدير المكتب الآن يبحث عن المواطن الغيور ليتوسل إليه بالعودة.

لماذا يا جماعة لا نتحرك حتى نرى الصحافة تهز مقاعدنا؟! لماذا لا نتذكر دائماً أن حسيبنا الله يعلم سرنا ونجوانا وما تخفي صدورنا؟!

في جحيم من القُبل

كنتُ قد حذرت في أكثر من مقال سابق من خطورة انشغال موظفي الدوائر الحكومية والخاصة بمتابعة سوق الأسهم والبيع والشراء عن طريق الشبكة العنكبوتية، الأمر الذي أدى فعلاً إلى تأخر مصالح المراجعين ومعاملاتهم، بل أدى إلى عدم قدرة بعض الموظفين في مسؤوليات حساسة على مقابلة أصحاب الشكاوى واحالتهم إلى السكرتارية أو إلى موظفين لا يملكون القرار لإنصافهم وذلك لمجرد «تصريفهم» حتى يغلق السوق.
وبالنسبة للمستشفيات والدوائر الصحية فإن السلبيات لا تنتهي باغلاق السوق في الفترة الصباحية بل تمتد مع امتداد دوام المستشفيات في الفترة المسائية وتمتد معه المعاناة.

وفي الدوائر الصحية ذات الدوام المستمر من الصباح حتى بعد المغرب فإن فترة توقف سوق الأسهم بين جلستيه الصباحية والمسائية هي الفرصة السانحة لصاحب الحق ان يجد من يستمع إلى مطالبته حتى لو كانت تتعلق باهمال صحي أو جانب إنساني مهم ومع ذلك فإن فترة الهدنة القصيرة تلك تضيع على المراجع بين «فسحة» الغداء التي هي حق من حقوق الموظف يحرص عليه ويدركه ليس بذات الإدراك لحق المراجع طبعاً!! وبين نقاشات هاتفية وحضورية حول نفس الموضوع «تجارة الأسهم».

هذه الأسهم ضربت إنتاجية المجتمع في مقتل في مجالات شتى وأضرت بمصالح الناس عن طريق إهمال غير مشروع وانشغال غير مستحق وغير منصف.

الذي استجد يعتبر ضربة خطيرة جديدة تتخذ طابع المشروعية تتمثل في تحول كم كبير من الأنشطة الاستثمارية ذات الطابع الفردي أو الجماعي الصغير إلى الاستثمار في الأسهم مما عطل أنشطة عديدة وحول السيولة عن الاستثمار المفيد ذي الإنتاجية والمصالح المشتركة إلى استثمار في أرقام ووحدات وهمية لشركات لم تبدأ أعمالها بعد فأصبح تاجر الأسهم كمن يشتري طيراً في الهواء أو سمكاً في الماء وهذا نتائجه، على المدى البعيد، عندما يجد الجد وتقاس مكانة الدول بإنتاجيتها لا سيولتها، ليس من الصالح الوطني في شيء.

أتألم كثيراً وأنا أشاهد لوحات «للتقبيل.. لعدم التفرغ» تتزايد على واجهات أنشطة تجارية ذات مردود عملي، حتى أصبح اقتصادنا يعيش وسط جحيم من القبل.

عِبَرٌ من جريمة

قصة الأبرياء الأربعة الذين حُكم عليهم في جريمة قتل في جازان أحكاماً تراوحت بين 14 عاماً وسبعة أعوام مع الجلد وبلغ مجموع الأحكام 44 عاماً و10500 جلدة وأمضوا في السجن 7 سنوات، ثم اتضح بعد القبض على القاتل الحقيقي أنهم كانوا أبرياء وهي القصة التي أوردتها جريدة «الوطن» يوم السبت 24 شوال 1426ه بطريقة تغني عن أي تعليق حول الخطأ الفادح الذي أدى إلى دفع هؤلاء الأبرياء 7 سنوات من العمر والألم ثمناً لذنب لم يرتكبوه وفقدان والدة أحدهم لبصرها وإدراج زوجته ضمن قائمة المرضى النفسيين ووالده إلى قوائم ضحايا مرضى السكري بينما ينام المحقق ملء جفنيه.
ولأن القصة تغني عن التعليق فإن ما أود أن أورده هو التنبيه والتأكيد على عدد من العِبَر الإيجابية لهذه الحادثة المؤلمة.

العبرة الأولى تؤكد على عظم ديننا الحنيف وأحكامه التي لا يأتيها الباطل من بين أيديها ولا من خلفها لأن مرجعيتها من كتاب منزل وسنَّة نبوية شريفة ولذا فهي، أي الأحكام، تتميز بالحيطة الشديدة جداً فيما يتعلّق بحق الحياة، فلو كان المتهم الرئيس في القضية المذكورة في بلد يخضع لقوانين وأحكام وضعية تطبق حكم الإعدام لكان قد أعدم منذ سنوات لأنه اعترف بارتكاب القتل، وبذلك لن يستفيد من ثبوت البراءة ولكانت المأساة أكبر بكثير لكن الحكم القائم على شرع الله وسنَّة رسوله أكد حسب ما ورد في نص الحكم المنشور «بدرء الحد الشرعي عن المدعى عليهم لقوله صلى الله عليه وسلم: ادرؤوا الحدود بالشبهات» أ.ه.

فرغم اعتراف المتهمين إلا أن وجود شبهة بسيطة ربما في عدم قدرة المتهمين على تمثيل الجريمة أو تظلمهم من حيثيات الاعتراف جعلت المحكمة تطبق درء الحد الشرعي وهذه نعمة كبيرة منعت مأساة مدوية.

العبرة الثانية تكمن في أن على المحقق مهما بلغ به التأكد من تطابق الجريمة على المتهم أن لا يجزم بذلك وأن لا يتصرف بناء على حيثيات قد تكون محض صدفة وأن يتقي الله فيمن ولي أمرهم فقد يكونون أبرياء أو بينهم بريء.

العبرة الثالثة أن ضابط التحريات البطل الذي أخلص في عمله وجمع خيوط القضية من جديد بعد سبع سنوات وقبض على الجناة الحقيقيين إنما حقق هذا النجاح لأنه أخلص في عمله ومنحه جهداً غير عادي دون تهاون أو تراخ أو كسل ودون استهتار بمصير الأبرياء فحقق ما حقق من نجاح سيثاب عليه إن شاء الله في الآخرة وجدير بأن يكافأ عليه في الدنيا، فنحن بأمس الحاجة إلى تشجيع روح العمل بالدعم المعنوي والمكافآت المعنوية والمادية.

المسؤولية وروح النقابة

لا يقل خطر تحيز مسؤول إلى مهنته عن ذات الخطر الناجم عن تحيزه لقريب أو صديق أو صهر أو ممارسته لأي نوع من أنواع التحيز للمتقاعس على حساب المجتهد وللسلبي على حساب الايجابي وللجامد على حساب المبدع.
وليس أضر على المسؤولية الجسيمة من شخص يملك قدراً كبيراً من روح النقابة تجعله يعتقد أن زملاء المهنة يجب أن يكونوا دوماً محل الثقة الادارية ومنزهون عن كل عيب ويفترض تقديرهم وحمايتهم وتمييزهم عن بقية الموظفين ليس لكفاءتهم أو تميزهم ولكن تعصباً للمهنة التي ينتمي هو وهم لها.

في مجتمعنا على وجه العموم وفي مقرات العمل على وجه الخصوص تتفاوت درجة روح النقابة أو التعصب لمنسوبي المهنة الواحدة بين مختلف المهن ومنها الهندسة والمحاسبة والطب والمحاماة والصيدلة ويبدو من الواضح جداً ان أشد حالات التعصب للمهنة أو أعلى درجات روح النقابة، تتوفر لدى الأطباء دون منازع، ويبدو ذلك جلياً في حرص الأطباء على إبقاء الطبيب في منأى عن النقد والمحاسبة والتخطئ بل ومنحه الثقة في ممارسة أعمال ليست ضمن خبراته ولا مؤهلاته كالادارة في كل مجال له علاقة بالصحة، وكما ذكر الدكتور غازي القصيبي في كتابه «حياة في الادارة» لم يكن من مهام أي من وكيلي وزارة الصحة ضرب الحقن أو كتابة الوصفات، إلا ان سيطرة الأطباء المطلقة، تخطيطاً وتنفيذاً، على القطاع الصحي في الدول النامية جعلت الناس يستغربون عندما يجدون غير الطبيب في موقع قيادي من مرفق صحي». انتهى ما ذكره القصيبي، وقد أشار في موقع آخر من كتابه إلى انه بحكم غريزة البقاء، اضافة إلى روح النقابة ينزع جهاز الوزارة إلى الوقوف، صفاً واحداً، ضد شكاوى المواطنين. أ.ه.

ومن مشاهداتي ان المهندسين أقل المهنيين تأثراً فلا تكاد روح النقابة تتدخل في عملهم مطلقاً وهذا محمود، ودلالة وعي، ويتساوى المحامون مع المحاسبين في حماسهم لتفعيل أنظمة المهنة وأخلاقيات عملها دون تأثر عمل المسؤول بكونه محامياً أو محاسباً. أما الصيادلة فيعملون على الاقناع بأهمية تخصصهم وصورته الحقيقية ويبدون فخورين بالانتماء إلى مهنتهم لكنهم يهربون عن لقب صيدلي ما أمكنهم ذلك إلى لقب دكتور وخلافه.

مربط الفرس أن من يتولى مسؤولية قيادية في مجال ما يرتكب خطأ فادحاً في حق الوطن أولاً وحق نجاح العمل وحق زملائه ونفسه إذا سمح لروح النقابة بأن تتدخل في مسؤولياته الجديدة البعيدة كل البعد عن تخصصه والقريبة كل القرب من جانبه الاداري البحت.

لقد أدى ارتفاع روح التحيز إلى المهنة وتدخله في صنع القرار إلى ولادة نظم واجراءات بعاهات خلقية استدعت سنوات من العلاج والتعديل واستطاع كل من لديه قدر بسيط من الادراك أن يدرك اعوجاجها بعد التطبيق ولعل لائحة الوظائف الصحية أو ما يسمى بسلم الوظائف الصحية أكبر دليل على ذلك حيث أدخل عليه عدد كبير من التعديلات بعد صدوره بفترة وجيزة لأنه لم ينصف الآخرين من أعضاء الفريق الصحي لسبب بسيط هو أن من «استشيروا» فيه بحكم موقعهم في المسؤولية آنذاك كان لديهم قدر عال من روح النقابة لمهنتهم وقدر قليل من المسؤولية، فأحكموه لمصلحة مهنة الطب على حساب عدة مهن لازال بعضها يشتكي حتى اليوم.

ولا اعتقد اننا في حاجة إلى مزيد من الأخطاء الناجمة عن التمييز المهني لدى من حملوا المسؤولية فحذار من روح النقابة في غير محلها حتى لا نهدم ما بناه الحياد.

ارتفاع سعر الدواء

استشهدت بمقارنة بين ارتفاع أسعار الدواء بمباركة وزارة الصحة وبقاء سعر الدخان دون زيادة كنتيجة لسلبية نفس الوزارة وهي المعنية بعلاج مضاعفات التدخين الخطرة والمكلفة .
وأشرت في تلك المقارنة التي نشرت في هذه الزاوية يوم الخميس الماضي إلى أن السماح لشركات الأدوية برفع أسعار الدواء دلالة ضعف وزارة الصحة التي تحتاج إلى قوي، وكانت الإشارة إلى رفع أسعار الدواء على المرضى عابرة كعنصر مقارنة، وأرى أن مثل هذا الموضوع لا يجب أن يكون عابراً مثلما أنه يفترض أن لا يعبر كقرار بالطريقة التي تمت خاصة وانك تتحدث عن عنصر أساسي للحياة وليس سلعة ترفيهية أو حتى غذائية لها بديل .

إن ثمة شريحة كبرى فقيرة تعيش على أدوية السكر والضغط وتجلط الدم وأمراض القلب والغدد وعلاجات الأورام والكبد ومضاعفات زراعة الأعضاء .

وإن كثيراً من المرضى من المواطنين لم يعد لهم مرجعية علاجية في ظل قلة انتشار وانخفاض مستوى وقدرات مستشفيات وزارة الصحة وشح تخصصها مقارنة بالمستشفيات المتقدمة والمتخصصة للقطاعات الأخرى والتي أصبحت ترفض علاج غير منسوبيها وحتى لو قبل المريض بطريقة استثنائية في تلك المستشفيات فإنه يدفع تكاليف علاجه ويدفع قيمة الدواء او يشتريه من الصيدلية .

فهل من المقبول في ظل هذا القصور أن تقبل وزارة الصحة رفع سعر الدواء بتلك الصورة التي تنظر بعين الاعتبار لمشكلة شركات ووكلاء الدواء مع ارتفاع سعر اليورو ويكون ذلك على حساب المواطن المسكين؟ .

إنه وبحكم قربي من هذا المجال واهتمامي بهذا الموضوع أعلم أن مطالبات تجار الدواء بدأت منذ عدة سنوات لكن الوزارة كانت أقوى من أن تستجيب لهم على حساب المستهلك بل إن الإجتماعات والنقاشات بين الوزارة وتجار الدواء وصلت إلى حل قبلته جميع الشركات عدا واحدة ألمانية غير مهمة ولا نستورد منها إلا صنفاً أو اثنين لهما بدائل ويتلخص الحل في تثبيت سعر الدواء بالدولار لمدة خمس سنوات قادمة بحيث يقسم فرق سعر العملة المقدر بحوالي 24٪ على ثلاثة هم (الوكيل أو الشركة) و(الوزارة) و(المستهلك) وبذلك فإن الدواء لن يرتفع على المستهلك بأكثر من 8٪ في أسوأ الأحوال وقد لا يرتفع مطلقاً .

أما ما يحدث اليوم فهو اعتماد حل لم يكن تجار الدواء يحلمون به واعتمد على أعلى سعر وصله اليورو فأصبح معدل ارتفاع سعر الدواء حوالي 15٪ ووصل في بعض الأدوية إلى 34٪ بكل أسف . وهو ما ينم عن ضعف وزارة الصحة ورضوخها بسهولة لضغوط التجار وهي ضغوط لا يمكن أن تنتهي .

كما أنني لا زلت أرى أن ارتفاع سعر الدواء الذي هو عنصر حياة لكثير من المواطنين وبقاء الدخان رخيصاً وهو اداة فناء للآلاف منهم يعد مقياساً فعالاً لحجم الضعف في وزارة الصحة.

غلاء الدواء ورخص الدخان

إذا أردت أن تقيس درجة وعي سكان بلد ما بطريقة جد سريعة ومقبولة الدقة فما عليك إلا أن تحصي عدد المدخنين في الشارع والمقاهي والمطاعم وكل مكان تقع عليه عينك وستجد أن عدد المدخنين يتناسب عكسياً مع مستوى الوعي العام للبلد «كلما زاد المدخنون دل ذلك على قلة في الوعي».
حتى في نشرات الأخبار في التلفزيون ولوكانت صامتة يكفي أن تلمح لقطات على سكان المدينة لتدرك من عدد المدخنين أنك أمام خبر عن بلد متخلف أو من دول العالم الثالث.

وإذا أردت أن تقيس مدى جدية وزارة الصحة في بلد ما وحماس ووعي القائم عليها فكل ما عليك هو أن تمعن النظر في مدى قدرتها على فرض الوقاية كسبيل أفضل من العلاج في جميع المجالات ومنها محاربة التدخين والعمل على قطع دابره بما في ذلك القتال من أجل رفع سعره وفرض رسوم عالية عليه ومنع التدخين في أكبر مساحة ممكنة في الأماكن العامة وليس فقط استصدار أمر المنع ولكن متابعة تنفيذه فوزارة الصحة الواعية تدرك أنها تنفق النصيب الأكبر من ميزانيتها في علاج مضاعفات التدخين في المجتمع.

إذا اقتنعت بمدى دقة وصدق المقياسين السابقين، مقياس وعي المجتمعات ووعي وزارات الصحة فيها عن طريق التدخين فتعال لنقارن وستجد أن المدخن في الولايات المتحدة الأمريكية أصبح منبوذاً أكثر من أي وقت مضى وسترى أن جميع الأماكن العامة المكتظة بالناس لامكان للمدخن فيها وأن الفصل حتى مجرد الفصل لم يعد موجوداً فلا وجود لمناطق مدخنين على الإطلاق حتى في مواقع الجذب الربحي كالمطاعم ناهيك عن المطارات ومواقف النقل العام بل ودورات المياه. بينما في مطاراتنا الدولية فإن اكثر ما يسبب سواد لوحة «ممنوع التدخين» هوالتدخين تحتها دون رادع وأن أصعب أنواع النهي عن المنكر هو محاولة منع مدخن من التدخين في مكان ممنوع لأن وزارة الصحة لا تساعد على ذلك!! ولم تستعن بالجهات المختصة لتطبيق المنع بصرامة.

وفي الصورة الثانية قارن بين أسعار السجائر في جميع دول العالم مقارنة بالمملكة وستجد أن سعر العلبة في بعض دول أوروبا أربعة أضعافها هنا أما السعر في كندا فإنه أربعة أضعاف ونصف وفي سويسرا ثلاثة أضعاف. وأن سعر الباكت لدينا رغم المطالبات الإعلامية والاجتهادية برفع سعره وفرض رسوم عليه لم يرتفع خلال عشرين سنة إلا بمقدار ريال واحد ربما كان دعماً لوكلائه لأن الريال لايردع ولايخفض استعمالاً.

أما إذا أردت أن تعرف مدى ضعف وزارة الصحة فاعلم أنها استجابت لضغوط التجار برفع سعر الدواء على المواطن في وقت عز فيه توفر العلاج المجاني على كم كبير من شرائح المجتمع من موظفي الدوائر التي ليس لها مستشفيات فارتفع سعر الدواء بنسبة تجاوزت 10 إلى 15٪ وهي أدوية أساسية لإنقاذ الحياة بينما بقي الدخان على ارتفاع قدره ريال في العلبة خلال عشرين سنة.

إن ارتفاع سعر الدواء وبقاء سعر الدخان على ما هو عليه يطرح تساؤلاً حزيناً حول مدى قوة وقدرة وزارة الصحة وجديتها في مواجهة المواقف مع التجار فمثل هذه الوزارة تحتاج إلى قدر كبير من القوة.

قطار المناصب

هكذا وبطريقة تلقائية وجدنا أنفسنا وقد فرضنا على حياتنا الوظيفية، خاصة في المستويات العليا، نمطاً غريباً وفريداً من السلوك الوظيفي أو «بتعبير أقرب لمستوى الوظيفة» تعريفاً جديداً لمعنى المنصب الجديد.
يفترض أن التعيين في مستوى أعلى من المسؤولية يعتبر تكليفاً لا تشريفاً وتحميلاً لمزيد من مشاق العمل التي تستلزم مزيداً من الجهد ووقت التواجد و«التفرغ» لمهام المنصب الجديد ومحكاً دقيقاً لاختبار قدرات الشخص الإدارية وهل كان التوفيق حليفاً لمن رشحه أم أن المنصب كان أكبر من قدراته.

في نمطنا الجديد أصبح المسؤول الجديد يعتبر المنصب محطة للاستراحة والتفكير في كيفية تلميع الذات «دون عطاء» للصعود إلى الدرجة الأعلى مباشرة وعن طريق «مصعد» التواجد الإعلامي وحضور أكبر قدر ممكن من المناسبات الشرفية وإبداء درجة عالية من الليونة على حساب مصلحة العمل.

لم تعد المسؤولية الجديدة قاعة اختبار طويل المدى تؤهل إلى «احتمال» التكليف بمسؤوليات أكبر، وتستدعي جهداً وعرقاً وإبداعاً وبذلاً للوقت والذهن والتفكير والانصهار في تفاصيل المسؤولية الجديدة أملاً في فهمها وخدمتها والنجاح فيها.

أصبح الشخص يدخل المنصب مسرعاً يبحث عن الطريق إلى المحطة القادمة تماماً كمن ينزل من قطار أرضي يركض يمنة ويسرة ينظر في الخرائط من حوله عله يجد لون الخط الذي ينقله إلى المحطة القادمة.

هذه النظرة هي التي أدت إلى انخفاض الأداء في بعض المؤسسات وتدني الخدمات رغم ضخ دم جديد ما يلبث أن يوزع مسؤولياته على من هم حديثو عهد بالإدارة وينشغل عنهم بالحديث عن اللون الذي يؤدي إلى المحطة القادمة.

المجتمع هو الآخر انساق مع هذا النمط وتشبع وأصبح يعتبر التعيين تشريفاً يستوجب التهنئة وكأنما حصل على كسب مع أن الطبيعي أن نربت على كتفيه ونتمنى له النجاح في اختباره الصعب ونعزيه في ما سيفقد من راحة ووقت وأجواء أسرية، لأن الأصل أن الموظف للوظيفة وليس العكس وكلما كبرت الوظيفة احتاجت إلى مزيد من العمل وقليل من الراحة وكثير من التواجد في مقر العمل لكن هذا لا يحدث دائماً.

أطلال إدارة

لأننا في مؤسساتنا الحكومية لا نعير اهتماماً يذكر لوضع نظم وسياسات وإجراءات مفصلة وثابتة لكل تفاصيل شؤون المؤسسة فإن إداراتنا الحكومية مهما كبرت وبلغت من الأهمية والحساسية فإنها تكون ادارة الرجل الواحد.
رجل واحد يبنيها ويرفع بناءها ويجعلها شامخة وشعلة من نشاط ثم يأتي آخر ليهدم ما بناه من قبله ويحاول عبثاً التأسيس لبناء آخر مختلف بتوجهات مختلفة.

حتى لو لم يقصد الجديد التغيير أو لم يقدر عليه فإنه إذا لم يكن بنفس قوة وتمكن وخبرة وحنكة من قبله فإن قاعدة (من الصعب الوصول إلى القمة لكن من السهل جداً السقوط منها) تنطبق على المؤسسة فتجدها لا تلبث أن تنهار من كل جانب حتى تصبح أطلالاً!!

قد يضع البعض جل اللوم على الجديد القادم لقلة خبرته وضعفه وافتقاده لعناصر النجاح الاداري ولكن الجديد لا يتحمل وحده ما حدث، لأن من سبقه هو الآخر لم يؤسس البناء على أساس أنه راحل يوماً ما، ولذا فإن النظم والإجراءات والسياسات لم توثق بطريقة تجعل تغييرها صعباً ويحتاج إلى أكثر من مجرد جرة قلم أو فكرة عابرة أو اقتراح متمصلح.

كان يفترض بالمدير القوي المحنك أن يدرك أن ما تعب وعانى وصارع من أجل تأسيسه عرضة لأن يقع في يد من لا يدرك حجم المسؤولية أو من لا يستوعب دقة التخطيط وبعد النظر أو على أقل تقدير (وهذا وارد بشكل كبير) من لا يستطيع قيادة السفينة بنفس الابداع ونفس القوة، ولذا فإن من المفترض ضمن بدهيات وأبجديات التأسيس أن يجعل من الصعب تغييره إلا بقرار أعلى عن طريق توثيقه بطريقة محكمة ومعلنة بنظم وإجراءات رسمية.

قلنا ولانزال نقول إن (خير من استأجرت القوي الأمين) عبارة وردت في القرآن الكريم بترتيبها الحكيم المحكم فالقوي جاءت قبل الأمين لأهمية قوة من تستأجر ثم أمانته، لكن الأمانة وحدها مع ضعف لا تكفي مثلما أن القوة وحدها مع عدم الأمانة تعتبر خطيرة هي الأخرى.

إذا استبدلت القوي الأمين بضعيف أمين فقل على المسؤولية السلام، وهل هدد منجزاتنا وأهدر جهوداً جبارة بذلت إلا مسؤول ضعيف لا يقدر على اتخاذ قرار أو قيادة مجموعة موظفين ولا يمتلك قوة الشخصية للقطع في أمر ما إلا بعد أن يتردد كثيراً ويرتجف أكثر ثم يتوانى إلى أن ينهار البناء؟!

أو مدير يريد أن يغير ما بناه من قبله اعتقاداً أنه لا يجد نفسه أو يعلن عنها إلا بذلك التغيير الذي يكلف الوطن جهوده ومقدراته ويفقد المواطن خدمات بذلت فيها الدولة أموالاً طائلة؟!

إننا في أمس الحاجة إلى حسن الاختيار ومن مميزات القوي الأمين أنه لا يفكر في إحداث تغيير لمجرد التغيير لأنه أقوى من أن يستقوي بما لا يعد قوة.

المواطن السعيد

الاهتمام برفاهية المواطن وترفيهه وإدخال البهجة والسرور إلى نفسه وحمايته من كل ما يسيء إلى إنسانيته أو يهضم حقوقه أو يدخله ضمن دائرة الإحباط، هذه أمور مهمة جداً في خلق مجتمع صحيح سليم متماسك ومتحاب أفراده يلتفون حول وطنهم التفاف الجسد الواحد.
نحن في هذا الاتجاه السليم سائرون على الطريق الصحيح بإذن الله وثمة علامات فارقة واضحة تدل عى ذلك وأيضاً دلائل أخرى صغيرة لكنها تدل على الشيء نفسه.

الاهتمام بالترفيه أثناء عيد هذا العام والتركيز عليه على أعلى المستويات واحد من الدلائل الواضحة حتى ولو بدت صغيرة للبعض أو ثانوية أو وقتية لكنها ذات دلالات كبيرة فجميع الجهات ذات العلاقة أبدت هذا العام مؤشرات تدل على أن إسعاد المواطن والمقيم وإدخال البهجة والسرور للنفوس هو توجه عام ومهم وليس مجرد اجتهاد أشخاص أو بلدية أو أمانة مدينة وحسب.

الوطن أرضاً ومواطناً في أمس الحاجة إلى ما يدخل البهجة إلى النفوس، في أمس الحاجة إلى الخروج من حالات إحباط طالت، في أمس الحاجة إلى الاهتمام بالحالة النفسية للمواطن لتشجيعه على مزيد من العطاء، في أشد الحاجة إلى الفرح بعد أحزان الإرهاب والحروب والأوضاع الدولية السيئة المتلاحقة.

المؤمن القوي خير من المؤمن الضعيف والمواطن السعيد أقدر على التحمل والعطاء والإنتاج من المواطن الكئيب.

علينا أن نتذكر دائماً أن الإنسان بقدر ما أوتي من جبروت وقوة وعناد فقد أوتي قدراً كبيراً من الضعف والهشاشة وسرعة التراجع والتحول والتأقلم مع الواقع والتأثر السريع بما حوله، ألا ترى أن السياسيين وهم أعتى أصناف البشر وأصلبهم تؤثر فيهم الكلمة الواحدة سلباً أو إيجاباً (كلمة توديهم وكلمة تجيبهم) فكيف بالبشر العادي أو المواطن العادي؟!.

لقد رأينا كيف أن نزول قطرات المطر تحدث تغييراً غريباً في النفوس لأنها خلقت جواً نفسياً يعاكس الجفاف والحر والغبار، وهذه دلالة أخرى على سرعة تأثر الإنسان بمؤثرات بسيطة تدخل على نفسه البهجة.

أيضاً شاهدنا كيف أن إجازة اليوم الوطني وهي يوم واحد كان لها تأثير سحري في نفوس الناس وشعورهم أكثر من أي وقت مضى بأهمية اليوم الوطني.

المثال الأكثر وضوحاً وتأثيراً هو ما أحدثته زيادة الرواتب من أجواء الفرحة والالتفاف حول الوطن ومشاعر الحب والوئام، فإلى مزيد من مبادرات وأسباب السعادة والحب يا وطني.

الأمن بالإيمان

سيدوم أمن واستقرار وعظمة هذا البلد ما دامت أصوات التلاوة والدعاء تصدح من مآذنه (بالصورة) التي رأيناها ونراها وسنراها بإذن الله في كل وقت وصلاة وفي كل جمعة وفي ليالي شهر رمضان المبارك، وأقول صورة لأن الصوت إذا بلغ قمة جماله عبر عنه بالمشاهدة.
عظمة هذه البلاد وتخطيها للأزمات والمحن بيسر وسهولة، وسعادتها وما تزخر به من نعم وثروات مادية وبشرية ونجاحها دوماً في البقاء مستقرة وسط منطقة تهتز، وثابتة في عميق محيط هائج، وباردة رغم استعار النار من حولها، ومطمئنة رغم تعدد من يجمعون لها ويستهدفونها، هذا التميز آية في العظمة ولا شك أن أحد أسراره الإخلاص في الدعاء المصحوب بإخلاص في العبادة وهو الطابع السائد العام المميز لهذا البلد حيث لا يشوب ولن يشوب أصوات الدعاء شوائب من أصوات نشاز كما يحدث في أماكن أخرى.

إن أئمة المساجد في بلادنا يبذلون جهوداً كبيرة لا يرجون منها إلا وجه الله ورضاه وتتضاعف هذه الجهود في شهر رمضان خاصة في صلاة التراويح وقيام الليل وتفطير الصائمين وإقامة الدروس والمحاضرات التي تهدف إلى تثقيف الناس والنشء في أمر دينهم وتلك الجهود تحتاج إلى مواصفات شخصية ليست باليسيرة فغالبيتهم هم ممن يحفظ القرآن كاملاً ويرتله ترتيلاً بصوت عذب وبسرعة لا تقبل الخطأ أو التعثر ولعل تلك القدرات لحافظي القرآن هي من أمثلة إعجاز القرآن، فما من نص مهما اجتهد حافظه يمكن أن يلقى في جمع بنفس السرعة والإتقان ولو لدقائق معدودة دون تعثر أو اخطاء مكررة وعدة توقفات فما بالك بمن يتلو لساعات، في ليالٍ، في شهر، مقيداً بتجويد وتشكيل يحفظ المعنى ومع ذلك لا يخطئ إلا ما ندر.

وما يقال عن القراءة يندرج على استحضار الدعاء الشامل عن ظهر قلب ولعل لنا في شيخنا إمام المسجد الحرام فضيلة الدكتور عبدالرحمن السديس خير استشهاد برجل متمكن معتدل وسط، يملك حضوراً متميزاً وشمولية حكيمة، حرك بدعائه أفئدة وأحاسيس ومشاعر سكان المعمورة فخشعت قلوب المؤمنين منهم وجرت مدامعهم وصفت نفوسهم أما من لم يسلم من سكانها فقد سمع تأمين وتأييد ملايين المسلمين في تصويت حي ضد من أراد إسلامهم بسوء فأنزل في قلوبهم الرعب.

ثمة شباب كثر وشيب وكهول من الأئمة أجرهم وثوابهم يرجونه من الله سبحانه وتعالى الذي بيده خير أجر وأفضل ثواب وأزكى مكافأة، لكن هذا لا يمنع أن نكرم نحن كمجتمع أئمة المساجد بما يستحقون من كريم التكريم وتسليط الضوء على المتميز منهم ليكون قدوة حسنة لشبابنا في وقت نحن في أمس الحاجة فيه جميعاً للقدوة الحسنة.

صحيح أن إمامة المسجد ليست مهنة كباقي المهن ولا وظيفة كغيرها من الوظائف لكن رجالاتها هم من خير الرجال وروادها من أنقى الرواد ويشكلون شريحة اجتماعية هامة ومشرفة تستحق الإبراز كقدوة لبقية المجتمع خاصة وأننا في مجتمع دأب على تكريم كل من تميز من مثقفين وأدباء وعلماء علم وشريعة.