يعيرونك بالخليج

الوتر الذي يعزف عليه هذه الأيام بعض من يتنكرون لهذا الوطن الذي دعمهم حتى اصبحوا شيئاً يذكر هو وتر الاستثمار خارج الوطن وفي دول مجاورة بحجة ان اجراءات التراخيص لدينا معقدة وطويلة وتستلزم الكثير من التعهدات والاقرارات والإثباتات التي إذا ما قورنت بسهولة الاجراءات في دول خليجية مجاورة فإنهم يعتبرونها سبباً لهجرة الأموال.
هؤلاء مثلما تناسوا مرونة هذا الوطن في دعمهم وتشجيع استثماراتهم عند بداياتهم المتواضعة، نسوا أنهم أحد أهم اسباب تلك التعقيدات بل سببها الوحيد.

«يعيرونك بالخليج» قل في تلك الدول لم يعمد التاجر إلى التستر لكي ينتفع وهو قاعد ويضر بوطنه، ولم يمارس رجال الأعمال التحايل على الدعم الحكومي والقروض، ولم يحدث أن أقاموا مشاريع وهمية ومؤسسات على الورق من أجل المتاجرة في تأشيرات العمالة.

في تلك الدول كان وعي المواطن المستثمر وحبه لوطنه أكبر من أن يجعله يزور نسب توطين الوظائف أو يمارس «تطفيش» الموظف الوطني ليجهض كل جهود مكافحة البطالة.

في تلك الدول لم يحاول أحد الالتفاف على الأنظمة السهلة الميسرة أو يتفنن في التحايل عليها وإلا فإنها سوف تتبدل تلقائياً من اليسر إلى العسر!!

كلما زادت وتكررت الممارسات الخاطئة والتحايل على النظم والاجراءات الميسرة كلما أدى ذلك اجبارياً إلى وضع المزيد من القيود والتعقيدات وهذا ما مني به وطننا الغالي في مجال الاستثمار.

كانت معظم السبل ميسرة إلى ان جاء من يستغل اليسر وطبيعي أن تجابه الاستغلال بالعسر.

الذين يعيرون هذه البلاد بدول مجاورة بين الفينة والأخرى فيما يختص بيسر الاجراءات يتجاهلون انهم لو نقلوا أموالهم واستثماراتهم فإنهم سينقلون معها ممارساتهم وعندها سوف يصدمون بعقوبات وجزاءات لا ترحم.

صحيح أن الوطن يفترض فيه ان يشكل وعي المواطن ويرتقي به إلى أعلى الدرجات لا أن يتأثر به في نظمه واجراءاته لكن زمن الطفرة كان أسرع من كل رياح التغيير والتوعية فقلب كثيراً من الموازين ومنها أن المواطن الجشع الانتهازي أساء إلى غيره وأرغم بحيله وتحايله وممارساته الأنانية النظم والاجراءات على أن تكون أكثر تعقيداً ثم ها هو اليوم يقارن بين ما آل إليه أمر وطنه بسببه وبين دول مجاورة لم تشهد من مواطنيها ذات الممارسات الخاطئة.

يعيرونك بالخليج قل انقلوا أموالكم وأعمالكم ولن يفعلوا لأن البيئة لن تمكنهم من العيش بطريقتهم فلكل سمك ماؤه.

من طرائف حماية المستهلك

قد تكون المواقف التي سوف أوردها طريفة وقد يكون بعضها محزناً، لكن الأكثر طرافة والأشد حزناً منها أنه لا يوجد لدينا حتى الآن (حماية مستهلك) وذلك منذ أن تم حل حماية المستهلك وتحويل مسؤولياتها إلى مكافحة الغش التجاري.
مشكلتنا أننا نعرف المستهلك على أنه مستهلك المواد الغذائية وأن حمايته تكون بمراقبة أسعار الأغذية، عفواً، هي ليست مراقبة ولكن تحذير من عدم التلاعب بالأسعار.

استضاف برنامج الوجه الآخر في قناة الإخبارية سعادة الأستاذ عبدالعالي العبدالعالي مدير عام مكافحة الغش التجاري وأنا وكان بيننا الدكتور عبدالله الطاير مقدم البرنامج.

المقدمة التي أعدها وقرأها الدكتور عبدالله الطاير كانت بحق ودون مجاملة تغني عن قول كل خطيب لكننا خطبنا ومحصلة الحوار على مدى ساعة التي خرجت بها شخصياً على أقل تقدير أن الاتفاقيات والعقود بين المشترك والشركة المقدمة للخدمة سواء كانت شركة كهرباء أو اتصالات أو ماء أوتأمين أو بنوك أو مكاتب استقدام أو مستشفيات خاصة أو وكالة سيارات والتي تملي الشروط على المستهلك ولا تضمن له أدنى الحقوق هي عقود أعدتها الشركة من طرف واحد وتعتبر جائزة واسميها عقود إذعان وهي ليست من اختصاص مكافحة الغش التجاري شأنها في ذلك شأن مشروبات الطاقة التي تنعم بالرواج لأن وزارة الصحة لم تعترف أنها أدوية والتجارة لا تراها غذاء.

واتضح أيضاً أن كل ما يرد للغش التجاري يبحث له عن جهة اختصاص يحال إليها وهناك متشابهات تضيع كضياع الدم بين القبائل.

أما المواقف للمستهلكين فأحدها أن مستهلكاً كشط كرت مسابقة فوجد أن ابنه قد فاز بجهاز الكتروني وعند مراجعته للمتجر الذي طرح المسابقة قوبل بنظرات استغراب شديدة، كيف فاز؟! ولا وجود للجائزة في المحل أصلاً أما وجه الاستغراب فلأن المتجر كان متأكداً من أن جميع الكروت التي تحوي جوائز لم تطرح في السباق أصلاً وهذا الكرت سقط سهواً.

الآخر مواطن من جدة اشترى لابنه لعبة من أحد متاجر الألعاب بالرياض (سيارة بجهاز تحكم) فعل ما عليه وجربها في المحل فلم تكن تسير إلى الأمام لكن العامل قال له إذا شحنت في المنزل سوف تعمل أخذها للطفل في جدة وشحنها ولم تعمل وعندما عاد إلى الرياض حاول يائساً استبدالها من البائع ودخلا في شجار وانتهت محاولاته بأن أكل الزبون علقة ساخنة من أحد عمال المحل لأنه طالب بحقه، بعدها أشفق عليه المالك واستبدل له اللعبة.

في مراحل النقاش بين الطرفين كاد الزبون يسقط من فرط ارتفاع الضغط وأصيب برعشة واضحة لكنه سقط أخيراً بالضربة القاضية!!

السؤال الذي يطرح نفسه كم من حالات الإحباط التي يتعرض لها زبون يومياً وما تأثيرها على أدائه في عمله وفي المجتمع وهل يستحق هذا الوضع النفسي المؤثر إنشاء هيئة تطوعية مستقلة لحماية المستهلك كتلك الموجودة في كل دول العالم المتحضرة؟!

هيئة الأسوار المغلقة

نزلاء ونزيلات دور رعاية القصر أو الأحداث والمقيمين والمقيمات في دور الرعاية الاجتماعية من العجزة والمقعدين بل والشابات اللاتي حكمت عليهن ظروف أسرية قاهرة أن تكون الدار مأواهم الآمن ونزلاء دور رعاية الأيتام واللقطاء والمرضى المنومين في مستشفيات العزل أو المستشفيات النفسية.
كل أولئك (وقد أكون أغفلت غيرهم) هم في واقع الأمر يعيشون داخل أسوار مغلقة ويقوم على رعايتهم بشر معرضون للخطأ والقسوة والظلم مثلما أن بعضهم أهل للتعامل بحسن نية وصلاح وضمير.

تساءلت في هذه الزاوية منذ سنوات وتحديداً في عدد «الرياض» رقم (12446) في 22 يونيو 2002م في مقال بعنوان (أسرى الحواجز لمن يشتكون؟!) ومازلت أتساءل: هؤلاء لو أُسيء إليهم أو جرى استغلالهم أو حرموا من حقوقهم أو ظلمهم عامل أو مشرف أو طبيب أو اخصائي اجتماعي، كيف يشتكون؟! ولمن يتظلمون وكيف لشكواهم أن تخرج من الأسوار المحكمة الغلق إلى الجهة الحكومية الرقابية التي لا يساورنا أدنى شك انها سوف تنصفهم وتدافع عنهم وترد حقوقهم إذا علمت، ولكن كيف لها أن تعلم وهم لا يقدرون على الشكوى؟!.

الإساءة والتحرش والاستغلال صور لمعاناة محتملة ولكنها قد تبدو للبعض بأنها الأبعد حدوثاً، ولكن حسناً ماذا عن قصور الخدمات وسوء الأحوال الصحية ونقص العناية اليومية، كلها أمور تتعلق بالإدارة المشرفة على المؤسسة وهي الخصم وهي الحكم.

إذا كان المواطن أو المقيم الذي يعيش خارج تلك الأسوار في منزله الذي يملك مفتاح الخروج منه قادراً على الشكوى والوصول عبر عدة قنوات، سواء بالمقابلة المباشرة لمسؤول أعلى أو الاتصال الهاتفي أو اللجوء للصحافة أو الشبكة العنكبوتية أو حتى إبلاغ قريب نافذ ومع ذلك فإنه يشتكي بألم وحرقة ويحتاج إلى تكرار الشكوى وسلوك أكثر من قناة حتى تصل شكواه، فكيف بمن ذكرت ممن لا سبيل لهم إلا الشكوى لإدارة المركز نفسه؟!.

الحل سبق أن اقترحته وهو ليس اختراعاً أو فكرة خارقة إنها مجرد إدخال طرف خارجي محايد يكون رقيباً حريصاً يقابل هؤلاء وفقاً لجدول زمني لا يعرف التخاذل.

اقترحت هيئة مستقلة تعنى بتقصي أحوال وظروف تلك الفئات ولا علاقة لها من قريب أو بعيد إدارياً ولا مالياً ولا تنفيذياً بالوزارة المعنية بشؤونهم.

هيئة لها صلاحيات نافذة تملك حق الرقابة والاستجواب والمساءلة وفرض العقوبة فإذا دخل موظفها أو موظفتها إلى الدار أو مستشفى العزل أو المؤسسة الاجتماعية وقابل نزلاءها ارتعد كل مستغل ومتحرش ومسيء ومقصر ومتواطئ وساكت عن الحق.

إنها مسؤولية فئة اجتاعية لها تأثيرها على المجتمع بالانجاب والتربية والخروج إلى العالم الفسيح مستقبلاً والتأثير فيه بمثل ما تأثرت به وقبل هذا وذاك هي شريحة من رعية وكل راع مسؤول عن رعيته وزيراً كان أو غيره.

فقط لنتذكر أن شكواهم لا تصل وأنهم لا يستطيعون الوصول وعلينا أن نصل إليهم في عقر دارهم المسورة.

مونيكا «سويقه»

حتى الممارسات شديدة السلبية إذا أرغمتنا بفعل بشاعتها على طرحها بشفافية في الإعلام فإنها تسجل لنفسها إيجابية ولو واحدة، فتدخل ضمن «رب ضارة نافعة».
لم نكن نتطرق لموضوع التحرش الجنسي قبل حادثة فتاة «الباندا» وفتاتي النهضة مع أن المفترض أن نفعل لأن التحرش الجنسي بتعريفه الشامل كان ومازال موجوداً وبأشكال متعددة.

الغريب أن الحادثتين اللتين علقتا الجرس تشتركان في صفة واحدة غريبة جداً وهي إعلان الفاعل أو الفاعلين عن التحرش بعد تصوير الإدانة ثم نشرها على الناس في الإنترنت أو عن طريق تكنولوجيا الهاتف الجوال، ولعل هذا ينبهنا إلى عامل هام جداً وهو الجهل بالعقوبة وعدم إدراك عواقب الأمور.

يذكرني هذا بتحقيق صحفي أجريته مع مدير عام مكافحة المخدرات اللواء جميل الميمان منذ حوالي عشرين سنة في جريدة «الجزيرة» نشر على ثلاث صفحات آنذاك.. قال لي إن أحد المروجين عندما أحضر لي حلف وهو يدخل صارخاً بأعلى صوته «أقسم لك بالله أني أبيعه لكنني لا أستعمله».. ولم يكن يدرك خطورة اعترافه فلم يكن يعلم أن عقوبة الترويج تصل حد القتل بينما الاستعمال سجن سنوات لاتزيد على خمس آنذاك.

الجهل بالنتائج درس يجب أن نتعمله ونعلمه لمن يجهلونه فعلى الناس أن يعرفوا مغبة كل فعلة عن طريق توعية مكثفة.

أما الدرس الثاني فهو ما يتعلق بأن التحرش كما ذكرت موجود بعدة صور ومنذ القدم، لكننا لم نوجد بعد قنوات «مستورة» للتبليغ عنه وانتظرنا من يبلغون عن أنفسهم من المجرمين بالصوت والصورة.

بائع الذهب والقماش والملابس والأواني والدواء يتحرش بزبونته جنسياً إما بالقول أو بالفعل لمساً وخلافه.

سجلت حالات وقضايا لأطباء تحرشوا جنسياً بمريضاتهم لكن روح النقابة لدى بعض زملائهم وهم رؤساؤهم تجعلهم يتسترون على كثير من المواقف لكن الفعل موجود.

أصحاب سيارات الأجرة يمارسون أشكالاً من التحرش الجنسي بالقول والعمل.

زملاء الأعمال المختلطة يخلطون كثيراً بين ما يختص بالعمل وما يصنف كسوء عمل !!.

في جميع الحالات والحوادث تفرض صفة الحياء وطلب الستر في مجتمعنا على المرأة أن تكتم ما تتعرض له من أذى وتحرش عن أقرب الناس إليها وحتى أقربهم لو أبلغته فإنه يريد الستر وقد ينهي الأمور بطريقته الخاصة.

كل هذا لأننا مجتمع شديد الحساسية والحرص على السمعة فلسنا مجتمع مونيكا التي ربما تفاخرت بالتحدث لوسائل الإعلام بالتفصيل الممل عن كيف تحرش بها رئيس أكبر قوة في العالم ولو تواجدت في سوق «سويقه» أو «السدرة» منذ ثلاثين سنة لما انتهت مسلسلات اعترافاتها حتى يومنا هذا طالما لا يعيقها الحياء وطبيعة المجتمع التي تعيق غيرها !!.

علينا إيجاد قنوات ستر تبلغ من خلالها كل ضحية عما تعرضت له من أذى ونضمن سرية المعلومات، وعلنا بتطبيق وإعلان عقوبة أو اثنتين «بعد التثبت» نكون قد جعلنا من تلك القنوات عوامل ردع للتحرش المستور.. وقد سبق أن اقترحت أقساماً في المستشفيات تعنى بشئون المرأة العاملة تكون نواة لهيئة تقوم فيها المرأة على شئون المرأة، لكن يبدو أن الاقتراح الذي يعنى بالمصلحة العامة فقط يطول انتظاره في زحمة مقترحات المصالح الذاتية.

عاش الطفل ومات الطبيب!!

كتبنا مراراً وتكراراً عن خطورة انشغال الأطباء الاستشاريين بأكثر من عقد للعمل في مستشفيات خاصة واهمالهم للمستشفى الحكومي الذي ينتسبون إليه نظاماً وحذرنا من تأثير ذلك على المرضى والأطباء المقيمين وحديثي التخرج وأطباء الامتياز في شكل تدهور لحالة المرضى نتيجة سوء ونقص المتابعة والإشراف، وضياع للأطباء المقيمين والمتدربين وطلاب الطب بسبب انشغال رئيس الفريق في «تأجير» وقته لأكبر عدد من رجال الأعمال!!.
بعض الأطباء بطبيعتهم يعتقدون أنهم فوق النقد ويغضبهم كثيراً وصف واقعهم بصراحة ودون مجاملة إلى درجة اعتباره موقفا عدائيا ضد مهنتهم، وبعضهم يتألم لما آلت إليه أخلاقيات المهنة من تدن شديد ويتمنى لو أن الجهات الرقابية والإدارية تتحرك لردع كثير من الأطباء عن الاساءة للمهنة أما المدير إذا كان ضعيفاً ولديه درجة عالية من روح النقابة والتعصب للمهنة فإنه لا يقبل أن تنتقد أو أن تعالج بطرق شفافة تكشف أن الطبيب شأنه شأن بقية الموظفين يخطئ ويقصر وتشغله المادة وحب الدينار والدرهم عن رسالته الإنسانية.

لم يتوقف الأمر عند اهمال المرضى والطلاب والأطباء المقيمين والهروب إلى المستشفى الخاص نهاراً جهاراً، لقد تعداه إلى رفض مريض في مستشفى حكومي وقبول نفس المريض في المستشفى الخاص رغم أن الرفض كان بسبب طبي بل وصل حد حرمان مصابين من نعمة العلاج في مستشفى حكومي مجاناً بحجة انه من المرضى الميؤوس منهم «طويلي الأمد» وهو ليس كذلك لا لشيء إلا لعدم وجود وقت للتركيز نحو مرضى المستشفى الحكومي وغياب الضمير أثناء تقييم الحالات.

فرغت للتو من التأكد من قصة طفل لم يتجاوز عمره خمس سنوات أصيب في حادث سيارة بعدة اصابات ونقل بالإخلاء الطبي لأحد المستشفيات الخاصة ريثما يحصل على قبول في مستشفى حكومي وحصل خاله على خطاب استثناء من محبي أعمال الخير ليعالج في أحد المستشفيات الحكومية الكبرى بالرياض وعندما عرض أمره على استشاري المخ والأعصاب رفضه مرتين رغم كل التوسلات والتوسطات بحجة أنه سيموت دماغياً ومن المرضى طويلي الاقامة وسيشغل سريرا في العناية لمدة طويلة ولن يتحسن!!.

نفس الطفل تم قبوله في مجمع الرياض الطبي «الشميسي» وخلال شهر أصبح يتكلم ويأكل ويحرك أطرافه غير المكسورة وخرج من العناية المركزة وسيخرج بإذن الله من المستشفى بعد جبر كسوره.

من المسؤول عن حرمانه من خدمات المستشفى الحكومي الكبير؟! ومن المسؤول عن بقائه في المستشفى الخاص عدة أيام بتكلفة تفوق خمسين ألف ريال؟! ومن يتحمل وزر قلق والديه وخاله وأقاربه عندما أشعرهم ذلك الاستشاري انه ميؤوس منه؟! أعتقد أنه انشغال الفكر والضمير بالمادة ولأنه ليس لاعباً أو فنانا أو مطلب إعلام.

تساؤلات للغرفة الصناعية

من الطبيعي أن الادعاء غير الرزين الذي يعمم صفات سلبية مثل عدم القدرة على التعلم، وعدم الالتزام وكثرة الغياب على كل شاب سعودي سيثير حفيظة كل من يقرأه حتى من غير السعوديين ممن يعقلون ان الطبائع البشرية لا يمكن تعميمها وتصنيفها حسب الجنسية أو جواز السفر.
ويكون الغضب والاستنكار أكبر إذا جاء ذلك الادعاء المجحف المتحيز ضد المواطن السعودي في خطاب رسمي من عضو في اللجنة التجارية بمجلس الغرف الصناعية بعثه إلى محافظ الهيئة العامة للاستثمار لا لشيء إلا ليدعم معارضته لخطوات وزير العمل في شأن حل أكبر معضلة وطنية وهي البطالة عن طريق منح الفرصة المستحقة للسعوديين في الحصول على الأولوية في فرص العمل المتاحة في القطاع الحكومي وكذلك القطاع الخاص الذي ما كان له أن يصل ما وصل إليه لولا دعم غير محدود من الوطن.

علقت على جانب سذاجة وسطحية الانطباع المبني على أغراض مادية وجشع مذموم في عدد يوم أول أمس السبت في هذه الزاوية ولعل المواطن المخلص فهيد الهمزاني الشمري كان من ضمن الملايين الذين أثارهم تشويه صفات المواطن السعودي بتلك الصورة غير المسؤولة فبعث بعدد من التساؤلات المنطقية التي تدلل على لاموضوعية العضو كما أعلن عن نيته مقاضاة اللجنة وعضوها ورفع دعوى رد اعتبار للشاب السعودي ضد تشويه سمعته والتي ستؤثر على مستقبله الوظيفي داخليا وخارجيا وربما أيضا دراسيا في الخارج نتيجة تعميم تلك الصفات من عضو لجنة رسمية وفيما يلي التساؤلات كما بعثها:

٭ على أي أساس استندت اللجنة في اتهامها الموظفين السعوديين بأنهم كسالى وغير مبالين.. هل هي وفقاً لدراسة أم خراصة؟.

٭ لماذا لا يذكرون بأن العمال الآسيويين أو غيرهم كثيري الهروب من كفلائهم ويطالبون بعدم استقدامهم؟.

٭ ماذا لو أن اللجنة قد نشرت بأن الموظفين من أي جنسية عربية كسالى وغير مبالين.. ماذا ستفعل جالية وسفارة تلك الجنسية إزاء هذه اللجنة؟.

٭ ماذا لو أن هذا التقرير باتهاماته الجائرة قد أصدرته منظمة دولية؟ ألم نكن سنشن عليها حرباً إعلامية ونحتج عليها ونقطع علاقاتنا مع أركانها؟

٭ ما هي ردة فعل الموظفين السعوديين في الشركات والمؤسسات والبنوك حيال هذه التهم الجائرة وهم الذين يعملون بجد واجتهاد؟.

٭ ماذا سيقول العاملون السعوديون الذين تصلاهم الشمس والعرق يتساقط من أجسامهم وهم يؤدون أعمالهم في مؤسساتهم.. وهذا التقرير ينعتهم بالكسالى وكثيري الغياب وغير مبالين وقدرتهم على التعلم ضعيفة؟.

٭ ماذا سنفعل إزاء تهكمات العرب والأجانب حينما يقولون علانية وبعيون قوية بأن الموظفين السعوديين كسالى وغير مبالين.. استنادا على تقرير اللجنة وهي جهة رسمية اعتبارية؟.

٭ لماذا تتمسك هذه اللجنة بمسمى الوطنية ما دامت قراراتها وتوصياتها تحارب جهارا نهارا أبناء الوطن ورأس ماله؟.

ثم يردف الأخ فهيد الهمزاني الشمري قائلاً:

بالنسبة لي يا أستاذ محمد فإنني عاقد العزم على رفع دعوى قضائية على هذه اللجنة بسبب القذف والتشهير بحق كل موظف سعودي وباحث عن العمل، وسأطالبهم بالاستقالة والعقوبة المناسبة وقبل ذلك دفع تعويض مالي كبير يعود ريعه كاملاً إلى صندوق الموارد البشرية.

اللجنة التجارية غير الوطنية

إذا كانت النظرة المادية البحتة الأنانية المجردة من كل ضوابط أخلاقية تؤدي بصاحبها إلى التمرد على انتمائه الخلقي كإنسان وتجعله يتعامل بطبيعة غير إنسانية فليس من المستغرب أن تؤدي نفس النظرة إلى تنكر ذلك المخلوق لوطنه وتجرده من الانتماء الوطني.
تصنيف البشر بناءً على الموطن أو ما يسمى بالجنسية وتعميم صفات لكل جنسية في حد ذاته أمرٌ يدل على السطحية والسذاجة لأنه تصنيف لا ينطبق على الإنسان وإن انطبق على الحيوان المجرد من الفكر والعقل والإبداع فيحدث أن يتميز مواطن بقعة متخلفة على كافة بني جنسه ويقود العالم أجمع إلى إنجاز بينما يرسم مواطن بلد متقدم أُنموذجاً للغباء والتخلف الذهني فالإنسان لا يخضع لذلك التقسيم المناطقي الذي أقل ما يُقال عنه أنه آية في الغباء والسذاجة.

وعندما يتهم مسؤول في اللجنة التجارية بمجلس الغرف الصناعية المواطن السعودي بضعف الاستعداد على التعلم وعدم الالتزام بأوقات العمل وكثرة الغياب والكسل ورغبته في أن يكون قيادياً فقط واعتقاده أن التطوير يكمن في البحث عن فرص وظيفية أخرى لا بالاستقرار وإثبات الذات والإبداع في عمله فإن هذا المسؤول الذي كتب تلك النعوت خطياً في خطاب نشرت جريدة «الرياض» نصه ليعارض سياسة وزارة العمل نحو السعودة إنما يضرب مثلاً من أمثلة الغشاوة التي تفرضها النظرة المادية على التفكير السليم.

أخونا نسي أنه هو وصل إلى ما وصل إليه وهو مواطن سعودي ينتمي لنفس الفصيلة والجنس الذي ينتمي إليه كل مواطن طالب وزير العمل بمنحه فرصة إثبات وجوده في وطنه.

وتناسى أن تجربة شركة الرقائق الإلكترونية المتقدمة وشركة أرامكو السعودية وشركة سابك ومئات المصانع المحترمة الوطنية عملاً وقولاً والمجالات الطبية والأكاديمية ومراكز الأبحاث أثبتت زيف ادعائه عن المواطن السعودي كبشر له فرصة أي إنسان آخر في الإبداع والنجاح والقدرات التي يعتمد عليها إذا مُنحت الفرصة من مخلص غير متنكر لوطنه.

قوارير المستشفيات.. ما عذر الوزير؟!

طالبت في عدد الخميس الماضي بإنشاء أقسام تعنى بشؤون المرأة العاملة تقوم عليها امرأة ذات كفاءة وتعمل فيها نساء قادرات على التعامل مع عدد كبير من النساء الموظفات في أماكن مختلطة كالمستشفيات ممن يتعرضن لهضم حقوقهن على يد الرجال بقصد أو بدون قصد، وربما أكثر من مجرد مصادرة الحقوق إلى محاولة مصادرة حاجز المنعة والاعتداد بالطبيعة الأنثوية التي تحرص المرأة على الحفاظ عليها.
العاملة في المستشفى ليست بالضرورة طبيبة أو ممرضة أو أكاديمية ممن تعلمن عبر سنوات طوال في المجتمع الوظيفي الذكوري كيفية التعايش بأمان واستقرار وظيفي ونيل حقوقهن دون مطالبة وحماية اعتدادهن بطبيعتهن بمجرد كلمة أو كتابة تقرير واقعة.

المستشفيات الآن وبحكم المرونة في عدد الوظائف والرواتب والبدلات تحظى بامكانية التوظيف السريع الذي يصادف حاجة ماسة للعمل لدى عدد من النساء اللاتي يصرفن على أسرهن من الأيتام والفقراء والمعدمين وأبناء المسجون أو المدمن أو المطلق.

سيدات وآنسات يعملن في وظائف خدمية (نقل المرضى) أو إدارية (كاتبات وسكرتيرات) أو إشرافية أو شؤون موظفين وشؤون مالية وحاسب آلي ويجمعهن جميعاً عامل مشترك أعظم وهو أن مصيرها الإداري ومصير معاملاتها ومراجعاتها وترقياتها بل وتقييمها وعقابها وثوابها بيد الزملاء الرجال.

نحن نتحدث عن آلاف الموظفين والموظفات وليس عن رقم في خانة العشرات، ونحن نلفت النظر لأمور وقعت وليس لأشياء يتوقع المتشائم حدوثها، ما ننبه لخطورته ممارسات تتراوح بين منع حق تستحي امرأة عادية أن تطالب به رجلاً، والمساومة ومحاولة اختراق الشخصية الخاصة وترتفع تدريجياً إلى حد التحرش الجنسي.

أليس من حق المرأة أن تتعامل في شؤونها الوظيفية التي قد تستدعي الخضوع المنهي عنه مع امرأة تفهمها وذلك عن طريق إنشاء أقسام لشؤون المرأة تستقبل الشكاوى بمثل ما تعقب على المطالبات وتنهي الإجراءات وكما ذكرت سابقاً فقد تكون نواة لهيئة تعنى بشؤون المرأة كلها.

الاقتراح سهل التطبيق وفير الكلفة عظيم المردود لمن يخشى الله في موظفيه وهم رعيته ويفترض في القائمين على المؤسسات الصحية التفكيرفيه فإذا لم يفكروا وسيق إليهم فليس أقل من الاستجابة.

لماذا منينا بمسؤولين يحرصون على عدم تحريك ساكن حتى في النواحي الإنسانية..؟!..

الخصم والحكم

أكثر ما يصيب الناس بالإحباط والانكسار هو تنصيب الخصم حكما وهذا هو ديدن المسؤول الضعيف.
صاحب الحق أو المظلوم يتكبد المشاق وينتظر المواعيد الطويلة ويكتب تفاصيل شكواه بمداد ربما خالطته الدموع ويمضي جل وقته في تدريب نفسه على ما سوف يقول وكيف يتحدث حتى يصل إلى مرحلة يراه فيها الناس وقد بدا يخاطب نفسه يؤشر بيديه ويقطب حاجبيه ثم يبتسم، كل ذلك وهو يقود سيارته أو يجلس وحيدا.

وعندما يحين اللقاء يسلم ورقته ويقول ربع ما خطط لقوله وقبل أن يكمل «حديثه المرتعش» تكون الورقة قد أحيلت إلى الذي كان هو الخصم!! ليصبح الحكم.

ما يقال عن الشكوى ينطبق على المقترحات والأفكار ومحاولة الرقي بالمؤسسة وتطويرها فبعض المسؤولين يرى أن الموظف تابع لرئيسه حتى في أسلوب التفكير فلا يسمح له بالتفكير إلا من خلاله، ولا الاتصال بالمسؤول إلا عن طريقه، ولا الشكوى عليه إلا له!!

هذا الخلط بين ما يجب أن يمر عبر التسلسل الإداري وما يفترض أن يتخطاه يقع فيه المسؤول الضعيف الذي لا يملك الجرأة وقوة الشخصية التي تؤهله لمساءلة كبار موظفيه ومواجهتهم بما يفترض أن يكون الحكم فيه لغيرهم كالشكوى أوحتى اقتراح قدمه موظف مبدع لكنه صغير يمكن أن يكبر بسرعة ويحتل مكان رئيسه.

تفشي الإحباط لدى موظف ظلمه رئيسه، أو مواطن رفض الرئيس إعطاءه حقه أو حتى مقابلته أمر خطير وسبب من أسباب الحيرة التي تولد ألعدائية خاصة أنها مواضيع لا تحتمل عناء رفعها لديوان المظالم وفي الوقت ذاته فإن حدوثها متكرر وكثير فعندما يكون المسؤول في قمة الهرم ضعيفا إلى درجة عدم مواجهة التنفيذيين ممن أوكل إليهم مصالح الناس فإنه يحاول إقناع نفسه والآخرين بأنه إنما يمارس نهجا إدارياً في منح الصلاحيات والثقة وعدم التدخل وهو نهج مثالي يحتاج إلى حسن اختيار ومتابعة وحضور للمدير واطمئنان على أن من منحهم الثقة لا يظلمون الناس وإنهم إذا ظلموا سوف يكتشفون نتيجة نظام رقابي صارم وإذا اكتشفوا سوف يعاقبون، وهذه العناصر نادرة بمثل ندرة المثاليه، لذا فإن ترك المسؤول للمراجعين وصغار الموظفين لقمة سائغة لكبارهم يهدد الوطن والمجتمع بكلا الخطرين الإحباط لدى المظلوم وأمن العقوبة لدى الظالم.

أؤكد لكم أنه على مستوى الحالات التي لا ترقى إلى حد رفع شكوى لديوان المظالم لأنها سوف تستغرق جهدا وعناء ووقتاً طويلاً وربما تصل لمرحلة اليأس، فإن كثيراً من المراجعين وصغار الموظفين يهيمون بحثا عن مسؤول منصف ويفاجأون بأن شكواهم تعود إلى الخصم «إلى من كان هو الداء».

هيئة لشؤون المرأة

ليس للاقتراح أدنى علاقة بما يدور من حوار ساخن حول قيادة المرأة للسيارة فأنا ممن يعتقدون أن قيادة السيارة لا تشكل للسواد الأعظم من النساء ولا للمجتمع هماً يذكر وأن تحاور الرجال حول هذا الموضوع لا يعدو تثبيت «أيديولوجيات» ومحاولة هزيمة أخرى.
أعتقد أن الوقت قد حان من ناحية إنسانية لإنشاء هيئة إنسانية تعنى بشؤون المرأة في دوائرنا، فالمرأة لدينا بدءا بالمعلقة الملازمة للمنزل لأن زوجها يرفض فك قيدها ومنحها الإذن المطلوب لمراجعة الدوائر وانتهاءً بالمرأة العاملة في مواقع الاختلاط بالرجال كالمستشفيات والدوائر الصحية والبنوك وغيرها جميعهن في أمس الحاجة لهيئة نسائية أمينة تتفقد أحوالهن وتسمع همومهن وتحميهن من اساءة معاملة الرجل أو «استغلاله» أو «تحرشه» وعلى أقل تقدير الإحاطة بمشاكلها العملية والأسرية الخاصة التي لا تفهمها إلا المرأة ولا يباح بها إلا للمرأة.

منذ عشرين سنة كانت فرص العمل للجنسين متاحة بشكل كبير والخيار واسع جداً، وكانت المرأة تلتحق بالأعمال الإدارية في المستشفيات وغيرها بخيارها ورغبتها بل إن الالتحاق بالعمل ككل قد يكون لتلبية رغبة إمضاء وقت أو ترفيه لمطلقة أو لمن فاتها القطار.

أما اليوم فإننا أمام سعوديات يعملن للصرف على أسر فقيرة أو أيتام أب أو زغب حواصل أو أسرة مدمن أو لمساعدة زوج على بناء أسرة تحظى بالحد الأدنى للعيش الكريم.

ضاقت فرص العمل وأصبحت المستشفيات والبنوك والدوائر المختلطة الخيار الوحيد أو أحلى الأمرين ولذلك فإن من حق المرأة المحافظة والخجولة وربما ضعيفة الشخصية أن تشعر بوجود سند نسائي يدعمها وتفضي له بما قد تتعرض له من ضغوط ومشاكل مع رئيسها الرجل تتراوح بين عدم جرأتها على التفاهم معه والمطالبة بحقوقها ورفضها أن تخضع بالقول «فلا تخضعن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض وقلن قولاً معروفاً» أو أن تضطر للتودد وبين أن تعجز عن أن تشتكي رئيسها إذا أوجست منه ريبة.

علينا ونحن نعيش عصر الشفافية أن نعترف بأن ثمة نساء في وظائف دنيا يرأسهن الرجال وثمة نساء في وظائف عليا أيضاً يرأسهن رجال وأن ثمة فوارق شخصية في القدرة على المطالبة بالحقوق والشكوى من الإساءة وان المسؤول الذكي المنصف المخلص لأمانة رعاية موظفيه يتوجب عليه إنشاء قسم خاص يعنى بالهموم الوظيفية للمرأة عامة ومن يرأسها رجل خاصة ويقوم على هذا القسم امرأة ويعمل به عدد من النساء لأن خير من يفهم احتياجات المرأة العاملة هي المرأة ولذا فإن القائمة على هذا القسم يجب أن تكون ممن لهن مواصفات خاصة منها التمرس في العمل الإداري في أكثر من قسم ومعرفة سياسات واجراءات العمل ولديها الفطنة والحساسية في التعامل وعدم الاستعجال وفهم مشاعر المرأة وابعاد الأمور والقدرة على إيصال المعلومة واقتراح الحلول ومتابعة تنفيذها وضمان سير اجراءات الموظفة والمعلومات في جو من الحفاظ على السرية الشخصية.

وإذا اقتنعنا بإنشاء قسم في كل دائرة يعنى بهموم المرأة العاملة فيها فإن إنشاء هيئة لشؤون المرأة سيصبح بمثابة بناء الجدار الصلب الذي تستند إليه كل تلك الأقسام.