حس يا سالم

الإحساس بشعور الآخرين صفة تقترن بالفروسية والشهامة والإدراك، وهي أولا وأخيرا نعمة من نعم الله على عباده وتبرز أكثر في المؤمنين لأنها من الرحمة.
في مراحل دراسة اللغة في بريطانيا عجبت كثيرا حينما مررت ذات مساء، في أحد شوارع لندن، برجل ينزف دما من كل جانب في وجهه وشخير أنفاس أنفه النازف تستنجد ونظرات ما بان من عينيه تعاتب المارة وهم يمرون من جانبه ويتخطونه لأنه بجسده الضخم الممدد قد أغلق الرصيف، عندها حمدت الله على نعمة حرارة الدم التي ننعم بها والتفاعل الإيجابي الذي يجعلنا نهب للمساعدة.اليوم وأنا أشاهد تجمهر الناس على كل حادث صغر أو كبر وكل منهم يرفع (جواله) لتصويره ويتسببون في إعاقة سيارات الإنقاذ بإيقاف سياراتهم للتصوير ويعيقون وصول المسعفين بتحلقهم حول الضحايا، شعرت أننا لم نتخل عن الإحساس والتفاعل مع مصائب الآخرين وحسب، بل نمارس عملا لا ينم للرحمة بصلة وهو التسبب في مضاعفة آلامهم والتعدي على خصوصيتهم وهم في حالة ضعف.
أنا لا أطالب المارة أو رواد الطريق بإسعاف المصاب فذلك أمر غير منصوح به في كل الأحوال إلا بإيقاف نزف أو مساعدة تنفس، لمن يجيده، وفي الحالات التي تهدد الحياة ويلعب فيها عامل الوقت، ريثما يصل المسعف المختص، عنصر إنقاذ حياة، لكنني أؤكد أن لا يشمت السالم بمن أصيب، والتجمهر للفرجة والتصوير باب من أبواب الشماتة وتحقيق غرض شخصي يتمثل في سبق التصوير على حساب إنسان مصاب أو حتى متوفى له حرمته.
التجمهر والتصوير وعدم إحساس السالم بالمصاب صورة شاعت قياسا بأعداد المتجمهرين وأعداد المقاطع التي تروج، لكن الصور الإنسانية ومواقف الشهامة وإحياء الأنفس والخلق الإسلامي المتمثل في الإيثار موجودة، ولله الحمد، ومستمرة، لكنها لا تشاهد في مقطع مصور أو صورة، لأن من يفعلها لديه إحساس إنساني عظيم يجعله لا يفكر في التصوير بل لا يفكر في سلامته أمام إنقاذ الآخرين ولنا في (فدائي نجران) الشهيد علي أحمد آل مرضمة خير مثال فقد افتدى عشرات المصلين بنفسه ومنع الإرهابي من الوصول إليهم ليموت من أجل حياة الآخرين وأمثاله كثر وخلال أشهر معدودة.
أتمنى أن يآتي اليوم الذي يحس فيه كل سالم بمصيبة المصاب قبل و أثناء وبعد أن تحدث، فيحول دونها أو لا يتسبب في تفاقمها وذلك أضعف الإيمان.

خصوم هيئة رجل الهيئة

في أمريكا (مثلا) يبطح رجل الشرطة أو (رجلة) الشرطة (أقولها تجاوزا حتى لا يقولون تجاهلت المرأة، لأن في شرطة أمريكا وغيرها نساء مسترجلات أقوى من بعض الرجال ويصعب أن تسميها امرأة أو تؤنث صفاتها إلا بتاء التأنيث لأن الباقي ذكر وأي ذكر؟!)، أقول في أمريكا يبطح الشرطي أي (مشكوك فيه) على الأرض بطحا مهينا ويدوس على (علباه) ويقيد يديه لمجرد شك، فيثني عليه بعض (ربعنا) ويعتبر تصرفه حنكة بوليسية واحتياطا مطلوبا، حتى لو كان الضحية ولده أو شقيقه المبتعث أو حتى هو!، فمثل هذا التصرف عسل على قلبه وثقل بسطار الشرطي الأمريكي سمن على علباه!، ولو كانت رجل شرطية فقد يسعد بها ويقول (ادعس يا جميل) و(أين الكعب يا حلو).
في أمريكا أيضا قتلت الشرطة متهما بريئا، لم تثبت إدانته، لمجرد أنهم شكوا فيه وحصلوا على إذن تفتيش منزله وصادف دخولهم عليه في دورة المياه وهو يرفع مجفف الشعر (الاستشوار) فظنوه مسدسا و(سشوروا) جسده بوابل من الرصاص ولم يلمهم أحد، وما كان ذات البعض من (ربيعنا) سينتقدونهم بل ربما أشادوا قائلين (شف يا خي حرص وسرعة تفاعل الأمريكان!).
إذا هي مجرد عقدة وتحزب مع أو ضد، وهذا ما حدث مع تصرف رجل الهيئة (تلال الأرقاب) فكل من هو ضد هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر افترض مسبقا أن المقبوض عليه لم يقاوم ولم يستفز، ولم يرتكب فعلا أكثر من مجرد التصوير، وأن رجل الهيئة تله من رقبته تجاوزا وبدون مبرر!، كل ذلك بسبب موقفهم من هيئة رجل الهيئة!، ولو ارتدى رجل الهيئة بنطالا وبسطارا لكان (تل الرقبة) هو مجرد إمساك لمخالف من (عروته) وأمر عادي جدا.
لهؤلاء أقول إن رجال الحسبة في مرحلة من مراحل هذا الوطن المتميز بتطبيق شعيرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كانوا يرتدون بدلة وغترة وأرجعوا للصور القديمة، ولن تتغير مواقفكم، بالرغم من تغير نظرتكم، تماما مثلما تغير دفاعكم عن المخالف لمجرد أنه غرد ذات يوم بثناء على الهيئة! ولو كان ممن يغردون بضرورة إلغائها لكان لكم هجوم إعلامي (يتل) رقبة فرد الهيئة وكيانها.

ماجد في قائمة الشرف الوطنية

موقف الإيثار والبطولة الذي قام به الجندي ماجد بن عمران العزيزي المطيري أثناء أداء واجبه في الحد الجنوبي يضاف لقائمة شرف طويلة تشهد كل يوم بل كل ساعة اسما جديدا مضافا، وهذه القائمة يجب أن تجد اهتماما وإبرازا وطنيا يفوق مجرد نشر خبر في صحيفة أو نظم قصيدة مديح في البطل، لأن الأعمال البطولية الخارقة شهادة للوطن وللمجتمع ومثال ومفخرة لجميع أفراده قبل أن تكون عملا بطوليا لمن قام بها وهو لا ينتظر عليها جزاء ولا شكورا.

ليس من المعقول ولا المقبول أن نقف عند حد نشر قوائم الفئات الضالة والمجرمين والخارجين عن الملة والقانون للتحذير منهم وفضحهم، وإن كان النشر مطلبا ولا خلاف عليه ويشتمل على التأكيد على أن هؤلاء القتلة الكفرة الخوارج يعيشون خارج سربنا الطاهر ولا يمثلوننا، ففي المقابل يجب أن ننشر وطنيا قائمة للأبطال (وما أكثرهم) ممن يبذلون النفس لإحياء نفس والمال والغالي والنفيس لإسعاد الآخرين، وأن لا نتوقف عند حد النشر بل نمنح لهم الأوسمة والهدايا ونحتفي ونحتفل بهم ونجعل أسماءهم خالدة في ميدان الشرف والعز والإيثار لتكون قدوة للجميع وأمثلة ساطعة لأفراد المجتمع.

الجندي ماجد بن عمران العزيزي المطيري كان مع زميله ممدوح العنزي في مهمة إسعاف زميل لهم مصاب في الحد الجنوبي وتم إسعافه وعاد ممدوح لأخذ حقيبة الإسعاف لكن قدمه وطئت لغما وشعر به فوقف دون حراك لأن مجرد رفع رجله يعني انفجار اللغم واستنجد بماجد الذي أبلغ فرقة تمشيط الألغام وبقي مع زميله يسانده إلا أن ممدوحا أعياه التعب من الوقوف وطلب من ماجد أن يبتعد عنه خوفا من سقوطه وانفجار اللغم فرفض ماجد وخاطر بنفسه بأن قطع البسطار المحيط برجل زميله بسكين وأخرج رجل زميله وضغط بيده على البسطار واللغم (استبدل نفسه مكان زميله) وأحضر ممدوح حجرا وضعه مكان يد ماجد ثم ابتعدا وفجرا اللغم بواسطة حبل.

هذه المواقف البطولية ومثلها كثير لا يجب أن ينتهي بها الأمر بالنشر في الصحف بل في لوحة شرف بمميزاتها وإن كان هدف البطل هو الهدف الأسمى حينما تنشر الصحائف وتجزى كل نفس بما كسبت.


النصراويون يتنمرون على الهلاليين

يستهويني كثيرا الاستماع لبرنامج (تمكين) عبر إحدى إذاعات الإف إم فهو من البرامج التي تعتمد على المصادر العلمية والمتخصصين الأكاديميين ولا يخضع لاجتهادات مذيعة أو مقدم برنامج كما هي الحال في كثير من برامج إذاعات (إف ام) وترعاه مؤسسة الأميرة العنود الخيرية.
في حلقة يوم الخميس الماضي ١٥ أكتوبر تناول البرنامج موضوع تنمر الأطفال وهو موضوع خطير جدا أنصح كل أم وأب أن يعود للحلقة في (اليوتيوب) من موقع (تمكين) ففيها معلومات ثرية جدا.
كتبت كثيرا عن موضوع التنمر في المدارس تحديدا وخطورته على أبنائنا وبناتنا وإهمال وزارة التعليم في جميع مراحلها وأسماء القائمين عليها لهذا الموضوع الهام في سياق إهمالها التام للأمن المدرسي الذي طالبت كثيرا بتوظيف حارسات وحراس لحفظه وردع أي محاولة اعتداء أو ضرب أو إهانة بين الطالبات أوالطلاب أو بين الطلاب والمعلمين أو أولياء أمور غاضبين.
عن التنمر تحدث للبرنامج اثنتان من المتخصصات هما كل من أمل الغامدي وهي أخصائية نفسية في وزارة التعليم وكاتبة في شؤون الأسرة ونادية السيف وهي خبيرة في رياض الأطفال تخصص دراسات نفسية في الطفولة ومدربة معتمدة وكان حديثهما ثريا جدا وخطيرا جدا يصعب تلخيصه وأذكر عنوانا لخطورته ما ذكرته نادية السيف من أرقام لأطفال انتحروا بسبب التنمر سواء اللفظي أو الجسدي ومنهم سبعة في عام ٢٠٠٦م في اليابان وحدها!.
حديثها جعلني أجري بحثا سريعا عن الانتحار بسبب التنمر فوجدت أن ١٥ إلى ٢٥ طفلا ينتحرون سنويا في بريطانيا وحدها!، أما نحن فلدينا فقر في تسجيل الحالات والإحصاءات فلم أجد أرقاما أو دراسات في تلك العجالة.
البرنامج، عدد أنواع التنمر وتطرق للتنمر الجسدي واللفظي ولفت نظري خطورة التنمر الإلكتروني، وهذا نوع جديد خطر جدا لأنه يمارس في جميع الأوقات وليس في فترة الدراسة فقط وله آثار سلبية يصعب تعدادها في مقال مختصر، لكن ما يسمى بـ(الطقطقة) ورد ذكر خطورته في الحلقة، وتبادر إلى ذهني على الفور ما شاع حدوثه مؤخرا وبطرق مستفزة جدا من سخرية جماهير كرة القدم ببعضهم البعض وهو من ضروب التنمر الإلكتروني الذي قد يكره الأطفال في المدرسة ويجعلهم يعزفون عن الدراسة خوفا من تصفية حسابات رياضية أصبحت خطيرة ومستفزة ومدعومة للأسف من برامج رياضية (تتميلح) بالتركيز عليها وإعادة نشر مقاطع لمشجع نصراوي يتنمر على هلالي بنكات (سدني) أو (ليما) و(صعوبة العالمية) أو هلالي ينتظر زميله ليصرخ في وجهه (جحفلي) أو (سومة).
الموضوع يطول وعلى وزارة التعليم أن تلتفت لخطورة التنمر والأمن المدرسي وبسرعة.

محك جديد لشفافية كورونا

وعدت في مقال الأحد باستكمال الحديث عن خطورة إخفاء كل من جامعة الأميرة نورة ووزارة الصحة ومركز القيادة والتحكم المعني بالتعامل مع مرض كورونا لاسم متعهد النظافة بالجامعة بعد التشخيص والتأكد من إصابة أربع عاملات نظافة من أصل ٣٦ عاملة يسكن في سكن مزدحم مكون من ثلاث غرف فقط!، وإن كان تم منع بقية العاملات المخالطات من دخول الجامعة والعمل فيها، وكنت ركزت على لوم واستغراب عدم شفافية مركز القيادة والتحكم تحديدا كون هذا المركز معنيا بالحد من تفشي المرض بل والوقاية منه وليس مجرد التعامل مع حالاته بإعلان ما سجل منها أو أرقام الوفيات اليومية والأسبوعية، ومن أهم أسس الحد من الانتشار إعلان اسم شركة النظافة والتأكيد على فرض رقابة صارمة عليها من جميع الجهات المعنية لمنعها من الاستفادة من المخالطات في عقودها الأخرى مع جهات لا تعلم أنها الشركة المصابات عاملاتها وهو أمر محتمل جدا إذا أخفي اسمها، والأمر المحتمل أكثر إرسال عاملات مخالطات لمنازل في الرياض أو خارجها لعدم تحذير الناس من الشركة بالاسم. ذلك السلوك من مركز القيادة ووزارة الصحة يضعف كثيرا الآمال في جدية مركز القيادة وقوته وصرامته في الأهم وهو التصدي لانتشار هذا الفيروس المميت دون أي مجاملات أو تردد، وأكرر استغرابي أن تضعف الشفافية كثيرا جدا عندما يتعلق الأمر بالقطاع الخاص أو المقاولين والتجار بسبب الحساسية المفرطة لكلمة (تشهير) والتي أثبت وزير الصناعة والتجارة د. توفيق الربيعة في أكثر من موقف أنها مجرد (وهم) وتردد ومجاملات من بعض الجهات الحكومية نسبة لجرأة وجدية القائم عليها وأن أنظمة الدولة منها براء.
الأمر الذي لا يقل أهمية في هذه القضية هو ما تتداوله بعض وسائل الإعلام والبرامج المتلفزة من تساؤلات مفادها هل الجامعة قد تعلق الدراسة فيها بحكم ثبوت تجوال الفيروس بداخلها (قلت لا فرق بين رئة عاملة وطالبة أو أستاذة) أم أن الأمر لا يستدعي توقف الدراسة؟! وفي نظري أن هذه الأسئلة الوجيهة يجب أن يجيب عليها مركز القيادة والتحكم وقلت في برنامج (الأسبوع في ساعة) يوم السبت الماضي وأقول الآن إن هذه القضية أقوى اختبار لقوة واستقلالية مركز القيادة والتحكم فقرار إيقاف الدراسة في أي جامعة أو مدرسة يجب أن يصدر منه (إذا رأى ضرورته) وليس من الجامعة أو وزارة التعليم وخلاف ذلك فإنه سيكون مجرد مركز شكلي.

إخفاء «كفيل» كورونا!!

في عالم الفيروسات المعدية (على الأقل) لا فرق بين إصابة طالبة أو موظفة أو عاملة فكل من يحمل رئتين مصابتين ويجوب أرجاء نفس المكان أو المجمع يمكن أن ينشر المرض فيه!، وكذلك فإن مرجعية المصاب أو حامل المرض (أو كفيله) لا أهمية له مطلقا إلا في المسؤولية عما يخصه من تقصير يساعد على نشره.

بيان جامعة الأميرة نورة بنت عبدالرحمن ركز على أنه لا إصابات بين طالبات الجامعة أو موظفاتها بالكورونا، وأن الحالات التي تم تشخيصها والتأكد من إصابتها بالمرض هي فقط أربع حالات لعاملات نظافة تابعات (لإحدى) الشركات المتعاقدة مع الجامعة وأن سكنهن خارج الحرم الجامعي وأنه تم التعامل مع الحالات كما ورد في البيان من إحالتهن لمستشفى وعزل العاملات المخالطات لهن في السكن ومنع دخولهن الجامعة…الخ.

دعنا نتجاوز التركيز على أن المصابات عاملات (فقط) وأن الطالبات والموظفات لم يتم تشخيص حالات إصابة بينهن والتأكد منها مثل ما حدث مع العاملات، مع أنه لا فرق فلو شخص إصابة طالبات أو موظفات فسيتم إحالتهن للمستشفى ومنعهن ومخالطاتهن من دخول الجامعة! أو هذا ما يفترض حدوثه.

دعنا نركز على الأهم وهو أن بيان الجامعة وكذا التصريحات المنسوبة لوزارة الصحة أخفت اسم الشركة المتعهدة بالنظافة تماما وهذا معناه أن الشركة يمكن أن ترسل عاملات نظافة مخالطات للمصابات لدائرة أخرى سواء حكومية أو خاصة!، بل ربما تؤجرهن لمنازل لا تعلم بأنهن عاملات مخالطات لمصابات بكورونا في سكن شركة ضيق (٣٦ عاملة في ثلاث غرف أي ١٢ عاملة في كل غرفة).

لا غرابة في أن تخفي الجامعة اسم شركة النظافة!، إذا كانت وزارة الصحة نفسها بل مركز القيادة والتحكم المخصص لمكافحة كورونا أخفى اسم شركة النظافة وهو يعلم أن عاملاتها مصابات أو مخالطات لمصابات!!، وهذا معناه أننا لا نعمل جديا كعمال نظافة لتنظيف الوطن من الكورونا، وأن شفافيتنا عندما يتعلق الأمر بالتجار والشركات والقطاع الخاص مصابة بمرض متلازمة الشرق الأوسط الـ(لا تنفسية).

وكالعادة المساحة لا تكفي، نفضح المزيد في مقال الثلاثاء.


مستوصفات بلا حراسة

أكثر من حادثة تعرضت فيها موظفة مستوصف خاص للاعتداء بسبب أن مالك المستوصف، الذي يلهف من المرضى أضعاف ما يستحق ويدفع للموظفين ربع ما يستحقون، لا يكلف نفسه توفير الحماية للموظفات والموظفين باستئجار عدد كاف من الحراسة.
لا نتعلم من الدروس فسبق أن قتلت موظفة استقبال على يد طليقها الذي سبق أن هددها، وضربت ممرضة، وسلبت مراجعة، وجميع ذلك حدث في مستوصفات أهلية وخاصة ولم يتم بعد فرض إجراءات أمنية كافية كان لا بد أن يوفرها مقر العمل لموظفيه ومراجعيه.
أحدث شكوى وصلتني في هذا الخصوص من موظفة استقبال سعودية في مستوصف خاص تحضر باكرا بحكم طبيعة عملها، فداهم مكتبها أحد المدمنين على المخدرات وكاد أن ينال منها لولا (فزعة) المارة وتخليصها منه مما أدى بها للاستقالة رغم حاجتها الماسة للراتب لفقرها ورعايتها لأسرتها ماديا.
لسنا ببعيد من الهجوم على أحد المصارف بالسلاح، وقد تتكرر مثل هذه الحوادث مع أن الوقاية منها تقع على عاتق رب العمل في شكل صرف على الحراسة وتأمين بيئة العمل بتخصيص مبالغ كبيرة للحراسة تليق بمستوى الخطر الذي يتعرض له الموظفون.
وعندما يقصر المالك ويحاول تقليل المصروفات على حساب سلامة الموظفين والمراجعين فإن الجهات الرقابية المسؤولة يجب أن تجبره على توفير حد أدنى من الاحتياطات الأمنية تحدده الجهة المختصة، وإلا فإن تزامن توفر التأمين على الخسائر مع الجشع والحرص على تقليص المصروفات سيعرضان الموظفين لحوادث وخسائر أرواح كان بالإمكان إنقاذها بحفنة من الريالات.

شفافية «مقرفة» لكنها رائعة

مثلما أن من الحب ما قتل، فإن من الشفافية ما يخيف ومنها ما (يقرف) ويسبب الاشمئزاز، ومع ذلك فإن الشفافية جميلة رائعة وإن أرعبت تماما مثل الحب الذي هو متعة من متع الحياة وإن قتل في النهاية فإنه قتل من شدة الاستمتاع.
شفافية وزارة الشؤون البلدية تقول في خبر نشرته صحيفة (مكة) منتصف الشهر الماضي أن ٤٣% من عمال المطاعم الذين تمت إحالتهم للفحص الطبي وجد أن لديهم أمراضا خطيرة ومعدية تتراوح بين فطريات في الأصابع وسعال وزكام وجروح في اليدين والأصابع، وذهبت شفافية تقرير الوزارة إلى أبعد من ذلك (قرفا) فأوضح التقرير أن غالبية جروح وقروح الأصابع وفطريات الأصابع ظهرت في من يعدون الطعام والخبازين وهذا معناه إمكانية انتقال فيروسات الكبد للمستهلك عبر طعام تلوث بدم العامل (كصيدلي أقول لكم إن طريقة انتقال الفيروسات بهذا التلويث تحتاج لتفصيل يطول وأنا حددت نفسي بـ ٣٠٠ كلمة، والمهم أن دما يختلط بطعامك عزيزي مدمن المطاعم وكفى).
وذكر التقرير في معرض صراحته وشفافيته أن العمال المصابين بفطريات الأصابع من الخبازين وأغلبهم لا يرتدون القفازات مذكَرا قراءَه أن العجن لا يخلو من فطريات! وتلوث من إفرازات قروح.
وذهب التقرير إلى أبعد من ذلك حين قال إن الإصابات بالكحة والزكام تعني احتمال أن يسعل العامل أو يعطس أمام طعام يعده!.
شخصيا، لا يقرفني التقرير إطلاقا لأنني ومنذ مشاركتي كمراقب متطوع في أمانة مدينة الرياض منذ أيام الأمين عبدالله النعيم ورؤيتي ما رأيت لم أعد آكل ذرة طعام أو حلوى تعد في الخارج وكنت أكتفي قبل زواجي بما تطبخ أمي، تغمدها الله بواسع رحمته، ثم حاليا ما تطبخه أم مهند أو إحدى بناتي -حفظهن الله- (ليس لدينا شغالة وحين كان لدينا فهي لا تقرب الطعام إلا لتأكل أعني أننا نطبخ لها)، وأنصحكم لوجه الله أن تقطعوا عادة الأكل من المطاعم أو من طبخ الشغالات والحديث هنا يطول أيضا.
أحبتي في وزارة البلديات الرقابة اللاحقة ضرورة ورفع رواتب وأعداد المراقبين أساسي لتكثيفها والغرامات (٢٠٠ إلى ٢٠٠٠ ريال) لا تعادل علاج جرح أو فطر لعامل واحد! وعليكم فرض عقوبات رادعة لأن النتائج خطيرة وعلاجها مكلف إن وجد علاج وإلا الموت وكفى بالموت واعظا.

شلل رباعي بأطراف التعليم

أتابع بحرص وقلق أخبار وزارة التعليم، أبحث عن خطوة جديدة تبعث أملا في انتشال جسد البنية التحتية للتعليم العام (ابتدائي، متوسط، ثانوي) للجنسين من حالة الإعاقة التي تعاني منها أطرافه مثل النقل المدرسي للطلاب والطالبات ونقل المعلمات اللاتي يمتن على الطرق النائية والبيئة المدرسية المتخلفة منذ سنوات ووسائل التعليم التي وعدنا منذ عشرات السنين بأنها ستكون حاسوبا لكل طالب ولا زالت (خمسون طالب حول واحد حبة حاسوب)، فلم أجد أي خبر عن علاج لشلل تلك الأطراف، بل ولا بصيص أمل في تركيب أطراف صناعية مؤقتة (كعادتنا في الحلول الوقتية) يساعد تلك الأطراف على الحركة.

أطراف جسد التعليم ليست الأجزاء الوحيدة التي تعاني شللا رباعيا مزمنا بلغتنا نحن أهل الصحة فالجسد برمته مريض ومنهك كما كان ولم أجد خطوة فعلية لعلاجه ولو بعلاج طبيعي أو (مساج) أو تدليك يعيد له الحيوية، فالمباني المدرسية تتقادم وأسقفها تسقط على الطلاب والطالبات، ودورات المياه لا تزال غير صالحة للاستخدام الآدمي وسبب في عزوف الطلاب عن الذهاب للمدرسة، ولا يزال التكييف بدائيا ويتعطل وإصلاحه في مدارس الذكور مستحيل وفي مدارس البنات قائم على نظام (القطة) من معلمات سعوديات شعارهن (الراتب لك أو لأخيك أو للذئب وبدلا من أن يلهفه زوج نائم نساهم به في إصلاح مكيف).

أبحث في الأخبار الجديدة لوزارة التعليم فلا أجد غير (وقعنا اليوم اتفاقية أو مذكرة تفاهم مع وزارة أو مؤسسة تحلية أو قطارات أرضية أغلبها تتعلق ببعثتك ووظيفتك)، مع أن التنسيق بين الوزارات والمؤسسات جزء من استراتيجيات عامة لا يحتاج إلى توقيع اتفاقيات منفردة وطاولة وصور وفلاشات، ومع ذلك وقعوا كما تشاؤون ولكن دعونا نرى العمل الأهم وهو توقيع اتفاقية مع نواب الوزارة ووكلائها وكبار موظفيها ومهندسيها على إنعاش جسد التعليم وعلاج أطرافه.


سؤال مخادع ماكر

تبلغ الخطورة ذروتها عندما يستفرد بائع المواد الضارة بفريسته في معزل عن التوعية والحماية!، وهذا ما يجعلنا أكثر عرضة لخطورة الترويج لمواد ضارة من أي بلد متقدم آخر في العالم!، فالبعض (خاصة المتاجرين بمواد ضارة من وكلاء ومصنعين ومستوردين) يحتجون بحجة خبيثة مفادها أن تلك المواد تباع في أمريكا وأوروبا فلماذا تطالبون بمنعها عندنا وتلك الدول التي سبقتنا في مجالات عدة تسمح بها؟!.
هذا السؤال الخبيث والحجة الماكرة تنطلي للأسف على بعض البسطاء لدينا!، بل حتى على بعض المسؤولين والمتعلمين والمثقفين عندما يغيب عن ذهن أحدهم أن تلك الدول المتقدمة، أو التي سبقتنا، تقدمت علينا أيضا وسبقتنا في مجال التوعية والتحذير والتثقيف!، وسبقتنا أيضا في فرض عقوبات وغرامات وتعويضات مليونية عند حدوث الضرر!، وهنا فإن المقارنة بهم غير عادلة ولا منطقية ولا منصفة، وعلينا أن نتعامل مع المواد الخطرة والضارة بما يتناسب مع واقعنا في التوعية والتثقيف والرقابة والغرامات والتعويضات، وليس بناء على ما لدى غيرنا ممن لديهم غير ما لدينا من إمكانات!. هذا الطرح قلته حول أكثر من عنصر خطر يعاني منه المواطن، وفي أكثر من مناسبة، قلته حول خطورة ما يسمى تدليسا بمشروبات الطاقة وهي مشروبات هدم، عندما احتجوا بأنها تباع في أمريكا، وقلته عندما حاول بعض مسؤولي الصحة التحجج وخداع الناس بالقول إن أرقام الأخطاء الطبية عندنا قريبة من أرقامها في أمريكا!، وعندها أضفت سؤالا محرجا (كم عدد التدخلات الطبية عندك مقارنة بما عندهم؟!) لا شيء طبعا فالحكم هنا للنسبة والتناسب وليس العدد!، و(كم مبالغ التعويضات عندهم مقارنة بما عندك؟!)، أضعاف مليونية طبعا وكف يد وعقوبات! ومن يمثل المريض عندهم من المحامين ومن يمثله عندك؟. نفس الشيء نقوله اليوم وقلته في مقال الثلاثاء حول المواد الضارة والمسرطنة التي يتعرضن لها الفتيات عندنا اليوم من حشوات وتنفيخ شفايف وتكبير الصدور بمواد ضارة وخطرة ومسرطنة وعمليات تجميل يروج لها تجار الطب في مستوصفات أقرب للدكاكين منها للطب، فثمة فارق بيننا وبين من يمارسها في دول أخرى تفرض رقابة صارمة وغرامات وتعويضات. ونفس الشيء ينطبق على الخطر القادم والمتمثل في تدخين الفتيات للشيشة والسجائر خارجيا وداخليا فهذا السلوك يتم بمعزل عن التوعية وفي غياب تام للأبحاث حول نسب تدخين الفتيات بالرغم من أن لدينا أكثر كراسي البحث في جامعة واحدة في العالم، لكن أكثرها كراسي مبالغ مليونية راكدة فارغة لا يستفيد المجتمع منها شيئا.