كهرب وماء وموت
على طريقة مقررات المرحلة الابتدائية، أمعن النظر في قضية مصرع الشاب أنور الكعبي (19 عاما) أثر صعقة كهربائية في حديقة عامة بجدة أثناء ممارسته لعبة كرة القدم، التي ظلت أمانة جدة تتقاذف مسؤوليتها وإحدى شركات الكهرباء الخاصة في أروقة المحكمة العامة وديوان المظالم على مدى أكثر من ثلاث سنوات، فيما بقي والد أنور محتارا في تحديد خصمه المتسبب في وفاة ابنه.
وفي كثير من جلسات هذه القضية بالمحكمة العامة في جدة، تغيب ممثلا الأمانة وشركة الكهرباء الخاصة، فيما لم تصل بعض ملفات وقائع الحادثة التي طالبت المحكمة بإحضارها.
وقررت تأجيل القضية عدة مرات، وأبدى والد الشاب المتوفى تذمره من التسويف الذي يجده من الجهات المتهمة ومحاولة الأمانة التنصل من المسؤولية أحيانا وغيابها عن الجلسات أحيانا أخرى، فيما اتبعت شركة الكهرباء الخاصة الأسلوب ذاته بغيابها عن الجلسات، وكل منهما تلقي باللائمة على الطرف الآخر كسبا لمزيد من الوقت، مستفيدتين من عدم وجود محام أو قانوني يقدم الاستشارة الصحيحة لوالد الشاب الضحية.
هذه القضية التي استمرت قرابة أربع سنوات تشرح لنا واقعا مريرا في جوانب عدة، ولعل الشاب أنور، رحمه الله وثبت والديه وعوضهما في مصابهما خيرا، قدم بعد وفاته للوطن خدمة لكشف جوانب قصور عدة، فرغم وضوح الإهمال الخطر بترك أسلاك كهربية مكشوفة في حديقة عامة ترش بالماء! ويرتادها الأطفال والشباب والكبار، ورغم حدوث قتل لنفس بشرية بريئة، إلا أن المسؤولية كان يتم تقاذفها والتسويف يحدث وعدم حضور المحكمة طريقة غير أخلاقية للتسويف والمماطلة! فكيف بالقضايا الأكثر غموضا التي يشتكي منها المواطن؟!.
تلك نقطة مستفادة من القضية، لكن الملاحظة التي لا تقل أهمية، هي في عقود الجهات الحكومية مع الشركات والمقاولين وتركها لثغرات وفجوات خطيرة تتيح الهروب من المسؤولية!، وتشير إلى تحيز وتخاذل وتساهل مقصود من قبل الجهات القانونية التي تصيغ العقود فلولا ذلك التخاذل لما صعب تحميل الشركة المكلفة بالخدمة مسؤولية تعريض أرواح الناس للخطر، وفي ذات الوقت تعريض المتضرر لضياع حقه!!، وهذه الملاحظة يجدر بنا التنبه لها في عقود الشركات مع الجهات الحكومية واعتبارها منطلقا للبحث عن طرف خيط لفساد.
هذا التخاذل وحده كفيل بإدانة أمانة جدة في ذلك اليوم، وقس عليها كثير جدا من الدوائر التي تحرج الجهة الحكومية لمصلحة تاجر والحر تكفيه الإشارة.
الوزراء ودروس من كورونا
استشهاد اللواء مكسب لنا وخسارة لهم
ضعف الرقابة بين الصالح والطالح
أكثر ما يحبط الموظف الصالح هو أن يرى زميلا فاسدا يستفيد من الفساد ولا تضبطه عين الرقيب، أو تراه وتتغاضي، أي أن يرى الفاسد يستفيد من فساده ولا يخسر بعقوبة، وأكثر ما يشجع الفاسد هو عدم مراقبته والاحتمال الكبير لنجاته بفعلته دون عقوبة.
لو تقصينا الكثير من مشاكلنا التي نتعرض لها لوجدنا أن أساسها هو ضعف الرقابة وأمن العقوبة وإساءة الأدب المبني على أمن العقوبة في كثير من دوائرنا ووزاراتنا ومؤسساتنا، ودعك من مكافأة الموظف المحسن، فهذه مرحلة لاحقة تأتى بعد معاقبة المسيء في جدول الأولويات؛ لأن الموظف المخلص الصالح لا ينتظر جزاء ولا شكورا، وإن حصل شكره ومكافأته فرح وازداد حماسا وولاء للوزارة أو المؤسسة، أما ولاؤه للوطن ففطري موجود.
الأكثر أهمية لدى الطرفين أو الفئتين من الموظفين الصالح والطالح هو عدم إفلات الطالح من الرقابة ومن ثم العقوبة الرادعة.
استعرض ما شئت من الأمثلة، ولنبدأ بأكثرها شيوعا ولا نقول أقلها خطرا:أستاذ الجامعة الذي يتحمل عبئا تدريسيا هو الأعلى ويجري أبحاثه بنفسه وينتظر الترقية سنوات طويلة؛ لأنه عمل لها بأمانة، سعيد جدا بأمانته، لكن يسوؤه ويحبطه أن يرى الكثير من زملائه لا يقومون بالحد الأدنى من العبء التدريسي المطلوب ولا يجرون أبحاثهم بأنفسهم ويعملون مستشارين في دوائر حكومية بطريقة صورية مدفوعة الأجر ويحصلون على الترقيات السريعة!.
الطبيب الاستشاري الذي يحضر لعيادته بالتزام ويقوم بتدخلاته العلاجية نحو مرضاه بأمانة ويراجع ملفاتهم قبل كل تدخل ويدرب أطباء الامتياز والمقيمين ولا يوكل واجباته لهم ولا يعرض مرضاه للخطر، هو سعيد بأمانته، لكن ينغص عليه أن يرى زملاءه يخرجون من الدوام من العاشرة صباحا ويذهبون لتكسب غير مشروع في مستشفيات خاصة ويهملون مرضاهم ويعرضونهم لأخطاء الطلبة والمتدربين وقليلي الخبرة دون أن تكتشفهم عين رقيب، أو تراهم وتجاملهم.
قس على المثالين ما تريد، وستجد أننا لو فعلنا العمل الرقابي بعزم في وزاراتنا كلها وشددنا المحاسبة بحزم وعاقبنا بصرامة، فإن كثيرا من مشاكلنا بل كوارثنا ما كانت لتكون.
لك أيضا أن تتخيل لو طبقنا المحاسبة بأثر رجعي مثلما يطبق وطننا الغالي المكافأة بأثر رجعي، فهل سيهمل مسؤول أو مدير ما يعرض حياة الناس أو أموالهم للخطر؟!.
مثلا، لو علم من تساهلوا في التعامل مع الكورونا أنهم سيحاسبون بأثر رجعي، هل كانوا سيجرؤون على التهاون؟!.
أبحاث وطنية إجبارية أو المغادرة
أين أبحاثنا من مراهق داعشي؟!
ما كان لنا عليكن من سلطان
بل حققوا في عدم التحرش !
كعادتنا القديمة جدا، تهب المؤسسات والإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي مع الحالة المعلنة وكأنها الوحيدة!، ويصرح المسؤول بتشكيل لجنة التحقيق وتحفل قضية واحدة بالاهتمام وكأنها حالة نادرة.
هذا ما حدث مع قضية ادعاء متقدمة لوظيفة في مدينة الملك فهد الطبية بأنها تعرضت لتحرش بطلب بشع ممن في يده مصير قبولها ــ على حد قولها، وقد بادر معالي وزير الصحة المهندس خالد الفالح، عبر حسابه الموثق في تويتر، بإعلان تشكيل لجنة للتثبت من صحة الادعاء ومعاقبة من تثبت إدانته.
تشكيل اللجنة والتحقيق والتثبت ومعاقبة المتهم إن ثبتت إدانته، أو معاقبة المدعية إن كذبت وكان من الصادقين، جميعها تفاعلات جيدة ومطلوبة وعادلة.
الظاهرة القديمة السلبية التي أقصدها هي فورة قارورة المشروب الغازي مع كل حادثة، وكأنها نادرة وهي ليست كذلك، وعدم معالجة أصل المشكلة التي تحدث وتتكرر، سواء طفت على السطح وتفاعل معها الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي أم لا.
التحرش في مواقع العمل المختلط واقع مرير موجود وشائع عندنا وعند غيرنا من دول العالم، والفارق الكبير جدا هو في ردة فعل ضحية التحرش نفسها، ففي مجتمعنا المحافظ خصوصية (البعض عندنا لا يحبون أدنى ذكر للخصوصية، وهي واقع نفخر به دينيا واجتماعيا وتمسكا بعادات وتقاليد محمودة غصبا عن كل من يحاول تجريدنا من خصوصيتنا!)، وهذه الخصوصية تكمن في أن غالبية المتحرش بهن لا يشتكين ويرغبن في الستر ودفن القضية في مهدها ومغادرة المكان دون ضجة، ولذا فإنني اعتبر المطالبة بقانون عقوبات للتحرش مجرد إثارة؛ لأن العقوبات الشرعية العادلة موجودة في الشرع الحكيم الذي نحكم به، وما نحن بحاجته فعلا هو منع أسباب التحرش والوقاية منه بعدم وضع حاجة الموظفة أو المتقدمة لدى رجل في بيئة عمل تقويه عليها، فيلجأ لاستغلالها واستغلال حيائها ورغبتها في الاسترزاق بستر.
عملت في المجال الصحي المختلط أكثر من ثلاثين سنة رأيت فيها معاناة الموظفة المستورة مع إيكال أمر ترقيتها وانتدابها وتعويضاتها وحل مشاكلها الإدارية في يد شباب في الشؤون الإدارية قد يكون بينهم شاب مريض (وما أكثرهم)، فيبدأ بطلب (جوالها) لتبشيرها بالنتائج، ثم يطلب (تجوالها) في بحر شهواته، فتترك حقها وتهرب، ولذا اقترحت على أكثر من وزير ومدير قطاع إنشاء إدارة تقوم عليها امرأة ويعمل بها نساء، تتولى متابعة حقوق الموظفة لدى الرجال في مقر العمل الذي يستدعي اختلاطا، وتكفيها شر استجداء الرجال والخضوع في القول، لكن لم ينجح أحد!.
