أبحاث وطنية إجبارية أو المغادرة

الأسرة والمنزل والحالة الاجتماعية هي من تؤثر تأثيرا بالغا في سلوكيات الفرد، وهي من تحول طفلا ولد على الفطرة وديعا إلى شاب عنيف أو انتحاري، أو شاب أكثر وداعة وناجحا ومفيدا لأسرته ومجتمعه ووطنه، ويجني أصحاب الأهواء والأجندات والتعصب للرأي على الوطن عندما يوهمونه بأن ما نتعرض له من خطر الإرهابيين الانتحاريين هو بسبب مناهج أو دروس على يد علماء أو تشدد في الدين، ويحولون الاهتمامات الوطنية إلى الطريق الخاطئ، بدلا من البحث والتقصي الأسري، وبذلك وقعنا ضحية لتكرر حالات لم تدرس ولم تبحث.
هؤلاء الصغار ما كان لهم أن يقعوا فريسة لأعداء الوطن من المخربين أو من شابههم من جميع أشكال أعداء القيم والصلاح؛ كمروجي المخدرات وعصابات السرقة والملحدين وعبدة الشيطان والمثليين لولا أنهم (أي هؤلاء الصغار) واجهوا مشاكل أسرية من عنف وحرمان وانفصال والدين وأخطاء في التربية، أو إرهاصات اجتماعية جعلتهم بيئة مناسبة لتقبل التوجيه للجريمة ووسطا جاهزا للإقناع والإفساد.
لذلك، ركزت في مقال أول أمس الثلاثاء على لوم أساتذة الجامعات في عدم إجراء دراسات اجتماعية وأبحاث استقصائية لأحوال صغار يفجرون أنفسهم من أجل قتل مصلٍّ ساجد أو يهربون للقتال مع جماعات لا يعرفون أهدافهم ولا توجهاتهم.
في ذلك المقال، ركزت على فضح حال الأبحاث لدينا، والتي يحتال فيها بعض أساتذة الجامعات، بإيكال أمرها لمساعد متعاقد يفبركها ويكتبها باسم رئيس القسم أو الدكتور الذي يعمل مساعدا له، واليوم أركز على أهمية تلك الأبحاث والدراسات وطنيا في الحرب على كل فساد وجريمة، ومنها الإرهاب، وأدعو إلى تشديد الرقابة على أبحاث الجامعات وكراسي البحث (ولو أن جميعها منح)، وضرورة وضع آلية أكثر حزما وشدة تجبر عضو هيئة التدريس على إجراء أبحاث ودراسات تفيد الوطن أو يترك الجامعة لمن يستحق البقاء فيها.

أين أبحاثنا من مراهق داعشي؟!

لأننا نهمل الدراسات والأبحاث لم يكلف أستاذ جامعي واحد نفسه بإجراء دراسة تبحث الوضع الاجتماعي والخلفية الأسرية لصغار السن من الانتحاريين التكفيريين الذين تستخدمهم الجماعات الإرهابية لتنفيذ أهدافها بطواعية وإقبال.
لا بد من خلل أسري أو تربوي أو حالة نفسية غير طبيعية ناتجة عن حرمان أو عنف أو تحقير تجعل شابا صغيرا في مقتبل عمره قابلا للتوجيه والاستغلال فيختار طريق الموت في غير جهاد صحيح يقاتل به أعداء دينه ووطنه أو دفاعا عن عرضه أو نفسه أو حتى ماله!، ولماذا ينصاع وبسرعة وسهولة ومبكرا لقوى إرهابية شريرة تجعل منه أداة لقتل أخيه المسلم وأين؟! في بيوت الله وأثناء أدائهم الصلاة وهو يراهم سجدا!، وكيف؟! بتفجير نفسه!!.
هذا السلوك الغريب الشاذ مدعاة لإجراء مئات الدراسات والأبحاث في الجامعات بل هو مادة بحث تفرض نفسها لو كان لدى أساتذة الجامعات في جامعاتنا النظرية الحد الأدنى من الحس الديني أو الوطني أو الإنساني بل وحتى الحس المهني!، وللأسف أن أساتذة الجامعات لدينا في الشقين العلمي والنظري لا يعيرون الأبحاث الوطنية الجادة أدنى اهتمام وليس لهم باع في مجال الدراسات المتخصصة ذات المردود على المجتمع على مستوى العالم ويمارسون تنظيرا فقط من كراسيهم المكتبية الوثيرة كونهم يحملون شهادة دكتوراه تبعها أستاذية لا تقوم على أساس.
أرجو أن لا يخرج مكابر ويقول إنه لا يوجد لدينا تشجيع للبحث العلمي بل على العكس، لدينا أكثر كراسي الأبحاث المدعومة بالملايين على مستوى العالم ومن أكثرها مالا عالميا، لكنها ويا للأسف غير مراقبة وأصبحت مالا سائبا يعين على الفساد بل هو الفساد بعينه!!.
ولدينا نظام ترقيات أعضاء هيئة التدريس في سلم التدرج العلمي الذي يتطلب إجراء أبحاث ونشرها، لكن عضو هيئة التدريس يكلف مساعدين ومعيدين من الإخوة العرب والمتعاقدين من جنسيات مختلفة بإجراء أو فبركة البحث ثم يضع عليه اسمه وينشره، ولذا فإن الترقيات لدينا هي الأسرع والأعلى عالميا دون أبحاث ذات قيمة وطنيا.
لا بد من هيئة وطنية فاعلة وموثوقة للرقابة على البحث العلمي والترقيات وإلا أصبحنا مجتمع دكاترة وأساتذة و(بروفسورات) مزيفين ودون أدنى مردود وطني.

ما كان لنا عليكن من سلطان

انتظرت عنوة، ومر أسبوعان على خبر نشرته صحيفة الوطن حول إجبار الفتيات العاملات في محلات العطور والزينة والمستلزمات النسائية على تحميل البضائع والقيام بأعمال النظافة، ورغم مرور هذه المدة الطويلة لم يتطرق أحد من مؤيدي عمل المرأة في تلك المتاجر لمعاناتهن!، ليس هذا فحسب، بل أن الوسم (الهاشتاق) الذي عمل حول هذا الخبر لم يهب للمشاركة فيه أي ممن كان (يصرخ) في القنوات مؤيدا عمل الفتيات في بيع المستلزمات النسائية والمكياج والعطور!!.
كأنهم كانوا يريدونهن أن يعملن فيها وحسب، لحاجات في أنفسهم، ليس من بينها حقوقهن أو صالحهن أو عطفا عليهن!، بل كأنهم عندما يرونهن نادمات يواجهن ما كنا نحذر منه من عدم توفر أرضية مناسبة من حيث الاحتياجات الإنسانية كدورات المياه والنقل وتنظيم العمل والحماية القانونية، أو يرونهن يستغلين أسوأ استغلال فيندمن ويتحسرن على واقعهن، سيقولون لهن (ووعدتكم فأخلفتكم وما كان لي عليكم من سلطان).
حذرنا مرارا وتكرارا من أن الاستعجال في توظيف الفتيات في الأسواق ومحلات الملابس والمستلزمات النسائية قبل توفير أرضية أساسية لهذه الخطوة ستؤدي إلى كوارث!، والأرضية الأساسية التي لم توفر بعد تشتمل على توفير الحماية النظامية المفصلة لعقد العمل وتوفير دورات المياه المهيأة لاحتياج فتاة تعمل لساعات طويلة وتوفير أماكن تناول الوجبة الغذائية والقهوة والشاي بستر وراحة وتوفير وسائل نقل جماعية وفي أوقات مختلفة تتناسب مع الدوام وتوفير قنوات سرية للشكوى (أي شكوى من أي شكل من أشكال الممارسات المتوقعة).
ومع كامل الاحترام لتعليق متحدث وزارة العمل تيسير المفرج على الخبر بقوله بعدم تدخل برنامج تأنيث محال الملابس النسائية في مهام العمل وأن على من يطلب منها ما لم تعوض عنه أو خارج نطاق المهام، تقديم شكوى!، ومع كامل الاحترام لتصريح لاحق لناجي الأحمدي مدير التفتيش بمكتب العمل بالمدينة المنورة بأن المكتب سيراقب ويفتش ويحاسب، أقول لماذا تبرأ البرنامج من المهام وهو الذي حدد وخصص طبيعة المحال؟!، وأين مراقبتك وتفتيشك ومحاسبتك قبل أن ينشرن شكواهن خائفات مما سيتعرضن له من قمع التجار ومختفيات بأسماء رمزية لعلمهن أنهن للعقاب أقرب من الحماية؟!.
لقد ذكرت في هذه الصحيفة المباركة تحت عنوان (دسوقي مدير بائعة العطور) الذي تحرش بالبائعة، وما تبعه من مقالات، أن مكاتب العمل مخترقة من قبل أصحاب المحلات وأن الشكوى يعلم بها التاجر قبل مدير المكتب ولا يبت فيها المكتب وهذا ما يخشينه.

بل حققوا في عدم التحرش !

كعادتنا القديمة جدا، تهب المؤسسات والإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي مع الحالة المعلنة وكأنها الوحيدة!، ويصرح المسؤول بتشكيل لجنة التحقيق وتحفل قضية واحدة بالاهتمام وكأنها حالة نادرة.

هذا ما حدث مع قضية ادعاء متقدمة لوظيفة في مدينة الملك فهد الطبية بأنها تعرضت لتحرش بطلب بشع ممن في يده مصير قبولها ــ على حد قولها، وقد بادر معالي وزير الصحة المهندس خالد الفالح، عبر حسابه الموثق في تويتر، بإعلان تشكيل لجنة للتثبت من صحة الادعاء ومعاقبة من تثبت إدانته.

تشكيل اللجنة والتحقيق والتثبت ومعاقبة المتهم إن ثبتت إدانته، أو معاقبة المدعية إن كذبت وكان من الصادقين، جميعها تفاعلات جيدة ومطلوبة وعادلة.

الظاهرة القديمة السلبية التي أقصدها هي فورة قارورة المشروب الغازي مع كل حادثة، وكأنها نادرة وهي ليست كذلك، وعدم معالجة أصل المشكلة التي تحدث وتتكرر، سواء طفت على السطح وتفاعل معها الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي أم لا.

التحرش في مواقع العمل المختلط واقع مرير موجود وشائع عندنا وعند غيرنا من دول العالم، والفارق الكبير جدا هو في ردة فعل ضحية التحرش نفسها، ففي مجتمعنا المحافظ خصوصية (البعض عندنا لا يحبون أدنى ذكر للخصوصية، وهي واقع نفخر به دينيا واجتماعيا وتمسكا بعادات وتقاليد محمودة غصبا عن كل من يحاول تجريدنا من خصوصيتنا!)، وهذه الخصوصية تكمن في أن غالبية المتحرش بهن لا يشتكين ويرغبن في الستر ودفن القضية في مهدها ومغادرة المكان دون ضجة، ولذا فإنني اعتبر المطالبة بقانون عقوبات للتحرش مجرد إثارة؛ لأن العقوبات الشرعية العادلة موجودة في الشرع الحكيم الذي نحكم به، وما نحن بحاجته فعلا هو منع أسباب التحرش والوقاية منه بعدم وضع حاجة الموظفة أو المتقدمة لدى رجل في بيئة عمل تقويه عليها، فيلجأ لاستغلالها واستغلال حيائها ورغبتها في الاسترزاق بستر.

عملت في المجال الصحي المختلط أكثر من ثلاثين سنة رأيت فيها معاناة الموظفة المستورة مع إيكال أمر ترقيتها وانتدابها وتعويضاتها وحل مشاكلها الإدارية في يد شباب في الشؤون الإدارية قد يكون بينهم شاب مريض (وما أكثرهم)، فيبدأ بطلب (جوالها) لتبشيرها بالنتائج، ثم يطلب (تجوالها) في بحر شهواته، فتترك حقها وتهرب، ولذا اقترحت على أكثر من وزير ومدير قطاع إنشاء إدارة تقوم عليها امرأة ويعمل بها نساء، تتولى متابعة حقوق الموظفة لدى الرجال في مقر العمل الذي يستدعي اختلاطا، وتكفيها شر استجداء الرجال والخضوع في القول، لكن لم ينجح أحد!.


المهازل السياحية نسبوها للفقراء!

الغريب جدا والمسيء فعلا والجارح عمقا أن تخرج تغريدات مكابرة مستكبرة عنصرية و(سنابات) سخيفة متتالية تقرر (دون دراسة ولا تثبت) أن الممارسات الفوضوية لبعض السياح الخليجيين في النمسا وبريطانيا وفرنسا والتشيك حدثت بعد أن أصبح كل من هب ودب قادرا على السفر لتلك الدول الأوربية البعيدة نسبيا!!، أي أن ثمة تصريحا (غبيا) لا تلميح فيه أن الفقراء ومحدودي الدخل هم سبب كل فوضى وتخلف يمارسه الخليجيون!، وهذا وربي ظلم وافتراء فالأمر قديم والسلوك مرتبط برصيد الوعي لا برصيد الحساب وبالمقدرة على تحمل المسؤولية لا بالقدرة المالية وبحجم الغيرة على الأوطان لا بحجم الأرصدة.
فوضى سياحية مسيئة جدا مارسها سياح خليجيون في النمسا والتشيك وفرنسا وبريطانيا وتحديدا في مدن زيلامسي وتبليسيا وباريس ولندن بتخريب الحدائق العامة وشقاوة الأطفال ونصب القدور وقواعد (القدو) أو الشيشة تحت برج إيفل الباريسي الشهير، استدعت سلطات تلك الدول للتفكير في إجراءات تحد من منح التأشيرات للسياح الخليجيين بل إن الشعوب نفسها تذمرت علنيا عبر مسيرة نظمها سكان المنتجع الصحي في التشيك (تبليسيا) تقول (اطردوا العربان من مدينة تبليسيا).
بالمناسبة تلك الفوضى ليست جديدة!، وشهدتها ذات الدول والمدن منذ مدة، لكن الجديد هي وسائل التواصل الاجتماعي للشعوب التي نشرتها أكثر وفضحت المستور على مستوى الممارسات السلبية العامة، بينما كان إعلام تلك الدول منشغلا بفضائح خاصة أكبر لقمة.
لكن الأغرب والأحقر من تلك الممارسات هو نسبها للسياح مستوري الحال ومحدودي الدخل، الذين يسافرون من حر مالهم وجمع قرشهم للتمتع الحلال مثل غيرهم، والقول بأن قدرتهم على الوصول لمواقع سياحة الطبقة المخملية نفش المخمل!، ونقول على رسلكم، وبعيدا عن التقسيمات، فإن المواطن الفقير الكادح، العربي عموما، أثبت ولاء للوطن أكبر وإيثارا وحياء وغيرة وطنية أكثر من كثير من أثرياء العرب والأحداث العربية الأخيرة أثبتت ذلك وكانت محكا.
وبالمناسبة أيضا فإن الدول الأوربية الأقرب والأيسر وصولا، مثل تركيا أو تلك الأرخص معيشة، مثل ماليزيا وإندونيسيا، والتي يقصدها الغالبية محدودة الدخل التي لا تقبل إهانة ولا فرض نزع نقاب أو تمييزا دينيا، لم تحدث فيها تلك الفوضى!، فللأمر علاقة بالتربية والكرامة وعزة النفس ودرجة تحمل المسؤولية!.

قاوموهم بالأبتر و(باتريوت) البشر

إن كنتم تخاطبون المنتحر الهالك فإنه قد مات، وإن كنتم تخاطبون القاتل القادم المقبل على انتحار وهلاك فإن ضميره قد قتل، وأحاسيسه قد أهلكت وفي آذانه وقر وران على قلبه وأقفل!.
علينا أن نتخاطب كيف نحمي وطننا منهم؟!، وكيف يؤدي كل منا دوره لإفشال مخططاتهم ومنع وقوع جرائمهم كل في موقعه وكل بالطريقة التي تستوجبها الحيطة والحذر.
علينا أن نفترض أن ذلك الانتحاري جماد موجه لا بشر وجيه (وهو كذلك مفرغ من كل إحساس)، علينا أن نتعامل معه كصاروخ (سكود) بشري أرسل لينفجر في موقع محدد فنحمي ذلك الموقع منه لينفجر قبل وصوله!، وهل قاومنا (سكود) بأفضل من نصب بطاريات (باتريوت)؟!.
علينا أن نصرح ونغرد ونتحاور فيما هو مفيد للحماية من وصول هذه الأجساد المفخخة مسلوبة الإرادة والمشاعر والشعور إلى المواقع المستهدفة عبر نصب بوابات أمنية إلكترونية متوفرة ورخيصة (مقارنة بثمن الروح البشرية الواحدة الطاهرة)، وعبر توعية الصغير والكبير، المتعلم والأمي، المدني والعسكري، بثقافة الحس الأمني والشك الإيجابي والتبليغ السريع والتصرف الأسلم.
ما بالنا نضيع الوقت والأرواح باللطم والنواح في تويتر وغيره على من راح ولا نحتاط لما هو آتٍ؟!، وإلى متى؟!.
ما بال تصريحاتنا تركز على أن قتل النفس التي حرم الله قتلها جريمة وكأن في الأمر شكا؟! وقد صرح بها قرآن كريم منزل وفي أكثر من آية وليست موضع خلاف؟! وما بالنا نركز على أن قتل الركع السجود أبشع صور الغيلة وكأن أحدا يجهل ذلك؟!.
من عسانا نخاطب؟! ومن نوجه؟! ومن ننصح؟! ومن نتوعد ونهدد بعظم الذنب؟! إن كنتم تعتبرونهم مسلمين (والمعاذ بالله)، فلستم أبلغ من خطاب وتوجيه ونصح ووعيد وتهديد القرآن!، وإن كنتم تعتبرونهم أعداء لله ورسوله (وهم كذلك) فاحذروهم ولا تحذروهم.
إن مخاطبتنا لهم باسم الدين إيحاء شنيع بأنهم من الدين، وهو منهم براء وهم له أعداء، والأدهى والأمر أن يأتي مغفل أو غافل فيتحدث عن مناهج وتدريس وتشدد فيقحم الإسلام فيما نهى عنه الإسلام!، ويمنح هذه الشرذمة الفاسدة، المعادية للإسلام المعدة لتشويهه من قبل مخابرات أعدائه، فرصة العمر للوصول لهدفها وهو تشويه الإسلام وإحراج المسلمين.

أطباء مخالفون يهددون الوزير!

تماما مثل ما حدث في السنة اليتيمة التصحيحية التي بدأها القائد الإداري غازي القصيبي، رحمه الله، في عمله الجاد كوزير للصحة بالانتصار للمريض وتصحيح إعوجاج الأطباء في إهمالهم للمرضى، يحدث الآن الشيء نفسه مع الوزير المهندس خالد الفالح الرجل الذي نجح في جميع مناصبه كقائد إداري، فقد بدأ الأطباء الحكوميون المخالفون الذين يتركون مواقع العمل في المستشفيات الحكومية أثناء الدوام الرسمي للعمل غير النظامي في مستشفيات خاصة والأطباء الذين يتقاضون رواتب وبدلات ممارسة الطب وهم يقبعون في كراسي إدارية وثيرة، بدأ هؤلاء الأطباء في التكاتف ضد الوزير الذي وضع إصبعه على جرح الوزارة القديم النازف لسنوات وهو تستر إدارة الأطباء على مخالفات الأطباء.

أخبار وزارة الصحة والخدمات الصحية في القطاعات الأخرى بما فيها الجامعية تقول إن ثمة اجتماعات و(لوبي) أطباء يستهدف إعاقة الخطوات التصحيحية التي شرع فيها وزير الصحة بجدية وصمت لوقف المخالفات التي يمارسها بعض الأطباء الاستشاريين الحكوميين بتركهم مرضاهم في العيادات وغرف العمليات للأطباء المتدربين وأطباء الامتياز و(التزويغ) من الدوام لعمل غير نظامي في مستشفيات أهلية وخاصة!، وهي المخالفة التي صدر بحقها عدة توجيهات عليا وتحذيرات ومنح الطبيب من أجل التوقف عنها زيادات في الرواتب ومميزات مالية وبدلات ضخمة هي الأعلى مقارنة بدول الخليج والدول المتقدمة إذا أخذ في الاعتبار قلة ساعات العمل وعدم وجود ضرائب، كما أنها تعادل أضعاف ما يدفعه القطاع الخاص للطبيب كراتب لو تفرغ للمستشفى الخاص!، ولذلك فإنهم يهددون بالانتقال للقطاع الخاص ولا يتجرؤون على تنفيذ التهديد.

أحد مقترحات الضغط على الوزير هو استغلال التفاعل مع مواقع التواصل الاجتماعي والترويج لتهديد بالاستقالة، وهذا التهديد هو تماما مثل تهديد التجار بنقل نشاطهم التجاري واستثماراتهم للخارج، وخاصة دبي، عند مطالبتهم بالسعودة، أي أنه تهديد يعلم المهدد جيدا أنه لن ينفذه بل لو فرض عليه فسوف يتوسط ويتوسل للتراجع عنه!، ذلك أن التاجر يعلم أن السوق السعودي هو الأكثر زبونا والأقل تعقيدا بالقوانين والغرامات والعقوبات والأكثر ربحية.

نفس الشيء مع الطبيب الذي يهدد بالانتقال للقطاع الخاص فهو يعلم جيدا أن القطاع الخاص لن يدفع له نفس ما تدفعه له الدولة من رواتب وبدلات، ولن يجد فيه نفس الأمان الوظيفي، ولا ذات الراحة في ساعات العمل فالقطاع الخاص قطاع ربحي تجاري يريد طبيبا متميزا مشهورا في مستشفيات الحكومة يعمل لديه جزئيا بطريقة غير نظامية فيجلب له (زبونا) هو للأسف مريض حرم حقه من الرعاية الصحية بسبب هروب ذات الطبيب من الدوام!

امض وزير الصحة وابشر بطول سلامة طالما أن هدفك هو المريض الضعيف.


استغفال تقرير جامعة تبوك

فرحت جامعة تبوك كثيرا بتقرير اللجنة التي حققت في قضية وفاة المعلمة التي لم تقبل ابنتها في كلية الطب بعد أن دخلت في نقاش مع (مجهول) في عمادة القبول والتسجيل ومطالبتها بمقابلة مسؤول لم تقابله وانتهى النقاش بارتفاع ضغطها ووفاتها رحمها الله في مواقف حرم الجامعة.

والحقيقة أن التقرير بل التحقيق في حد ذاته جاء مخيبا للآمال وحاول إنقاذ الجامعة، خاصة في هذا الوقت الذي لا يرتاح فيه بال لمقصر ولا يضيع حق لمواطن أو مقيم مستحق.

التقرير ركز عنوة على خطوات قبول الطالبة وشقيقها بالأسماء والدرجات من واقع النظام الإلكتروني للقبول، ولم يتطرق (مطلقا) لأساس المشكلة وسبب وفاة المراجعة وهو أنها تطلب اسم الشخص الذي تتحاور معه ويرفض وتطلب مقابلة المسؤول الذي بيده الحل والعقد، إما بإقناعها أو الاقتناع بقبول ابنتها في الطب! وهو ما حدث فعلا بعد أن وقع الفأس في الرأس فقد أدانت الجامعة نفسها ولجنة التحقيق بقبولها الطالبة في الطب لأحقيتها في ذلك لو وجدت من يستمع لوالدتها.

مشكلتنا الكبرى التي تنم عن تخلف أو عدم مواكبة للعصر هو أنك تتعامل مع مجهول لم يضع بطاقة تعريفية، رغم أهمية هذا الجانب التعريفي، وإصدار بطاقات تعريف لا يعلقها أحد لا في المستشفيات ولا الوزارات ولا البنوك ولا جميع مواقع المواجهة المستفزة للجمهور!!، وهذا ما ركزت عليه شخصيا في تناول القضية ووضعته بين قوسين فقد كانت تصرخ (وش اسمك؟!).

السبب المهم الآخر في رفع الضغط الذي أدى للوفاة هو عدم مقابلة المسؤول عند تأزم الأمور البيروقراطية رغم أننا في بلد يفتح قادته أبواب مكاتبهم ومنازلهم لمقابلة الناس، وهذا أيضا عنصر تجاهله التقرير تماما!.

اللجنة أصلا لا تعتبر محايدة طالما أنها لا تشتمل على أعضاء من خارج وزارة التعليم ولا عضو يمثل الضحية ويذكر حججها ويطالب نيابة عنها!، وهذه مشكلتنا أيضا مع لجان (الخصم الحكم).

بقي مأخذ هام جدا على التقرير وهو ذكره أسماء ونتائج ودرجات ابنة وابن الضحية تفصيلا مع أنها تخضع للسرية الشخصية وفي الوقت نفسه عدم ذكر اسم الموظف الذي كانت تسأله (وش اسمك؟!) رغم أن اسمه حق مشاع يفترض أن يكتب على بطاقة!!.


الرضيع الذي أحرق أمريكا

النار هي ذات النار خاصة في حرقها للجسد البشري فدرجة الحرارة التي تشوي الجسد هي ذات الدرجة، هي نفس النار التي صهرت هياكل البرجين في الحادي عشر من سبتمبر الشهير، وهي ذات النار التي أجبرت حرارتها العاملين في البرجين على الانتحار بالقفز من فوق ناطحة السحاب. وهي ذات النار التي أحرقت الطيار الأردني معاذ الكساسبة حيا، وهي ذات النار التي أحرقت ضحايا أوكلاهما، وهي ذات نار المحرقة النازية التي تعاقب دول أوروبا وأمريكا من ينكر حرقها لليهود!، وهي ذات النار التي أحرق بها المستوطنون اليهود الجسد الغض للرضيع علي الدوابشة في فلسطين المحتلة.
الفارق الكبير هو في موقف أمريكا من مضرم النار!، موقف أمريكا من التعاطف مع المحروق وموقفها من معاقبة الحارق!.
في كل حوادث الحرق السابقة كانت الولايات المتحدة الأمريكية تشجب وتستنكر، حتى في حادثة حرق الرضيع الفلسطيني شجبت واستنكرت، لكنها في كل حوادث الحرق السابقة كانت تعاقب أو تشارك في عقاب مضرم النار وتحرق الحارق، إلا في حالة حرق الرضيع ووالديه وعمه وأبناء عمومته وشعبه فإنها كانت ولا تزال تقف عائقا دون معاقبة الحارق المحتل وترفع حق النقض (الفيتو) ضد كل قرار أممي يدينه أو يفكر ولو مجرد تفكير في ردعه!.
نعم رضيعنا الذي لم يبلغ الفطام أحرقه الصهاينة المعتدون وهو حي يتألم وصهروا هيكل عظامه الرقيقة مثلما صهرت ذات النار الهيكل الفولاذي المتين للبرجين، ومات الرضيع حرقا لكنه أحرق معه كل مصداقية لإنسانية أمريكا وأحرق كل ما تدعيه من حقوق إنسان وكل ما تزعمه من حرب على العنصرية فهي من وفر للصهاينة غطاء الإبادة الجماعية للعزل، وهي من وفر للصهاينة الحماية من مغبة ممارساتهم غير الإنسانية كقتل محمد الدرة وتكسير ذراعي شابين دقا بالحجر وقتل الناشطة الأمريكية بحركة التضامن مع الشعوب ريتشيل كوري دهسا بجرافة عسكرية!، وهي من ترى النار عليها إرهابا ونار الصهاينة على الرضيع بردا وسلاما!.
هذا كله أمر شائع ومعلوم، لكن المهم أن يقيس عليه ويتعلم منه قلة من المخدوعين لدينا بمزاعم أمريكا في حرصها وحمايتها لحقوق الإنسان فها هي ترفض حرمان أجساد الشواذ من شهوة جنسية شاذة وتقبل حرق أجساد الرضع بنار إرهابية شاوية.

من تصطاده «كمراتنا» لا يفلت!

وعدت، في مقال الأمس، باستكمال وجهة نظري حول ما كشفته كاميرات السوق من كذب المتحرشين بالفتاة المحتشمة في الطائف، وأنهم أدخلوا للسوق ثم أخرجوا منه لسوء سلوكهم، فحدث ما حدث، وهو أمر متوقع بسبب ضعف شخصية وصلاحيات وقدرات حراسات الشركات الأمنية المتعهدة بالأسواق، ونتيجة طبيعية للإحباطات التي قد يتعرض لها رجال هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
تصرف هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كان سابقا هو الأمثل، وهو ما يجب العودة له بحزم وعزم وسرعة في عهد إدارتها الجديد، فرجال الهيئة يراقبون وينصحون، ثم إذا ثبت لديهم تحرش وإساءة قبضوا على المتحرش وحولوه للتحقيق والادعاء العام عبر الشرطة وبطريقة موثقة دقيقة لا تقبل تسيبا وإطلاقا أو واسطة!، وبالمناسبة هذا هو ذات الأسلوب المتبع في دول يعيرنا بها بعض المتلبرلين على أنها تطبق قانونا!، لكنهم حساسون جدا لكون الهيئة هي من يقوم بالرقابة والقبض لعلمهم أن قبضتهم قوية!، فأي قانون يريدون أكثر من إحالة المتهم للتحقيق والادعاء العام ومنحه فرصة الدفاع أو إدانته دون ظلم ومنح الضحية حق مقاضاته؟!.
أما حراسات الشركات فمجرد أفراد يجتهدون ويتعبون ويتعرضون للضرب والإهانة وهم بلا صلاحيات ولا ثقة ولا تدريب ولا رواتب مجزية، بل ثبت عندي ما كتبته سابقا من أن كثيرا منهم غير سعوديين ويخشون الاكتشاف!.
سألت مسؤولا رسميا في إحدى الدول التي يعيرنا بأنظمتها بنو ليبرال وتتباهى بانتشار (الكمرات): لماذا لا نرى في أسواقكم نفس سلوكيات شبابنا في أسواقنا؟!، فرد أننا نوزع شرطة سرية مدنية وبمجرد رؤية شاب يتحرش يمسكون بيده ويقتادونه لأقرب مخرج ويحول للشرطة ويسجن!.
هذا هو ما تفعله الهيئة لدينا، ولكن بطريقة أكثر عدلا وشرعية إسلامية، أهمها أنه لا بد من صاحب حق يأخذ حقه الشرعي وهو المتحرش به أو المعتدى عليه، وهذا عنصر غائب لديهم تماما ولا يعنيهم!، الثاني التثبت، فلا تثبت شرعيا إلا بمدعٍ وشهود وتقصٍّ، الثالث المناصحة فالشاب لا يؤخذ على حين غرة!، بينما رجل الشرطة السري في تلك البلاد قد يتشابه عليه شابان فيأخذ أحدهما مظلوما (خاصة مع شبابنا، فهم يفرحون بالقبض عليهم لأتفه سبب ودون تثبت).
وعموما، فلأننا نطبق شرع الله ونتثبت ونعدل، فإن قدراتنا الأمنية تفوقهم وتفوق غيرهم بمراحل بل تدرسهم، وأكبر دليل أن من تصطاده (كمراتنا) لا يفلت ولنا الفخر بوطننا.