الأرصاد مغبرة!
لشفافية مستشفى الحرس ثمن وفخر
وكالات الدواء لا تحقق أمنا دوائيا
مقومات الأمن الدوائي الوطني تستوجب تحويل جميع الشركات العائلية والخاصة لصناعة الدواء ووكالاته إلى شركات مساهمة تديرها مجالس إدارة متينة منتخبة وذات أساس قوي وتنظيم واضح وقرار لا يعرف المركزية ولا الأهواء والرغبات الفردية بل يغلب المصلحة الوطنية والصالح العام.
لقد صبرنا كثيرا على احتكار وكلاء الدواء وتحكمهم في أهم عنصر يربط بين المريض وصحته وهو الدواء، فقد تحكموا في توفيره بالكميات المطلوبة، وتحكموا في سعره، وتحكموا في تخزينه والآن يتحكمون فيما هو أهم وهو مصيره المستقبلي وأمن تواجده المحكوم بأدنى خلاف عائلي أو هوى شركة خاصة أو ولاء فرد وهذا لا يجوز ولا يحقق أمنا دوائيا للوطن والمواطن!.
لقد مررنا بتجارب كثيرة ومريرة جدا مع وكلاء الدواء ومصنعيه تراوحت بين تحديد سعر عال جدا للأصناف التي يحتكرون وكالتها أو يصنعونها، ثم عدم توفير الأدوية الرخيصة سعرا (بحكم سهولة الحصول على موادها الأولية)، لكنها ضرورية وثمينة جدا في إنقاذ الحياة، ثم عدم توفير الأدوية المراقبة بشدة كالأدوية النفسية والمخدرة وذلك تلافيا لصداع جردها والمحاسبة على كمياتها وطريقة حفظها حسب احتياطات وأنظمة التحكم في استخدام الأدوية المراقبة والمخدرة، ثم شح توفير كميات من الأدوية غير دارجة الاستخدام مثل هرمونات النمو رغم أهميتها لعدد من المرضى المعتمدين عليها بشكل كبير!.
لكن التجارب الأكثر خطورة، والتي دقت ناقوس خطر أنانية وأهواء الوكلاء الأفراد أو الشركات العائلية والخاصة، هي أزمات الحروب والأزمات الاقتصادية التي مرت بها البلاد، ففي حرب الخليج (تحرير الكويت) والأزمات الاقتصادية التي كان الوطن فيها بأمس الحاجة لتوفير الدواء بالكميات المطلوبة، والصبر على تأخر طفيف في بعض مستحقات الوكلاء والمصانع، امتنع بعض الوكلاء عن إمداد القطاعات الصحية الحكومية بكثير من الأدوية الضرورية للحياة وكان الموقف محرجا جدا!، هذا خلاف احتمالية توقف نشاط الوكالة أو المصنع لمجرد وفاة أو خلاف على تركة.
إن لنا تجربة رائعة وعبرة حسنة من الخطوة الوطنية الجريئة العظيمة التي اتخذها المرحوم بإذن الله الدكتور غازي القصيبي عندما تولى وزارة الصناعة بتوحيد شركات الكهرباء في شركة موحدة ومنع احتكار هذه الخدمة الضرورية أو تركها للأمزجة والخلافات والمتغيرات العائلية.
«فضفاض» الجهل أكثر حرقا
انتهت الفتاة العروس من ملء الفراغ بين جسدها وفستان الفرح بكمية كبيرة من رذاذ ما يسمى بفضفاض الملابس، وهي مادة طيارة تمنع الالتصاق الكهرومغناطيسي بين القماش والجسد، وما أن انتهت العروس من تعبئة الفراغ بالبخاخ اعتلت مدخنة جمر لتبخر جسدها بالعود! فتتمثل لها المقولة الشعبية (ما بعد العود قعود)، وتتحول إلى شعلة ويحترق فستانها وجسدها!.
بعد الحادثة أو الرواية المنتشرة في مواقع التواصل الاجتماعي بأيام ينتشر مقطع شباب فضفاض الملابس الشهير الذين اشتعلت سيارتهم من الداخل بعد أن تسرب الرذاذ داخل السيارة المغلقة وقرر أحدهم إشعال سيجارته بقداحة غاز ليصدر أقوى تحذير بخطورة التدخين على المدخن ومن حوله فتطير السيجارة والولاعة وتتحول كبينة المركبة بمن فيها إلى كتلة نار!.
أعلم أن الحوادث لا تحتمل السخرية ولا التنكيت، لكن ما يدعو للسخرية هي حالنا مع التوعية بخطر أشياء تباع لدينا في كل مكان ولا ينشر وكلاؤها وتجارها إلا إعلانات تخفيضاتها دون أي مساهمة بالتحذير من خطورة المواد التي تحتويها!، وأنها قابلة للاشتعال بل الانفجار بل لا توجد عليها عبارات تحذير! ولا أحد يطالبهم بذلك!.
كثير من الشباب والفتيات يجهلون مكونات ما يستخدمون ويعكسون تماما مقولة (الإنسان عدو ما يجهل) و(يصادقون ويصدقون) كثيرا مما يستخدمون فيترك الشباب علب بخاخات داخل سياراتهم في الشمس وفي درجة حرارة تصل للخمسين ثم نقول (حريق مجهول السبب)، وتترك الفتاة مساحيق لا تعرف محتواها على وجهها ساعات طويلة وفي ظروف مختلفة ثم نقول (حبوب وبثور بل وأورام سرطانية مجهولة السبب).
البخاخات والمساحيق ليست الوحيدة فلدينا سوائل المنظفات والمعقمات ومزيلات البقع متواجدة في المنازل (بالجوالين) والأم مشغولة (بالجوال) والطفل (يجول) والجهل بمكوناته (يتجول) في مجتمعنا والرقيب كسول لا يقوم بـ(جولات)!.
ليس دفاعاً عن مستشفى الحرس
كهرب وماء وموت
على طريقة مقررات المرحلة الابتدائية، أمعن النظر في قضية مصرع الشاب أنور الكعبي (19 عاما) أثر صعقة كهربائية في حديقة عامة بجدة أثناء ممارسته لعبة كرة القدم، التي ظلت أمانة جدة تتقاذف مسؤوليتها وإحدى شركات الكهرباء الخاصة في أروقة المحكمة العامة وديوان المظالم على مدى أكثر من ثلاث سنوات، فيما بقي والد أنور محتارا في تحديد خصمه المتسبب في وفاة ابنه.
وفي كثير من جلسات هذه القضية بالمحكمة العامة في جدة، تغيب ممثلا الأمانة وشركة الكهرباء الخاصة، فيما لم تصل بعض ملفات وقائع الحادثة التي طالبت المحكمة بإحضارها.
وقررت تأجيل القضية عدة مرات، وأبدى والد الشاب المتوفى تذمره من التسويف الذي يجده من الجهات المتهمة ومحاولة الأمانة التنصل من المسؤولية أحيانا وغيابها عن الجلسات أحيانا أخرى، فيما اتبعت شركة الكهرباء الخاصة الأسلوب ذاته بغيابها عن الجلسات، وكل منهما تلقي باللائمة على الطرف الآخر كسبا لمزيد من الوقت، مستفيدتين من عدم وجود محام أو قانوني يقدم الاستشارة الصحيحة لوالد الشاب الضحية.
هذه القضية التي استمرت قرابة أربع سنوات تشرح لنا واقعا مريرا في جوانب عدة، ولعل الشاب أنور، رحمه الله وثبت والديه وعوضهما في مصابهما خيرا، قدم بعد وفاته للوطن خدمة لكشف جوانب قصور عدة، فرغم وضوح الإهمال الخطر بترك أسلاك كهربية مكشوفة في حديقة عامة ترش بالماء! ويرتادها الأطفال والشباب والكبار، ورغم حدوث قتل لنفس بشرية بريئة، إلا أن المسؤولية كان يتم تقاذفها والتسويف يحدث وعدم حضور المحكمة طريقة غير أخلاقية للتسويف والمماطلة! فكيف بالقضايا الأكثر غموضا التي يشتكي منها المواطن؟!.
تلك نقطة مستفادة من القضية، لكن الملاحظة التي لا تقل أهمية، هي في عقود الجهات الحكومية مع الشركات والمقاولين وتركها لثغرات وفجوات خطيرة تتيح الهروب من المسؤولية!، وتشير إلى تحيز وتخاذل وتساهل مقصود من قبل الجهات القانونية التي تصيغ العقود فلولا ذلك التخاذل لما صعب تحميل الشركة المكلفة بالخدمة مسؤولية تعريض أرواح الناس للخطر، وفي ذات الوقت تعريض المتضرر لضياع حقه!!، وهذه الملاحظة يجدر بنا التنبه لها في عقود الشركات مع الجهات الحكومية واعتبارها منطلقا للبحث عن طرف خيط لفساد.
هذا التخاذل وحده كفيل بإدانة أمانة جدة في ذلك اليوم، وقس عليها كثير جدا من الدوائر التي تحرج الجهة الحكومية لمصلحة تاجر والحر تكفيه الإشارة.
الوزراء ودروس من كورونا
استشهاد اللواء مكسب لنا وخسارة لهم
ضعف الرقابة بين الصالح والطالح
أكثر ما يحبط الموظف الصالح هو أن يرى زميلا فاسدا يستفيد من الفساد ولا تضبطه عين الرقيب، أو تراه وتتغاضي، أي أن يرى الفاسد يستفيد من فساده ولا يخسر بعقوبة، وأكثر ما يشجع الفاسد هو عدم مراقبته والاحتمال الكبير لنجاته بفعلته دون عقوبة.
لو تقصينا الكثير من مشاكلنا التي نتعرض لها لوجدنا أن أساسها هو ضعف الرقابة وأمن العقوبة وإساءة الأدب المبني على أمن العقوبة في كثير من دوائرنا ووزاراتنا ومؤسساتنا، ودعك من مكافأة الموظف المحسن، فهذه مرحلة لاحقة تأتى بعد معاقبة المسيء في جدول الأولويات؛ لأن الموظف المخلص الصالح لا ينتظر جزاء ولا شكورا، وإن حصل شكره ومكافأته فرح وازداد حماسا وولاء للوزارة أو المؤسسة، أما ولاؤه للوطن ففطري موجود.
الأكثر أهمية لدى الطرفين أو الفئتين من الموظفين الصالح والطالح هو عدم إفلات الطالح من الرقابة ومن ثم العقوبة الرادعة.
استعرض ما شئت من الأمثلة، ولنبدأ بأكثرها شيوعا ولا نقول أقلها خطرا:أستاذ الجامعة الذي يتحمل عبئا تدريسيا هو الأعلى ويجري أبحاثه بنفسه وينتظر الترقية سنوات طويلة؛ لأنه عمل لها بأمانة، سعيد جدا بأمانته، لكن يسوؤه ويحبطه أن يرى الكثير من زملائه لا يقومون بالحد الأدنى من العبء التدريسي المطلوب ولا يجرون أبحاثهم بأنفسهم ويعملون مستشارين في دوائر حكومية بطريقة صورية مدفوعة الأجر ويحصلون على الترقيات السريعة!.
الطبيب الاستشاري الذي يحضر لعيادته بالتزام ويقوم بتدخلاته العلاجية نحو مرضاه بأمانة ويراجع ملفاتهم قبل كل تدخل ويدرب أطباء الامتياز والمقيمين ولا يوكل واجباته لهم ولا يعرض مرضاه للخطر، هو سعيد بأمانته، لكن ينغص عليه أن يرى زملاءه يخرجون من الدوام من العاشرة صباحا ويذهبون لتكسب غير مشروع في مستشفيات خاصة ويهملون مرضاهم ويعرضونهم لأخطاء الطلبة والمتدربين وقليلي الخبرة دون أن تكتشفهم عين رقيب، أو تراهم وتجاملهم.
قس على المثالين ما تريد، وستجد أننا لو فعلنا العمل الرقابي بعزم في وزاراتنا كلها وشددنا المحاسبة بحزم وعاقبنا بصرامة، فإن كثيرا من مشاكلنا بل كوارثنا ما كانت لتكون.
لك أيضا أن تتخيل لو طبقنا المحاسبة بأثر رجعي مثلما يطبق وطننا الغالي المكافأة بأثر رجعي، فهل سيهمل مسؤول أو مدير ما يعرض حياة الناس أو أموالهم للخطر؟!.
مثلا، لو علم من تساهلوا في التعامل مع الكورونا أنهم سيحاسبون بأثر رجعي، هل كانوا سيجرؤون على التهاون؟!.
