ردّ أسرة استُفِزَّتْ

لو تلاحظون فإن بيان أسرة ضحية إهمال أمر علاج السمنة خارج المملكة الشاب ماجد الدوسري تغمده الله بواسع رحمته، والذي أصدرته أسرة الشاب والمتعاطفين معه ونشرته «عكاظ» وعدد من الصحف أمس، لم يكن يركز على الخطأ والإهمال الذي حدث من وزارة الصحة بقدر ما يقطر ألما على ما حمله رد الصحة من مغالطات حسب ما ورد في تفنيد مطول حمله بيان أسرة الضحية.

وزارة الصحة لم تكن موفقة في ردودها منذ عدة سنوات وكان أحد الردود غير الموفقة رد الوزارة على ضحية العلاج بالكيماوي بالقول (والدها هو من طلب حلاقة شعرها).

ثم جاء الرد على أسرة ماجد والذي كان غير موفق لا من حيث المصداقية ولا التوقيت.

لم تكن الأسرة ولا الناس ولا المجتمع قابلين لهكذا استفزاز.. لذا فلا تعليق.

انتقائية حتى في تعليق الناطق الرسمي

الصحف تزخر يوميا بأخبار فيها تقصير جهات مسؤولة وشكاوى لمواطنين من قصور خدمات أو ممارسات فساد أو مفاجآت لتقصير لم يكن في الحسبان، وهذا أمر تعودنا على مطالعته كل صباح، بل وكل مساء مع تكاثر الصحف الإلكترونية، وهو حالة معتادة في كل أنحاء العالم، فأينما وجدت الحياة والحركة وجدت الحوادث والأخبار.

الغريب عندنا هو مزاجية التعليق على الخبر ونشر التوضيح حوله من العلاقات العامة أو المتحدث الرسمي للجهة المعنية، وهي مزاجية لها سمات ومواصفات وطبيعة خاصة، فالراصد للأخبار الغريبة والطريفة والعجيبة وذات التقصير الشديد، والمدقق في طريقة التعاطي مع تلك الأخبار والتجاوب معها، يجد أن كثيرا من الوزارات والمؤسسات والجهات الخدمية تسارع للرد على الأخبار والمقالات التي تنشر وفيها ثغرات أو عدم دقة أو حتى غير صحيحة بالكلية، لكن نفس الجهة تتجاهل تماما أخبارا أو مقالات أو شكاوى ذات أهمية بالغة وتأثير في الناس وتداول في الصحف وأوساط التواصل الاجتماعي، ولا تعلق عليها فتؤكدها أو توضح حقيقتها وتفندها.

هنا يبرز سؤال هام، وهو: هل السكوت هنا علامة رضا وإثبات لصحة ما نشر؟! وأن المصدر سواء كان صحيفة ورقية أو إلكترونية أو موقع تواصل كان دقيقا بحيث لا يحتمل الخبر التوضيح؟! ثم يبرز الأهم، وهو: ما هو الإجراء الذي اتخذ حيال التقصير حتى لا يتكرر؟! وكيف تم التعاطي مع الفساد أو القصور خلفه؟! وهي معلومات هامة جدا، خصوصا في هذا العصر الذي ينتشر فيه تأثير الحادث كالنار في هشيم المشاعر!!.

قد يكون المثال وسيلة إيضاح وتوضيح لما نريد قوله، فقد نشر منذ قرابة شهر أن رئيس أحد الأندية الرياضية العاصمية روع صحفيين رياضيين بالإصرار على السفر من جدة إلى الرياض كمطلوبين في شكوى، واستعان بأفراد من شرطة الرياض للإلحاح عليهما بالحضور في مخالفة واضحة للنظام الذي يفرض الاستدعاء لهما (إن صح) في مكان إقامتهما، ورغم انتشار الخبر في صحف وبرامج رياضية، إلا أن متحدث شرطة الرياض المعروف بسرعة تجاوبه لم يعلق!!، والأمثلة كثيرة جدا، وهذا مثال للإيضاح لا الحصر.

تحديث أنظمة تستوعب المتغيرات لا يدرسها الشورى

معظم الأنظمة والشروط واللوائح التي تستهدف المواطن وخاصة في تحقيق الرفاهية وتحسين الوضع الاجتماعي هي أنظمة قديمة ولم يتم تحديثها بالكلية لتناسب المتغيرات السريعة سواء في عدد السكان أو عدد المحتاج منهم الذي تزايد بعد عدد من الأزمات أقواها أزمة انهيار سوق الأسهم في وقت كان يضم كل المواطنين تقريبا.

لم يتم التحديث إلا في بعض اللوائح التنفيذية وعن طريق لجان خاصة بالجهة التنفيذية وفي حدود نظرة قصيرة وقاصرة لم تعتمد على دراسات علمية محايدة، لعل أبرزها غرابة على سبيل مثال لاحصر تحديد عمر لايزيد عن 35 سنة لمنح حافز، وتأجيل التأمين الصحي (بلسم) لأجل غير مسمى حتى يحمل اسما، وتحديد شروط منح السكن ونوعيته وسعته والتعاطي لسنوات عدة مع المعلقة كإنسان معلق الحقوق والإجراءات حتى يظهر زوجها الهاجر.

الأمثلة كثيرة وعديدة لكن الأهم أن نتدارك أنفسنا بتحديث الأنظمة وتعديلها بناء على دراسات علمية وبحث اجتماعي مكثف ومحايد ومتنوع الآراء مدعوم بعدد من أصحاب الشأن ممن يعيشون المعاناة أو مروا بها.

كما أن من المهم تحديد مهمة مجلس الشورى من تقييم الأنظمة فالمجلس مجرد إمكانات أفراد كثر لهم آراء فردية متنوعة ومتباينة وليس لدى المجلس أدوات الدراسة والبحث ولن تكون لديه بهيكلته وطبيعته الحالية ويفترض أن تقتصر تسمية مهمته على تصويت وليس دراسة أنظمة وأن يكون للدراسات شباب أكاديمي وبحاث اجتماعيون ورجال إحصاء هذا مجالهم.

شروط تستهدف الفقير لينتفع الغني

أعرف أسرة فقيرة جدا لديها فتاة تحمل درجة البكالوريس في تخصص الفيزياء بتقدير ممتاز، ولم تحصل على وظيفة لعدم وجود واسطة، ولم تسجل في حافز لعدم توفر الإنترنت في شقتهم في حي فقير وتعففهم عن طلب المساعدة، وأعرف أسرة أخرى عائلها أرملة عجوز أمية وشاب مريض نفسي ولديهم ثلاث بنات خريجات ثانوية لم يتوظفن، ولم يحصلن على حافز لعدم تمكنهن من فتح حساب في البنك لأسباب مالية، وعدم وجود رجل يساند الأسرة حتى في مراجعة بنك يقبل فتح حساب لفتاة فقيرة وهو مطلب أساس لمنح حافز!!

وأعلم تمام العلم ومن مصدر موثوق في حافز أن حافزا يذهب جله لأبناء أسر غنية حافزها منها وفيها!!.

وسبق أن استشهدت على تعقيدات الأنظمة وعدم مساندتها للمحتاج الفعلي بأن إحدى المواطنات التي تكتسب رزقها ببيع الملابس التراثية، وبعض المستلزمات على رصيف أحد الأسواق والتي تقصيت أحوالها جيدا، تقول بأن طلبها للحصول على سكن في كل مشاريع الإسكان تم رفضه بحجة أن دخلها الشهري من الضمان الاجتماعي مع راتب تقاعد زوجها يفوق ثلاثة آلاف ريال بمائة ريال، أي 3100 ريال!!، تقول (الله لا يجزي هالمئة ريال خيرا) حرمتني وأسرتي العشرة من سكن يؤوينا وما زلت أدفع إيجارا سنويا يفوق العشرين ألفا بسبب تلك المائة ريال!.

إذا فنحن لدينا خلل واضح في الأنظمة والشروط لمشاريع المنح والمساعدات الوطنية التي يفترض أن تستهدف المحتاج الفعلي من الفقراء ومن هم تحت خط الفقر ولكن المستفيد الفعلي منها هو بعض ممن تخطى خط الغنى الفاحش!!.

هل نحن نفتقر للدراسة الاجتماعية ووضع أطر ومعايير وعيون ومناظير تستهدف المحتاج الحقيقي وتتبناه، وتبحث عن من لايسأل الناس إلحافا؟ أم أننا نتعمد عدم الدقة في تحديد المستهدف بقصد انتفاع الهدف؟!

أخشى أننا للأخير أقرب وعن الفقير أبعد !!.

مجتمع شغوف بالستر ولكن

لم أكن أرغب بالاستشهاد بإحصاءات مقال كتبته، لكنني أجد نفسي مضطرا لذلك طالما أن الهدف أسمى من أي تحفظات، فاهتمام القراء بما كتبته أمس عن رجل أعمال يملك مراكز للتسوق قرر تشجيع المستأجرين بخفض الإيجار لمن يستورد ملابس نسائية محتشمة للسهرات والحفلات، بعد أن ندر تواجدها، وعقده اتفاقات مع مصممين عالميين وصناع ملابس لتصميم وتوريد ملابس نسائية محتشمة، أقول إن اهتمام القراء وتجاوبهم كان ينم عن شغف وحاجة كبيرة لهذه الخطوة، فقد حظي المقال بالمركز الأول في الأعلى قراءة ضمن مقالات الكتاب، والمركز الثاني في الأعلى قراءة في الجريدة كلها، وتحقيق الأعلى قراءة لا يعني بالضرورة الموافقة والإعجاب، لكن أن يتفق عشرون تعليقا على الثناء على خطوة ذلك التاجر وتحقق التغريدة حول المقال أكثر من 750 إعادة تغريد (رتويت) خلال ساعات من النشر، وبتعليقات جميعها تثني على صاحب الفكرة وتدعو له وتؤيده، فإن ذلك يعني أننا أمام مجتمع شغوف بالستر والاحتشام، لكنه أجبر على قبول ما فرض عليه لعدم وجود البديل.

ليس لي لا منة ولا معروف في تحقق هذه الأرقام، فالفكرة منذ طرحها رجل الأعمال في (تويتر) وهي تحظى باهتمام الناس وتداولهم، وإن كان ثمة فضل فهو لصحيفة «عكاظ» وانتشارها وتبنيها للفكرة وطرحها في صحيفة ورقية، ولذا فإنني أرى في «عكاظ» ودراساتها واستفتاءاتها المكان الأنسب للتحاور حول سلوكيات كثيرة ربما فرضت على مجتمعنا وهو لها كاره.

لم نكن مجتمعا مدخنا وتسبب التقليد الأعمى بين الشباب وصغار السن في انتشاره، فأصبحنا الأكثر، والأقل حماية وجهود محاربة!!، وفرض الحلاق الأجنبي واللاعب الأجنبي انتشار قصات شعر غريبة لم نكن لنقتنع بها لو تركنا على سجيتنا وطبيعتنا، وفرض التقليد الأعمى وانتشار (الموديلات) على شبابنا بنطلون (طيحني) وملابس تحمل شعارات يرتديها الشباب دون معرفة دلالاتها التي قد تنافي الأخلاق وتعارض الشرع الحكيم.

مجمل القول إننا قد نجبر على سلوكيات إذا توفر بديلها هب غالبية المجتمع لتأييده مثلما حدث مع اللباس النسائي الساتر.

تاجر يستورد للنساء ثوب ستر فشجعوه

رجل أعمال صالح ــ وما أكثرهم ــ شرع في تنفيذ فكرة تشجيع المستأجرين في مراكز التسوق التابعة له على بيع الملابس النسائية الساترة للجسد، والتي تتميز بـ(موديلات) الاحتشام، بعد أن أصبح من الصعوبة في الأسواق الراقية أن تجد امرأة أو فتاة لباسا طويلا كاسيا يناسب مناسبات الزواج والحفلات!! ويعمل الرجل حاليا على عقد اجتماعات واتفاقيات مع شركات عالمية لتصميم وخياطة الملابس على تصميم وتنفيذ ملابس ساترة وتصديرها للمملكة.

أكبر دليل على أن رجل الأعمال هذا يبحث عن عمل صالح دائم لا ربح عابر أنه لم يحتفظ بالفكرة لنفسه، بل نشرها عبر حسابه في (تويتر) وطالب بتعميم الفكرة وتشجيعها، وقد شهدت وسائل ومواقع التواصل الاجتماعي حملة واسعة لتشجيع هذه الفكرة، وهو ما يدل على أن نساء وفتيات هذا الوطن ورجاله الغيورين يعانون أشد المعاناة من ظاهرة مجاراة الأسواق والمراكز التجارية، خصوصا فروع شركات الماركات العالمية المشهورة، للموضات العالمية القائمة على تصاميم قد لا تتوافق مع تقاليد مجتمعنا المحافظ!!، إلا أن البعض وبحكم ندرة البديل وتحت ضغط الوقت وموجة التقليد وعبارة (هذا هو المتوفر حاليا وكل الناس كذا) أصبح يرضخ ويتنازل مضطرا، وأحيانا تضطر الأم إلى إجراء تعديلات في الثوب ليتناسب مع الستر المطلوب.

أنا لم أذكر اسم رجل الأعمال هذا؛ لأن الأهم أولا هو اتضاح الصورة وإنجاح الفكرة ودعمها ومن ثم تكريمه تكريما يليق بخطوته، وليس أعظم تكريما لشهم وغيور مثله من تعميم الفكرة وإعادة مجتمعنا إلى سلوكيات الستر والتباهي بالأخلاق لا بالأجساد حتى في وسط نسائي!.

أعطني إخلاص الهيئة وارمني في بحر القضاء

قرأت رد هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ونفيها ما جاء في خبرين صحفيين ونفي تهمة الفساد في التوظيف والانتداب للحج وخلافه وتصريح متحدثها الرسمي بأن الهيئة ترد وفقا لأمر سام كريم أوجب الرد، وأن هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ستمارس حقها في تحريك دعوى قضائية ضد من اتهمها ونشر الاتهام، قرأت الرد قراءة عابرة ومر علي عاديا جدا.

عندما قرأت حملة واسعة في صحف ومواقع تواصل اجتماعي على الرد واعتباره تهديدا ووعيدا غير مقبول، وجدت نفسي مضطرا للعودة لقراءة رد الهيئة مرات عديدة، وأشهد الله على نفسي أنني لم أجد فيه ما يخرج عن التجاوب السريع الذي نبحث عنه ككتاب مع ما يكتب في وسائل الإعلام من نقد، مؤمنين بحق كل من يتهم، دون تثبت، أن يقاضي وليس فقط يهدد بالتقاضي، والمهم عندنا اليوم وبعد شيوع ظاهرة (التطنيش) هو التجاوب السريع مع ما يكتب وعدم تهميش الإعلام بالتعالي على الشكوى والصد عن الرد وعدم مخالفة الأمر السامي الكريم بضرورة التجاوب خلال مدة حددها الأمر السامي وأكد عليها مرارا!!.

حقيقة، لم أجد في رد هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهي جهة رقابة ومتابعة وقبض ومحاربة للمنكرات وحث على المعروف تقوم بعملها بإخلاص اشتهر عنها وحماس ندر من غيرها، لم أجد في الرد ما يختلف عن ردود جهات خدمية ينتظر منها أكثر مما تقدم واشتهر عنها البرود والتقصير وعدم الحماس واستغلال الإعلام للتلميع والتنكر له عند محاولة إهداء العيوب.

الأجهزة الرقابية التي تلاحق الجريمة أو فساد الأخلاق أو كل أشكال المنكر مثل إدارة مكافحة المخدرات والشرطة والمرور ومكافحة الجريمة وهيئة الأمر بالمعروف وحراس المنافذ جميعها أجهزة يكتنف اتهامها بالفساد حساسية شديدة، تفرح عدوها وتسوء صديقها وتضعف شوكتها، وليست كالجهات الخدمية من حيث الحساسية، ومع ذلك فإن جهات خدمية هددت بالمقاضاة، بل لجأت للقضاء وخسرت قضاياها، ثم لجأت لطرق ملتوية واستخدمت علاقاتها لإعاقة نشر أو ممارسة تلميع، وهذه الجهات الخدمية أولى بانتقاد مواقفها من انتقاد حق هيئة الأمر بالمعروف في نفي التهم بالفساد، وهي هيئة رقابية تحارب الرذيلة والمخدرات والمسكرات والسحر وتداهم أوكار الفساد وتسعف فتاة ابتزت أو شريفة انتهكت.

أعطني إخلاص وحماس هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في كل جهة وقطاع وارمني في بحر المقاضاة!!.

نصف الصحة المهمل قتل كل الأسرة

أمس وحسب «عكاظ» قتل مريض نفسي زوجته وأربعة أطفال هم فلذات كبده، وحتى لا يصدق بعض البسطاء أننا ضد شخص بعينه، فلابد من التذكير أنني كتبت عن الغياب التام للرعاية الصحية النفسية منذ عقود من الزمن تعددت فيها الأسماء وتباينت فيها الإمكانات المالية والأجواء المهيأة لإنشاء المشاريع لكنها لم تكن قط بأفضل منها الآن بميزانيات غير مسبوقة!!.

كتبت وقلت في أكثر من برنامج تلفزيوني إن نصف الصحة مهمل تماما مذكرا بمعلومة ليست من عندي وهي أن المرض إما عضوي أو نفسي، وأن المرض العضوي يحظى بالاهتمام مع كثير من القصور والأخطاء، أما النفسي فإنه مهمل تماما، وأذكر أنني كتبت في جريدة (الرياض) وقلت في حوار متلفز إن ثمة تركيزا وتنافسا على علاج أمراض عضوية وتكرار لمراكز رعايتها مثل أمراض وجراحة القلب وبعض أعراض الرفاهية، بينما لم تتنافس القطاعات المختلفة (عسكرية وجامعات ووزارة الصحة) على إنشاء مراكز رعاية نفسية متخصصة، وقلت إن مشكلة المريض النفسي أنه لا يمدح وإن مدح فمدحه كالقدح وكان وزير الصحة آنذاك معالي الدكتور أسامة شبكشي، وشهادة حق أن الرجل كان يفرح بالنقد والمطالبات لكن فترته شهدت حرب الخليج وأزمات في المال والاستقرار في المنطقة.

كررت نفس المطالبة ونفس العبارات في عهد وزارة معالي الدكتور حمد المانع وبأسلوب أكثر قسوة عطفا على تحسن الإمكانات ولم يكن يتحسس من النقد وتم اعتماد إنشاء 15 مستشفى نفسيا وبدئ في بعضها لكن فترته انتهت قبل تدشينها، ثم دخلنا في معمعة إعادة صياغة مشاريع الصحة والحديث عن الحزام الصحي وقلت إنني أخشى أن يصيب مشاريع مستشفيات الأمراض النفسية ما أصاب الحزام.

مطالباتي برعاية صحية لنصف الصحة المهمل (النفسي) مستمرة بنفس الدرجة و(الريتم) وبحساسية أشد، لكن ضحايا الأمراض والاعتلال النفسي يتزايدون!!، والمشكلة الكبرى أن المريض النفسي ليس الضحية الوحيدة بل هو خطر على نفسه والوطن أجمع وها نحن أمام مريض نفسي أرسل مؤشرات هامة بدليل قول شهود العيان إنهم لاحظوا تصرفات غير سوية للقاتل خلال اليومين الماضيين، إذ كان يعامل أطفاله بقسوة وعنف، كما أنه صعد في إحدى الصلوات إلى المنبر وأطلق عبارات غير مفهومة (عكاظ أمس)، وهذا لو حظي برعاية نفسية لأنقذنا أفراد أسرته الخمسة!!.

يا عجوز البنك أبشري

بالأمس كتبت منبها إلى أن ما حدث لسيدة مسنة بإجبارها على صعود درج البنك زحفا لعدم وجود مصعد ورفض الموظفة النزول لخدمتها ما هو إلا خلل في مؤسسة النقد (الجهة الرقابية على البنوك) وقد استفدت من تجاوب كثير من القراء سواء عبر موقع الجريدة أو مواقع التواصل الاجتماعي وأخص بالذكر المهندسين والمحامين الذين نبهوني إلى أن وجود المبنى دون مصعد يخدم العجزة والمعوقين مخالفة صريحة تتعارض مع الترخيص؟! ويتساءلون كيف تم الترخيص؟!!.

اليوم أريد أن أبشر السيدة المسنة التي أعلم أنها أجبرت على الصعود زحفا وهي جاءت لسحب مال من رصيدها ولم تأت لتشحذ أو تطلب قرضا دون فائدة أبشرها وقد تكون من غير عملاء التميز وأصحاب الأرصدة المليونية أنها وأصحاب الملايين عند البنوك سواء، فبنوكنا التي تصنف عميل المليون عميلا مميزا لم تعد تقدم له أي خدمة مصرفية مميزة داخل البنك فقد شاهدت بنفسي قبل الإجازة أحوال عملاء التميز في أكبر ثلاثة بنوك ذات شراكة أجنبية وأنا أبحث عن الدولار!!.

أحد البنوك هجر موظفوه صالة عملاء التميز وتركوهم يتبادلون أطراف الحديث ثم أعلنوا دون حياء أن الخدمة هنا لمن سيودع أما من سيسحب فعليه النزول إلى أحد الصرافين وله أن لا يلتزم بالرقم والدور فنزلوا وعمت الفوضى، فالعميل العادي يريد دوره والمميز يتخطاه، فتميز المميز بنيل النقد والسب والسخرية ودروس في احترام الدور.

في البنك الثاني عالميا سمعت الموظف يطلب من عميل تميز أن يملأ الاستمارة وينهره قائلا (أول مرة تسحب فلوس؟!!) وكانوا يخدمونهم بالتعبئة سابقا!!.

في الثالث قال الموظف لعميل التميز (ما عندي كاش انتظر إلى أن يودع أحد أو تجي بكره!!).

السر حسب التقصي أن التميز الفعلي لم يعد للبطاقة حتى وإن منحت، فضي أو ذهبي أو بلاتيني، التميز الفعلي هو للرصيد في خانات البليون وما فوق وأن موظفي التميز أصبحوا يذهبون للبيوت يعني (هوم دليفري) والبشرى هنا أن صاحب الريال والمليون صاروا سواء!! والأمر بمباركة مؤسسة النقد لم يعد خدمة عميل يتاجر البنك بأرصدته بل خدمة منزلية لنفر من المليارديرات، وعلى البقية أن يزحفوا صعودا ونزولا مثل تلك السيدة التي لم تأت لتشحذ!!.

عجوز البنك ضحية المؤسسة !!

قلت مرارا وتكرارا إن مؤسسة النقد وهيئة الاتصالات وهيئة الطيران جميعها مؤسسات وهيئات يفترض أن تخدم المواطن وتحمي حقوقه وتحفظ تعاملاته مع المؤسسات الخاضعة تحت رقابتها، في إطار يحقق أقصى درجات المنفعة والاستفادة والأمان للطرفين، لكن تلك الهيئات والمؤسسات ــ وبكل أسف ــ تميل لمصلحة طرف واحد هو البنك ومقدم خدمة الاتصالات وشركة الطيران، أما المواطن فهو لا يلقى الدعم والمساندة الكافية للوقوف إلى جانبه، رغم تكرار المخالفات بحقه وحرمانه من حقوقه وصياغة العقود والاتفاقات والتعهدات بما يخدم مصلحة الجهة المتاجرة بالخدمة وضد مصالحه!!.

الصورة التي انتشرت لسيدة كبيرة في السن راجعت أحد البنوك المحلية الذي تقبع إحدى موظفاته في الدور الثاني ولم يؤمن مصعدا!!، ورفضت الموظفة النزول لأخذ توقيع السيدة، وأجبر جبروت البنك المرأة المسنة العاجزة عن صعود الدرج على أن تزحف صعودا وتزحف نزولا بسوء خدماته، ما هي إلا واحدة من صور استفادة بعض البنوك من تهاون مؤسسة النقد في اتخاذ موقف إيجابي يساند حق المواطن رغم أنها من أقدم المؤسسات، إلا أنها لا تزال غير قادرة على مواجهة البنوك لدعم حق المواطن.

موقف المرأة المسنة هذا وما حدث معه من غضب وتعاطف في أوساط التواصل الاجتماعي يفترض أن يحرك المستنقعات الراكدة، لكنها ــ كما يبدو ــ بلغت حدا من الركود جعل طبقتها العليا صلبة لا يحركها رمي حجر، وكل ما أتمناه أن لا نصب جام الغضب على موظفة البنك، فهذا ما يريدون، وسيصدر قريبا خبر بفصل الموظفة، مع أن الخلل ليس في الموظفة، بل في نظام المؤسسة الذي لم يقل قط أن رضا العميل أولا، ولم يفكر قط في قياس رضا الناس عن خدمات البنوك، بل لم يفكر قط في الاستفادة مما كتب ويكتب من شكوى جور البنوك، أو يسمع صراخ من يتألم من جور بنك.