جاك الموت يا تارك المستشفى الحكومي

من أسعد الأخبار الإيجابية التي تلقيتها هذا الأسبوع من مصدر رفيع بوزارة الصحة، بعد طول انتظار لهذه الإجابة، هو أن وزارة الصحة بدأت فعليا ومنذ فترة في تطبيق الرقابة على عمل الممارسين الصحيين الحكوميين في القطاع الخاص وفق الضوابط الدقيقة الحكيمة المحكمة التي صدرت عن مجلس الوزراء، وزودني المصدر بجدول إحصائي لحصيلة فترة سابقة من الرقابة والمتابعة وسمح لي بنشره وأكد لي أن العمل يجري على قدم وساق في تطبيق قياس التزام كل من الممارسين الصحيين ومستشفيات القطاع الخاص بتلك الضوابط، وأنه تم تطبيق الغرامات الرادعة على المخالفين، وأن الوزارة تستقبل البلاغات عن المخالفين لتلك الضوابط وتتجاوب معها بسرعة.

وكان حزم وعزم سلمان بن عبدالعزيز، ورؤية ولي عهده الأمين قد شمل هذا التسيب برياح الإصلاح الشامل فوافق مجلس الوزراء على ضوابط السماح للممارسين الصحيين بالعمل في القطاع الخاص خارج وقت الدوام الرسمي، وهي ضوابط محكمة وشاملة تضمن قيام الطبيب الاستشاري بواجبه في المستشفى الحكومي على أتم وجه يستفيد منه مريض المستشفى الحكومي بما يليق بما يقدمه الوطن للأطباء من أجور عالية وبدلات مجزية وتليق بما تهدف له الرؤية من الرقي بالخدمات وجودة الحياة وتحقيق أعلى درجات الأداء الوظيفي والالتزام بالأنظمة.

ومن أبرز الضوابط في ذلك السماح، ربط رخصة السماح بمنصة إلكترونية دقيقة لا يسجل فيها إلا من أيدت جهته الحكومية قيامه بالنصاب الحكومي وتحقيقه جميع الأهداف المطلوبة منه في عمله الأساسي من حيث الانضباط والجودة والإنتاجية وتحديد مقر عمله في القطاع الخاص وساعات العمل فيه، وأنها خارج وقت الدوام الرسمي وتقنين حد أعلى لساعات العمل في الخاص، وأنها لا تتعارض بأي حال مع عمله الرسمي في الحكومي، وتطبيق نظام مراقبة إلكتروني لهذا السماح يعاقب من يخالفه سواء الممارس الصحي أو مقر عمله في القطاع الخاص، ومن المؤكد أن جهته الحكومية تشترك في المسؤولية عما يخصها في أمر الالتزام.. وغرد معالي وزير الصحة الأستاذ فهد الجلاجل في حينه عن تلك التراخيص التي تضمن الالتزام بضوابط تحقق سلامة المرضى والأداء العالي في القطاع العام والحكومي.

وليس أدل على شمولية ودقة تلك الضوابط وإحاطتها بجميع جوانب تلك القضية من أنها لم تترك عذرا لأحد ولا ثغرة تستغل، فحتى لو تعذر الاستشاري بأن المستشفى الحكومي الذي يعمل به لا يحتوي ما يمكنه من القيام بالنصاب المطلوب فإن عليه أن يكمل النصاب في مستشفى حكومي آخر ليحصل على رخصة السماح بالعمل في الخاص خارج وقت الدوام.

وحسب جدول الإحصائية التي زودني بها المسؤول لفترة وجيزة لملخص قياس مدى التزام الممارسين الصحيين الحكوميين في القطاع الخاص فإن عدد المؤسسات التي تمت زيارتها في تلك الفترة الوجيزة هو 2587، وعدد الممارسين المخالفين هو 176 مخالف، وعدد المؤسسات المخالفة هو 30 مؤسسة مخالفة، وهذه الأرقام تعتبر كبيرة إذا علمنا أن مستشفيات القطاع الخاص الكبيرة (ليس المستوصفات) التي تستخدم ممارسين حكوميين لجذب المرضى قليلة جدا وقريبة من الرقم المخالف.

قال لي أحد الزملاء الأطباء: لماذا تركز على هذا الموضوع؟ قلت إن أي إنسان يرى معاناة مريض من غياب الاستشاري خاصة من يحضر لموعده من قرى بعيدة ولا يتأثر وينتصر له ليس لديه مشاعر فما بالك إذا كان ناقدا ومتخصصا وهذا دوره، وقال لي آخر: ألا ترى أننا بالعمل في الخاص نمكن المريض من الاستفادة من تواجد الاستشاري الحكومي في الخاص؟ قلت لو بقي الاستشاري الحكومي في عيادته الحكومية وقام بالنصاب المطلوب منه لأصبحت مواعيد المستشفيات الحكومية قريبة ولم يحتاج المريض للمستشفى الخاص.

نشر بجريدة الرياض يوم  الأربعاء 14 جمادى الآخرة 1445هـ 27 ديسمبر 2023م

قرصة لأذن شركات التأمين نظامياً

في مقالي اليوم سوف أتطرق لممارسة أراها مخالفة وغير مبررة تمارسها شركات تأمين السيارات تتمثل في تعويض العميل (الغافل) بالمبلغ الإجمالي المقدر لقطع الغيار والإصلاح مخصوما منه ضريبة القيمة المضافة وهذا عجيب جدا، حيث إن الوكيل أو تاجر قطع الغيار يبيع للعميل القطع مضافا لقيمتها ضريبة القيمة المضافة!! فكيف لا يعوض عنها المؤمن؟!

وقبل أن أدخل في تفاصيل مقال اليوم دعوني أوضح أنني في مقال الأسبوع الماضي بعنوان (وكيل يصور مع قطع الغيار الغالية) ظن البعض أنني أضع عذرا لشركات تأمين السيارات في رفع سعر بوليصة التأمين عندما ذكرت، ضمن السلبيات المتعددة لرفع وكلاء السيارات لأسعار قطع الغيار بطريقة مبالغ فيها جدا، قيام شركات التأمين برفع أسعارهم، مع أنني ذكرت ذلك كعنصر أخير من عناصر سلبيات جشع وكلاء قطع الغيار التي عددتها في المقال، وجشع وكلاء قطع الغيار اقترحت وقفه فورا بفتح أبواب المنافسة أمام باعة قطع الغيار من الخارج بفتح مكاتب شراء مباشر مأمون منهم بأسعارهم المعقولة والتي ستجعل الوكيل الجشع يصور مع قطع الغيار المتكدسة في مستودعاته.

فلم أكن قط مدافعا عن شركات التأمين لا في شقها الطبي ولا في شق تأمين السيارات إلا فيما أراه حقا أو يشتمل على استغلال مسيء أو مضر ببرامج التطور التي نعيشها، ومن ذلك مبالغة المستشفيات الخاصة وأطبائها في وصف الأدوية والتحاليل والأشعة للمريض المؤمن عليه أو مبالغة تجار قطع الغيار وورش الإصلاح والوكالات في تكاليف الإصلاح بما ينعكس جميعه في النهاية على المستفيد ويعرقل خطوات التطور السريع الذي نشهده في مجال التأمين بفروعه المتعددة ويضع العوائق أمام مرونة الإجراءات.

أما ما نحن بصدده اليوم فهو أمر غريب ويستدعي رقابة صارمة على شركات تأمين السيارات وربما نحتاج لقرصة أذن لبعض هذه الشركات ومعاقبتها وتغريمها لأن ما تفعله (إذا فعلته) يعد مخالفة صريحة وجرأة على حقوق الناس وعلى الأنظمة، ويتمثل السلوك في قيام بعض شركات تأمين السيارات باعتماد تقرير موقع (تقدير) المعتمد لتقدير تكاليف اصلاح أضرار الحادث مفصلة بسعر التكلفة قبل ضريبة القيمة المضافة وبعد إضافة الضريبة سواء لتكاليف الإصلاح أو تكاليف قطع الغيار، لكن الشركة تحول لحساب المستفيد مجموع التكلفة قبل إضافة الضريبة وبذلك فإن العميل المسكين ينقص تعويضه بنسبة 15 ٪ دون مبرر يشرح السبب، علما أن المتضرر من الحادث دفع التكاليف شاملة الضريبة، وبتقصي الأمر علمت من مصدر خبير أن بعض الشركات تفعل ذلك وإذا أصر المتضرر على تعويض القيمة المضافة تطالبه بفواتير قطع الغيار وتعوضه عن ضريبة القيمة المضافة للقطع فقط (أما الغافل فلا يحصل على حقه)، وهذا لا يستقيم مع مبدأ التعويض مقابل التأمين، فالمفروض أن يعوض المتضرر بكامل المبلغ (إصلاح وقطع شامل الضريبة) المقدر من الجهة المعتمدة رسميا للتقدير وليس لشركة التأمين حق حرمانه من هللة واحدة قدرت له، إلا ما اشترط كحد أقصى وهو غالبا عشرة ملايين ريال، لذا أرجو التنبه لهذه الممارسات ووقفها لنحافظ على عقد تطورنا مضيئا لا يشوهه مصباح محروق باحتيال.

نشر بجريدة الرياض يومالأربعاء 7 جمادى الآخرة 1445هـ 20 ديسمبر 2023م

وكيل يصور مع قطع الغيار الغالية

يس جديدا القول إن قطع غيار السيارات والأجهزة والآلات هي الأغلى لدينا، وإن وكلاء السيارات والأجهزة والآلات يأتون في المرتبة الأولى في الجشع واستغلال حاجة المستهلك، لكن جديدي أن أريكم الصورة من جوانب أخرى عدة، وصورة استغلال هؤلاء الوكلاء قبيحة من كل جانب وكلما غيرت زاوية الرؤية ستراها أقبح.

غلاء قطع الغيار -في ظني- هو سبب كل علة وهو بيت الداء لكل مشكلاتنا، ولا يقتصر ما يسببه من أذى على استنزاف دخل الفرد أو الأسرة بل يتعداه إلى ما هو أبعد.

غلاء قطع الغيار يضطر مالك السيارة لشراء قطع مستعملة من (التشليح) فيتعرض هو وعائلته للخطر بسبب استخدام قطع تالفة أو مستهلكة، ولن أتطرق لاضطراره لشراء قطع أقل جودة أو مقلدة لأنني لم أجزم بعد أن كل الوكلاء يبيعون قطعا أصلية فشديد الجشع لا تأمن أن يحاول الجمع بين الربح الفاحش لسعر القطعة ومزيد من التوفير في سعرها الأساس بشراء قطع أقل جودة.

وغلاء قطع الغيار لدى الوكيل فتح مجالا للترويج لتطبيقات ومواقع إلكترونية تبيع قطعا بنحو خمس وأحيانا عشر قيمة نفس القطعة لدي الوكيل، وهذا في ظاهره جيد ويوجد حل للمضطر محدود الدخل، لكنه في الحقيقة أمر خطير فقد يتعرض المستهلك المضطر لتهكير حسابه البنكي أو بطاقته الاتمانية أو الوقوع ضحية لموقع وهمي يسلبه أمواله ولا يرسل له ما اشتراه، هذا خلاف أن الدورة المالية خاطئة كونها تشتمل على طرف خارجي سواء كان صادقا أو محتالا.

وغلاء قطع الغيار هو السبب الرئيس في رفع رسوم التأمين على المركبات فشركة التأمين حاليا ترى أن تقديرات الورش المعتمدة في حساب تكاليف الإصلاح تعتمد على تسعيرة القطع من وكيل المركبة، وتلك أسعار فلكية ترفع من قيمة التعويض وبالتالي سينعكس ذلك على سعر البوليصة فترتفع ويشتكي المستهلك لأن التأمين إلزامي وأسعاره ترتفع لأسباب عدة بعضها يتعلق بشركات التأمين وبعضها سببه غلاء قطع الغيار وتكاليف الإصلاح وبالتالي التعويضات.

إن قطع غيار السيارات والأجهزة المنزلية أصبحت سلعا أساسية تستوجب الحماية ومراقبة الأسعار وفتح قنوات المنافسة، وأقترح إتاحة الفرصة لتلك المواقع والتطبيقات التي توفر القطع بجودة عالية وسعر معقول بأن تتواجد رسميا في أسواقنا ويكون لها مكاتب يمكن التعامل معها مباشرة بطرق مأمونة وواضحة ومحمية، وعندها سيضطر الوكيل للقبول بهامش ربح معقول أو زيادة هامش أرفف مستودعاته ليقوم (الله لا يهينه) بتخزين قطعه وأدواته والتصوير معها مكدسة في المستودعات.

نشر بجريدة الرياض يوم الأربعاء 29 جمادى الأولى 1445هـ 13 ديسمبر 2023م

رجال أفذاذ.. لنكرمهم ولو بالدعاء

أولئك الرجال الذين قدموا لدينهم ووطنهم وللبشرية خدمات جليلة ثم رحلوا عن هذه الدنيا بذكر حسن، لم يضروا أحدا ولم يظلموا أحدا ولم يسيئوا لأحد، وهم كثير جدا في وطننا وفي مجتمعنا الكبير، وكثير في حدود مجتمعنا الصغير وحدود معرفتنا وتجربتنا عن قرب.

وأنا هنا سأقتصر على من عايشتهم عن قرب أو عملت معهم أو لهم أو زاملتهم في مواقع عمل، وقد أنسى منهم أحدا في ظروف كتابة مقال سريع، لكنني أدعو لهم جميعا في كل وقت، وأذكر متابعي في منصة (تويتر) سابقا و (X) حاليا بالدعاء لهم في ساعة استجابة، وهذا من حقهم علينا وخير عظيم يضاف لعلمهم النافع الذي يستفاد منه والصدقات الجارية التي يقوم عليها أبناؤهم ومحبوهم، وغني عن القول إن دعاءنا لهم يذكرنا بهم وبما قدموا ويجعلنا نعتبر أننا سائرون في ذات الطريق القصير جدا الذي ساروا عليه والمحطة المؤقتة التي توقفوا بها ثم رحلوا.

وعندما نذكر أولئك الرجال الأفذاذ فما من داع لترتيبهم لا بالعمر (فقد عادوا شبابا) ولا بالجاه (فإن أكرمهم عند الله أتقاهم، كما كانوا في حياتهم، وجميعهم برحمة ربهم في منزلة عظيمة ودرجات عالية)، ولا بمناصبهم في الدنيا، (فمكانتهم كمسلمين عند رب رحيم أرفع من كل مكانة برحمة ربهم).

حمد بن محمد الحبيش خدم وطنه منذ تخرجه محاسبا بالعمل في شركة الغاز الأهلية حتى أصبح مدير عام الشؤون المالية فيها، وطور الشركة بشهادة زملائه وعلى رأسهم معالي الشيخ عبدالله العلي النعيم رئيس مجلس الإدارة آنذاك، وعرفته كريما شهما غيورا على دينه ووطنه، وحمد بن سليمان السعيد خدم الوطن معلما في المعهد المهني بعد تخرجه من إيطاليا وكان طيب القلب حسن المعشر محبوبا من كل من عرفه أو تعامل معه، وعبدالله بن إبراهيم الجدعان بدأ حياته في البيع والتجارة بأمانة وصدق وتصدق ثم عمل في مراكز الرعاية الصحية وكان يخدم المرضى ويساعدهم ويعطف عليهم ويعين من يحتاج العون منهم، وطبيب الكبد عبدالمحسن بن عبدالله التويجري الذي أسميه (مجموعة إنسان) فقد أسس لزراعة الكبد في مستشفى الحرس الوطني وكان خلف كل تطوير طبي وإداري فيه بصمت ولا يرد محتاجا أو طالب علاج عرفه أو لم يعرفه، وحسين الفراج زاملته في صحيفة الجزيرة فكان قمة في الخلق والطيبة والكرم وصاحب ابتسامة تخلق السعادة ولطف لا يعرف الأذى لا يغتاب ولا يحقد وإن أسيء له صفح، ومنصور التركي عرفته مديرا لجامعة الملك سعود وتحسبه من لطفه طالبا فيها ومن متابعته وإخلاصه وتواجده تظنه أصغر موظفيها لا يغضبه نقد ولا يحمل حقدا ولا يظلم أحدا ولا يقبل ظلما لأحد سواء طالبا أو مستخدما ولا يقبل تقصيرا من كائن من كان، ومحمد المعجل أعظم مدير شؤون صحية مر على الوطن إخلاصا وتفانيا وعدم تعصب لمهنة، فتعصبه كان للمريض وللوطن، لا أنسى رقابته بنفسه على فواتير المستشفيات الخاصة واستعانته بخريجي الطب والصيدلة والتمريض لمراجعتها، ومحمد الشريدة الذي أدار مستشفى الحرس باقتدار بعيدا عن الصورة والإعلام همه المريض لاسيما من يحتاج لعون أو جهاز أو أمر علاج، كان زميلا لنا لم أشعر قط أنه المشرف العام، لطيف المعشر دائم الابتسامة رقيق المشاعر، وأسامة شبكشي أقوى وزير صحة، قاد الوزارة في أضعف مراحل إمكاناتها في مرحلة هبوط اقتصادي عالمي وأزمة الخليج، ولم يمنع ذلك من تحقيق النجاح لأنه رجل وباختصار يعمل بما يرضي ربه ويرضى به ضميره، لو ألفت فيه كتبا لم أوفه حقه، وتركي بن عبدالله السديري الرجل الذي رغم أنه حقق كل مجد كرئيس تحرير إلا أن الإنسان كان قضيته الأولى لا يحجب نقدا أو يتردد في نشر تحقيق صحفي طالما علم أن محتواه حقيقة ويعالج وضعا لضعيف، منه ومنه فقط عرفنا أن رئيس التحرير يبلغ من الثقة في نفسه أن يجلس على طرف طاولة مكتبك ويمازحك و(ينكت) عليك وإن قصرت (نكد) عليك، مواقفه الإنسانية والوطنية لا يحصيها مقال وإن طال، وطلعت وفا، ذلك الصحفي الرائد في مجال الإعلام بكل اللغات رجل أحبه كل من عرفه وأجزم من طيبة قلبه أنه مات مبتسما، ومحمد الوعيل ذلك الإنسان الذي تشعر من لطفه ودماثة خلقه أنه سيموت غدا، على أساس أننا نخشى على اللطيف أن تكون منيته قد حانت ووداعه اقترب، لم تسمع أذني حتى اليوم أهدأ من صوته، ولم تر عيني مثل تحكمه في انفعالاته وحفاظه على ابتسامته في كل وجه وفي كل وقت وظرف، وفهد العبدالكريم الذي زاملته محررا وعرفته رئيسا للتحرير وأنا خارج جريدة الرياض ورغم أن المرض لم يمهله كثيرا كرئيس تحرير إلا أنه استحق مني لقب رئيس الصابرين، زرته مريضا فأحرجني بلطفه وأبهرني بصبره وقوة إيمانه.. رحمهم الله جميعا وجمعنا بهم في الفردوس الأعلى من الجنة بفضله ومنته، ولا تنسوهم ولا تنسونا من دعائكم.

نشر بجريدة الرياض يوم الأربعاء 22 جمادى الأولى 1445هـ 6 ديسمبر 2023م

المراجع بين الاستحقاق والاختلاق

منذ المقولة المضللة الخطيرة التي ثبت وبسرعة عدم صدقيتها والتي قال قائلها إن كمية المياه الجوفية في المملكة تعادل جريان نهر النيل لمدة 500 عام، وأنا أتساءل: لماذا نحن لا نطالب بمراجع ودراسات تثبت صحة ما ندعي ونقول وما يزعمه أي زاعم سواء من يدعي إنجازا طبيا أو علميا أو هندسيا أو من يدعي سبقا علميا أو طبيا أو هندسيا، أو مسؤول يفاخر بمعلومة مطمئنة وهي في الواقع مخدرة ومخادعة كتلك المعلومة التي ما إن غادر قائلها حتى اكتشفنا أننا أمام أزمة مياه تستوجب التقشف وإيقاف زرع بعض المنتجات.

الأصل في أي معلومة أن تبنى على دراسة علمية محكمة ومنشورة في مجلة علمية متخصصة معتمدة من المؤسسات العلمية العالمية، لكننا ما زلنا وللأسف نستقبل سيلا من المعلومات والنصائح الصحية والنفسية والاقتصادية والاجتماعية والأسرية وفيما يخص الطفولة وجميعها غير مسنودة بدليل ولا بدراسات علمية ولا بمراجع حتى أصبح من هب ودب يفتي في الشأن الصحي والنفسي والأسري دون سند علمي، فخرجت علينا مشهورة تتحدث عن الطلاق والخلع والعلاقات الزوجية الخاصة وهي أصلا فاشلة أسريا وغير مسنودة لا بدراسة محكمة ولا بحكمة وتجربة ناجحة!!، ومن يفتي في الأمور النفسية دون مرجعية علمية فكل مؤهلاته بكالوريس في الطب وتخصص إكلينيكي فقط في مجال العلاج بالأدوية كطبيب نفسي فقط لا علاقة له بأبحاث علم النفس ودراساته وليس لديه دراسة محكمة لما يدعي، إنما يقوله بناء على ظنه هو أو حتى ليس ما يظن ويعتقد إنما ما يبحث به عن إثارة وشهرة، وقس على هؤلاء المهندس والاقتصادي والصيدلاني والطبيب وغيرهم ممن يتحدثون دون سند مرجعي موثوق ومحكم وموثق بالنشر، واللوم ليس فقط عليهم إنما علينا حيث نصدقهم ولم نطالبهم بدليل ونعاقبهم على التضليل.

وفي الجانب الآخر نقرأ أخبارا عن ادعاء إنجازات وأولويات طبية أو هندسية أو علمية وجوائز مزعومة أو من مؤسسات تجارية ربحية من فئة (ادفع نشهد)، وهؤلاء قد يقول قائل دعهم، مالك ولهم؟! والواقع أنهم يدلسون على غيرهم ويستغلونهم طبيا أو هندسيا أو اقتصاديا بالتسويق لأنفسهم، كما أنهم بهذا السيل من الادعاءات والجوائز والإنجازات المزعومة يؤثرون على الإنجازات الوطنية الحقيقية فالبعض يخلط بين الغث والسمين.

لا بد وطنيا من سن تشريعات تحفظ للمعلومة احترامها وصدقيتها وتطالب بسند ومرجع علمي محكم لكل ما ينشر وهو يمس شأنا وطنيا أو يؤثر في الناس ويتأثرون به صحيا أو اجتماعيا أو نفسيا أو أسريا أو يدلس عليهم أو يؤثر في أي شأن من شؤون حياتهم، ومن لا يلتزم يعاقب؛ فنحن نعيش مرحلة جادة حازمة تعتمد على الحقائق والاستحقاق لا الأوهام والاختلاق.

نشر بجريدة الرياض يوم الأربعاء 15 جمادى الأولى 1445هـ 29 نوفمبر 2023م

لنردع المسوق لنفسه بالتضليل «طبيباً أو عامياً»

لا بد من وقفة جادة تغلب الصالح العام لإيقاف هذا الزخم الهائل من النشر عبر منصة إكس (تويتر) سابقا و(التيك توك) و(السناب) وأخواتهم، وهو ذلك النشر المضلل علميا وطبيا بهدف الحصول على الشهرة وبالتالي الدخول في عالم الإعلانات أو الكسب المادي عبر الدعاية للنفس طبيا وجلب المزيد من (الزبائن) لعيادة الطبيب الخاصة أو المستشفى الخاص الذي تعاقد معه، وهذا التضليل بأنواعه سواء مارسه شخص عادي أو طبيب أو مختص ضرره يقع على المجتمع والوطن عامة والأفراد المضلل بهم خاصة في صورة كوارث صحية يدفع الوطن ثمن علاجها أو ثمن خسارة ضحاياها بالموت أو الإعاقة والعجز.

أقصد هنا ما كثر تداوله من معلومات ونصائح بتناول أدوية أو أعشاب أو خلطات دون سند علمي صحيح وموثوق ومنشور علميا، فقد كثر ما ينشر تحت عنوان (فتاة تكتشف خلطة فعالة لعلاج السرطان خلال أيام) وقد تكون هي خلطة مسرطنة! و(استمع إلى مجرب اكتشف دواء يقضى على القولون العصبي)، وهو قد يقضي على القولون لكنه لن يعالج القولون العصبي كما يدعي! وثالث يقول (رجل يروي تجربته في علاج التصلب اللويحي خلال يوم) أما الرابع والخامس والسادس حتى خانة الآلاف فجميعهم اكتشفوا خلطات عشبية تخفض السكر التراكمي خلال أيام وتجعلك تستغني عن أدوية السكر والضغط تماما، وفي الحقيقة أن المريض سيستغني فعليا عن الأدوية لأنه سيغادر هذه الحياة المليئة بالخداع، وسيتصدق أهله بباقي أدويته التي امتنع عن أخذها!.

دعك من طبيب يغرد بأنه ركب صماما أو فتح شريانا لعجوز فوق الستين ويطلب من أبنائها أن يسمحوا لها بالزواج، أو طبيبة تروج لإبرة الظهر أو لعملية الولادة بتخدير نصفي أو أخرى تروج لأدوية آلام الدورة والولادة بأسماء تجارية وأشياء أخرى تفصيلية عن العلاقة الزوجية يفترض أن تذكر في العيادة وبين المريض وطبيبه، أو ذلك الذي ينشر تفاصيل معلومات المرضى ممن يدعي أنه أجرى لهم عمليات معقدة ناجحة، فكل هؤلاء يكتشفهم المتلقي وأصبحت أساليبهم لتسويق أنفسهم و للترويج لذاتهم مكشوفة بل تخطاهم وعي المريض وأصبحوا لا يؤثرون إلا في قلة قليلة ممن لم يكتشفوا الأسلوب بعد.

المشكلة الكبرى فيما يستجد من أساليب وادعاءات لخلطات وأعشاب ومواد يتأثر بها مرضى مزمنين يتعلقون بأي قشة أو أمل يروج له الباحث عن الشهرة والانتشار فتحدث لهم أضرار ومضاعفات وفشل أعضاء وربما الوفاة، وليس أدل على تعلق المريض بقشة مما حدث عندما نشرت إحدى الصحف (منذ حوالي 30 سنة) أن زيت الفرامل يشفي من البهاق فتوفي اثنان ودخل ثالث العناية المركزة.

الأمر الآن لم يعد مجرد صحيفة واحدة تخطئ بل سيل من الحسابات والمعرفات تبيع الوهم والتضليل وأرى أن تشمل هذه الحسابات عقوبات الجرائم المعلوماتية، وأن يحاسب كل من ينشر معلومة طبية أو علاجية أو ذات مساس بصحة الفرد أو المجتمع، وهي غير مسنودة بمرجع علمي محكم سواء كان متخصصا أو عاميا فالمرجع العلمي مطلب أساسي للنشر، وحتى لو لم تسجل شكوى ضرر من المعلومة فإن مجرد الشروع في التضليل يجب أن يردع.

نشر بجريدة الرياض يوم الأربعاء 8 جمادى الأولى 1445هـ 22 نوفمبر 2023م

لا تتقِ شر من أحسنت إليه

قلت ذات تغريدة أن (اتق شر من أحسنت إليه)، هذه المقولة العظيمة والنصيحة البليغة، ليس المقصود بها أن كل من أحسنت إليه سيصيبك بشر فاحذره، لا، بل مقصدها أن من يقابل إحسانك بإساءة فهو من الخسة والنذالة والحقارة بحيث يجب أن تحذر منه، ولكن غالبية الناس فيهم الخير فلا يقابلون الإحسان إلا بامتنان، احذر الخسيس النذل الحقير واتق شر خسته.

ولدي قناعة خاصة أن المقولة الشهيرة (اتق شر من أحسنت إليه) لم تبنَ على تكرار حالات نكران الجميل ومقابلة الإحسان بالإساءة، بل بنيت على تجارب فردية وحالات خاصة، لكن من هول التأثر بصدمة مقابلة الخير بشر وهول خيبة الأمل في ناكر الفضل والمسيء لمن أحسن إليه أخذت المقولة طابع التعميم وهي ليست كذلك.

الإساءة إلى الآخرين أصلا، حتى لو كانت لمن لم يحسن إليك، هي فعل منبوذ من كل إنسان سوي خلوق وسطي الطباع طبيعي السلوك الإنساني، فكيف إذا كانت الإساءة لمن هو صاحب معروف عليك يفترض أنه قد امتلك مشاعرك وأحاسيسك وأصبحت مدينا له برد الجميل، وتنتظر الفرصة لذلك وتتمنى أن تخدمه ولا تتمنى أن يحتاج لك ولا لغيرك حبا فيه.

حتى الحيوانات تمتن للمعروف، فقد شهدنا مواقف لبعير تودد لصاحبه واحتضنه وخيل فعل ذات الامتنان وكلاب عبرت بالصوت والحركة عن شكرها لمن سقاها أو أنقذها، بل حتى الحيوانات المفترسة حفظت لمن أنقذها مشاعر الامتنان بعد حين، فقد نشر مؤخرا كيف أن الأسد احتضن سيدة زارت حديقة الحيوان بعد أن أنقذته.

في ظني أن الإنسان الذي يقابل إحسانك إليه بالإساءة والشر هو إنسان غير طبيعي وهو في الأساس يشعر بالنقص والدونية مقارنة بك ويشعر أنك لم تحسن إليه إلا لأنك أفضل منه ويحسدك على ما تفضل به الله عليك وما انعم الله به عليك، حتى وإن أشركته في ذلك الفضل وقاسمته تلك النعمة، فهو لا يزال يحقد عليك ويتحين الفرصة للإساءة إليك بسبب خسته؛ وهذا عليك أن تتقي شره وتفعل المقولة فيما يخصه ومع مثل هذا (اتق شر من أحسنت إليه)، لكن يبقى حالة شاذة ونفساً مريضة، لا تمثل غيرها.

إن الأصل في غالبية البشر وحتى بعض الحيوانات هو الامتنان للمعروف ومقابلة الإحسان بإحسان، بل وفي أحيان كثيرة يقابل الإنسان المسلم المؤمن التقي الإساءة بإحسان والاعتداء بالعفو والأمثلة كثيرة، ولا يزال الناس بخير ما داموا إذا ذكروا الله وجلت قلوبهم واحتسبوا الأجر والثواب، فالإسلام نعمة عظيمة به يصلح كل أمر.

ومجمل القول: دعونا نحسن ونسأل الله الأجر والثواب ولا تتق شر كل من أحسنت إليه، فغالبية من تحسن إليهم سيقابلون الإحسان بإحسان، والله أعلم وأحكم وأرحم الراحمين.

نشر بجريدة الرياض يوم الأربعاء 1 جمادى الاولى 1445هـ 15 نوفمبر 2023م

علمتني الوظائف.. رئيسك قد يسرقك

اليوم أختتم سلسلة مقالات علمتني الوظائف والتي بدأتها منذ شهر ووعدت أن أطرح بعض ما استفدت منه وتعلمته في الحياة الوظيفية على مدى نحو 40 سنة، علها تفيد النشء كعبر وليست دروسا، فقد قلت إنني أستشهد بعبرة ولا ألقي دروسا، وهي عبر تعلمتها من عملي في عدة جهات، فلا مجال للاعتقاد أنني أقصد جهة بعينها أو شخصا بعينه، فقد عملت مع عدة أشخاص فخرجت بعدة عجائب وعبر، وهنا أطرح العبرة الرابعة والأخيرة في تلك السلسلة:

إن من أسوأ سلبيات المبالغة في التقيد بالتسلسل الوظيفي في المؤسسة أو الشركة هو أن يعمد الرئيس المباشر لفرض قيد على موظفيه بألا يكتبوا مقترحا أو يسهموا بطرح فكرة إبداعية إلا من خلاله، وبالتالي فإن الموظف المبدع لا يستطيع إيصال مقترحه أو فكرته للإدارة العليا إلا عبر رئيسه المباشر، ولو توقف الأمر عند هذا الحد لكان أخف تأثيرا وأسهل وطأة على الإبداع والطموح والفكر الخلاق.

لكن الطامة الكبرى تقع عندما يقوم الرئيس المباشر باستلام خطاب المقترح أو الفكرة الإبداعية وبدلا من أن يضع عليه خطاب تغطية ويرسله كما هو باسم صاحب الفكرة أو المقترح، يقوم بوضعه في الدرج أو تمزيقه وكتابة خطاب جديد تحت توقيعه هو وإرسال المقترح وكأنه منه هو، أي باختصار يقوم بسرقة الفكرة أو المقترح وتجييره لنفسه.

هذا السلوك الذي يحدث كثيرا من بعض المديرين يتسبب في قتل الطموح لدى الموظف المبدع وإحباط بقية الموظفين وعدم تشجيعهم على التفكير الخلاق، ناهيك عن أنه سرقة فكرية دنيئة يعلمها كثير من الموظفين فينظرون لرئيسهم المباشر باحتقار لا يستطيعون التعبير عنه، وبدلا من أن يكون قدوة حسنة لهم يصبح وقد سن سنة إدارية سيئة قد تؤثر في قلة منهم مستقبلا فيقلدونه وتؤثر في البقية فيفقدون الثقة في المؤسسة أو الشركة بأكملها.

إن ترك المجال واسعا ومفتوحا لتواصل الموظف، مهما صغر مركزه الوظيفي، مع الإدارة العليا فيما يخص المقترحات التطويرية والأفكار الإبداعية هو السبيل لاكتشاف المواهب الإبداعية وإعطاء كل صاحب حق فكري حقه وعدم إتاحة المناخ لصعود طرف سلبي على أكتاف طرف إيجابي وبالتالي تطوير سريع للمؤسسة.

ولعشاق التقيد بالتسلسل الوظيفي فإن ثمة طرق حديثة للتخاطب تضمن الالتزام بالتسلسل مع حفظ الحقوق، مثل أن يكون الخطاب بصيغة (من الموظف فلان إلى الإدارة العليا عبر رئيسه فلان).

كم من الأفكار الإبداعية بل والإنجازات الإدارية والهندسية والطبية والنجاحات في مجالات عدة سرقت من أصحابها الحقيقيين وجيرت لغيرهم بسبب عقدة التسلسل الوظيفي، والعزاء الوحيد أن الله وحده يعلم من صاحب الفضل الحقيقي ويجازيه عنه وأن الوطن استفاد من فكرة أو إنجاز بطلها الحقيقي يقبع خلف الكواليس.

نشر بجريدة الرياض بوم الأربعاء 24 ربيع الآخر 1445هـ 8 نوفمبر 2023م

علمتني الوظائف.. نائب المدير وشلته

في الأسبوعين الماضيين بدأت سلسلة مقالات وعدت أن أستمر فيها لطرح بعض ما استفدت منه وتعلمته في الحياة الوظيفية على مدى نحو 40 سنة، علها تفيد النشء كعبر وليست دروسا، فقد قلت إنني أستشهد بعبرة ولا ألقي دروسا، وهي عبر تعلمتها من عملي في عدة جهات، فلا مجال للاعتقاد أنني أقصد جهة بعينها أو شخصا بعينه، فقد عملت مع عدة أشخاص فخرجت بعدة عجائب وعبر، وهنا أطرح العبرة الثالثة:

في زماننا كان المدير يختار شخصا ضعيفا ويوكل إليه المهام ويجهزه لتولي المهة في غيابه وإجازته ثم يرشحه نائبا له، ونحمد الله سبحانه أن هذا السلوك الوظيفي شارف على الاختفاء.

ومن أعجب ما رأيت أنه ما من مدير أناب شخصا لعلمه بضعفه (فلا يخشى منه) أو لقرابته أو لمصاهرته ليأمن جانبه ويستأمنه على أسراره ويضمن ولاءه، وقدمه على غيره من الموظفين الأكفاء المستحقين المؤهلين، إلا صار نائبه وبالاً عليه ومحاربا له رغبة في منصبه، لأن الضعيف في نفسه ضعيف في قيمه وأمانته وحتى ولائه وامتنانه (عكسه القوي الأمين) لذا فمن السهل أن ينقلب ضدك، وقد رأيتها، وربي، رأي العين، فكم من مدير قدم ضعيف قدرات وضعيف نفس وضعيف شخصية وضعيف تأهيل على غيره من المؤهلين فكان وبالاً عليه أثناء عملهما معا، أما الأكثر غرابة وعجبا فهو أنهما حين يفترقان ويتولى النائب الإدارة خلفا للمدير فإنه ينقلب إلى ضده وتنشأ بينهما عداوة وعناد و(استقعاد) يعجب منه صغار الموظفين قبل كبارهم، (لعلها عقوبة إلهية لظلم المستحقين من الأقوياء الأمينين، فإن خير من استأجرت القوي الأمين).

أما (الشللية) في الحياة الوظيفية فقد رأينا منها العجب، فقد كان المدير يحيط نفسه بشلة من الأقارب والأصهار وأهل القرية ومن ينتفع منهم في تجارة أسهم أو عقار، ويجعل هذه الشلة ذات سيطرة ونفوذ وهيبة ومن المقربين، يمشون معه إذا مشى ويقفون إذا وقف ولهم حظوة في المميزات والترقيات والانتدابات.

ومن عجائب وبال سوء العمل وخبث النيات، أنه ما من مدير فعل ما ذكرت إلا سقط وفشل بفعل شلته وأخطائهم وإهمالهم فيغلقون أبوابهم عن المراجعين وينشغلون بأسهمهم وتجارتهم ومصالحهم ويركنون لعلاقتهم بالمدير، ويقصرون في علاقتهم بربهم بإهمال مصالح الناس ومصلحة الوطن فتفشل المؤسسة ويفشل المدير ويكونون أول من يتخلى عنه.

العبرة هي: أخلص في عملك بما يرضي ربك وينفع وطنك وأهله ولا تُنِبْ ضعيفا لضعفه ولا تقربْ شلة لمصالح شخصية واستأجر القوي الأمين وكن قبل ذلك أمينا.

نشر بجريدة الرياض يوم الأربعاء 10 ربيع الآخر 1445هـ 25 أكتوبر 2023م

علمتني الوظائف.. وباء الغيرة المهنية

في الأسبوع الماضي بدأت سلسلة مقالات وعدت أن أستمر فيها لطرح بعض ما استفدته وتعلمته في الحياة الوظيفية على مدى حوالي 40 سنة، علها تفيد النشء كعبر وليست دروسا، فقد قلت إنني أستشهد بعبرة ولا ألقي دروسا، ونوهت أنه قد يكون من حسن حظي أنني عملت في عدة جهات، أو من سوئه، الله أعلم، ولكن المؤكد أنه (أي عملي في عدة جهات) يبعد هواة التأويلات ويحيرهم فلا يمكنهم من توظيف ما أسرده من عبر للاعتبار فيجعلونه إيماء لشخص بعينه، فقد عملت مع عدة أشخاص فخرجت بعدة عجائب وعبر.. وهنا أطرح العبرة الثانية:

في حياتك العملية ستواجه أمرا لم تكن لتتوقعه وهو الغيرة المهنية، ويتمثل في حسد شخص أو عدة أشخاص يعملون في نفس المجال أو التخصص لزميل أو عدة زملاء نجحوا في مهنتهم وقد يصل الحسد حد المحاربة ومحاولة إعاقة النجاح أو تشويهه أو التقليل منه ما أمكن ذلك.

والغيرة المهنية لا تعرف حدودا ولا تعترف بمستويات أو درجة علمية أو مستوى ثقافي، بل حتى أنها (أحيانا) لا تخضع لمستوى الوعي بل تخضعه وتسيطر عليه، وهذه ليست نظرة تشاؤمية، بل تجربة وخبرة، فعليك أن تحسب لها ألف حساب وتتوقعها وتستعد لها وأنت تكافح من أجل النجاح.

لقد رأيتها في أساتذة جامعات وفي أطباء وصيادلة وإداريين كبار ومهندسين وعلماء وباحثين، وقد تصل حدا يضر بالصالح العام ويضحي به، ولذا فإن نصيحتي دوما ألا يجعل الإنجاز الوطني عرضة لأخطار الغيرة المهنية وذلك بأن نبعد النجاح المهني عن تأثير الزميل الإداري، ولذا اقترحت كثيرا أن يتولى الإدارة للمنشأة الصحية إداري متخصص في الإدارة لعدة أسباب أهمها التخصص ووضع المتخصص المناسب في مجال علمه وما تعلم وعدم إيكال الإدارة لطبيب أو صيدلاني فهو لم يتعلمها مطلقا (وهذا سبب رئيس) لكنه ليس الوحيد فقد يخضع الإدارة لمصلحته المهنية ويسلب إنجاز زملائه وقد يسخرها لأهواء الغيرة المهنية فيعيق إنجاز غيره، وليس أقل الأسباب هو تحاشي تأثير الغيرة المهنية على النجاح المهني بسبب النفوذ الإداري، وأحمد الله أن ما اقترحته يطبق حاليا في وطني وبنجاح تام في عهد زاهر.

كتبت ذات مقال (بل عدة مقالات) في هذه الجريدة الغراء منذ عدة سنوات أقول إن الوطن يتسع لأكثر من إنجاز طبي في وقت واحد ومؤسسة واحدة وذلك لما رأيت فيما مضى في ذلك الوقت من تأثر إنجاز جدا بمنافسة إنجاز آخر، لا لشيء إلا لغيرة مهنية، والله أعلم وأحكم.

نشر بجريدة الرياض يوم الأربعاء 3 ربيع الآخر 1445هـ 18 أكتوبر 2023م