البعرة والبعير.. قطع الغيار والوكيل

قالت العرب بفراسة: “إن البعرة تدل على البعير”، وأقول بحسرة إن قطعة الغيار تدل على الوكيل، ونقصد هنا قطع غيار السيارات وأيضاً قطع غيار الأجهزة المنزلية والكهربية، فإذا كان (البلف) بألف ريال فبكم ستكون السيارة كاملة؟! و(البلف) لمن لا يعرفه هو صمام يسمح بدخول الهواء في إطار المركبة ولا يسمح بخروجه لكنه يسمح بخروج روح مالك السيارة من مبالغة الوكيل في سعره، وكلمة (بلف) جاءت لنا من الكلمة الإنجليزية للصمام وهي (VALV) وعربناها كعادتنا بشبيه نطقها فقلنا (بلف)، وهذا الصمام المتحكم في هواء إطار السيارة موصول حديثاً بحساس يشعرك بضغط الإطار، وهذا الحساس مهم جداً في الوقاية من الحوادث حيث يشعرك بنقص هواء الإطار أو انفجاره فتتوقف، أي أنه ليس سلعة ترفيهية بل من أدوات السلامة الضرورية في المركبة، لكن وكلاء السيارات وبجشع ممقوت يرفعون سعره أكثر من خمسة أضعاف سعره الحقيقي في الأسواق!! فكيف يسمح لهم بذلك؟!، ولذا قلت وبالله التوفيق: (إذا البلف بألف فكم زادوا علينا في السيارة كاملة؟!).

لقد احتجت لذلك الحساس في سيارتي وذهبت لوكيلها فوجدت سعر الحبة الواحدة 260 ريالاً، وسألت أكثر من موزع قطع غيار فكان أقل سعر وجدته هو 200 ريال للحبة، وتوجهت لمتجر إلكتروني له فرع لدينا فوجدت أن سعر الأربع حبات (طقم أصلي مطابق للموجود لدى الوكيل) هو 85 ريالاً فقط، أي أن الحبة سعرها مع الربح المعقول والتوصيل المجاني هو نحو عشرين ريالاً فقط لا غير!!، فأي جشع هذا في هذه القطعة، وما دامت البعرة تدل على البعير فإن القطعة تدل على الوكيل، فكم زاد علينا في قطع ثقيلة لا نستطيع شراءها إلكترونياً؟! بل كم زاد علينا في سعر السيارة كلها أصلاً؟!.

هذا الاستغلال المشين الذي لم يرتدع بعد هو أحد أسباب انتشار مواقع بيع على الإنترنت تبيع قطع الغيار بعشر سعر الوكيل وتعلن عن سيارات جديدة تصلك إلى باب بيتك بأسعار تصل لنصف سعرها لدى الوكيل عندنا!! وقد يقول قائل: إذاً لماذا تمتعض من جشع الوكلاء، دع بضاعتهم واشترِ من تلك المواقع بالسعر الأرخص.

هنا نقول إن الأمر يتعلق باقتصاد وطن وبمخاطرة عند الدفع وقضايا قد تشغل أجهزة الدولة، ثم إن الوكيل منح امتياز الوكالة ليسهل على الناس وأجهزة الدولة، فإذا بالغ في الطمع حد اضطرارنا لتجنب الشراء منه والتوجه للخارج فقد حق سحب الوكالة منه فلم يعد وكيلاً بل وبيلاً.

نشر بجريدة الرياض يومالأربعاء 29 شوال 1445هـ 8 مايو 2024م

الحلاق للأصلع وإدارة الوقت لأعداء الوقت

واضح أن لدينا خصومة تصل حد العداء مع الوقت، فبعضنا (خاصة الشباب الذكور) على مستوى قيادة السيارة أكثر الناس استعجالاً واهتماماً بالوقت وفي الواقع هم أنفسهم (أقصد البعض ذاته من الشباب الذكور) أكثر الناس فراغاً وإضاعة للوقت، تجده (طاير) لا يسمح لك بالعبور ولا يسمح لك بالانعطاف لا يساراً ولا يميناً، حتى لو استعطفته بإشارة وحتى لو أخرجت يدك تشير إلى أنك تستعطفه أن تنعطف فلن يعطف عليك، وبعد بضعة أمتار تجده واقف (يسولف) بل لو لاحظ منك امتعاضاً فقد يقف في وسط الطريق معانداً.

ليس هذا فقط، بل غالبية المسرعين المستعجلين هم في الواقع متجهون لممارسة لعب (البلوت) في منزل صديق أو للسهر في استراحة، بينما المشهد في الشارع حيث السرعة والتجاوز من اليمين ولصق الصدام بالصدام والتكبيس بالنور العالي توحي بأن ثمة حالة إسعافية أو حالة طوارئ لا تقبل التأجيل، وهذا التناقض بين الاستعجال والوقوف أو تضييع الوقت في (البلوت) والاستراحة هو من صور العداء مع الوقت.

أما العداء الأشد للوقت والذي يشير إلى أننا أو بعضنا أو كثيراً منا نفتقد لفن إدارة الوقت، فهو ما نشهده كل عام من التزاحم في متاجر المواد الغذائية فور الإعلان عن رؤية هلال رمضان، وكأن شهر رمضان لا يأتي بعد نهاية شعبان أو كأن الهلال إذا لم تره العين فلن نراه أبداً!، المحال تكتظ ليلة إعلان دخول شهر رمضان الكريم والشوارع تزدحم ويتوقف السير وترتفع أصوات المنبهات وترى الناس تتدافع في سوق المواد الغذائية والعربات تمتلئ وتتصادم مع أننا نعلم منذ رمضان الماضي أن رمضان القادم سيأتي بعد 11 شهراً وليس 11 دقيقة.

أما العيد، فعيد وبأي حال عدت يا عيد؟! بالحال نفسه والفوضى نفسها بمجرد إعلان أن غداً هو العيد، بل حتى لو منحنا فرصة 24 ساعة وأعلن أن العيد ليس غداً ستحدث الفوضى ذاتها لشراء أغراض العيد وتجهيز متطلباته.

قلت ذات منشور في منصة X، مازلت أسميها (تويتر) و(تغريدة)، قلت فيها: ‏(أستطيع أن أتفهم أن تزدحم مغاسل السيارات ليلة العيد (يخافون تمطر أو تغبر قبل العيد) لكن ما يشتري شماغه إلا ليلة العيد! أو ما يحلق شعره إلا فجر العيد! لماذا؟! ومتى سنتعلم إدارة الوقت؟!

‏الطريف أن كل الحلاقين زحمة ونصف الشبان صلعان، وكصيدلي أجزم أن سبب الصلع (الشامبوات) الغالية المملوءة بالكيماويات والتي لها دعاية كاذبة وترويج (التجربة تقول الشامبو الأفضل هو أبو أربعة ريالات الأصلي الأقل مركبات ودعاية) واسأل الأصلع وش كان يستخدم؟) انتهى.

وقد وافقني كثر (بل جميع المعلقين) على أمر تأجيل شراء الشماغ والغترة والعقال وتفصيل الثوب وأنها ظاهرة سلبية غريبة، ورأى البعض أن الحلاقة لا بد أن تكون ليلة العيد وإن كنت أنصح بأن حلاقة الوجه يفترض أن تتم في المنزل خصوصاً مع توفر أمواس حلاقة سهلة ومتعددة الشفرات أنصح بشرائها من الديرة (وسط البلد) لأن الصيدليات ومراكز التسوق الشهيرة تفتري في رفع أسعارها خمسة أضعاف.

وعلى طاري النصيحة، وعودة للسائق الشاب المستعجل الذي لا يسمح لك بالعبور أو الانعطاف فقد جربت أن ألوح له بالشكر سلفاً، ووجدت أنهم متعاونون ويسمحون، وهذا يؤكد أنه غير مستعجل لكنه يراها عناداً وتحدياً، وهنا لا بد من توعية مكثفة.

نشر بجريدة الرياض يوم الأربعاء 22 شوال 1445هـ 1 مايو 2024م

فساد الورد والزهور والمدير المغرور

لا أحد يكره الورد والزهور ورائحتها الزكية طالما هي في شجرتها وبيئتها الطبيعية، أما وقد أصبحت حزم الورود و(بوكليه) الزهور صورة من صور التبذير وإهدار المال العام فلا شك أننا سنكرهها وستكون رائحتها أقرب إلى رائحة كريهة في أنف كل غيور على مقدرات الوطن ومال المواطن.

شخصيا لي مع باقات الورد والزهور مواقف سلبية ناجمة عن كوني أرى فيها قناة هدر ماليا كبيرا عايشت صورا منه في أكثر من موقع عمل وأكثر من مؤسسة زرتها، فمن صور الهدر المالي للمؤسسات حرص مدير مكتب المدير أو سكرتاريته على وضع حوض زهور طبيعية كبير في مكتب المدير ويستبدل يوميا والمستفيد هو متعهد تأمين الزهور، وخذها مني أنه كلما قلت إنتاجية المدير وصغر تأثيره كبر حوض زهوره تعبيرا عن غروره فالمدير الجاد الشغوف لا يركز على الشكليات.

أما صور الهدر المالي والصحي للأفراد بسبب باقات الورد والزهور فكثيرة جدا، وكنت أتألم كثيرا وأنا أرى زوار المستشفيات يتزاحمون أمام دكان بيع الزهور لشراء حزمة ورد بمبلغ كبير جدا مقارنة بكونها سلعة رخيصة المصدر ورخيصة المعنى وقصيرة العمر، فقد كنا كصيادلة في جولاتنا على أجنحة المرضى لصرف الأدوية بنظام الجرعة الواحدة، نتألم ونحن نرى أكوام الزهور التالفة تملأ حاويات النفايات وبقايا زهور يابسة تحيط بسرير المريض أو المرأة الوالدة وطفلها (تنافس رهيب على أحجام وأشكال باقة الورد للمرأة الوالدة مع تقليعة الاستقبال محدد التاريخ، لا تنم عن حجم حب بقدر ما هو تحجيم وعي)، وهي بالمناسبة قد تضر بالمريض البالغ والطفل وتسبب حساسية وربما ربو مزمن سببه منسي أو مجهول أو متجاهل، ومن المعروف علميا أن أمراض الحساسية تبدأ بعامل إشعال بسيط هو بمثابة مفتاح التشغيل للجهاز المناعي قد تعقبه عواقب وخيمة، ومثل بقايا تلك الزهور المستوردة (ليست من بيئتنا) عندما تجف قد تستحث الجهاز المناعي وتشغله فلا يتوقف.

ثم إننا كصيادلة نتألم أن وطننا الغالي يطبق معايير عالية للخدمة الصحية ومنها صرف الدواء بنظام الجرعة الواحدة والذي يوفر كثيرا من الهدر في الأدوية ويرفع درجة الأمان في صرفها وجرعاتها، ثم نرى أن المواطن أو المقيم يهدر المال في سلعة بائدة ومخلفاتها ضارة وغير مأمونة، وهي عادة سيئة دخيلة علينا وقد نضطر للصرف على علاج أضرارها، فقد كنا، ولا زال كثير منا، نعود المريض بالدعاء والرقية الشرعية وما يشتهيه من طعام يسمح به أخصائي التغذية.

ولأن التقليد الأعمى إذا بدأ لا يتوقف فإن من صور الهدر المالي في الندوات والمؤتمرات الطبية الاهتمام بعقد توفير الزهور، وأحيانا يطغى على زهرة المعلومة ورحيقها، وهذا وربي أمر يحتاج إلى وقفة ومراجعة، فالتنافس على عقد توفير الزهور يحتدم ويشتد وقد يصل على قول المثل (طق عصي) كله من أجل الفوز بعقد تأمين زهور الندوة أو المؤتمر أكثر من تأمين الحضور والاستفادة!! فليتنا نراجع هذه العقود ونلغي تلك الزهور ونحصدها أصلا، فقد تخلى العالم الجاد عن هذه العادة، وكنت حضرت وحاضرت في العديد من المؤتمرات العالمية حول الدواء والسموم ولم يكن للزهور تواجد إطلاقا بينما بقي رحيق المعلومة هو السائد.

نشر بجريدة الرياض يوم الأربعاء 15 شوال 1445هـ 24 إبريل 2024م

من يعلق الجرس من نسائنا؟!

أحاور بعض النسوة وهن في حيرة من أمرهن، محتارات وقلقات أي أنواع الحلوى يحملن معهن عند الذهاب لزيارة أقرباء وأصدقاء سواء لسلام العيد أو غيره؟! هذه الحيرة يحسبها البعض سهلة وهي ليست كذلك، فقد أصبحت من أشد أعراض معقدة لمرض اجتماعي أو متلازمة أمراض اجتماعية خطيرة ترتبط جميعها بحمى التنافس القائم على التقليد الأعمى الذي تفعله الغالبية دون قناعة من أي منهم، فمثل هذا الشرط أو المتطلب الدخيل علينا أصبح سببا للتقاعس عن التواصل، ليس بسبب تكلفته عند البعض ولكن بسبب صعوبة تحقيقه بما يرضي طموح المتنافسين على الماركات والشكليات والأحجام والنوعيات، وفي الغالب أن طبق الحلويات أو الكعكة المميزة هما ميدان التنافس في ما تحمله الزائرة معها كهدية لمن تزور، وهما بالمناسبة الطعام الذي يؤول لسلة النفايات فلا يستفاد منه، لأن التوجه العام حاليا هو تجنب أكل الحلويات إما لاتباع حمية تخفيف وزن أو حمية تحكم في السكري، وهذه وربي من المفارقات العجيبة وهي أن تهدي ما تعلم أنه لا يستفاد منه! ألم أقل لكم إنها متلازمة مرضية معقدة الأعراض.

قلت لإحداهن وهي تعبر عن حيرتها في أي حلوى تختار: أتقصدين الطعم؟ قالت لا، فهو لن يؤكل! قلت ضاحكا: (إذا هو الوزن فخذي من حلويات سوق الديرة حيث الخيشة فيها عشرة كيلو بمئة ريال)، ضحكت وقالت: يا لك من قروي أتريدني أن أصبح ترند مسخرة في مجالس النساء! لا بد أن يكون ماركة مشهورة وغالية وتقديم متميز، والمشكلة أن الماركة الأشهر سبق أن أحضروها هم لنا ولا بد أن أغير، هنا عرفت أن المتلازمة المرضية معقدة جدا فاقترحت عليها (لماذا لا تذهبين لهم بدون أي شيء وتعلقين الجرس؟!) قالت: شكلك ما تعرف الحريم!!

ولأنني أثق في صلاح ووعي مجتمعي نساء ورجالا وأنهم وإن اندفعوا للتقليد برهة من الزمن فإنه يسهل إعادتهم للتقاليد الحميدة الأصيلة عندنا، لذا أقترح هنا أن نتوقف عن التأثر بتقليعات دخيلة علينا من متمصلحين وأن نعود لتبادل الزيارات دون كلفة أو تكاليف تحرج غير القادرات منا (وهذا يحتاج لمن تعلق الجرس وتبدأ) وإذا كان لا بد من حمل شيء فلتكن هديتنا مما يستهلك ويستفاد منه في منزل من نزور، فمثلا كيس قهوة أو علبة هيل أو زعفران أو كمية من العود الطيب أو علبة شاي فاخر أو سلة فاكهة منوعة أو تشكيلة من أجود التمور، وبهذا التنوع نوسع على أنفسنا مجال الاختيار ونمنح فرصة للأقل اقتدارا أن يختار ما يقدر عليه، والأهم أن نهدي ما يفيد ونقطع الطريق على من روّج للحلوى والكيك والزهور كأسلوب إهداء دخيل يخدم تجارته وغشه وتدليسه فالتنويع عدو الاحتكار.

وأذكركم بما طرحته في هذه الصحيفة الغراء منذ ثلاث سنوات وتحديدا في 21 مارس 2021 م بعنوان (كيكة وزهور وعاجز مقهور) وقلت فيه: منذ متى ونحن كسعوديين لا ندخل على قريب نزوره إلا ونحن نحمل “كيكة” أو طبق حلوى باهظ الثمن؟ ومنذ متى ونحن كسعوديين لا نعود مريضاً إلا ونحن نحمل باقة زهور؟ وقبل أن أقول متى تحديداً، دعني أقول أولا إنها أساليب ثبت ضررها وقلة نفعها وخلقت تنافساً محرجاً لغير القادر على ثمنها، وتسببت في قلة التواصل بين الأقارب -قبل كورونا والتباعد- ففلانة من المؤكد أنها ستحضر كيكة ضخمة أو حلوى ماركة، وعلانة ترغب بالحضور لكنها لا تقدر على ثمن مثل تلك الكيكة أو الحلوى، وإن جلبت أقل منها -من حلوى الديرة أو وسط البلد مثلاً- فستكون مادة للسخرية و”كوميديا السنابات”، وما يقال عن كيكة الزيارة يصدق على باقة الزهور للمريض، فبعضها ويشهد الله أنني كنت أمر في ممرات المستشفى وأحسبها نخلة تحتاج إلى صعودها بحبل الكر وشمراخ لقاح!! أما الضرر الصحي فعظيم جداً، فالكيكة ويسمونها بالمناسبة “كعكة” مليئة بالسكريات والأصباغ والدهون والمواد الملونة الضارة المصنفة عالميا كمسرطنات، والزهور قد تسبب الحساسية للمريض أو جاره في الغرفة والعنبر وإذا نشفت فخطورتها أكبر.

نشر بجريدة الرياض يوم الثلاثاء 7 شوال 1445هـ 16 إبريل 2024م

الإخلاء عدم تخلي.. الله لا يخلينا من وطنا

الكاتب أو الناقد الصحافي الذي يرى القصور وينتقده ولا يرى الإنجاز ويشيد به هو في ظني كاتب صحافي أعور أو غير مهني ولا عادل، قد يقول قائل إن الأصل هو القيام بالعمل الصحيح وأن الإنسان ينتقد على الخطأ لأنه ما يلفت الانتباه أما الصواب فأمر طبيعي قد لا يلفت الانتباه، لكنني أقول إن إصلاح الخلل أو العدول عن إجراء خاطئ هو الأجدر بالذكر ولفت انتباه القارئ إليه فالأمر يختلف عن مجرد الإشادة بموظف أدى عمله إلى الإشادة بعمل كان قاصرا فتم إيصاله لقرب درجة الكمال.

من ضمن حزمة من قرارات الحزم والعزم وتسهيل الإجراءات التي كانت معقدة وبيروقراطية، قرار تسهيل أمر الإخلاء الطبي بواسطة طائرات الإخلاء وجعل أمره متروكا للحاجة الطبية والقرار الطبي دون انتظار الحصول على أمر إداري أو إذن كما كان سابقا، فكل ما يحتاجه المواطن هو تقرير طبي يشتمل على عنصرين مهمين هما: الحاجة إلى نقل المريض أو المصاب عاجلا بالطائرة وإمكانية سلامة نقله بالطائرة أي أن حالته تسمح بنقله دون خطورة عليه.

هذا التحول في أمر إجراءات الإخلاء الطبي أتاح الفرصة لإنقاذ العديد من أرواح المواطنين، فقد تم نقل العديد من المرضى ليس فقط من الداخل بين مستشفيات داخل المملكة، ولكن تم وبسرعة نقل مواطنين مرضى أو مصابين من عدة دول في العالم وبسرعة فائقة وكفاءة عالية، فقد تم النقل من تايلند والمغرب ومصر وأمريكا والأردن والكويت وكثير من دول العالم.

الإخلاء الطبي السريع بالطائرة ليس بالأمر السهل فهو جهد مشترك وتنسيق كبير بين عدة أطراف وعدة تخصصات، ليست صحية فقط بل الصحية جزء أساس منها، لكنها تشمل أطراف أخرى تقنية وهندسية وجدولة طيران وفنيو أجهزة طبية خاصة وغيرها من التخصصات، وما نجده في وطننا الغالي من تسخير هذه الخدمة لتكون إجراء ميسرا، وشبه روتيني، دلالة واضحة على أن هذا الوطن لا يتخلى عن مواطنيه مهما كان الثمن والتكلفة ويسخر لهم الخدمات الإنسانية بسخاء غير مسبوق دوليا (لم يقدمه وطن غيره لمواطنيه) وهي دلالة تضاف إلى ما شهدناه من مواقف فريدة قدمتها السعودية لمواطنيها والمقيمين فيها بل وحتى المخالفين في الإقامة إبان أزمة (كورونا) في وقت تخلت دول تدعي أنها عظمى ومتقدمة عن مواطنيها.

لذا قلت إن تسهيل الإخلاء الطبي هو عدم تخلي الوطن عن مواطنيه وأكرر دعاء أمهاتنا وجداتنا لمن يغلونه ويغليهم فيقولون (الله لا يخلينا منك)، الله لا يخلينا من وطن لم يتخل عنا، ويحفظ لنا قيادة اتخذتنا أخلاء فاتخذنا كل منهم خليلا.

نشر في جريدة الرياض يوم الأربعاء 17 رمضان 1445هـ 27 مارس 2024م

عاقبوهم لكي لا نخسر صحياً واقتصادياً ونفسياً

العبث بأفكار ومشاعر الناس قديم جدا وبدأ منذ تعلم الإنسان القراءة والكتابة، وتطورت أساليبه وأشكاله مستغلة تطور وسائل الوصول للناس والذين يحق لنا تسميتهم بالضحايا، لأنهم في الغالب يقعون ضحايا ذلك الإيهام غير المستند لحقائق وإنما يهدف لربح مادي هو في الواقع خسارة للقيم والأخلاق والمبادئ، وبالتأكيد خسارة في الآخرة لأنه في الغالب تدليس وخداع.

ضحايا ذلك العبث بالفكر والصحة والمشاعر والاستقرار الاجتماعي هم في الغالب المراهقون والمرضى والزوجات والأزواج والشباب في سن الزواج، وبدأ عندنا، أو قل عرفته وتعرفت عليه منذ خمسة عقود تقل قليلا، وكان يمارسه بعض المؤلفين بكتيبات تداعب المشاعر وتراهن على نقص الوعي وتستغل الحاجة للمعلومة دون الجدية في التثبت من المصدر، ومن أمثلة تلك المؤلفات وأشهرها ما يحمل عنوان (حياتنا الجنسية) ويستغل الشغف للمعرفة في هذا الجانب الغامض، بل الماء العكر الذي يسهل الصيد فيه، وقد كان لحكمة وحرص القائمين على هذا البلد الأمين أن تم منع دخول مثل تلك المجلات أو الكتيبات، وكانت الجهات الرقابية تحارب هذا الاستغلال والوهم وتمنعه، لكنها مثل كل الممنوعات كانت تجد من يستغل منعها فيبيعها على الأرصفة وفي الزوايا المستترة، فكنا نشاهدها على أرصفة الحراج في بطحاء الرياض وربما وجدها أهل جدة والدمام ورفحاء وجازان في أماكن مشابهة.

اليوم الوضع تغير كثيرا فمواقع التواصل الاجتماعي تصعب رقابتها والتحكم فيما يرد فيها، لكن المحاسبة اللاحقة على من يستغلها للإساءة والضرر سهلة وممكنة وفق أنظمة واضحة، فالحبل ليس على الغارب لمن هب ودب كما يعتقد البعض، لكننا في أمس الحاجة لتعريف المعلومة المضللة والمحاسبة عليها، لذا فقد اقترحت كثيرا ومرارا وتكرارا أن نحتكم في أمر المعلومة المضللة أو التدليس أو الإفتاء بغير علم إلى طلب المرجع العلمي المحكم الذي يستند عليه من يورد المعلومة، وأن أي معلومة ترد غير مدعومة بالدليل العلمي المنشور في بحث علمي محكم ومنشور في مجلات علمية متخصصة، يحاسب من أوردها ويعاقب بالغرامة أولا ثم إيقاف الحساب، وهذا ينطبق على المعلومات الصحية والطبية والدوائية والنفسية والاجتماعية والعلاج بالأعشاب والخلطات والإفتاء في مجالات تربية الأطفال والزواج والطلاق والعلاقات الأسرية وكل معلومة تؤثر على العامة وتغريهم أو تنفرهم أو تدلس عليهم.

لقد ضاقت سحابة الإنترنت بالمفتين دون علم ولا دليل وبالباحثين عن الشهرة والمتابعين ولفت الانتباه والمدلسين والعابثين بمشاعر الناس وحاجتهم للشفاء واستعدادهم للتعلق بأي قشة أو معلومة وكثر المتربصون بهم في زوايا (إكس) و(واتساب) و(تيك توك) و(سناب شات) من كافة أنواع الحسابات المفترسة: ذئاب وضباع وثعابين وتماسيح، فلابد من حماية الضحايا مع رفع وعيهم تدريجيا وإلا خسرنا كثيرا صحيا واقتصاديا واجتماعيا ونفسيا.

نشر بجريدة الرياض يوم الأربعاء 10 رمضان 1445هـ 20 مارس 2024م

بناتنا حذرات.. ولكن لا يسرقن الإنجازات

نقلة نوعية نشهدها في هذا الوطن الغالي في كافة المجالات التي كنا نحلم بها فأصبحت حقيقة، ومنها مجال توظيف المرأة وفتح أبواب الرزق لها واعتمادها على نفسها، فقد توسعت مجالات التوظيف فتم فرض السعودة بقوة غير مسبوقة وحزم، فأصبحت المجالات أوسع وأشمل.

هنا أود أن أسجل بعض النصائح أو قل بعض الملاحظات المبنية على تجارب شخصية أو خبرة عملية عمرها حوالي أربعين سنة، ولكنها غير مبنية على دراسات إحصائية أو أرقام وأبحاث، وأتمنى لو كان أساتذة جامعاتنا أكثر جدية وحماسا واهتماما بالدراسات الاجتماعية فيتم تأكيد هذه الملاحظات أو نفيها أو حتى دعمها بالأرقام.

الذي لاحظته كمستهلك أو عميل للشركات على موظفي الرد على العملاء أن العنصر النسائي أكثر حذرا في إعطاء المعلومة وأكثر تجنبا لتصريح بوعود أو التزامات، وأعني (مثلا) أنني مررت كعميل بحالات تقول فيها موظفة الرد إن هذا العطل غير مشمول بالضمان بينما يتضح لاحقا أن ضمان الجهاز يشمل ذلك العطل، ولاحظت أيضا أن الموظفة تفتيك بأن رسم زيارة فني الصيانة لا يخصم من تكلفة الإصلاح بينما يرد الموظف الرجل (من قال لك ذلك؟! رسم الزيارة يخصم من فاتورة الإصلاح اذا تم إصلاح الجهاز لدينا وهو حق من حقوقك).

تلك كانت أمثلة لتوضيح وجهة نظري حول حذر الموظفة المرأة مقارنة بالرجل، واعتقد أن مرد ذلك الحذر ليس التهرب من المسؤولية، ولكن حداثة التجربة وقلة التدريب وكون المكالمات مسجلة فتخشى أن تورد معلومة خاطئة تحاسب عليها أو يتمسك بها العميل وهي غير متأكدة من صحتها، وعلى الشركات والمتاجر أن تتقي الله في العميل وتطلع الموظفة الجديدة على حقوق العميل وتطلب منها أن توضح له حقوقه دون وجل ولا خوف.

حتى في مجال المراجعات في دوائر خدمية سواء حكومية أو خاصة تجد الموظفة المرأة أكثر حرصا حد التعقيد أو عدم المرونة مقارنة بالرجل، وهذا يبدو أمرا طبيعيا مقارنة بحداثة التجربة وطبيعة حرص ودقة المرأة، لكنني كمراجع سأبحث بالتأكيد عن الأكثر مرونة ومن أستطيع مناقشته بجرأة أكثر وحرية أوسع في المجادلة والإلحاح فأختار الرجل.

أما من تجاربي العملية في المؤسسات الصحية والمستشفيات فقد خرجت بمعلومة شبه مؤكدة أن الموظفة المرأة تحب أن يكون مديرها رجلا وليس امرأة؛ بل لا ترتاح اذا كانت رئيستها امرأة وتحاول جاهدة الانتقال لقسم يرأسه الرجل، وهذا الشعور قد يفسر بحساسية المرأة نحو المرأة أو عامل التنافس أو الغيرة وخلاف ذلك من المشاعر وليس بناء على موقف سلبي، فالمؤكد أن الاستعاذة جاءت من قهر الرجال فهم من إذا اتخذوا موقفا شخصيا فإنهم أكثر جورا وقهرا، لكنني اتوق دوما للبحث الاجتماعي الدقيق والدراسات الجادة لتفسير أي سلوك أو ظاهرة وتأكيدها أو نفيها.

الذي أستطيع أن أؤكده أيضا من واقع ذات الخبرة العملية أن النساء لا يسرقن الإنجازات، فالمديرة لا تسرق إنجازات موظفيها وتنسبها لنفسها بل تشجع المرؤس (رجلا أو امرأة) وتطالب له بالتكريم، بينما الرجال يشيع لديهم سرقة الإنجازات فلا يتاح للموظف المبدع إيصال إنجازه للجهة الأعلى فيحتكر المدير كل نجاح ويجيره لنفسه بمخاطبات رسمية متسلحا بالتسلسل الوظيفي في المخاطبات والذي أرجو أنه سيندثر، لكن المؤكد عندي أن بناتنا لا يسرقن الانجازات بينما المدير الرجل قد يسرق من الإنجازات جملاً، أي جمل؟! يسرق جبلاً.

مع الفلبينية.. وثقنا وما توثقنا

لا اعتراض على قيام سفارة العاملة المنزلية بضمان حقوقها وتوثيق العقود والعمل على ما من شأنه حصولها على كامل ما ينص عليه العقد بينها وبين من استقدمها، فالسعي لضمان حقوق مواطن أي بلد أمر جميل من سفارة بلده، ونحن كتاب الرأي ندعو دوما إلى ضمان الحقوق ونشجعه، ولكن للكفيل سواء المواطن أو المقيم حقوق في العقد الموثق يجب حصوله عليها كاملة ومحاسبة العاملة إذا خالفت العقد الموثق وإلا ما فائدة التوثيق بالنسبة للطرف الثاني (صاحب العمل) أو الكفيل؟!.

الفلبين من الدول التي نستقدم منها بشكل كبير، وهي من الدول التي تحرص على ضمان حقوق عمالتها في الخارج، وأحيانا تبالغ في بعض الشروط والمتطلبات وتكثر من إيقاف إرسال العاملات لبعض دول الخليج كردة فعل لأي حادثة فردية تتعرض لها عاملة، وهذا شأنهم – وإن بالغوا فيه – ولكن يجب أن نشعرهم أيضا أن فتح دول الخليج أبوابها لعمالتهم أمر مهم لهم وخدمة كبيرة لاقتصادهم ومعيشتهم، ويستحق أن تكون لنا شروطنا وحقوقنا التي يضمنها العقد المبرم سواء مع عاملة منزلية أو سائق أو ممرضة أو طبيب أو مهندس أو فني أو ممارس صحي، فإذا بالغوا في شروطهم فيما يخص العمالة المنزلية لأنهم يرون نهمنا في طلبهم وحرصنا على الاستقدام منهم، فعلينا أن نبالغ نحن أيضا في شروطنا لاستقدام نفس العمالة المنزلية والفئات الأخرى من العاملين.

السفارة الفلبينية، وعبر مكتبها للقوى العاملة الفلبينية في الخارج المسمى اختصارا (بولو) تشترط على الكفيل السعودي لعودة العاملة المنزلية عند سفرها بتأشيرة خروج وعودة توثيق العقد بشروط جديدة واجازات أسبوعية ومواعيد عمل وبدلات.. الخ، مع دفع مبلغ 143 ريالا للتوثيق وإحضار العاملة للمكتب والانتظار ساعات طويلة (وقت الذروة) لتوثيق العقد، بل ويطلبون صور مستندات تخص الكفيل مثل صورة الهوية (مع أنه أمر منهي عنه) والعنوان الوطني وصورة تأشيرة الخروج والعودة.. الخ.

الغريب أنك تفعل هذا كله كصاحب عمل ثم حينما تغادر العاملة بتأشيرة خروج وعودة وتذكرة ذهاب وإياب لا تعود فتخسر قيمة تذكرة العودة ورسم التوثيق وجهدك في التوثيق وصور مستنداتك الشخصية وخسرت التزام عاملة بالعقد وتحتاج لاستقدام بديلة ولم تستفد إطلاقا من ذلك التوثيق! فأنت وثقت العقد لكنك لم تتوثق من أي حق من حقوقك كصاحب عمل، هذا خلاف الأمور الأخرى التي قد تبنى على الثقة مثل إعطائها راتب مقدم أو أخذها لأشياء من المنزل أو سرقتها لمقتنيات على أساس أنها بيتت النية بعدم العودة.

السؤال هنا هو: أين استفادة صاحب العمل من التوثيق في مكتب يتبع للسفارة، ولماذا لا تضمن السفارة حقه في استعادة ما خسره في هذا التوثيق من نفس العاملة وأهمها ثمن تذكرة العودة وثمن رسم تأشيرة الخروج والعودة، ورسم إصدار العقد الموثق وإعادة المسروقات إن سرقت ومعاقبة العاملة التي خالفت وعدها الموثق بمنعها من الحصول على عقد عمل آخر سواء في هذا البلد أو غيره كونها استغلت سفارتها في ارتكاب مخالفتها للعقد وحنثها بوعدها وأي جريمة أو سرقة، وبدون تحقيق ذلك من السفارة فإن التوثيق مجرد مبالغة في استغلالنا وكأننا الطرف الأضعف أو أننا في حاجتهم وليسوا في حاجتنا، وهذا غير صحيح فعقود العمل منافع متبادلة يحق لكل طرف استخدامها كوسيلة ضغط.

التأمين غير الأمين

لا أدري لماذا لا يريد البعض أن يواكب التطور المطرد الذي نعيشه في جميع المجالات فيحاول جاهدا تضييق الواسع والالتفاف على الأنظمة الواضحة بما يضر بمن ضمن لهم النظام الاستفادة والحصول على حقوقهم كاملة، وهو يعلم أن شر الناس من ظلم الناس للناس، وهو يظلم مستفيدا لصالح شركة ويظلم موظفا لصالح مؤسسة أو يظلم مستحقا لما يعتقد أنه لصالح دائرة حكومية أو خاصة.

التأمين أحد الأمثلة الصارخة التي تشهد تعقيدات لا تليق بما نشهده من تسهيلات، وهي تعقيدات يقوم بها مديرون أو موظفون جبلوا على تضييق الواسع ويحاولون إرضاء الشركة على حساب المستفيد أو العميل، وينسى الواحد منهم أنه موظف لهذه الشركة وهو في ذات الوقت عميل أو مستهلك في شركة أخرى ولا يقبل أن يهضم له حق فيها.

لا أقول إن التأمين لدينا يعاني من ضبابية؛ فالأمور واضحة جدا، لكن التسويف والتضييق يحدثان والرقيب غافل أو (وسيع صدر)، فكل أشكال التأمين تعاني أحيانا من سلوك التأمين غير الأمين أو المستغل المعطل المسوف، علما أن صناعة التأمين تجارة جد رابحة فهي تقوم على تقاضي رسوم أو اشتراكات سنوية عالية جدا في الأحوال الطبيعية ليس لها حد، وإذا حدث الحدث الطارئ -وهو الأندر- ستدفع تكاليف لها حد أعلى، أي أنها رابحة بلا حدود في الرخاء وهو الغالب، وتصرف جزءا يسيرا في الشدة وهي الاستثناء.

والسلوك التأميني غير الأمين والمستغل والمسوف برز في التأمين الصحي في صورة تضييق الواسع في أمر التغطية واستبعاد بعض الأمراض أو الحالات من الغطاء التأميني، ثم في شكل اشتراط موافقة شركة التأمين على قبول حالات إسعافية، مما تسبب في تعرض المستفيد للأذى إما جسديا أو نفسيا وتأخير علاج يفترض الإسراع فيه، وهذه سلوكيات حدثت ولعلها حلت أو في طريقها للزوال.

وفي مجال التأمين على حوادث السيارات كتبت سابقا عن الأمر الغريب في عدم تعويض الطرف المتضرر عن كامل ما تم تقديره لإصلاح سيارته، وقصر التعويض على المبلغ المقدر مخصوما منه ضريبة القيمة المضافة!، وكتبت قبله عن الأمر الأغرب وهو عدم اطلاع العميل على حقه في خصم عدم ارتكاب حوادث أو خصم الولاء المعلن عنه، وتعقيد الخصم لمشترك لديه أكثر من مركبة باشتراط غريب وهو أن يؤمن عليها جميعا في نفس البوليصة رغم اختلاف التواريخ، وفي كلٍ لم نجد تجاوبا ولا إجابة من أي طرف ذي علاقة بالتأمين.

إن صاحب المركبة المتضررة من حادث لا مسؤولية عليه في حدوثه هو طرف ثالث وخصمه دفع ثمن التأمين كاملا بضريبته المضافة وهو أيضا دفع رسم التأمين على مركبته كاملا بقيمته المضافة، فلماذا يحرم من كامل المبلغ المقدر للإصلاح؟! بل يفترض أن يعوض عن المركبة البديلة التي سيستخدمها أثناء فترة الإصلاح ويعوض عن المبلغ الذي سينقص من قيمة سيارته بعد الصدمة وعن أي مبالغ سيدفعها غالبا لتعديل الهيكل (الشاصي) أو وزن الأذرع، وهي أضرار لا يتم تقديرها ولا اكتشافها إلا لاحقا.

نشر بجريدة الرياض يوم  الأربعاء 26 رجب 1445هـ 7 فبراير 2024م

لنعامل محلات الخياطة كالحلاقة والفنادق

أحد محلات الخياطة الرجالية بدأ منذ سنوات قليلة بسعر 70 ريالا، ثم أصبح يزيد سعره سنويا حتى وصل إلى أكثر من خمسة أضعاف، هذا لسعر الخياطة فقط (شغل اليد) دون سعر القماش ولا زال مستمرا في رفع السعر مع اقتراب كل عيد فطر، والخياطة عمل يدوي لم يحدث في التكلفة ما يستدعي رفع سعره بهذا القدر، ناهيك عن أنه لم يشجع السعودة أو يلتزم بها كما ينبغي، وبناء على أسعاره المرتفعة جدا فإن بقية محلات الخياطة ترفع أسعارها وبالتالي فإن المستهلك يتضرر حتى لو أراد أن يصنع ثيابه عند محلات أرخص وأقرب لدخله المحدود، فإن التكلفة عليه ارتفعت منطلقة من ارتفاع المحل الشهير وإن كان بدرجة أقل، إلا أن تكلفة اللباس الوطني زادت عن قدرته، بل حتى الثياب الجاهزة تضاعفت أسعارها بسبب ذلك الرفع الجشع من محل أو أكثر يظنون أنهم من خياطي النخبة.

الثوب الوطني السعودي لباس وطني نفخر به وهو مطلوب بفخر في جميع مواقع العمل والمراجعات الحكومية والمناسبات الاجتماعية والوطنية، وبالتالي فإنه ليس خيارا ترفيهيا، بل أحد الاحتياجات الأساسية التي إذا طالها الجشع والاستغلال وجب حمايتها، خاصة إذا أخذنا في الاعتبار أن هذا الزي الوطني مطلب في المدارس والجامعات والدوائر الحكومية وكثير من القطاع الخاص، ولذا فإن علينا دائما أن نفكر في ذي الدخل المحدود والطالب واليتيم والموظف ميسور الحال.

لذا فكرت في هذا الأمر كثيرا، خصوصا أنني من مؤسسي جمعية حماية المستهلك ضمن 35 شخصا من الكتاب والإعلاميين والمهتمين بالمستهلك، وذلك حرصا على تيسير الأمور على ذوي الدخل المحدود، وقد خرجت بأن علينا أن نضع حدا لهذا الاستغلال بنفس الطريقة التي أوقفنا بها استغلال صالونات الحلاقة، فمثلما تم تحديد تكلفة الحلاقة ووضع لوحات بذلك مفروض على كل صالون حلاقة وضعها في مكان بارز والالتزام بها، فلماذا لا يتم تحديد تكلفة خياطة الثوب بدون قماش ووضع التكلفة في مكان بارز وفرض الالتزام بها تماما كما في الحلاقة وكليهما عمل يدوي؟!.

قد يقول قائل إن محلات الخياطة تتفاوت في الجودة والمميزات والإضافات وسرعة الإنجاز، وأنك إذا أردت ثوبا رخيصا فابحث عنه لدى الأرخص، وهنا أذكر أن الأرخص رفع سعره اقتداء بالأغلى فأصبح صاحب الدخل المحدود عاجزا عن تحمل التكلفة المرتفعة حتى للجاهز، ثم حسنا لنفترض ضرورة تمييز الأجود في المنتج والإضافات والمميزات وسرعة الإنجاز، كل ما علينا هو تصنيف محلات الخياطة حسب تقييم دقيق وعناصر محددة تماما مثل ما نفعل مع الفنادق ونضع أساس لسعر معقول لا جشع فيه يعتمد على التصنيف الدقيق، ثم نترك الخيار للمستهلك.

المهم أن يكون الثوب السعودي المفخرة في متناول الجميع وبتكلفة لا ترهق ذوي الدخل العادي والمحدود ولا تسمح بالاستغلال المبني على جشع يستغل سلعة وطنية أساسية نفخر بها وبوطن ألبسنا إياها وألبسنا معها ثوب السعادة واليسر والرفاه بفضل الله.

نشر بجريدة الرياض يوم الأربعاء 19 رجب 1445هـ 31 يناير 2024م